عرض مشاركة واحدة
  #67  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 09:34 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

التحذير من الانحراف في التفسير البياني
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: ( التحذير من الإنحراف في التفسير البياني
وقد يكون في بعض اجتهادات المتأخّرين ما يخطئون فيه مع تشنيعهم على السلف ورميهم بضعف التأمّل وقلّة الدراية بأساليب البيان، ويكثر هذا من أهل البدع والأهواء، ويتوصّلون بذلك إلى ردّ بعض ما تقرر من مسائل الاعتقاد لدى أهل السنة والجماعة.

ومن ذلك قول الزمخشري في تفسير قول الله تعالى: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}.
قال: (فإن قلت: ما فائدة قوله وَيُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يخفى على أحد أنّ حملة العرش ومن حوله من الملائكة الذين يسبحون بحمد ربهم مؤمنون؟
قلت: فائدته إظهار شرف الإيمان وفضله، والترغيب فيه كما وصف الأنبياء في غير موضع من كتابه بالصلاح لذلك، وكما عقب أعمال الخير بقوله تعالى ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فأبان بذلك فضل الإيمان.
وفائدة أخرى: وهي التنبيه على أن الأمر لو كان كما تقول المجسّمة ، لكان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين، ولما وصفوا بالإيمان، لأنه إنما يوصف بالإيمان: الغائب، فلما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم، علم أنّ إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء: في أنّ إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير، إلا هذا، وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا).ا.هـ.

يريد بالمجسّمة أهلَ السنّة والجماعة.
وهذا القول خطأ بيّن، والذي حمله عليه اعتقاده نفي صفة العلوّ لله تعالى واستوائه على العرش حقيقة كما هو حال المعتزلة.
وهذا القول المنكر الذي شانَ الزمخشريُّ تفسيرَه به وبمثله مما يُلحق بما يستخرج بالمناقيش من اعتزالياته كما ذكر السيوطي عن البلقيني أنه قال: (استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش)ا.هــ.
ومنشأ الخطأ أنّ الزمخشريّ ظنَّ أن وصف الملائكة الذين يحملون العرش ومن حوله بالإيمان إنما سببه أنهم لا يرون الله تعالى، ثمّ فرّع على هذا الاستنتاج أنه ليس على العرش إله حقيقةً تعالى الله عما يقول.
وهذه الفائدة المتوهّمة أعجبت الرازيَّ صاحب التفسير الكبير، وهو من كبار متكلّمي الأشاعرة، وطار بها فرحاً لأن من الأشاعرة من ينكر صفة استواء الله على عرشه حقيقة، ويتأوّل معنى الاستواء الوارد في النصوص بالاستيلاء.
فنقل الرازي كلام الزمخشري وزاد فيه شرحاً وتوضيحاً وبالغ في الثناء عليه بما قال؛ فقال: ( فإنْ قيل فأي فائدة في قوله: {ويؤمنون به}؛ فإن الاشتغال بالتسبيح والتحميد لا يمكن إلا وقد سبق الإيمان بالله؟
قلنا: الفائدة فيه ما ذكره صاحب «الكشاف» ، وقد أحسن فيه جداً؛ فقال: إن المقصود منه التنبيه على أن الله تعالى لو كان حاضرا بالعرش لكان حملة العرش والحافون حول العرش يشاهدونه ويعاينونه، ولما كان إيمانهم بوجود الله موجبا للمدح والثناء لأن الإقرار بوجود شيء حاضر مشاهد معاين لا يوجب المدح والثناء، ألا ترى أن الإقرار بوجود الشمس وكونها مضيئة لا يوجب المدح والثناء، فلما ذكر الله تعالى إيمانهم بالله على سبيل الثناء والمدح والتعظيم، علم أنهم آمنوا به بدليل أنهم ما شاهدوه حاضرا جالسا هناك، ورحم الله صاحب «الكشاف» فلو لم يحصل في كتابه إلا هذه النكتة لكفاه فخرا وشرفا)ا.هـ.

وتناقل عدد من مفسري المعتزلة والأشاعرة القول في هذه المسألة التي أثارها الزمخشري وزادها الرازيّ إثارة؛ فكان لأهل السنة ردود على ما أثاروه؛ من أحسنها وأجمعها ردّ ابن القيّم رحمه الله تعالى عليه في الصواعق المرسلة في معرض ردّه في الوجه التاسع والثلاثين بعد المئتين على شُبَه الذين ينصبون التعارض بين العقل والنقل؛ فقال في بيان حال طائفتين حاولتا منع دلالة القرآن على صحّة ما جاءت به أحاديث الصفات: (الطائفة الثانية: من يعتقد أنَّ لكلامه باطناً يخالف ظاهره وتأويلا يخالف حقيقته فالطريقة الأولى للمتفلسفة ومن يتتلمذ لهم، والطريقة الثانية للجهمية ومن اقتفى آثارهم، وكثير من المتأخرين يجمع بين الطريقتين؛ فيتفلسف تارة، ويتجهّم تارة، ويجمع بين الإدامين تارة؛ فهذه درجات المنع.

وأما درجات المعارضة فثلاثة أيضا:
إحداها: أن يعارض المنقول بمثله ويسقط دلالتهما أو يرجح دلالة المعارض كما عارض الجهمي قوله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} بقوله {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} وزعم أنه لو كان على العرش لم يكن أحداً وعارضه بقوله {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وزعم أنه لو كان على عرشه لم يكن معنا وعارضه بقوله {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} وهذه معارضة الزمخشري في كشافه قال: وفيها التنبيه على أن الأمر لو كان كما يقوله المجسمة كان حملة العرش ومن حوله مشاهدين معاينين ولما وصفوا بالإيمان لأنه إنما يوصف بالإيمان الغائب ولما وصفوا به على سبيل الثناء عليهم علم أن إيمانهم وإيمان من في الأرض وكل من غاب عن ذلك المقام سواء في إيمان الجميع بطريق النظر والاستدلال لا غير وأنه لا طريق إلى معرفته إلا هذا وأنه منزه عن صفات الأجرام.
فلو كان المجسم - بزعمك - جسما حقيقة لما رضي لنفسه ولمن يخاطبه بمثل هذا الكلام الذي هو من أقبح الكلام وأبطله ولشحّ على زمانه وأوراقه أن يضيعه بمثله، ولمنعه وقار القرآن وعظمته في صدره أن يفسره بمثل هذا الكلام الذي هو كما قيل: مثل حجارة الكنيف ترجع وتنجس؛ فقد صرح قائله بأنّ إيمان محمد بن عبد الله وإبراهيم الخليل وموسى الكليم وجميع الأنبياء والمرسلين إنما هو عن نظر واستدلال وهم بسعادتهم قد سدوا جميع طرق الإيمان والمعرفة إلا طريق الجواهر والأعراض والاجتماع والافتراق وإبطال حوادث لا أول لها وزعموا أن من لم يعرف ربه من تلك الطريق مات ولم يعرف له رباً، ولم يقرّ بأن له إلها وخالقا، وزادوا في الافتراء والكذب والبهت؛ فزعموا أن إيمان جبريل وميكائيل والملائكة المقربين وجميع المرسلين مبني على هذه الطريقة، وأن إيمانهم كلهم سواء، وأنهم لا طريق لهم إلى معرفته إلا هذا النظر والاستدلال الذي وضعه لهم شيوخ الجهمية ومبتدعة المتكلمين وضلال أهل الاعتزال؛ فهاهنا يسجد المجسّم - بزعمكم- شكرا لله إذ عافاه الله من مثل هذا البلاء العظيم، وهذا القول أقلّ وأحقر من أن يتكلف للوجوه التي تدل على بطلانه بأكثر من حكايته)ا.هـ.

وخلاصة الردّ على شبهة الزمخشري:
1
. أن رؤية حملة العرش لربّهم أو عدم رؤية أمر غيبي لا نثبته ولا ننفيه إلا بدليل شرعي، والعرش عظيم جداً؛ بل قد ورد أنه أعظم المخلوقات، وليس بلازم في العقل أن من يطوف حوله يرى من عليه؛ فانتفت الشبهة من أصلها.
2. أنهم لو صحّ الدليل بأنّهم رأوه فهذا لا ينفي وصفهم بالإيمان؛ والله تعالى قد وصفهم بأنّهم يؤمنون به؛ فلا حجّة لأحد يعارض وصف الله لهم بالإيمان.
3. أنّ الملائكة يسمعون تكلّم الله تعالى بالوحي كما صحّت الأحاديث بذلك؛ فسماعهم كلام الله تعالى لم ينفِ وصف الإيمان عنهم، وما يقال في السمع يقال نظيره في الرؤية إذ لا فرق مع تحققهم من أنّ الكلام كلام الله تعالى.
4. أن الإيمان لا يُقصر على الإقرار بالوجود؛ فهذا القدْر يقرّ به أكثر أهل الأرض؛ ولم ينكر وجود الله تعالى إلا فئة قليلة جداً من الملاحدة؛ فالإيمان الذي أثنى الله تعالى عليهم به هو ما فسّرته النصوص الأخرى من دأبهم في طاعته وذكره وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا على مجرّد أنهم يقرّون بوجوده.

والمقصود التنبيه على وجوب الاحتراز مما يتكلّم به أهل البدع في تقرير بدعهم بسلوك مسلك التفسير البياني.
ومما ينبغي أن يحترز منه مَن يسلك مسلك التفسير البياني أيضاً: الجزم بما لا دليل عليه سوى ذوقه وتأمّله واجتهاده؛ فكثيراً ما يغيب عن بعض المتأملين معارضة بعض الأوجه التي استخرجوها لنصّ صحيح أو إجماع، وكل تفسير عارض نَصّاً أو إجماعاً فهو تفسير باطل.
والحديث عن التفسير البياني يطول، والمقصود التعريف به، فنكتفي بهذا القدر). [طرق التفسير:185 - 190]


رد مع اقتباس