عرض مشاركة واحدة
  #46  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:19 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الباب السادس: تفسير القرآن بلغة العرب

مقدمة في التفسير اللغوي:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (مقدمة في التفسير اللغوي
من طرق التفسير الصحيحة التفسيرُ بلغة العرب؛ ذلك بأن القرآن نزل بلسان عربيّ مبين، على أحسن ما تعرفه العرب من فنون الخطاب ودلائله.
قال الله تعالى: { وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)}.
فوصفه بأنه بلسان عربيّ مبين؛ وذلك لحُسن إفادته المعاني بمفردات وأساليب عربية فصيحة تدلّ على المراد دلالة بيّنة.
وهو مبينٌ في ألفاظه ومعانيه وهداياته:

- فألفاظه وتراكيبه في غاية الحسن والفصاحة؛ ليس فيها تنافر ولا تعقيد، ولا ضعف ولا تعسف.
- ومعانيه سامية جليلة؛ مستقيمة بيّنة؛ ليس فيها محال ولا غموض، ولا تناقض ولا اختلاف.
- وهداياته مُرشِدَة للحقّ، مُيَسَّرة للعمل، متّسقة متآلفة غير متعارضة ولا متخالفة.
وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)}.
والخطاب في هذه الآية للعرب الذين أنزل القرآن بلسانهم ليعوه ويعقلوه؛ وفي هذا دلالة بيّنة على أنه خطاب يعرفون مفرداته وأساليبه؛ ودلائله ومراميه، وفحواه وإيماءه، ليس فيه ما يخالف ما تعرفه العرب من سَنن كلامها.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}.
فوصفه بالاستقامة التي لا تشوبها شائبة عوج ولا اختلاف؛ ولا خلل ولا ضعف؛ بل هو مستقيم في ألفاظه ومعانيه وهداياته؛ في الذروة العليا من الفصاحة وحسن البيان، محكم غاية الإحكام، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم.
قال ابن جرير: (يقول: جعلناه قرآنا عربيّا إذْ كانوا عرباً، ليفهموا ما فيه من المواعظ، حتى يتقوا ما حذرهم الله فيه من بأسه وسطوته، فينيبوا إلى عبادته وإفراد الألوهة له، ويتبرؤوا من الأنداد والآلهة)ا.هـ.
وقال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}
فهو كتاب فصّله الله تعالى بعلمه فجعله تبياناً وتفصيلاً لكل شيء بلسان عربي مبين، والتفصيل والتبيين من دلائل الإفهام بما يُعرف به المعنى ويدرك به المقصد.
قال ابن جرير رحمه الله: (يقول: فصلت آيات هذا الكتاب قرآنا عربيا لقوم يعلمون اللسان العربي)ا.هـ.
فكلّ من يعرف اللسان العربي معرفة حسنة يشهد لهذا القرآن بأنه في غاية الحسن التي لا يطيقها البشر، وأنه لا مطعن فيه بوجه من الوجوه.
وكانت العرب قد بلغت في العناية بلُغَتها وبلاغتها مبلغاً لم يُسمعْ بمثله في أمةٍ من الأمم، حتى تنافسوا في الفصاحة، وتفاخروا بالقصائد المحْكَمَةِ، والخُطَب البليغة، والأمثال السائرة، وحسن البيان عن المراد بأفصح العبارات وأبلغها، وتنافسوا في الاحتجاج عند المخاصمة والمفاخرة بأقوى حُجَّة وألطَفِ منزع، حتى توصّلوا ببراعتهم في البيان إلى أمور لا تبلغها كثير من الحِيَل.
كما قال طرفة بن العبد البكري:
رأيت القوافي يتّلجن موالجاً ... تَضَيَّقُ عنها أن تولّجها الإِبَرْ

وكان من فصحائهم وبلغائهم محكَّمون يحكمون بين المتخاصمين والمتفاخرين في الفصاحة والشعر وحسن البيان؛ فمن حُكم له عَدّ ذلك مفخرةً له، ومن حُكم عليه عُدَّ ذلك الحكمُ مذمّة له ومنقصة يُنتقص بها.
وتنافسوا في الفصاحة والبيان تنافساً مشهوراً مأثوراً، ولهم في ذلك قصص وأخبار، وخطب وأشعار، وكانوا إذا جمعهم مجمع، أو وفدت قبيلة على قبيلة نمّقوا من خطبهم وأشعارهم ما يعرضون به فصاحتهم وحسن بيانهم ليتوصّلوا بذلك إلى إثبات رفعة شأنهم، وعلوّ قدرهم، وتخليد مآثرهم.
واتّخذوا من حسن البيان سبيلاً لبلوغ المآرب، ونيل المكاسب، واكتساب المراتب، ومؤانسة الجلاس، والدخول على الملوك والكبراء، وقضاء كثير من شؤونهم؛ حتى قال قائلهم: (إنما المرء بأصغريه: لسانه وقلبه).
والقلب هو الذي يُمدّ اللسان بحسن الفكرة، وطرق الإبانة عن المقصد.
وقال زهير بن أبي سلمى:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
فشاعت فيهم الأشعار والأراجيز، والخطب والوصايا، والقصص والأمثال، فرووا منها شيئاً كثيراً لا يُحدّ، وكان كثيرٌ منهم أهل حفظ وضبط، ربما سمع أحدهم القصيدة الطويلة تُنشَد؛ فحفظها من أوّل مرة، وهذا كثير شائع فيهم.
فكانوا يعتنون بجيّد الشعر عناية بالغة، ويحفظونه حفظ الحريص عليه، وينشدونه في مجامعهم ومواردهم ومجالسهم وأسمارهم.
وكان من الشعراء من يفتخر بكثرة إنشادِ شعرِهِ وتَمَثُّلِ النَّاسِ به، كما قال المسيّب بن عَلَس الضُّبَعي، وهو خال الأعشى الشاعر:
فلأهدينّ مع الرياح قصيدةً ... منّي مغلغلةً إلى القعقاعِ
ترد المياهَ فما تزال غريبةً ... في الناس بين تمثُّل وسَمَاعِ

يفتخر بحسن شعره، وامتيازه على غيره من الأشعار كما تمتاز الغريبة من الإبل عن غيرها؛ فتستشرفها الأنظار؛ وبأنه يُنشد القصيدة في ممدوحه وبينهما مفاوز؛ فيحفظها الناسُ من حسنها وغرابتها ويتمثلون بها، فيتسامع بها المستسقون في موارد مياههم، ويتناشدونها حتى تصل إلى ممدوحه من غير كتابةٍ ولا رسول.
وقال مُزَرِّد بن ضرار الغطفاني في التحذير من هجائه:
زعيم لمن قاذَفْته بأوابدٍ ... يغنّي بها الساري وتُحدى الرَّواحل
مشهّرة تُلفى كثيراً رواتها ... ضواحٍ لها في كلّ حيّ أزامل
تُكَرُّ فما تزداد إلا استنارة ... إذا رازت الشعرَ الشفاهُ العوامل
فمَنْ أرمِهِ منها ببيتٍ يلُحْ به ... كشامةِ وجه ليس للشامِ غاسِلُ

وقال الحصين بن حمام المري:
وقافية غير إنسيّةٍ ... قرضت من الشعر أمثالها
شروداً تَلَمَّعُ في الخافقين ... إذا أُنشدت قيل: من قالها؟!!

وكان الشعر ديوان العرب، إذ لم تكن لهم كتب، وفكانوا يحفظون وقائعهم ومآثرهم وأخبارهم بأشعارهم، وكانوا يفاضلون بين القصائد والشعراء، ويعرفون مراتبهم، ويوازنون بين أساليب الشعراء وطرائقهم حتى كان منهم من يميّز بين أشعار الشعراء كما نميّز بين الأصوات؛ وكما يعرف القافةُ الأشباه، فلا يشتبه عليه شعرُ شاعرٍ بغيره؛ فيعرفون المنحولَ والمدرجَ والمسترفَد والمهتدَم، وأشعار القبائل والموالي، حتى إنّ منهم من يميّز شعرَ الرجل من شعر أبيه، وإن كان يحتذي بمثاله، وينسج على منواله.
وقد بقيت هذه المعرفة بعدهم إلى زمن، ومن لطائف ما يذكر في ذلك ما رواه أبو علي الحرمازي قَالَ: مرَّ جرير بذي الرُّمَّة، فقَالَ: يا غَيْلان، أنشدني ما قلت فِي المرئي؛ فأنشده:
نبت عيناك عَنْ طللٍ بحزوى ... عفته الريح وامتنح القطارا
فقَالَ: ألا أُعينك! قَالَ: بلى، بأبي وأمي، فقَالَ:
يَعُدُّ الناسبون إِلَى تميم ... بيوتَ المجد أربعةً كبارا
يعُدّون الرّبابَ وآلَ سعدٍ ... وعمراً ثم حنظلةَ الخيارا
ويهلك وسطها المرئيّ لغواً ... كما ألغيت فِي الدية الحوارا

قَالَ: فمرَّ ذو الرمة بالفرزدق، فقَالَ: أنشدني ما قلتَ فِي المرئي؛ فأنشده القصيدة، فلما انتهى إِلَى هذه الأبيات؛ قَالَ الفرزدق: حَسْ! أعدْ عَلَيَّ، فأعاد، فقَالَ: (تالله لقد عَلَكَهُنّ أشدَّ لحيين منك).
وفي رواية أنه قال: (هذا شعر ابن المراغة) يعني جرير بن عطية.
وقال محمد بن سلام الجمحي في "طبقات فحول الشعراء": (وليس يُشكِل على أهل العلم زيادة الرواة ولا ما وضعوا، ولا ما وضع المولَّدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من وَلَدِ الشُّعَراء أو الرجل ليس من ولدهم؛ فيُشكل ذلك بعض الإشكال).
ثمّ قال: (أخبرني أبو عبيدة أنّ ابن داوود بن متمم بن نويرة قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدويّ من الجَلَبِ والميرة؛ فنزل النَّحيت؛ فأتيتُه أنا وابن نوحٍ العطاردي؛ فسألناه عن شعر أبيه متمّم، وقمنا له بحاجته وكفيناه ضيعته؛ فلمّا نفد شعر أبيه؛ جعل يزيد في الأشعار ويصنعها لنا، وإذا كلامٌ دونَ كلامِ متمّم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمِّم، والوقائعَ التي شهدها؛ فلمّا توالى ذلك علمنا أنه يفتعله)ا.هـ.
والمقصود من ذكر عناية العرب بلسانهم وبيانهم، وحفظهم لأشعارهم ومآثرهم وآثارهم، وتمييزهم بين الصحيح والمنحول، والفاضل والمفضول، بيان ما وصلوا إليه من الرتبة العالية في فهم الخطاب العربي وتمييز رُتَبِه، ومعرفة فنونه وأساليبه، وتنوّع دلائله.
فلمّا نزل القرآن بلسان عربيّ مبين؛ على أحسن مما يعرفون من الفصاحة والبيان، بهرهم حُسْنُه، وأدهشهم بيانه، فاستولى على المرتبة العليا من البيان بلا منازع يدانيه، ولا منافس يساميه، من قول خطيب، ولا شعر شاعر، وتيقّنوا أنه لا طاقة لأحد أن يأتي بمثله، ولا بقريب منه، وأنّ المتعرّض لمعارضته إنما يعرّض نفسه للهزء بها، فصانوا أنفسهم عن قصد معارضته.
وقد علموا أنّه لو كان من قول البشر لما أعيا فصحاءهم أن يأتوا بمثله أو بقريب منه، وَلَتجاسروا على ادّعاء معارضته كما يعارض الشعراء والخطباء بعضهم بعضاً، وكانت كلّ قبيلة تأنف أن يتحدّاها شاعر أو خطيب فلا يتصدّى له من شعرائها وخطبائها مَن يجيبه.
فلمّا تحدّاهم الله تعالى لم يقدروا على معارضة كلامه ولا الإتيان بمثله.
وقد أنزل الله تعالى تحدّيهم في غير ما آية؛ فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)}
- وقال تعالى: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)}
- وقال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)}.
- وقال تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34)}.
فلمّا أعجزهم ذلك، وكبر على المشركين المعاندين أن يقرّوا بأنّه كلام الله تعالى؛ عدلوا عن المعارَضة إلى اختلاق الأقوال المنفرة عن القرآن وعن اتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: هو سحر، وقالوا: كهانة، وقالوا: شعر، وقالوا: تقوَّله محمّد (صلى الله عليه وسلم)، وقالوا: {أساطير الأولين اكتتبها}، وقالوا: {إنما يعلّمه بشر}.
واختلاف أقاويلهم وتعارضها من دلائل تساقطها وبطلانها، وأنهم إنما فروا من الإقرار بأنّه كلام الله تعالى، خوفاً من أن يلزمهم ذلك تركَ ما هم عليه من الشرك، واتباعَ الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإذْ لم يقرّوا أنه كلام الله تعالى فهو عندهم من كلام البشر وإن اختلفوا في نوعه، وهذا الفرار من الإقرار بأنّه كلام الله تعالى يُدخلهم في دائرة التحدّي الذي لا يطيقونه؛ فبقوا مختلفين متحيّرين مبهوتين.
وقد اجتمعت قريش لينتدبوا رجلاً من أعلمهم بالشعر والسحر والكهانة يجادل النبي صلى الله عليه وسلم ليثنيه عن دعوته فوقع اختيارهم على عتبة بن ربيعة؛ فذَكر له ما ذَكر، وعَرَضَ عليه ما عَرَض من جمع المال له حتى يكون أغناهم والتزويج والتتويج بالملك في القصة المشهورة ليثنيَه عن دعوته؛ فلمّا قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن بُهت وتحيّر ورجع إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به، كما في مصنف ابن أبي شيبة ومسند أبي يعلى ومستدرك الحاكم من حديث الأجلح بن عبد الله الكندي، عن الذَّيَّال بن حرملة الأسدي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (اجتمعت قريش يوماً؛ فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي فرَّق جماعتنا وشتَّت أمرَنا وعابَ ديننا؛ فليكلّمه، ولينظرْ ماذا يردّ عليه، فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد؛ فأتاه عتبة...) الحديث.
وفي مرسَل محمد بن كعب القرظي أن ذلك حين أسلم حمزة بن عبد المطلب، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون.
فقالوا: يا أبا الوليد، فقُمْ فكلّمه؛ فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا ابن أخي إنك منَّا حيث قد علمت من السِّطَةِ في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت من مضى من آبائهم، فاستمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها؛ لعلك أن تقبل منها بعضها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قل يا أبا الوليد أسمع)).
فقال: "يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تريد شرفا، شرَّفناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك.
وإن كنت تريد مُلْكا مَلَّكْناك.
وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك؛ طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه؛ فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه، ولعلَّ هذا الذي يأتي به شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري يا بني عبد المطلب تقدرون منه على ما لا يقدر عليه أحد).
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفرغت، يا أبا الوليد؟))
قال: نعم.
قال: (( فاستمع مني )).
قال: أفعل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بسم الله الرحمن الرحيم . حم . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا} فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها عليه.
فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى بيده خلف ظهره معتمداً عليها يستمع منه؛ حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة؛ فسجد فيها.
ثم قال: (( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت؛ فأنت وذاك )).
فقام عتبة إلى أصحابه.
فقال بعضهم لبعض يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به؛ فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
فقال: ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت لمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة.
يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، واعتزلوه؛ فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ؛ فإنْ تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب، فمُلْكُه مُلْكُكُم، وعزُّه عزكُّم، كنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
فقال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم). رواه ابن إسحاق في السيرة قال: حدثنا يزيد بن زياد عن محمد بن كعب فذكره؛ وهذا مرسل حسن رجاله ثقات، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، ويشهد له ما تقدّم من حديث جابر، وفيه – عند البيهقي في دلائل النبوة – أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ حتى بلغ {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم أن يكف عنه).
وروى الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة من طريق معمر، عن أيوب السختياني، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رقَّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: يا عم! إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا.
قال: لم؟
قال: ليعطوكه فإنك أتيت محمدا لتَعَرَّض لما قِبَله.
قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالا.
قال: فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له.
قال: وماذا أقول؟!! فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيدته مني، ولا بأشعار الجن.
والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يُعلى، وأنه ليحطم ما تحته.
قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه، فلما فكر، قال: «هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت {ذرني ومن خلقت وحيدا}).
وهذا حديث إسناد متصل ورجاله ثقات إلا أنّه أُعِلَّ برواية حماد بن زيد له عن أيوب عن عكرمة مرسلاً، وحمّاد أثبت من معمر في أيوب.
وكذلك رواه معمر عن عباد بن منصور عن عكرمة مرسلاً كما في تفسير عبد الرزاق.
قال البيهقي: (في حديث حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: «جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: اقرأ علي، فقرأ عليه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)}.
قال: أعد، فأعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق وما يقول هذا بشر»).
وهذه الحادثة مشهورة في كتب السير ، وقد صححها الحاكم وحسّنها الألباني.
والمقصود أنّ العرب قد اعترفوا للقرآن بأعلى رتب الفصاحة والبيان، وعجز المشركون عن معارضته والإتيان بمثله؛ مع حرصهم على ردّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بكلّ سبيل أمكنهم.
وفيما تقدّم من الأدلة ما يكفي على أنّ العرب تعرف من خطاب القرآن ما يكفي لبيان الهدى، وإفهام المعنى، وقيام الحجة.
وأن هذا القرآن قد تضمّن من حسن البيان، وتفنن الخطاب ، وتنوع الأساليب، وضرب الأمثال التي تعرف العرب معانيها وتدرك مقاصدها ما يكفي ويشفي من يبتغي الهدى.
فكان يكفيهم بما يعرفون من العربية أن يُتلى عليهم القرآن تلاوة بيّنة؛ فتقوم عليهم الحجّة بذلك؛ كما قال الله تعالى: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته}.
وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82}
وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أمره به ربّه جلّ وعلا؛ فبلّغ البلاغ المبين؛ فآمن به مَنْ آمن عن معرفةٍ بالحقّ الذي أنزله الله عليه، ولم يُعْرِضْ منهم مَن أعرض بسبب التباس في بيانه أو نقص في حجّته، بل لله الحجة البالغة والبيان التام، وإنما أعرضوا لكفرهم وعنادهم واستكبارهم من بعد ما تبيّن لهم الهدى.
ومن دلائله إفادة القرآن للهدى وبيان الحقّ بما تعرفه العرب من سَنن كلامها أن القرآن يسمعه العالم والجاهل، والحاضر والبادي؛ فيفهمون من دلائل الخطاب ما يُعرف أثره عليهم من المعرفة والدراية، والخشية والبكاء، كما قال الله تعالى: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرّسول ترى أعينهم تفيض من الدّمع ممّا عرفوا من الحقّ يقولون ربّنا آمنّا فاكتبنا مع الشّاهدين}
ففاضت أعينهم من الدمع مما عرفوه من الحقّ الذي تلي عليهم إذْ كانت تلاوته تلاوة بيّنة كافية في تعريفهم الحق.
بل ربّما تُلي القرآن على الكافر فتفكّر فيه ثم أسلم لما تبيّن له من الحقّ كما أسلم بسبب ذلك فئام لا يُحْصَون.
ومن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث جبير بن مطعمٍ رضي الله عنه أنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم في فداء المشركين يوم بدرٍ، وما أسلمت يومئذٍ ؛ فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلّم يصلّي المغرب؛ فقرأ بالطّور؛ فلمّا بلغ هذه الآية: {أم خلقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون . أم خلقوا السّموات والأرض بل لا يوقنون . أم عندهم خزائن ربّك أم هم المسيطرون}
قال: كاد قلبي أن يطير، وذلك أوّل ما وقر الإيمان في قلبي).
فهذه التلاوة البيّنة التي سمعها جبير بن مطعم وهو كافر كفته لمعرفة الحقّ وأثرّت فيه تأثيراً بالغاً حتى كاد قلبُه أن يطير من قوة هذه المعرفة التي لم يحتج معها إلى تفسير غير تلاوة تلك الآيات تلاوة بيّنة فكانت سبب إسلامه.
وقال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم فيما أنزل إليه: {فاقصص القصص لعلهم يتفكرون}، والتفكّر دليل إلى استخراج المعاني وفقه المقاصد، وسبيل ذلك عند المخاطبين إنما هو معرفتهم باللسان العربي ودلائل خطابه.
والقَصص بفتح القاف ليست جمع قِصَّة، وإنما هي مَصْدر قائم مقام المفعول، أي: اتل عليهم هذا البيان المفصَّل الذي لم يدع شيئاً مشتبهاً ولا ملتبساً، بل فرق بين أهل الحقّ وأهل الباطل بتفصيله الحسن البيّن في أعمال الفريقين وأحوالهما وجزائهما.
كما قال تعالى: {والله يقصُّ الحقّ وهو خير الفاصلين}، وقال تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصّلناه على علم}.
قال أبو منصور الأزهري: (قولُه: {أَحْسَنَ الْقَصَصِ} : أَي: أحسنَ الْبَيَان، والقاصُّ الَّذِي يَأْتِي بالقِصَّة مِن فصها يُقَال: قصصتُ الشَّيْء إِذا تَتَبعتُ أثَرَه شَيْئا بعد شَيْء).
ثم ذكر من الشواهد على ذلك قوله تعالى: {وقالت لأخته قصّيه} ، وقوله: {فارتدا على آثارهما قصصا}.
فقَصّ الأثر تتبّعه حتى تعرف غايته وتتبيّن، وكذلك قَصُّ الحديثِ هو تتبّعه بتفصيل بيّن حتى تتضح غايته.
وبيان الحقّ لهم بياناً مفصَّلاً متتَبّعاً شاملاً لا يشذّ عنه شيء في جمل يسيرة بيّنة أدعى لتوافرهم على التفكّر فيه وتدبّره.
وقد قال الله تعالى: { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)}.
فما تقتضيه هذه الآية ونظائرها من الأمر بالتدبر والتفكر وتوجيه الخطاب بذلك إلى قوم كفار لم يؤمنوا؛ دليل بيّن على أنّه أمر ممكن لهم بما يعرفون من العربية، لا يحتاجون فيه إلى علماء ليفقّهوهم في معانيه، ولا ليوضّحوا لهم ما هو واضح لديهم من دلائل الخطاب، ولا سيّما الأصول البيّنة المحكمة من الإيمان بالله والكفر بالطاغوت واتّباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتصديق بالبعث والحساب والجزاء، وغير ذلك من الأصول البيّنة في كتاب الله تعالى.
والمقصود من كلّ ما تقدّم إقامة الدلائل على أن خطاب القرآن كان بلسان عربيّ مبين تعرف العربُ أساليبه ودلائله.
قال أبو منصور الأزهري: (نزلَ القرآنُ الكريمُ والمخاطَبون بِهِ قومٌ عَرَبٌ، أولو بَيانٍ فاضلٍ، وفهمٍ بارع، أنزلهُ جَلّ ذِكْره بلسانهم، وَصِيغَة كَلَامهم الَّذِي نشؤوا عَلَيْهِ، وجُبِلوا على النُّطْق بِهِ، فتدَرّبوا بِهِ يعْرفُونَ وُجُوه خطابه، ويفهمون فنون نظامه، وَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تعلُّم مُشْكِلِه وغريب أَلْفَاظه حاجةَ المولَّدين الناشئين فِيمَن لَا يعلم لسانَ الْعَرَب حَتَّى يُعَلَّمَه، وَلا يَفهم ضُروبه وَأَمْثَالَه، وطُرَقه وأساليبَه حتّى يُفَهَّمَها)ا.هـ). [طرق التفسير:111 - 126]

رد مع اقتباس