عرض مشاركة واحدة
  #43  
قديم 6 صفر 1439هـ/26-10-2017م, 11:43 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

طرق التفسير عند مفسّري التابعين
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (طرق التفسير عند مفسّري التابعين
اتّبع التابعون منهج الصحابة رضي الله عنهم في تفسيرهم للقرآن، ففسّروا القرآن بالقرآن، وفسّروا القرآن بالسنة، وفسّروه بأقوال الصحابة وما بلغهم عنهم من وقائع التنزيل، وفسّروه بلغة العرب، واجتهدوا رأيهم فيما لم يبلغهم فيه نص، وفي فهمهم للنص.

1. فأما تفسيرهم القرآن بالقرآن فله أمثلة:
منها: ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير قول الله تعالى: {كما بدأكم تعودون} قال: عادوا إلى علمه فيهم، ألم تسمع إلى قول الله فيهم: {كما بدأكم تعودون}؟ ألم تسمع قوله: {فريقًا هدى وفريقًا حق عليهم الضلالة}).
وروي هذا القول بهذا الاستدلال عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي.
ومنها ما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن داوود بن أبي هند عن أبي العالية في تفسير قول الله تعالى: {إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً لن تقبل توبتهم..}
قال: إنما أنزلت في اليهود والنصارى، ألا ترى لقول: {كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا} بذنوب أذنبوها، وكانت زيادة في كفرهم، ثم ذهبوا يتوبون من تلك الذنوب، فقال الله جل وعز: {لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون}
قال: لو كانوا على هدى قبل توبتهم، ولكنهم على ضلالة).
ومنها: ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {وله الدين واصبا} قال: دائماً، ألا ترى أنه يقول: {عذاب واصب} أي دائم).
فالأول مثال على التفسير المتصل، والثاني على التفسير المنفصل.
2. وأما تفسيرهم القرآن بالسنة؛ فمن أمثلته ما رواه مسلم في صحيحه من طريق همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «من نسي صلاة فليصلّها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» قال قتادة: (و{أقم الصلاة لذكري}).
وصحّ هذا التفسير عن سعيد بن المسيب أيضاً.
3. وأما تفسيرهم القرآن بأقوال الصحابة، فله أمثلة كثيرة ؛ منها: ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص أن ابن مسعود: قال: {إلا ما ظهر منها}: الثياب، ثم قال أبو إسحاق: ألا ترى أنه يقول: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}).
ففسّر الآية بقول الصحابي ثم استدلّ له من القرآن، وهذا مما يدلّ على أخذهم تفسير الصحابة بتفهّم لا بتقليد محض.
ونظير ذلك ما رواه ابن جرير في تفسيره عن ابن جريج، عن مجاهد في تفسير قول الله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) }
قال مجاهد: سمعت ابن عباس قال: (هو مثل المفرّط في طاعة الله حتى يموت).
قال ابن جريج، وقال مجاهد: (أيود أحدكم أن تكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنة؟ فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئا، وأولاده صغار، ولا يغنون عنه شيئا، وكذلك المفرط بعد الموت، كل شيء عليه حسرة).
فأخذ أصل المعنى من ابن عباس، وزاده شرحاً وتفصيلاً.
وكان منهم من يعتني بجمع أقوال الصحابة في مسائل التفسير كما روى عبد الرزاق من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {ويمنعون الماعون} قال: كان عليّ يقول: «هي الزكاة» وقال ابن عباس: «هي العارية».
ويدخل في هذا النوع تفسيرهم القرآن بما عرفوه من وقائع التنزيل وأحواله؛ كما روى ابن جرير عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى أنه جاءه رجل من الخوارج يقرأ عليه هذه الآية: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون}
قال له: أليس الذين كفروا بربهم يعدلون؟
قال: بلى!
قال [جعفر]: وانصرف عنه الرجل، فقال له رجل من القوم: يا ابن أبزى، إنَّ هذا قد أراد تفسير هذه غير هذا! إنه رجل من الخوارج!
فقال: ردوه علي.
فلما جاءه؛ قال: هل تدري فيمن نزلت هذه الآية؟
قال: لا!
قال: إنها نزلت في أهل الكتاب، اذهب، ولا تضعها على غير حدّها).
فهذا الخارجي أراد أن يستدلّ بهذا التفسير على تكفير بعض المسلمين بما يزعم أنه من العدل بالله؛ ففسّر له عبد الرحمن ابن أبزى - وكان مفتي أهل مكة في زمانه - الآيةَ بما عرفه من نزولها.
ومنه أيضاً ما رواه ابن جرير من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب الزهري قال: حدثني سعيد بن المسيب: أن الله قال: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}.
قال سعيد بن المسيب: (إنما نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالاً غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيباً في الوصية، وردَّ الميراثَ إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله للمدَّعَين ميراثا ممن ادَّعاهم وتبناهم، ولكن الله جعل لهم نصيبا في الوصية).
4. وأما تفسيرهم القرآن بلغة العرب؛ فله أمثلة:
منها: ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق هشيم بن بشير، عن مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النخعي في قول الله تعالى: {إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا} قال: قالوا فيه غير الحق، ألم تر إلى المريض إذا هذي قال غير الحق).

ومنها: ما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {الزبانية} قال: «الزبانية في كلام العرب الشرط».
ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة عن شريك، عن بيانٍ، عن عامرٍ [الشعبي] {فإذا هم بالسّاهرة} قال:
« بالأرض، ثمّ أنشد أبياتًا لأميّة: وفيها لحم ساهرةٍ وبحرٍ».
ومنها: ما رواه ابن أبي شيبة أيضاً عن شريكٌ، عن فراتٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال:
« القانع السّائل، ثمّ أنشد أبياتًا للشمّاخ: لَمَال المرء يصلحه فيغني ... مفاقرَهُ أعفّ من القنوع».
ومنها:
ما رواه أبو عبيد في فضائل القرآن من طريق أشعث بن أبي الشعثاء عن زيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، في قوله: {ختامه مسك} قال: (ليس بخاتم يختم، ولكن ختامه خلطه، ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول للطيب خلطه مسك، خلطه كذا وكذا).
5. وأما اجتهادهم في التفسير؛ فكانوا يجتهدون في فهم النص، وفيما لم يبلغهم فيه نص، وكانوا أقرب إلى الصواب لقربهم من مشكاة النبوة وأخذهم عن الصحابة رضي الله عنهم، وتتلمذهم عليهم، وإحسان اتّباعهم إيّاهم.
ويقع منهم اتّفاق كثير في التفسير، ويقع بينهم اختلاف أكثره من قبيل اختلاف التنوّع.
وقد يقع منهم خطأ في الاجتهاد فيردّ، كما روى ابن جرير من طريق أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين عن عَبيدة السلماني في الرجل يدركه رمضان ثم يسافر؛ قال: (إذا شهدت أوله فصم آخره، ألا تراه يقول: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}؟).
فقول عبيدة هذا اجتهاد اجتهده في فهم النصّ، فخرج بهذا القول الذي قال به وهو أن من شهد أوّل الشهر وهو مقيم فلا يحلّ له أن يفطر إذا سافر في ذلك الشهر، وهذا قول مهجور، وصريح عمل النبي صلى الله عليه وسلم لما سافر في فتح مكة على خلافه، وكذلك أقوال الصحابة رضي الله عنهم في هذه المسألة على خلافه.
وهجران القول من دلائل ضعفه، وخطأ المجتهد في اجتهاده). [طرق التفسير:100 - 105]

رد مع اقتباس