عرض مشاركة واحدة
  #81  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 10:39 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,012
افتراضي

نشأة علم الاشتقاق:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (نشأة علم الاشتقاق:
علم الاشتقاق من أخصّ علوم العرب، وألطفها، وإن لم يدوّنوا فيه كتاباً، ولم يجمعوا له أصولاً وأنواعاً على طرائق مصنفي الكتب ممّن أتى بعدهم؛ إذ كانت العرب أمّة أميّة لا تكتب.

وقد روي من من أخبارهم وأشعارهم ما يدلّ دلالة بيّنة على عنايتهم بالاشتقاق، والتفنن في تصريف الكلام وردّ بعضه إلى بعض، وإدراك مآخذ التسميات ومقاصدها، يعينهم على ذلك ما عُرفوا به من حسن البيان، وجودة القريحة، ولطافة الذهن.
ومن ذلك قول دريد بن الصمّة القشيري بعد أن ظفر بفزارة وهم قبيلة من غطفان، وقتل منهم من قتل ثأراً بمقتل أخيه عبد الله وجماعة من فرسان بني قشير:
قتلتُ بعبد الله خير لِدَاتِه ... ذؤابَ بنَ أسماءَ بنِ زيدِ بنِ قارِبِ
فلليوم سُمّيتم فزارة فاصبروا ... لِوَقْع القَنا تَنزُونَ نَزْو الجنادب

أي في مثل هذا اليوم يظهر معنى اسمكم "فزارة"، يشير إلى أنّ اسم فزارة مشتقّ من الفَزْر، وهو القطع والشقّ والتصدّع.
يقال: تفزّر الثوب، وتفزّر الحائط إذا تشقّق، وفزرتُ الجلَّة إذا فتّتّها.
يريد دريد: إنّا فزرناكم بسيوفنا ورماحنا حتى مزّقناكم كلّ ممزّق.
وفي صحيح مسلم من حديث سماك بن حرب عن مصعب بن سعد في خبر نزول تحريم الخمر أنّ رجلاً شرب ثم أخذ لحي بعير
فضرب به أنف سعد ففَزَره، وكان أنف سعد مفزورا، أي مشقوقاً.
قال ابن فارس في معجم المقاييس: ("فزر" الفاء والزاء والراء أُصيل يدلّ على انفراج وانصداع، من ذلك الطريق الفازر: وهو المنفرج الواسع، والفزر: القطيع من الغنم، يقال فزرت الشيء: صدعته، والأفزر: الذي يتطامن ظهره، والقياس واحد، كأنه ينفرق لحمتا ظهره. والله أعلم)ا.هـ.
ونقل أبو منصور الأزهري عن شمر بن حمدويه أنه قال: (كنت بالبادية فرأيت قباباً مضروبة فقلت لأعرابي: لمن هذه القباب؟ فقال: لبني فزارة فَزَر الله ظهورهم؛ فقلت: ما تعني به؟ فقال: كسر الله)ا.هـ.
وبيت دريد بن الصمّة فيه تلطّف في صرف المعنى إلى اشتقاق غير مراد، وهو ما يسمّى في علم البلاغة "حسن التعليل"، وإلا فإنّ فزارة اسم رجل وهو فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وإليه ينتسب بنو فزارة ، وهم من أكثر قبائل غطفان عدداً.
ولم يكن الرجل ليسمّى ولده بما أراده دريدُ بن الصمّة، وإنما سمّي بذلك على معنى اسم الفاعل "فازر" كما سُمّى "فَضَالَة" بمعنى "المُفْضِل"، و"سلامة" بمعنى "السالم"؛ فصرف دريد اسم "فزارة" إلى معنى اسم المفعول "مفزور" إذ كانت الصيغة محتملة.
ومن شأن العرب في الهجاء أو المدح صرف اللفظ إلى معنى غير مراد من الاشتقاق أو إلى اشتقاق بعيد غير مراد تشنيعاً أو مبالغة في المدح.
ومن دلائل إدراك عامّة العرب اشتقاق الأسماء ما ذكره أبو بكر الزبيدي في طبقات النحويين عن يونس بن حبيب الضبّيّ أنه قال: (سُئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فمرَّ أعرابيٌّ مُحْرِم، فأراد السائلُ سؤال الأعرابي، فقال له أبو عمرو: دَعْنِي، فأنا ألطف بسؤاله وأعرف؛ فسأله؛ فقال الأعرابي: اشتقاق الاسم من فعل المسمّى؛ فلم يعرف من حضر ما أراد الأعرابي، فسألوا أبا عمرو عن ذلك، فقال: ذهب إلى الخُيلاء التي في الخيل والعُجْب؛ ألا تراها تمشي العِرَضْنة خُيلاءً وتكبُّرًا!)ا.هـ.
وشواهد معرفة العرب لاشتقاق الكلام بعضه من بعض كثيرة، وفيما ذكر من التمثيل كفاية). [طرق التفسير:223 - 225]

رد مع اقتباس