عرض مشاركة واحدة
  #50  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:54 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,107
افتراضي

النوع الأول: بيان معاني المفردات والأساليب القرآنية
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: ( النوع الأول: بيان معاني المفردات والأساليب القرآنية:
وهو أشهر تلك الأنواع وأنفعها، وأشدّها صلة بالتفسير، إذ يكون به الكشف عن معنى اللفظ، ومعرفة مقاصد الأساليب، وأكثر عناية السلف اللغوية كانت بهذا النوع.
ومن مسائل هذا النوع ما يتّفق عليه العلماء، ومنها ما يختلفون فيه، وللاختلاف أسبابه وآثاره؛ فمن ذلك أن تكون اللفظة من المشترك اللفظي فيفسّرها بعضهم بمعنى من معانيها، ويفسّرها آخرون بمعنى آخر، ثمّ يختلف المفسّرون بعد ذلك؛ فمنهم من يختار أحد الأقوال لقرينة مرجّحة، ومنهم من يذهب إلى الجمع بين تلك المعاني.

والجمع – إذا أمكن- أولى من الترجيح ما لم يكن لاختيار أحد المعاني قرينة ظاهرة، أو مناسبة بيّنة.
ومن أمثلة ذلك اختلافهم في معنى "عسعس" على قولين:
القول الأول: أدبر، وقد روي عن عليّ بن أبي طالب، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ومجاهد، وقال به قتادة وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن.
والقول الثاني: أقبل، وهو الرواية الأخرى عن ابن عباس ومجاهد، وروي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير.
وقد حكى جماعة من علماء اللغة القولين، واستشهد أبو عبيدة للقول الأول بقول عَلْقَمَة التميمي:

حتى إذا الصبح لها تنفّسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا
وللقول الثاني بقول عِلْقَة بن قرط التيميّ:
قوارباً من غير دجنٍ نسّسا ... مدّرعات الليل لمّا عسعسا
وحكى القولين جماعة من المفسّرين، واختار بعضهم المعنى الأول كما فعل البخاري وابن جرير.
قال ابن جرير: (وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: إذا أدبر، وذلك لقوله: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} فدلّ بذلك على أن القسم بالليل مدبرًا، وبالنهار مقبلا)ا.هـ.
واختار بعضهم المعنى الثاني كما فعل ابن كثير إذ قال: (وعندي أن المراد بقوله: {عسعس} إذا أقبل، وإن كان يصحّ استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى})ا.هـ.
ومن العلماء من اختار الجمع بين القولين كما فعل الزجاج إذ قال: (يقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره)ا.هـ.
وأما البخاري فله منهج دقيق في الاختيار والترجيح يعتمد غالباً على جانب الرواية؛ فإذا ثبت القول لديه عن ابن عباس أو مجاهد أو غيرهما صرّح باسمه، وإذا لم يثبت عنده من جهة الرواية لكنّه أرجح من غيره رواية ومعنىً ذكره من غير نسبة كما فعل هنا، ولقرينة أخرى وهي أنّ الفراء قد حكى اجتماع المفسّرين على هذا القول، وزيّف شاهداً احتجّ به بعض أصحاب القول الثاني، وحكاية الإجماع وإن لم تصح إلا أنّها تفيد تغليب هذا القول من جانب الرواية، فلهذين السببين – والله تعالى أعلم – اختار البخاري هذا القول.
قال الفراء: (وقوله عز وجل: {واللّيل إذا عسعس...}؛ اجتمع المفسرون على أن معنى {عسعس}: أدبر.
وكان بعض أصحابنا يزعم أن {عسعس}: دنا من أوله وأظلم، وكان أبو البلاد النحوي ينشد فيه:
عسعس حتى لو يشاء ادّنا ...كـان لـه مـن ضـوئـه مقـبـس
يريد: إذْ دنا، ثم يلقي همزة إذْ، ويدغم الذال في الدال، وكانوا يرون أنَّ هذا البيت مصنوع)ا.هـ.
وقد انفرد الفراء بدعوى الإجماع هذه، وخالفه جماعة من علماء اللغة من غير اعتماد على الشاهد الذي ردّه.
ومما ينبغي أن يُعلم أنه ليس كلّ ما تحتمله اللفظة من المعاني في اللغة يصحّ أن تُفسَّر به في القرآن.
ومن أمثلة ذلك: لفظ "الفلق" يطلق في اللغة على الصبح، وعلى الخلق كلّه، وعلى تبيّن الحق بعد إشكاله، وعلى المكان المطمئن بين ربوتين، وعلى مِقْطَرة السجان، وعلى اللَّبَن المتفلق الذي تميز ماؤه، وعلى الداهية.
ولكلّ معنى من هذه المعاني شواهد صحيحة مبثوثة في كتب اللغة.


ومثل هذه الألفاظ التي تطلق على أكثر من معنى يؤخذ بما يحتمله السياق منها، ثمّ يكون النظر فيها على مراتب:
المرتبة الأولى: النظر في دلالة النص أو الإجماع على اختيار بعض تلك المعاني؛ فما دلّ عليه النصّ أو الإجماع وجب المصير إليه وطرح كلّ ما خالفه.
المرتبة الثانية: النظر في الأقوال المأثورة عن الصحابة والتابعين فيؤخذ ما قالوا به منها، وينظر في أقوالهم حسب قواعد الجمع والترجيح.
وينظر كذلك في المعاني التي يحتملها السياق مما لم يذكروه بشرط أن لا تعارض ما قالوه، ولا تعارض نصّاً ولا إجماعاً في موضع آخر.
والمرتبة الثالثة: النظر في أقوال المفسّرين من علماء اللغة فما قالوا به مما لا يعارض المرتبتين الأولى والثانية فمقبول إلا أن تكون له علّة لغوية.
والمرتبة الرابعة: النظر في دلالة المناسبة، وهي أن يكون أحد المعاني أنسب لمقصد الآية من المعاني الأخرى.
المرتبة الخامسة: النظر في توارد المعاني ، وهي أن يحتمل التركيب معاني متعددة لأحوال متغايرة؛ فيؤخذ بالمعنى الأول للحالة الأولى وبالمعنى الثاني للحالة الثانية وهكذا.
ويجب على من يفسّر القرآن بلغة العرب أن يراعي أصولَ التفسير ومراتب الاستدلال وقواعد الترجيح، ولا يحلّ له أن يفسّر القرآن بمجرّد الاحتمال اللغوي من غير مراعاة ما تقدّم، وليُعلمْ أن من أسباب الانحراف في التفسير الأخذ بمجرّد الاحتمال اللغوي، وقد اغترّ بذلك بعض من اشتغل بالتفسير من أصحاب الأهواء، وفتنوا ببعض ما خرجوا به من أقوال لمّا رأوا القرآن حمّالاً ذا وجوه، وأعجبتهم أقوالهم، وما أشربوا من أهوائهم، فضلّوا وأضلوا.
والكلام في تفسير المفردات يطول، وفيه مباحث كثيرة، وقواعد تفصيلية تُبحث في مظانّها، وعسى الله أن ييسر دورة علمية لبسط الحديث عنها.
وأما الأساليب فمعرفة معانيها ومقاصدها له أثر بالغ في التفسير، وإن لم يكن في الجملة لفظ يستدعي التفتيش عن معناه في كتب اللغة، فمعرفة معنى الأسلوب قدر زائد على معرفة معاني الألفاظ المفردة، ولا يستقيم فهم معنى الآية إلا بمعرفة معنى الأسلوب؛ فإذا تبيّن معنى الأسلوب تبيّن معنى الآية للمتأمّل، ولذلك أمثلة كثيرة:
منها: قوله تعالى: {فما أصبرهم على النار} فسّر بالتعجب وفسّر بالاستفهام، وللسلف واللغويين قولان مشهوران في هذه الآية عمادهما على تفسير معنى الأسلوب.
ومنها: قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أوّل العابدين} فسّر هذا الأسلوب بالنفي وفسّر بالشرط، وللمفسّرين كلام طويل في هذه الآية عماده على تفسير هذا الأسلوب.
ومما ينبغي أن يُتنبّه له أن المفسّر قد يصيب في معرفة الأسلوب ثمّ يقع الخطأ في تقرير المعنى على ذلك الأسلوب، ولذلك أمثلة في كتب التفسير.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير قوله تعالى: {أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله}
قال: (أي: أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار، وهم مقرون بأنه لم يفعل هذا إله آخر مع الله.
ومن قال من المفسرين إن المراد: هل مع الله إله آخر؟ فقد غلط؛ فإنهم كانوا يجعلون مع الله آلهة أخرى كما قال تعالى: {أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد})ا.هـ.
والأساليب القرآنية كثيرة متنوّعة، والغرض من هذا الشرح الموجز والتمثيل المقتضب التعريف بهذا النوع من أنواع التفسير اللغوي.
وقد أكثر العلماء من التصنيف فيه لجلالة قدره وعظم نفعه، بل عامّة كتب غريب القرآن من هذا النوع، وكثير من كتب معاني القرآن تعرض له، ويُعْنَى به كثير من المفسّرين في تفاسيرهم، وإن اختلفت مراتب عنايتهم به.

وممن صنّف في غريب القرآن: عبد الله بن يحيى اليزيدي، وابن قتيبة، وابن عزيز السجستاني، وأبو عمر الزاهد غلام ثعلب، وأبو عبيد الهروي، ومكي بن أبي طالب القيسي، والراغب الأصفهاني، وأبو جعفر الخزرجي، وابن الجوزي، وابن المنيّر، وأبو حيّان الأندلسي، والسمين الحلبي، وابن الملقّن، وابن الهائم وغيرهم كثير.
وممن صنّف في معاني القرآن من علماء اللغة: الكِسائي وكتابه مفقود، والفراء، وأبو عبيدة، والأخفش الأوسط، وأبو عبيد القاسم بن سلام وكتابه مفقود، والزجاج، والنحاس.
وما كتبه هؤلاء العلماء من التفسير اللغوي كان محلّ عناية كثير من المفسّرين ممن جاء بعدهم). [طرق التفسير: 140 - 145]


رد مع اقتباس