عرض مشاركة واحدة
  #104  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:55 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,952
افتراضي

فائدة معرفة تناسب الألفاظ والمعاني للمفسّر
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (فائدة معرفة تناسب الألفاظ والمعاني للمفسّر
ينبغي أن يكون المفسّر على قدر من المعرفة بتناسب الألفاظ والمعاني، ولو أنّ يتأمّل الأمثلة التي ذكرها العلماء، ويُعمِل الذهن في نظائرها؛ فإنّه يستفيد بذلك من حسن البيان عن معاني القرآن، والتأثير على قلوب المتلقّين، ما لا يدركه بالعلوم الأخرى.

ومن الأمثلة التي يتّضح بها المراد - إن شاء الله تعالى - تفسيرُ "ضيزى" في قول الله تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)}
فتأمَّلْ حروفَ "ضيزى" في هذا الموضع تجد هذا اللفظ منادياً على معناه من الغرابة، والتشنيع، والجور، والنقصان، والاعوجاج.
ذلك أنّ الضَّيز في اللغة يفسّر بالجور وبالنقص وبالاعوجاج، وهذه الأوصاف القبيحة قد جمعتها هذه القسمة الجائرة الناقصة المعوجّة.
وأقوال السلف في تفسيرها قد انتظمت معانيها في اللغة:
1. فقال مجاهد: عوجاء، وقال به من أصحاب المعاجم اللغوية: ابن دريد وابن فارس في معجم المقاييس وابن سيده.
2. وقال قتادة: جائرة، وقال به من أهل اللغة: أبو زيد الأنصاري، والجوهري، وابن فارس في مجمل اللغة، وأبو بشر البندنيجي في كتابه "التفقيه في اللغة"، وأنشد شاهداً له قول الشاعر:
فبات يضوز التمرَ والتمر معجب .. بِوَرْدٍ كَلَوْنِ الأُرجوان سبائبه
3. وقال سفيان الثوري: منقوصة، يقال: ضزته حقَّه أضيزه، وضأزتُه أضأزه إذا نقصته، وقال به من أهل اللغة: الخليل بن أحمد، وأنشد ابن الأنباري شاهداً عليه قول الشاعر:
إن تنأ عنا ننتقصك وإن تؤب ... فحظك مضؤوزٌ وأنفُك راغمُ
وهذه المعاني كلّها صحيحة في اللغة.
وفي ضيزى لغات منها: "ضِئزى" بالهمز وهي قراءة ابن كثير، وضَيزى وفيها قراءة نسبت إلى أبيّ بن كعب، وضَأزى، وضُؤزى.
وقد أفاد تركيب حروف هذه اللفظة، وغرابة استعمالها معنى الغرابة والتشنيع، وتقبيح هذه القسمة، وحكاية حقيقتها.
وأفاد بناؤها الصرفي على مثال "فُعلى" الدلالةَ على بلوغ منتهى الغاية في الضيز، وهذا فيه تبكيت وتشنيع على المشركين إذْ بلغت قسمتهم ما لا أضأز منه؛ فهي قسمة ضيزى.
ولو أدرت الألفاظ العربية لفظةً لفظةً لم تجد لفظاً أنسب من هذا اللفظ في هذا الموضع، مع موافقتها لفواصل الآي.
قال مصطفى صادق الرافعي(ت:1356هـ): (وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة "ضيزى" من قوله تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه؛ ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها؛ فإن السورة التي هي منها وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء؛ فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل ثم هي في معرض الإنكار على العرب؛ إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات الله مع أولادهم البنات؛ فقال تعالى: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى؛ وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية.
والعرب يعرفون هذا الضرب من الكلام، وله نظائر في لغتهم، وكم من لفظة غريبة عندهم لا تحسن إلا في موضعها، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا أنها تؤكد المعنى الذي سبقت له بلفظها وهيئة منطقها، فكأن في تأليف حروفها معنى حسيا، وفي تآلف أصواتها معنى مثله في النفس؛ وقد نبهنا إلى ذلك في باب اللغة من تاريخ آداب العرب)ا.هـ.
وقال عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني(ت: 1425هـ ) في كتابه "البلاغة العربية": (ونلاحظ أنّ اختيار كلمة "ضِيزَى" في هذا الموضع دون الكلمات التي تُؤدّي معناها له نُكْتَتَان: معنوية، ولفظيّة.
- أما المعنويّة فهي الإِشعار بقباحة التعامل مع الرّبّ الخالق بقسمة جائرة، يختار المشركون فيها لأنفسهم الذكور ويختارون فيها لربّهم الإِناث، عن طريق استخدام لفظ يدلُّ بحروفه على قباحة مُسَمَّاه.
- وأمّا اللفظية فهي مراعاة رؤوس الآي، في الآيات قبلها، وفي الآيات بَعْدَها)ا.هـ).
[طرق التفسير:287 - 289]

رد مع اقتباس