عرض مشاركة واحدة
  #110  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:21 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

الاجتهاد سُنّة لمن تأهّل له
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الاجتهاد سُنّة لمن تأهّل له
و
الاجتهاد في التفسير وفي غيره من مسائل الدين في موارده الصحيحة وبمراعاة حدوده وآدابه سنّة متّبعة؛ فقد
اجتهد النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير، وهو إمام المجتهدين صلى الله عليه وسلم، كما سبق بيانه، واجتهد من بعده خلفاؤه الراشدون المهديّون الذين أمرنا باتّباع سنّتهم، وجرى عليها عمل الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فكانوا أئمة للمجتهدين، إذ رفعوا منار الاجتهاد، وبيّنوا حدوده وآدابه، ومداخله وموارده، وما يسوغ الاجتهاد فيه وما لا يسوغ.
والحاجة إلى الاجتهاد في التفسير قائمة في كلّ عصر من العصور، وأسئلة السائلين عن مسائل التفسير كثيرة متجددة، ونوازل مسائل التفسير في كلّ عصر تتطلّب من العلماء الاجتهاد في شأنها، وتبصير الناس بما يلزمهم من اتّباع الهدى في تلك النوازل.
وقد ورد في شأن الاجتهاد في مسائل الدين جملة من الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم تدلّ دلالة بيّنة على ترتيب طرق التفسير، وبيان مرتبة دلالة الاجتهاد من الدلائل المتحصّلة بتلك الطرق، ومن تلك الآثار:
1. ما رواه أبو الضحى عن مسروق، قال: كتب كاتب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: "هذا ما أرى اللهُ أميرَ المؤمنين عمرَ"؛ فانتهره عمر رضي الله عنه، وقال: (لا، بل اكتب: " هذا ما رأى عمر؛ فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر). رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار والبيهقي في الكبرى.
2. وقال إدريس الأودي: أخرج إلينا سعيد بن أبي بردة كتابا فقال: هذا كتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه؛ فذكر الحديث، وقال فيه: (الفهمَ الفهمَ فيما يختلج في صدرك مما لم يبلغك في القرآن والسنة؛ فتعرَّف الأمثالَ والأشباهَ، ثم قِسِ الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله، وأشبهها فيما ترى). رواه البيهقي بهذا اللفظ، وكتاب عمر لأبي موسى مشهور روي من طرق متعددة.
3. وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتاباً إلى شريح القاضي فكان فيه: (إذا جاءكم أمر في كتاب الله عز وجل فاقض به؛ ولا يلفتنَّك عنه الرجال؛ فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك؛ فاختر أي الأمرين شئت: إن شئتَ أن تجتهد برأيك ثم تَقَدَّم فتَقَدَّم، وإن شئتَ أنْ تأخَّرَ فتأخَّرْ، ولا أرى التأخّر إلا خيرا لك). رواه ابن أبي شيبة والدارمي والبيهقي من طريق أبي إسحاق الشيباني عن الشعبي عن شريح، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إليه؛ فذكره، وهذا إسناد صحيح.
4. وروى شعبة عن قتادة، عن أبي العالية، عن علي رضي الله عنه أنه قال: (القضاة ثلاثة: فاثنان في النار، وواحد في الجنة؛ فأما اللذان في النار: فرجل جار عن الحق متعمدا، ورجل اجتهد رأيه فأخطأ، وأما الذي في الجنة؛ فرجل اجتهد رأيه في الحق فأصاب).
قال قتادة: فقلت لأبي العالية: ما بال هذا الذي اجتهد رأيه في الحق فأخطأ؟
قال: (لو شاء لم يجلس يقضي، وهو لا يحسن يقضي). رواه البيهقي، وقال: (تفسير أبي العالية على من لم يحسن يقضي دليلٌ على أنَّ الخبر ورد فيمن اجتهد رأيه، وهو من غير أهل الاجتهاد؛ فإن كان من أهل الاجتهاد فأخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد رُفع عنه خطؤه - إن شاء الله - بحكم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة رضي الله عنهما).
5. وقال عبد الله بن مسعود: (أيها الناس! قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك؛ فإن الله عز وجل قد بلَّغنا ما ترون؛ فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم؛ فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل؛ فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله عز وجل؛ فليقض فيه بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله عز وجل، ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فليقض بما قضى به الصالحون؛ فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله، ولم يقض به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقض به الصالحون؛ فليجتهد رأيه، ولا يقولن أحدكم: إني أخاف وإني أرى؛ فإنَّ الحلال بيّن، والحرامَ بيّن، وبين ذلك أمور مشتبهة؛ فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك). رواه البيهقي.
6. وقال عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن شيء هو في كتاب الله قال به.
- وإذا لم يكن في كتاب الله وقاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قال به.
- وإن لم يكن في كتاب الله، ولم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما قال به.
- وإلا اجتهد رأيه). رواه البيهقي وابن عبد البر من طرق عن سفيان بن عيينة عن عبيد الله به.
7. وروى الشعبي، عن مسروق أنه قال: سألت أبيَّ بن كعب عن شيء فقال: «أكان هذا؟» قلت: لا، قال: «فأجمَّنا حتى يكون؛ فإذا كان اجتهدنا رأينا» رواه ابن بطّة في الإبانة، وابن عبد البر في جامع بين العلم وفضله.
8. وقال إسماعيل بن أبى خالد: سمعت عامراً الشعبيّ يقول: استفتى رجل أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر ما تقول في كذا وكذا؟
قال : «يا بني أكان الذي سألتني عنه؟».
قال : لا.
قال: «أما لا فأجّلني حتى يكون؛ فنعالج أنفسنا حتى نخبرك». رواه الدارمي.
9. وقال الزهري: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول: إذا سُئِلَ عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدّث فيه بالذي يَعْلم والذي يَرى، وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون). رواه الدارمي.
10. وقال الشعبي: سُئِلَ عمار بن ياسر عن مسألة؟
فقال: هل كان هذا بعد؟
قالوا: لا
قال: (دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشَّمْناها لكم). رواه الدارمي.
وفي هذه الآثار ونحوها ما يدلّ دلالة بيّنة على أن الاجتهاد سنّة متّبعة بشروطه وآدابه). [طرق التفسير:303 - 307]

رد مع اقتباس