العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التراجم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 ذو القعدة 1442هـ/22-06-2021م, 11:29 PM
عبد العزيز بن داخل المطيري عبد العزيز بن داخل المطيري غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,179
افتراضي

مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث الاصبحي(ت:179هـ)

اسمه ونسبه:
هو الإمام الجليل أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحِمْيَري نسباً التيمي حلفاً، المدني بلداً.
- وقال يحيى بن بكير: سألت الدراوردي عن نسب مالك بن أنس؛ فقال: أخبرني أبو سهيل بن مالك قال: (إنا قومٌ من ذي أصبح، قدم جدّنا المدينة وحاله خفيف فتزوَّج مولاة للتيميين، فكان يحفظه ويكون معهم، فنسبنا إليهم وليس لهم علينا نِعَم ولا غيرها). رواه الفسوي.
ونسبه في ذي أصبح من حمير صحيح متفق عليه بين أهل العلم بالأنساب إلا ما ذكر أبو عبد الله الحاكم أنه نسبه في تيم بن مرة، وقد أخطأ في ذلك، وإنما هو حليف لهم.
ورُوي عن ابن إسحاق أنه عدّه من موالي تيم، وقد أخطأ في ذلك أيضاً، وحصل بسبب هذا الخطأ وحشة بينه وبين الإمام مالك ثم تراضيا بعد.
وولاؤه في تيم ولاء حِلفٍ وتعاقد، ليس ولاء رقّ وعتاقة.
- قال البخاري في التاريخ الكبير: (مالك بن أنس بن أبي عامر أبو عبد الله الأصبحي المدني حليف عثمان بن عبيد الله القرشي).
وعثمان هو أخو طلحة بن عبيد الله التيمي القرشي.
وذو أصبح من أشراف حِمْيَر وكانوا أهل مُلْكٍ قديم وشرف ورياسة في اليمن.

- قال يحيى بن بكير: (ولد مالك بن أنس سنة ثلاث وتسعين من الهجرة). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
وقد اشتهر أن أمّه حملت به ثلاث سنين.
- قال الواقدي: (سمعت مالك بن أنس يقول: قد يكون الحمل ثلاث سنين، وقد حمل ببعض الناس ثلاث سنين يعني نفسه). رواه ابن سعد.

نشأ الإمام مالك بالمدينة نشأة صالحة في بيت علم ومروءة، فكان جدّه وأبوه وأعمامه من أهل العلم، وممن تُروى عنهم الأحاديث، فأخذ من علمهم وأدبهم ومروءتهم، وأدرك في المدينة بعض التابعين وأكابر أتباع التابعين، واجتهد في طلب العلم في صغره، وكان ينتقي شيوخَه، فلا يأخذ العلم إلا ممن يراه أهلاً للعلم، ويصبر على ما يجده في خلق بعضهم من حدّة وعسر، وكان يلازم بعضهم عامّة يومه يتحفّظ فقهه وأحاديثه، وكان حسن التمييز بين أصنف الشيوخ:
- قال أحمد بن عبد الرحمن المصري: حدثنا مطرف، قال: سمعت مالك بن أنس، يقول: قلت لأمي: أذهب فأكتب العلم؟
فقالت لي أمي: تعال فالبس ثياب العلماء، ثم اذهب فاكتب.
قال: (فأخذتني فألبستني ثياباً مشمرة، ووضعت الطويلة على رأسي وعمَّمتني فوقها، ثم قالت: اذهب الآن فاكتب). رواه الخطيب البغدادي في الجامع.
- وقال مالك رحمه الله: كانت أمي تعمّمني وتقول لي: (اذهب إلى ربيعة فتعلَّم من أدبه قبل علمه). ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك.
- وقال ابن وهب: قال مالك: (كنت آتي نافعاً مولى ابن عمر، وأنا يومئذ غلام حديث السن، ومعي غلام لي؛ فينزل إليَّ فيقعد معي ويحدثني). رواه الفسوي.
- وقال مطرف بن عبد الله اليساري: قال مالك: (كنت آتي نافعاً مولى ابن عمر نصف النهار ما يظلني شيء من الشمس، وكان منزله بالنقيع بالصورين، وكان حَدًّا فأتحيَّن خروجه فيخرج؛ فأدعه ساعة وأريه أني لم أرده، ثم أعرض له فأسلّم عليه، ثم أدعه حتى إذا دخل البلاط أقول: كيف قال ابن عمر في كذا وكذا؟ فيقول: قال: كذا وكذا، فأخنس عنه). رواه ابن سعد.
ورد النقيع هنا بالنون، وهو موضع مشرف على وادي العقيق كان حمى للخيل في عهد الخلفاء الراشدين، وهو بعيد من المسجد النبوي، وورد في بعض المواضع "البقيع" بالباء، والبقيع قريب من المسجد، وهو أشبه.
- وقال مطرف بن عبد الله اليساري: قال مالك: (وكنت آتي ابن هرمز بُكرةً فما أخرج من بيته حتى الليل، وكان من الفقهاء).
- وقال مروان بن محمد: سمعت مالك بن أنس يقول: (جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة، فأخذ عليَّ ألا أروي عنه شيئاً). رواه أبو زرعة الدمشقي.
- قال مطرف بن عبد الله: سمعت مالكاً يقول: (أدركت جماعة من أهل المدينة ما أخذت عنهم شيئا من العلم، وإنهم لممن يؤخذ عنهم العلم وكانوا أصنافاً:
1. فمنهم من كان كذابا في أحاديث الناس ولا يكذب في علمه فتركته لكذبه في غير علمه.
2. ومنهم من كان جاهلاً بما عنده: فلم يكن عندي أهلاً للأخذ عنه.
3. ومنهم من كان يُرمى برأي سوء). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال محمد بن إسماعيل الترمذي: سمعت ابن أبي أويس يقول: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: (إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند هذه الأساطين، وأشار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فما أخذت عنهم شيئاً، وإنَّ أحدهم لو اؤتمن على بيت مالٍ لكان أميناً، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، وقدم علينا ابن شهاب؛ فكنَّا نزدحم على بابه). رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه وابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال حاتم بن الليث الجوهري: حدثنا علي بن عبد الله [ابن المديني]، حدثنا سفيان، قال: (كان مالك ينتقي الرجال ولا يحدث عن كل أحد). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال يحيى بن معين: قال سفيان بن عيينة: (وما نحن عند مالك بن أنس، إنما كنا نتبع آثار مالك، وننظر الشيخ إذا كان كتب عنه مالكٌ كتبنا عنه). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.

شيوخه:
روى الإمام مالك عن جماعة من التابعين منهم: نافع مولى ابن عمر، وابن شهاب الزهري، وابن هرمز، وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وأبو الأسود الأسدي يتيم عروة، وعبد الله بن دينار، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وزيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان، وسعيد بن أبي سعيد المقبري، وأبو حازم الأعرج سلمة بن دينار، وسميّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسهيل بن أبي صالح، وأبو الرجال محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، ومحمد بن عمارة بن عمرو بن حزم، وأيوب بن أبي تميمة السختياني، والمسور بن رفاعة القرظي، وعطاء الخراساني، وغيرهم.
وروى عن جماعة من أتباع التابعين منهم: جعفر الصادق، ونافع بن أبي نعيم، وكثير بن فرقد، وغيرهم.

وقد كان الإمام مالك غاية في الحفظ والضبط، حتى فاق أقرانه مبكراً؛ فكان شيخُه ربيعة الرأي يباهي بحفظه.
- قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا حسين بن عروة عن مالك بن أنس قال: (قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة؛ فحدثنا نيفاً وأربعين حديثا، ثم أتيناه الغد؛ فقال: انظروا كتاباً حتى أحدّثكم منه، أرأيتم ما حدّثتُكم به أمسِ أيّ شيءٍ في أيديكم منه؟
قال: فقال له ربيعة: ههنا من يردّ عليك ما حدَّثت به أمس.
قال: ومن هو؟
قال: ابن أبي عامر.
قال: هاتِ.
قال: فحدَّثته بأربعين حديثاً منها.
فقال الزهري: (ما كنت أرى أنه بقي أحدٌ يحفظ هذا غيري). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.

تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وقد اشتهر عن الإمام مالك تعظيمه لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيماً شديداً؛ في تحمّله والعمل به وأدائه؛ فكان أصحابه يجدون أثر هذا التعظيم عليه، وقد قيل: إنَّ من أعزَّ أمر الله أعزَّه الله، وإعزاز حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من إعزاز أمر الله، فلا جرم أن جللته المهابة؛ فعاش مهيباً عزيزاً كريم النفس، وقور المجلس، لا يجترئ فيه السفهاء، ولا يطمع فيه متكلّم بباطل.
- قال ابن أبي أويس: كان مالك إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على فراشه وسرَّح لحيته وتمكَّن في الجلوس بوقار وهيبة، ثم حدَّث؛ فقيل له في ذلك، فقال: (أحبّ أن أعظّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدّث به إلا على طهارة متمكنا).
وكان يكره أن يحدّث في الطريق وهو قائم أو مستعجل، فقال: (أحب أن أتفهم ما أحدث به، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال أبو يونس المدني: أنشدني بعض أصحابنا من المدنيين في مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه:

يدع الجواب فلا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان
أدب الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان). رواه أبو نعيم في الحلية.

موقفه من الفتن والأهواء:

عاصر الإمام مالك عددا من الفتن؛ منها خروج محمد بن عبد الله بن الحسن الملقّب بالنفس الزكية، وظهور القدرية والمرجئة، وتجدد فتنة الخوارج؛ فكان قائماً بالسنة بصيراً بالفتن والمخارج منها.
- قال الواقدي: (لما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة لزم مالك بيته؛ فلم يخرج منه حتى قُتل محمد). رواه ابن سعد.
- وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا معن بن عيسى قال: انصرف مالك يوماً من المسجد وهو متكئ على يدي قال: فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء؛ فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به وأحاجك وأخبرك برأي.
قال: فإن غلبتني؟
قال: اتبعتني.
قال: فإن غلبتك؟
قال: اتبعتك.
قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلَبَنا؟
قال: تبعناه.
قال أبو عبد الله: بعث الله محمداً بدين واحد، وأراك تتنقل، قال عمر بن عبد العزيز: (من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال سلمة بن شبيب: حدثنا مهدي بن جعفر، عن جعفر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس؛ فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى؟
قال: فما رأيت مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته، وعلاه الرُّحَضاء - يعني العَرَق -قال: وأطرق القوم، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه.
قال: فسُرّي عن مالك؛ فقال: (الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة؛ فإني أخاف أن تكون ضالا، وأمر به فأُخرج). رواه اللالكائي وأبو نعيم في الحلية، ورواه أبو بكر البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" من طريق أحمد بن زيرك اليزدي قال: قال: سمعت محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري، يقول: سمعت يحيى بن يحيى، يقول: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل..) فذكره بنحوه.
- وقال أبو ثور: سمعت الشافعي، يقول: كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: (أما إني على بينة من ربي وديني، وأما أنت فشاكّ، إلى شاكٍّ مثلِك فخاصمه). رواه أبو نعيم في الحلية.
تصدّره

- قال أبو سعيد مفضل بن محمد الجندي: سمعت أبا مصعب أحمد بن أبي بكر يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: «ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك» رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه وأبو نعيم في حلية الأولياء.
- وقال عبد الله بن يوسف التنيسي، عن خلف بن عمر - صديق كان لمالك - قال: سمعت مالك بن أنس يقول: (ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد؛ فأمراني بذلك.
فقلت له: يا أبا عبد الله لو نهوك؟

قال: (كنت أنتهي، لا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه). رواه الخطيب البغدادي في "الفقيه والمتفقه"، وأبو نعيم في حلية الأولياء.
- وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، قال: (أتيت المدينة بعد موت نافع بسنة فإذا الحلقة لمالك بن أنس). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال البخاري في التاريخ الكبير: وقال علي [ابن المديني]: سمعت عبد الرحمن [ين مهدي] يذكر عن الأصمعي فلقيت الأصمعي فقلت: سمعته من شعبة؟ فقال: سمعته من شعبة أو حُدّثت عنه؛ قال: قدمت المدينة بعد موت نافع بسنة فرأيت مالكاً له حلقة.
قال علي: وقال غيره: كانت الحلقة لغيره، وكان مالك يجلس فيها.
قال يحيى: (وكان مالك يجلس إلى عبيد الله).
- وقال القاضي عياض: (قال مالك رحمه الله تعالى، فيما روى عنه ابن وهب وابن القاسم: ما أحد ممن نقلت عنه العلم إلا اضطر إليَّ حتى سألني عن دينه.
قال ابن أبي حازم: رأيت زيد بن أسلم واقفاً يستفتيه).
- وقال ابن وهب: حدثنا مالك، قال: قال يحيى بن سعيد: (اكتب لي أحاديث من أحاديث ابن شهاب في الأقضية).
قال: فكتبت له ذلك في صحيفة كأني أنظر فيها صفراء.
فقيل لمالك: يا أبا عبد الله أعرض عليك؟
قال: (هو كان أفقه من ذلك). رواه ابن أبي خيثمة والبيهقي في المدخل إلى السنن.

منهجه في التحديث :
- قال أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: سمعت عمي، يقول: سمعت مالك بن أنس، يقول: (إن عندي لأحاديث ما حدثت بها قط، ولا سمعت مني، ولا أحدث بها حتى أموت). رواه أبو نعيم في الحلية.
قلت: عمّ أحمد هو عبد الله بن وهب صاحب الإمام مالك، وأحمد قد اختلف فيه وأُنكرت عليه أحاديث رجع عنها بعد، وهو من شيوخ مسلم روى له في الصحيح، وهذا الخبر إن صحّ عن مالك فمحمول على أنه ترك التحديث بالأخبار الواهية والمعلولة التي ظهر له خطأ الرواة فيها وإن كانوا ثقات، لا أنّه كان يكتم أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويصرّ على كتمانها.
- قال الشافعي: قيل لمالك: عند ابن عيينة أحاديث عن الزهري ليست عندك، قال: (وأنا أحدث عن الزهري بكل ما سمعت؟!! إذا أريد أن أضلهم). رواه أبو نعيم في الحلية.

زهده وورعه:
نشأ مالك في المدينة النبوية في أسرة شريفة القدر؛ كريمة النسب في حمير، وأقبل على طلب العلم ثم ابتلي بالقلّة فصبر ولم ينقطع عن طلب العلم، حتى فرّج الله عنه، وعرف الأمراء مكانه في العلم والإمامة في الدين، ولم تكن عطايا السلطان لِتَحمله على ترك ما يراه خيراً له في دينه.
وكان يعمل في خاصة نفسه بأكثر مما يفتي به الناس.
وكان لا يتحرّج إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم.
وعرض عليه أبو جعفر المنصور أن يفرض كتاب الموطأ في الأمصار فأبى أشدّ الإباء، وكان في ذلك إشهار لكتابه في الأمصار لو أراد، لكنّه ترك ذلك لله فيما نحسب فأعاضه الله بنشر ذكره في الأمصار على اختلاف الأزمان إلى عصرنا هذا.
- قال ابن القاسم: (أفضى بمالك طلب العلم إلى أن نقض سقف بيته فباع خشبه، ثم مالت عليه الدنيا بعد). ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك.
- وقال حسين بن عروة: قدم المهدي المدينة فبعث إلى مالك بألفي دينار أو بثلاثة آلاف ثم أتاه الربيع بعد ذلك فقال له: (أمير المؤمنين يحبّ أن تعادله إلى مدينة السلام)
فقال له مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ("والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون"، والمال عندي على حاله). رواه أبو بشر الدولابي كما في الانتقاء لابن عبد البر.
- وقال الزبير بن بكار: حدثني مطرف بن عبد الله، قال: كان مالك بن أنس يعمل في نفسه بما لا يُلزمه الناس، ولا يفتيهم به، ويقول: «لا يكون العالم عالماً حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس ولا يفتيهم به، بما لو تركه لم يكن عليه فيه إثم» رواه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه.
- وقال الهيثم بن جميل: شهدت مالك بن أنس سُئل عن ثمانٍ وأربعين مسألة؛ فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري). رواه أبو زرعة الدمشقي.
- وقال أحمد بن حنبل: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: جاء رجل إلى مالك بن أنس يسأله عن شيء؛ فقال له مالك: لا أدري.
قال الرجل: فأذكر عنك أنك لا تدري؟
قال: «نعم، احك عني أني لا أدري» رواه الآجري في أخلاق العلماء والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه.
- وقال الواقدي: سمعت مالك بن أنس يقول: لما حجَّ أبو جعفر المنصور دعاني؛ فدخلت عليه فحادثته، وسألني فأجبته؛ فقال: (إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها يعني الموطأ فتنسخ نسخا، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها لا يتعدوه إلى غيره، ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث؛ فإني رأيت أصل العلم رواية المدينة وعلمهم).
قال: فقلت: (يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا؛ فإنَّ الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به، ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عما قد اعتقدوه شديد، فدع الناس وما هم عليه، وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم).
فقال: (لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به). رواه ابن سعد.
- وقال ابن وهب: قيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟
قالت: (المصحف والتلاوة). ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام.

صفته ومعيشته:
- قال مطرف بن عبد الله اليساري: (كان مالك بن أنس طويلا عظيم الهامة، أصلع أبيض الرأس واللحية، أبيض شديد البياض إلى الشقرة، وكان لباسه الثياب العدنية الجياد، وكان يكره حلق الشارب ويعيبه ويراه من المثل، كأنه مّثَّل بنفسه). رواه ابن سعد.
- وقال مصعب الزبيري: (كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأحلاهم عيناً، وأنقاهم بياضاً، وأتمهم طولاً في جودة بدن). ذكره القاضي عياض.
- وقال مصعب الزبيري: كان مالك يلبس الثياب العدنية الجياد، والخراسانية والمصرية المرتفعة البِيض، ويتطيب بطيب جيد، ويقول: (ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا ويرى أثر نعمته عليه، وخاصة أهل العلم)
وكان يقول: (أحبّ للقارئ أن يكون أبيض الثياب). ذكره القاضي عياض.
- وقال القاضي عياض: (وصفه غير واحد من أصحابه، منهم مطرّف وإسماعيل والشافعي، وبعضهم يزيد على بعض، قالوا: كان طويلاً جسيماً عظيم الهامة، أبيض الرأس واللحية، شديد البياض إلى الصفرة، أعين، حسن الصورة، أصلع، أشمّ، عظيم اللحية، تامّها، تبلغ صدره، ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه، ولا يحلقه ولا يُحفيه، ويرى حَلقَه من المثلة، وكان يترك له سَبلتين، ويحتج بفتل عمر لشاربه إذا همه الأمر).
- وقال أحمد بن صالح المصري: (كان مالك قليل المشي، يظهر التجمّل، ضيق الأمر، لم يكن له منزل، كان يسكن بكراء إلى أن مات، وسأله المهدي: ألك دار؟ فقال: لا.
وحدثني ربيعة أن نسب المرء داره). ذكره القاضي عياض.
الكراء هو الإيجار.

محنته:
- قال مكي بن إبراهيم: (ضُرب مالك بن أنس في سنة سبع وأربعين ومائة، ضربه سليمان بن جعفر بن سليمان بن علي).
قال: (ضُرب سبعين سوطا). رواه أبو يوسف الفسوي.
- وقال الفضل بن زياد القطان: سألت أحمد بن حنبل: من ضرب مالك بن أنس؟
قال: (ضربه بعض الولاة، لا أدري من هو، إنما ضربه في طلاق المكره، كان لا يجيزه فضربه لذلك). رواه أبو نعيم في حلية الأولياء.
- وقال ابن حبان في الثقات: (ضربه جعفر بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس سبعين سوطا وكان على المدينة لفتياه في يمين المكرَه فمسح مالك ظهره عن الدم ودخل المسجد وصلى، وقال: لما ضرب سعيد بن المسيب فعل مثل ذلك).
- وقال محمد بن عمر الواقدي: (لما دُعي مالك بن أنس وشوور وسمع جعفر [لعله أبو جعفر] وقُبل قوله، شنف الناس له وحسدوه، وبغوه بكل شيء؛ فلما ولي جعفر بن سليمان بن على المدينة سعوا به إليه، وكثروا عليه عنده، وقالوا: لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء، وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف في طلاق المكره أنه لا يجوز، فغضب جعفر بن سليمان، فدعا بمالك، فاحتج عليه بما نمى إليه عنه، ثم جرده ومده وضربه بالسياط، ومدت يده حتى انخلع كتفاه، وارتُكب منه أمر عظيم؛ فوالله ما زال بعد ذلك الضرب في رفعة عند الناس، وعلو من أمره، وإعظام الناس له، وكأنما كانت تلك السياط التي ضربها حليا حلى بها). رواه ابن سعد.
- وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: حدثنا مطرف، قال: قال لي مالك: ما يقول الناس في؟
قلت: (أما الصديق فيثني وأما العدو فيقع، قال: ما زال الناس كذا لهم صديق وعدو ولكن نعوذ بالله من تتابع الألسنة كلها). رواه أبو نعيم في الحلية.

اعتزاله:
- قال محمد بن عمر الواقدي: كان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ويجتمع إليه أصحابه، ثم ترك الجلوس في المسجد، وكان يصلي ثم ينصرف إلى منزله وترك شهود الجنائز، فكان يأتي أصحابها فيعزيهم ثم ترك ذلك كله؛ فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة، ولا يأتي أحدا يعزيه، ولا يقضي له حقاً، واحتمل الناس ذلك كله له، وكانوا أرغب ما كانوا فيه وأشده له تعظيما حتى مات على ذلك، وكان ربما كُلّم في ذلك فيقول: (ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره). رواه ابن سعد.
- وقال إسحاق بن إبراهيم [ابن راهويه]: ( كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطي الإخوان حقوقهم فترك ذلك واحدا واحدا حتى تركها كلها وكان يقول: لا يتهيأ للمرء أن يخبر بكل عذر). رواه أبو سليمان الخطابي في العزلة.
- وقال ابن وهب: حدثني مالك بن أنس قال: كان الناس الذين مضوا يحبون العزلة والانفراد من الناس، ولقد كان سالم أبو النضر، يفعل ذلك، وكان يأتي إلى مجلس ربيعة فيجلس فيه وكانوا يحبون ذلك منه، وكان أبو النضر إذا كثر فيه الكلام وكثر فيه الناس قام عنهم، وكان أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن - يتيم عروة - صاحب عزلة وغزو وحج). رواه أبو زرعة الدمشقي والفسوي.

ما روي في فضله:
- قال سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يضرب الناس أكبادَ الإبل يطلبون العلمَ؛ فلا يجدون عالماً أعلم من عالمِ المدينة). رواه الحميدي والترمذي والبزار والنسائي في الكبرى وغيرهم.
قال الحميدي: قال سفيان: (أظنه مالك بن أنس).
- وقال أبو عيسى الترمذي: (وقد روي عن ابن عيينة، أنه قال في هذا سئل من عالم المدينة؟
فقال: إنه مالك بن أنس.
وقال إسحاق بن موسى: سمعت ابن عيينة، يقول: هو العمري الزاهد.
وسمعت يحيى بن موسى يقول: قال عبد الرزاق: هو مالك بن أنس.
والعمري هو عبد العزيز بن عبد الله من ولد عمر بن الخطاب)ا.هـ.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ما دل عليه الحديث وأنه مالك أمر متقرر لمن كان موجوداً وبالتواتر لمن كان غائباً؛ فإنه لا ريب أنه لم يكن في عصر مالك أحدٌ ضَرب إليه الناس أكباد الإبل أكثرَ من مالك.
وهذا يقرر بوجهين:
أحدهما: بطلب تقديمه على مثل الثوري والأوزاعي والليث وأبي حنيفة وهذا فيه نزاع ولا حاجة إليه في هذا المقام.
والثاني: أن يقال: إن مالكا تأخر موته عن هؤلاء كلهم؛ فإنه توفي سنة تسع وسبعين ومائة، وهؤلاء كلهم ماتوا قبل ذلك.
فمعلوم أنه بعد موت هؤلاء لم يكن في الأمة أعلم من مالك في ذلك العصر، وهذا لا ينازع فيه أحد من المسلمين، ولا رُحل إلى أحد من علماء المدينة ما رحل إلى مالك، لا قبله ولا بعده، رُحل إليه من المشرق والمغرب، ورَحل إليه الناس على اختلاف طبقاتهم من العلماء والزهاد والملوك والعامة، وانتشر موطّؤه في الأرض حتى لا يعرف في ذلك العصر كتاب بعد القرآن كان أكثر انتشارا من الموطأ، وأخذ الموطأ عنه أهل الحجاز والشام والعراق، ومن أصغر من أخذ عنه الشافعي ومحمد بن الحسن وأمثالهما، وكان محمد بن الحسن إذا حدّث بالعراق عن مالك والحجازيين تمتلئ داره، وإذا حدَّث عن أهلِ العراق يقلّ الناس لعلمهم بأن علم مالك وأهل المدينة أصح وأثبت).
ثمّ قال: (ومن زعم أن الذي ضربت إليه أكباد الإبل في طلب العلم هو العمري الزاهد مع كونه كان رجلا صالحا زاهدا آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، لم يُعرف أن الناس احتاجوا إلى شيء من علمه، ولا رحلوا إليه فيه، وكان إذا أراد أمراً يستشير مالكاً ويستفتيه).

ما رؤي فيه من الرؤى:
- قال مصعب بن عبد الله الزبيري: سمعت أبي يقول: كنت جالساً مع مالك بن أنس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ أتاه رجل فقال: أيّكم مالك؟
فقالوا: هذا.
فسلَّم عليه واعتنقه وضمَّه إلى صدره، وقال: (والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحةَ جالساً في هذا الموضع؛ فقال: ائتوا بمالك؛ فأُتي بك ترعد فرائصك.
فقال: ليس بك بأس يا أبا عبد الله، وكناك، وقال: اجلس؛ فجلستَ.
قال: افتح حجرك؛ ففتحته فملأه مسكا منثورا، وقال: (ضمَّه إليك وبثَّه في أمتي).
قال: فبكى مالك، وقال: (الرؤيا تسرّ ولا تغرّ، وإن صدقت رؤياك؛ فهو العلم الذي أودعني الله). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال مطرف بن عبد الله: أخبرني زيد بن داود رجل من أصحابنا من أفضلهم قال: (رأيت في المنام كأن القبر انفرج فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد وإذا الناس منفصمون؛ فصاح صائح: مالك بن أنس!).
قال: (فرأيت مالكاً جاء حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأعطاه شيئاً؛ فقال: «اقسم هذا على الناس»
فخرج به مالك يقسمه على الناس؛ فإذا هو مِسْك يعطيهم إياه). رواه ابن سعد.

أقوال العلماء فيه:
- قال الحسن بن عبد العزيز الجروي: حدثنا الحارث بن مسكين، قال: كان عبد الرحمن بن القاسم، يقول: (إنما أقتدي في ديني برجلين: مالك بن أنس في علمه وسليمان بن القاسم في ورعه). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال عبيد الله بن عمر القواريري: كنَّا عند حماد بن زيد فجاءه نعي مالك بن أنس؛ فسالت دموعه، وقال: (يرحم الله أبا عبد الله لقد كان من الدين بمكان). رواه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في الانتقاء وزاد: ثم قال حماد: سمعت أيوب يقول: (لقد كانت له حلقة في حياة نافع).
- وقال أبو إسماعيل الترمذي: حدثنا نعيم بن حماد، قال: سمعت ابن المبارك، يقول: (ما رأيت رجلا ارتفع مثل مالك بن أنس ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال يونس بن عبد الأعلى: قال الشافعي: (إذا جاء الأثر كان مالك كالنجم، وقال: مالك وسفيان القرينان). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: (مالك وابن عيينة القرينان، ولولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز). رواه ابن عبد البر في الانتقاء، وروى أبو نعيم الجملة الأخيرة منه من طريق الربيع بن سليمان عن الشافعي.
- وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: (إذا جاءك الحديث عن مالك فشدَّ به يديك). رواه أبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال الحارث ابن مسكين: سمعت عبد الله بن وهب يقول: (لولا أني أدركت مالكا والليث ببن سعد لضللت). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال علي بن رستم: سمعت عبد الرحمن بن عمر، يقول: قال يحيى بن سعيد القطان: (ما أقدم على مالك في زمانه أحداً). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني رستة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: (أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة). رواه ابن عدي.
- وقال ابن سعد: (كان مالك ثقةً مأموناً ثبتاً ورعاً فقيهاً عالماً حجةً).
- وقال محمد بن إسحاق السراج: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن أصح الأسانيد، فقال: (مالك عن نافع عن ابن عمر).
- وقال أبو عمار: سألت أحمد بن حنبل عن كتاب مالك بن أنس فقال: (ما أحسنه لمن تديَّن به). رواه أبو نعيم في الحلية.
قلت: أبو عمار أظنه الحسين بن حريث المروزي(ت:244هـ).
- وقال عبد السلام بن عاصم: قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله رجل يحب أن يحفظ حديث رجل بعينه؟
فقال: (يحفظ حديث مالك).
قال: فالرأي؟
قال: رأي مالك). رواه ابن أبي حاتم.
- وقال أبو زرعة الرازي: (أول شيء أخذت نفسي بحفظه من الحديث حديث مالك؛ فلما حفظته ووعيته طلبت حديث الثوري وشعبة وغيرهما، فلما تناهيت في حفظ الحديث نظرت في رأي مالك والثوري والأوزاعي وكتبت كتب الشافعي). ذكره ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: سمعت أبي يقول: (الحجة على المسلمين الذين ليس فيهم لبس: سفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال ابن حبان في كتاب الثقات: (كان مالك رحمه الله أوَّل من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صحَّ ولا يحدّث إلا عن ثقة، مع الفقه والدين والفضل والنسك، وبه تخرج الشافعيّ رحمه الله، وإياه ينصّ، ومذهبه كان ينتحل حيث كان بالعراق قديما قبل دخوله مصر).

المؤلفات في فضائل مالك وسيرته:
- قال القاضي عياض: (ألَّف فضائل مالك وأخباره جماعة من الأئمة، والسلف والخلف من فرق هذه الأمة، فممن ألف في ذلك وأطال: القاضي أبو عبد الله التستري المالكي له في ذلك ثلاث مجلدات، ومثل ذلك لأبي الحسن بن فهر المصري، ولأبي محمد الحسن بن إسماعيل الضراب، وألف في ذلك القاضي أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، وأبو بشر الدولابي، وأبو العرب التميمي، والقاضي أبو الحسن بن المنتاب وأبو علاثة محمد بن أبي غسان، وأبو إسحاق ابن شعبان، والزبير بن بكار القاضي الزبيري، وأبو بكر محمد بن محمد اليقطيني، وأبو نصر بن الحباب الحافظ، وأبو بكر ابن أبي دراويه الدمشقي، والقاضي أبو عبد الله البرنكاني، وأبو محمد الجارود، والحسن بن عبيد الله الزبيري، وأحمد بن مروان المالكي، والقاضي أبو الفضل القشيدي، وأبو عمر المقاصي، وأحمد بن رشد بن جعفر، وأبو بكر بن محمد بن صالح الأبهري، وأبو بكر بن اللباد، وأبو محمد عبد الله بن أبي زيد، وأبو عمر ابن عبد البر الحافظ، والقاضي أبو محمد بن نصر، وأبو عبد الله الحاكم النيسابوري، وأبو ذر الهروي، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر ابن حزم الصدفي، وابن الإمام التطيلي، وابن الحارث القروي، وابن حبيب، والقاضي أبو الوليد الباجي، وأبو مروان بن الأصبغ القرشي النقيب).
- قلت: وأكثر هذه الكتاب التي ذكرها القاضي عياض لم تطبع، ويضاف إليها كتاب أخبار مالك لأبي نصر الأذرعي(ت:425هـ).
وأوفى المراجع المطبوعة في سيرة مالك وأخباره وفضائله ما في ترجمته من كتاب "الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء" لأبي عمر ابن عبد البر، و"حلية الأولياء" لأبي نعيم، و"ترتيب المدارك" للقاضي عياض، مع ما في ترجمته في كتب التاريخ المسندة، وكتب أحوال الرجال، وكتب الطبقات، وقد اجتهدت في جمع ما وقفت عليه من هذه الكتب في هذه الترجمة، وهذّبتها، وحذفت ما لا حاجة لذكره من المكررات، وما لا تعلّق له بفضائل مالك ولا أخباره، وما في بعضها مما يُستنكر، واقتصرت على الخلاصات المفيدة مع ذكر مصادرها.

وفاته
- قال إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس: اشتكى مالك بن أنس أياما يسيرة؛ فسألت بعض أهلنا عما قال عند الموت؛ فقال: تشهد ثم قال{لله الأمر من قبل ومن بعد}، وتوفي صبيحة أربع عشرة من شهر ربيع الأول سنة تسع وسبعين ومائة في خلافة هارون، وصلى عليه عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وهو ابن زينب بنت سليمان بن علي بأمه كان يعرف، يقال: عبد الله ابن زينب، وكان يومئذ والياً على المدينة فصلَّى على مالك في موضع الجنائز، ودفن بالبقيع، وكان يوم مات ابن خمس وثمانين سنة). رواه ابن سعد.
- وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: (أنا أحفظ الناس لموت مالك، مات في صفر سنة تسع وسبعين ومائة). رواه ابن سعد.
- وقال يحيى بن بكير: (مات مالك بن أنس سنة تسع وسبعين ومائة). رواه الفسوي.
وكذلك قال علي بن المديني وخليفة بن خياط وابن حبان، وغيرهم.
- وقال ابن عبد البر: (لم يختلف أصحاب التواريخ من أهل العلم بالخبر والسير أن مالكاً رحمه الله توفي سنة تسع وسبعين ومائة).

أقواله ووصاياه:
- قال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت خالي مالك بن أنس يقول: قال لي ربيعة الرأي وكان أستاذ مالك: يا مالك مَن السفلة؟
قال: قلت: " من أكل بدينه "
فقال: مَن سفلة السفلة؟
قال: (من أصلح دنيا غيره بفساد دينه).
قال: فصدَّرني). رواه البيهقي في شعب الإيمان.
- وقال خالد بن خداش: ودَّعت مالك بن أنس، فقلت: يا أبا عبد الله، أوصني، قال: (تقوى الله، وطلب العلم من عند أهله). رواه أبو زرعة الدمشقي وأبو نعيم في الحلية.
- وقال يونس بن عبد الأعلى: حدثنا ابن وهب، قال: قال مالك: (العلم نور يجعله الله حيث يشاء، ليس بكثرة الرواية). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال الزبير بن بكار: حدثنا محمد بن مسلمة المخزومي عن مالك بن أنس قال: (جنة العالم لا أدري إذا أغفلها أصيبت مقاتله). رواه ابن عبد البر في الانتقاء.
- وقال أبو مسهر الغساني: سألت مالك بن أنس عن شيء، فقال لي: (لا تسل عما لا تريد، فإنك تنسى ما تريد)
قال: (فضرب لي مالك مثلا، فقال: من اشترى ما لا يريد يوشك أن يبيع ما يريد). رواه أبو زرعة الدمشقي.
- وقال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس: (اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع). رواه أبو زرعة الدمشقي.
- وقال الحسن بن عبد العزيز الجروي: حدثنا الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، قال: قيل لمالك بن أنس: ما تقول في طلب العلم؟
قال: (حسن جميل، ولكن انظر الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال القعنبي: سمعت مالك بن أنس يقول: قال رجل: (ما كنتَ لاعبا فلا تلعبن بدينك). رواه أبو نعيم في الحلية.
قلت: قد روي نحوه عن سعيد بن المسيب.
- وقال يونس بن عبد الأعلى: حدثنا ابن وهب، قال: سمعت مالكا، يقول: (إن حقاً على مَن طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لأثر من مضى قبله). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال خالد بن نزار: سمعت مالك بن أنس يقول لفتى من قريش: (يا ابن أخي تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم). رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا الفروي، قال: سمعت مالكا يقول: (إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس فيه خير). رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال يونس بن عبد الأعلى، ثنا ابن وهب، عن مالك، قال: (لا يبلغ أحد ما يريد من هذا العلم حتى يضرّ به الفقر ويؤثره على كل حاجة). رواه أبو نعيم في الحلية.
وقال أحمد بن هاشم: حدثنا ضمرة، قال: سمعت مالكا، يقول: (لو كان لي سلطان على من يفسر القرآن لضربت رأسه). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال أبو مسهر الغساني: حدثنا مالك بن أنس قال: حدثني ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال لي ابن خلدة - وكان نعم القاضي-: (يا ربيعة أراك تفتي الناس فإذا جاءك الرجل يسألك فلا تكن همتك أن تخرجه مما وقع فيه ولتكن همتك أن تتخلص مما سألك عنه). رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه.

مؤلفات الإمام مالك بن أنس:
ترك الإمام مالك مؤلفات نافعة، وأشهر كتبه وأنفعها: الموطأ، وله روايات كثيرة أوصلها الأعظمي في دراسته للموطأ إلى مائة رواية، وقد طُبع منها: رواية يحيى بن يحيى الليثي، ورواية أبي مصعب الزهري، ورواية القعنبي، ورواية محمد بن الحسن الشيباني، ورواية ابن القاسم، ورواية علي بن زياد، ورواية سويد بن سعيد الحدثاني، ورواية يحيى ابن بكير.
- وقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي، يقول: (ما بعد كتاب الله تعالى كتاب أكثر صوابا من موطأ مالك). رواه أبو نعيم في الحلية.
- وقال العباس بن الوليد البيروتي: حدثنا أبو خليد، قال: أقمت على مالك فقرأت الموطأ في أربعة أيام فقال مالك: (علم جمعه شيخ في ستين سنة أخذتموه في أربعة أيام لا فقهتم أبدا). رواه أبو نعيم في الحلية.

- وللإمام مالك رسائل مذكورة في مؤلفاته منها:
أ: رسالة في إجماع أهل المدينة، كتبها إلى الليث بن سعد، وقد أخرجها الحافظ الفسوي في التاريخ والمعرفة، من رواية يحيى بن عبد الله بن بكير.
ب: ورسالة في القدَر، كتبها إلى ابن وهب.
ج: ورسالة في الأقضية، برواية عبد الله بن عبد الجليل، رواها عنه محمد بن يوسف بن مطروح.
د: ورسالة في الفتوى، وهي رسالة بعثها إلى أبي غسان محمد بن مطرف.
هـ: ورسالة في منازل القمر والنجوم، برواية سحنون عن ابن نافع الصائغ عنه.
- ومما جُمع له:
1: المدونة الكبرى، برواية سحنون بن سعيد التنوخي عن عبد الرحمن بن القاسم العتقي عن الإمام مالك، دار صادر.
2: مرويات الإمام مالك في التفسير، جمع: محمد طرهوني وحكمت بشير، دار المؤيد.
وللإمام مالك جزء في التفسير لكنه مفقود، قال الذهبي: (وله جزء في التفسير يرويه خالد بن عبدالرحمن المخزومي، يرويه القاضي عياض عن أبي جعفر أحمد ابن سعيد، عن أبي عبدالله محمَّد بن الحسن المقرئ، عن محمَّد بن علي المصيصي، عن أبيه بإسناده).

- ومما نسب إليه خطأً:
1: الرسالة الرشيدية ، وهي مطبوعة.
- قال الذهبي: (هذه الرسالة موضوعة، وقال القاضي الأبهري: فيها أحاديث لو سمع مالك من يحدّث بها لأدَّبه).
2: وكتاب السر، ونسبته إلى الإمام مالك قديمة، وقد اختلف فيها، وكبار فقهاء المالكية ينكرون صحتها عنه، وقيل إنه هو الرسالة الرشيدية.

تلاميذه والرواة عنه:
روى عن الإمام مالك جماعة من شيوخه وأقرانه وتلاميذه:
- فمن شيوخه: ابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
- ومن أقرانه: الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وابن جريج، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، ووهيب بن خالد، وسفيان بن عيينة.
- ومن تلاميذه: محمد بن إدريس الشافعي، وإسماعيل بن أبي أويس، وعبد الله بن وهب، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وحبيب بن أبي حبيب كاتب الإمام مالك، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، ويحيى ابن يحيى الليثي الأندلسي، وعبد الملك بن عبد العزيز ابن الماجشون، وأشهب بن عبد العزيز، وعبد الرحمن بن القاسم المصري، وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ويحيى بن عبد الله بن بكير، ومطرف بن عبد الله اليساري، ومعن بن عيسى القزاز، وعبد الله بن نافع الزبيري، وعبد الله بن نافع الصائغ، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعلي بن زياد، وسويد بن سعيد الحدثاني، وأبو قتيبة سلم بن قتيبة، وإسماعيل بن علية، وعبد الله بن إدريس الأودي، ووكيع بن الجراح، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن عبد الله بن يونس ، وروح بن عبادة، وسعيد بن منصور، ويحيى بن أبي عمر العدني، وقتيبة بن سعيد البلخي، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو مسهر عبد الاعلى بن مسهر الغساني، والوليد بن مسلم، وأبو إسحاق الفزاري، وأبو الوليد الطيالسي، وخلف بن هشام البزار، وهشام بن عمار الدمشقي، وورقاء بن عمر اليشكري، ومحمد بن عمر الواقدي، ويحيى بن سلام البصري، وغيرهم كثير.
- وقال ابن عبد البر: (أما الذين رووا عنه الموطأ، والذين رووا عنه مسائل الرأي، والذين رووا عنه الحديث؛ فأكثر من أن يُحصوا، قد بلغ فيهم أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في كتاب جمعه في ذلك نحو ألف رجل).

مروياته في التفسير:
أكثر ما يُروى عنه في كتب التفسير المسندة ما له تعلق بالفتوى وأحكام القرآن، وما يرويه عن غيره.

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة