العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التفاسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #26  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 12:59 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

19. الكنز.
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (19. الكنز.

وهذا الاسم ذكره الزمخشري والبيضاوي وأبو حيان وابن كثير وابن حجر والعيني والفيروزآبادي والشوكاني.
واستُدلَّ له بحديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعاً: « إن الله عز وجل أعطاني فيما منَّ به علي؛ إني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين».
وقد سبق بيان ضعفه). [تفسير سورة الفاتحة:56 - 57]

رد مع اقتباس
  #27  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:04 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

20. الأساس، أساس القرآن
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (20. الأساس، أساس القرآن

روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن وكيع أنه قال:
إن رجلا أتى الشعبي فشكا إليه وجع الخاصرة،
فقال: عليك بأساس القرآن.
قال: وما أساس القرآن؟
قال: فاتحة الكتاب.
قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس غير مرّة يقول: إن لكل شيء أساسا ... إلى أن قال: (وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ).
وهو خبر مكذوب.
وهذا الاسم ذكره: الثعلبي، والرازي، والقرطبي، البيضاوي، وأبو حيان، وابن كثير، وابن حجر، والعيني، والفيروزآبادي، والسيوطي، والشوكاني.
قال العيني: لأنها أوَّل سورة في القرآن فهي كالأساس.
وقد ذكر أبو حيان ومن بعده السيوطي لهذه السورة أسماء أخرى منها: النور، والمناجاة، والتفويض، ولا أعلم لهذه الأسماء ذكراً في التفاسير المتقدّمة.
وذكر الفيروزآبادي من أسمائها (سورة الثناء) ولا أعلم له ذكراً في كتب التفسير.
هذا خلاصة ما ذكره العلماء في شأن أسماء سورة الفاتحة، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم). [تفسير سورة الفاتحة:57 - 58]

رد مع اقتباس
  #28  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:10 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الباب الثالث:شرح مسائل نزول سورة الفاتحة

شرح مسائل نزول سورة الفاتحة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (شرح مسائل نزول سورة الفاتحة
من المسائل التي يبحثها أهل العلم في شأن نزول الفاتحة:
هل سورة الفاتحة مكية أو مدنية؟
● هل تكرر نزولها؟
● هل نزلت جميعاً؟
● كيف كان حال نزولها؟
● وما ترتيب نزولها؟
وهل صحّ أنها نزلت من كنز تحت العرش؟
● وهل نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على الأرض أم في السماء حين فرضت الصلاة؟
● وبيان اختصاص هذه الأمة بتنزيل سورة الفاتحة.

وموضوع هذا الدرس الجواب على هذه الأسئلة المتقدّمة، وقد أُدخِلُ الحديثَ عن بعض المسائل في بعض). [تفسير سورة الفاتحة:59]

رد مع اقتباس
  #29  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:15 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الخلاف في مكيّة سورة الفاتحة:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الخلاف في مكيّة سورة الفاتحة:
اختلف العلماء في نزول سورة الفاتحة على أقوال:

القول الأول: هي سورة مكية، وهو قول أبي العالية الرياحي والربيع بن أنس البكري.
وروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وفي الرواية عنهم ما يأتي توضيحه إن شاء الله.
وروي عن الحسن البصري وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقتادة السدوسي وغيرهم.
وقد استدلَّ جماعة من المفسّرين لهذا القول بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}، وهذه الآية من سورة الحجر وهي مكيَّة باتفاق العلماء.
وقد صحّت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنّ المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم فاتحة الكتاب، وقد تقدَّم ذكرها.
روى ابن جرير الطبري بإسناده عن أبي جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس البكري، عن أبي العالية الرياحي في قول اللّه تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني} قال: (فاتحة الكتاب، سبع آياتٍ)
قال أبو جعفر الرازي: قلت للرّبيع: إنّهم يقولون: السّبع الطّول.
فقال: (لقد أنزلت هذه وما نزل من الطّول شيءٌ).
وروى ابن جرير نحوه موصولاً إلى أبي العالية الرياحي.

تحقيق نسبة هذا القول إلى بعض الصحابة رضي الله عنهم:
روي هذا القول عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
فأما عمر بن الخطاب فعمدة نسبة هذا القول إليه ما روي عنه من تفسير السبع المثاني بفاتحة الكتاب.
روى ابن جرير في تفسيره من طريقين عن سعيد الجريري عن أبي نضرة العبدي أنه قال: قال رجلٌ منّا يقال له جابرٌ أو جويبرٌ: طلبت إلى عمر حاجةً في خلافته، فقدمت المدينة ليلاً فمثلت بين أن أتّخذ منزلاً وبين المسجد، فاخترت المسجد منزلاً فأرقت نشوًا من آخر اللّيل، فإذا إلى جنبي رجلٌ يصلّي يقرأ بأمّ الكتاب ثمّ يسبّح قدر السّورة، ثمّ يركع ولا يقرأ، فلم أعرفه حتّى جهر، فإذا هو عمر، فكانت في نفسي، فغدوت عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين حاجةٌ مع حاجةٍ قال: هات حاجتك قلت: إنّي قدمت ليلاً فمثلت بين أن أتّخذ منزلاً وبين المسجد، فاخترت المسجد، فأرقت نشوًا من آخر اللّيل، فإذا إلى جنبي رجلٌ يقرأ بأمّ الكتاب ثمّ يسبّح قدر السّورة ثمّ يركع ولا يقرأ، فلم أعرفه حتّى جهر، فإذا هو أنت، وليس كذلك نفعل قبلنا. قال: وكيف تفعلون؟ قال: يقرأ أحدنا أمّ الكتاب، ثمّ يفتتح السّورة فيقرؤها، قال: " ما لهم يعلمون ولا يعملون؟ ما لهم يعلمون ولا يعملون؟ ما لهم يعلمون ولا يعملون؟ وما يبتغى عن السّبع المثاني وعن التّسبيح صلاة الخلق).
وهذه القصّة فيها نكارة، وفيها جهالة حال شيخ أبي نضرة، وأمَّا الجريري وأبو نضرة فثقتان.
وليس في هذه الرواية تصريح بمكيّة الفاتحة سوى تفسير السبع المثاني بفاتحة الكتاب مع ما عُلِم من أنّ سورة الحجر مكية.
وأمّا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه؛ فرويت عنه روايتان إحداهما صحيحة غير صريحة، والأخرى صريحة غير صحيحة.
فأمّا الرواية الأولى: فما رواه السّدّيّ، عن عبد خيرٍ، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (السّبع المثاني: فاتحة الكتاب). رواه ابن جرير وسفيان الثوري والطحاوي في شرح مشكل الآثار والدارقطني في سننه والبيهقي في شعب الإيمان من طرق عن السدّي عن عبد خير عن علي رضي الله عنه، وهو إسناد حسن.
وأما الرواية الأخرى: فما روي عنه أنه قال: (نزلت فاتحة الكتاب بمكة من كنز تحت العرش). رواه الثعلبي في تفسيره ومن طريقه تلميذه الواحدي في أسباب النزول بإسنادهما إلى مروان بن معاوية الفزاري عن العلاء بن المسيب عن الفضيل بن عمرو عن علي.

وهذه الرواية ضعيفة لعلَّتين:
إحداهما: انقطاع الإسناد فإنّ فضيل بن عمرو لم يدرك عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
والأخرى: أنّ هذا الأثر رواه إسحاق بن راهويه كما في إتحاف الخيرة قال: حدثنا يحيى بن آدم ثنا أبو زبيد واسمه عبثر عن العلاء بن المسيب عن فضيل بن عمرٍو، عن علي بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه أنّه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: ثنا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ تغيّر لونه، وردّدها ساعةً حين ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ قال: (أنها نزلت من كنزٍ تحت العرش).
فلم يذكر فيه نزول سورة الفاتحة بمكّة.
وأما ابن مسعود رضي الله عنه فلما روى ابن جرير في تفسيره من طريق عبد الله بن إدريس عن هشام بن حسان عن ابن سيرين، قال: سئل ابن مسعودٍ عن سبعٍ من المثاني، قال: (فاتحة الكتاب).
وهذا الأثر رجال إسناده أئمة ثقات لكنَّه منقطع؛ فابن سيرين لم يدرك ابن مسعود.
وأمّا ابن عباس رضي الله عنهما فأخرج له ابن الضريس في فضائل القرآن رواية من طريقين عن عطاء الخراساني عن ابن عباس أنه قال: (أول ما نزل من القرآن بمكة، وما أنزل منه بالمدينة الأول فالأول، فكانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة، فكتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما أنزل من القرآن: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ، ثم {ن والقلم}، ثم {يا أيها المزمل}، ثم {يا أيها المدثر}، ثم الفاتحة، ثم {تبت يدا أبي لهب}...) ثم ساق سور القرآن كلها
وهذه الرواية ضعيفة جداً، في أحد طريقيها عمر بن هارون متروك الحديث، وفي الثانية ابن جريج وقد عنعن، وعطاء الخراساني لم يدرك ابن عباس، ومتن الأثر فيه نكارة ومخالفة ظاهرة لبعض ما صحّ في نزول السور.
وابن عباس رويت عنه روايتان في المراد بالسبع المثاني أصحّهما التي من طريق عبد الملك بن جريج عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن قال في قول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} قال: (هي فاتحة الكتاب). رواه الشافعي وعبد الرزاق وابن جرير.
وقد اختلفت الرواية عن أبي هريرة في هذه المسألة، وسيأتي توضيح ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة وعطاء بن أبي رباح فعمدة الرواية عنهم ما صحّ من تفسيرهم السبع المثاني بأنّها سورة الفاتحة مع علمهم بأنّ سورة الحجر مكية.

وهذا القول هو قول جمهور المفسّرين:
قال الثعلبي: (وعلى هذا أكثر العلماء).
وقال البغوي: ( وهي مكية على قول الأكثرين).
قال الثعلبي: (ومعلوم أن الله تعالى لم يمتنّ عليه بإتيانه السبع المثاني وهو بمكة، ثم أنزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان بمكة يصلي عشر سنوات بلا فاتحة الكتاب، هذا ممّا لا تقبله العقول).
وقال ابن عطية: (ولا خلاف أن فرض الصلاة كان بمكة، وما حفظ أنها كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وفاتحة الكتاب نزلت بمكة بلا ريب كما دل عليه قوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته)) وسورة الحجر مكية بلا ريب).
قال: (وكذلك قول من قال: الفاتحة لم تنزل إلا بالمدينة غلط بلا ريب. ولو لم تكن معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من قال إنها مكية معه زيادة علم)ا.هـ
وتفسير آخر كلامه أنَّ الفاتحة من القرآن بلا ريب، وهي إما مكية وإما مدنية؛ فمن قال إنها مكيَّة فلِمَا لديه من زيادة علم بتقدّم نزولها.
والقول الثاني: هي مدنية، وهو قول مجاهد بن جبر.
وقد نُسب خطأ إلى أبي هريرة وعبد الله بن عبيد بن عمير، وعطاء بن يسار، وعطاء الخراساني، وسوادة بن زياد، والزهري.
وقد حكى هذه الأقوال عنهم أبو عمرو الداني وابن عطية وابن الجوزي وعلم الدين السخاوي والقرطبي وابن كثير، وكَثُر تداولها في كتب التفسير وعلوم القرآن، وقد زاد بعضهم على بعض، ووقع في بعض هذه الأسماء تصحيف في بعض كتب التفسير.
فربما ظنَّ من رأى كثرة من نُسب إليهم هذا القول أن في المسألة خلافاً قوياً، وهي لا تصحّ عنهم، ولا أصل لها فيما بين أيدينا من الكتب المسندة إلا ما كان من الخطأ في رواية هذا القول عن أبي هريرة رضي الله عنه، وسيأتي توضيحه.
قال ابن حجر العسقلاني: (وأغرب بعض المتأخّرين فنسب القول بذلك لأبي هريرة والزّهريّ وعطاء بن يسارٍ).
قلت: وقد توسّع من بعدهم في نسبة هذا القول إلى آخرين.

بيان أنواع ما يُنسب إلى المفسّرين من الأقوال:
ومما ينبغي أن يعلمه طالب علم التفسير أن الأقوال المنسوبة إلى المفسّرين على نوعين:
النوع الأول: أقوال منصوصة، تدلُّ بنصّها على ما استدلَّ بها عليه، وهذه الأقوال يكون فيها الصحيح والضعيف من جهة الإسناد ومن جهة المتن.
والنوع الثاني: أقوال مستخرجة على أصحابها؛ لم يقولوا بنصّها؛ لكنّها فُهمت من قصّة وقعت لهم، أو من نصّ آخر على مسألة أخرى؛ ففُهم من ذلك النص أنه يلزم منه أن يقول في هذه المسألة بكذا وكذا، أو بطرق أخرى من طرق الاستخراج.
واستخراج الأقوال على قسمين:
- فمنه استخراج ظاهر؛ لظهور الدلالة عليه ولزومه لقول صاحبه مع ظهور التزامه به، فهذا النوع قد جرى عمل العلماء على نسبته، ومع هذا فيفضّل عند السعة والبسط أن يبيّن أنه قول مستخرج.
- ومنه استخراج غير ظاهر؛ إما لخفاء وجه الدلالة، أو عدم ظهور وجه اللزوم، أو وجود نصّ آخر له يعارض هذا اللزوم، وهذا القسم من الاستخراج لا يصحّ أن ينسب إلى العالم القول بمقتضاه؛ وقد تساهل في ذلك بعض المفسرين، ومنهم من يستخرج القول؛ فينُقل عنه ويشيع.
وقد يجتمع مع عدم صراحة الدلالة عدم صحّة الرواية، ثم ينتشر القول في كتب المفسّرين بسبب كثرة نقل بعضهم عن بعض إلى أن ينبّه إلى ذلك بعض العارفين بالأسانيد من أهل الحديث والتفسير؛ لكن ربما يخفى ذلك التنبيه على بعض طلاب العلم.
ولذلك حرصت في هذا الكتاب على محاولة التقصّي والتثبّت من نسبة الأقوال إلى قائليها، وتمييز ما صحّ مما لم يصح مما فيه إشكال، وبيان علل الأقوال الضعيفة وأسباب ضعفها ما أمكنني ذلك، جعله الله نصيحةً له تعالى ولكتابه ولطلاب العلم، والله المستعان وعلى التوكّل وبه التوفيق.
ثم لطالب العلم بعد ذلك أن يلخّص ما ترجح بعد معرفته ما صحّ مما لم يصح، وأن يتجاوز الحديث عن كثير من التفصيل في صحة نسبة الأقوال وبيان عللها.
ونسبة القول بأن الفاتحة مدنية إلى أبي هريرة رضي الله عنه لها علّة ينبغي أن تُكشف ليتبيّنها طالب علم التفسير:
فقد روى أبو الأحوص الكوفي عن منصور بن المعتمر عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «رنَّ إبليس حين أنزلت فاتحة الكتاب، وأنزلت بالمدينة» أخرجه الطبراني في الأوسط، وابن الأعرابي في معجمه كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي الأحوص به، وهو في مصنف ابن أبي شيبة مختصراً بلفظ: «أنزلت فاتحة الكتاب بالمدينة»
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنّه منقطع، فإنّ مجاهداً لم يسمع من أبي هريرة.
وقد سُئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: (يرويه منصور بن المعتمر واختلف عنه؛ فرواه أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد عن أبي هريرة، وغيره يرويه عن منصور، عن مجاهد من قوله وهو الصواب)ا.هـ.
ورواه ابن أبي شيبة مقطوعاً على مجاهد من طريق زائدة، عن منصور، عن مجاهد، قال: «الحمد لله رب العالمين أنزلت بالمدينة».
ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: (نزلت فاتحة الكتاب بالمدينة).
فالأثر ثابت عن مجاهد رحمه الله، لكنْ وصله إلى أبي هريرة خطأ.
قال الحسين بن الفضل البجلي(ت:282هـ): (لكل عالم هفوة، وهذه منكرة من مجاهد لأنّه تفرَّد بها، والعلماء على خلافه). ذكره الثعلبي.
وأما نسبة هذا القول إلى محمّد بن مسلم الزهري فلأجل ما روي عنه في كتاب "تنزيل القرآن" المنسوب إليه، وأنه عدَّ الفاتحة أول ما نزل بالمدينة، وفي إسناده الوليد بن محمد الموقّري وهو متروك الحديث.
وأما عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي فمن أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما، وله مرويات كثيرة في كتب التفسير، وكان إمام المسجد الحرام في زمانه، وقد روى عنه ابن جرير من طريقين ما يوافق قول الجمهور في المراد بالسبع المثاني بأنها فاتحة الكتاب؛ فلو استُخرج له من هذا الأثر رواية بمكية سورة الفاتحة لكان أهون من أن يُنسب إليه ضدها.
وقد تحرّف اسمه في بعض كتب التفسير إلى عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وهو خطأ.
وكذلك عطاء الخراساني روى عنه عبد الرزاق وابن جرير ما يوافق قول الجمهور في المراد بالسبع المثاني .
وأمَّا عطاء بن يسار وسوادة بن زياد البرجمي فحكى ابن عطيَّة في تفسيره نسبة هذا القول إليهما، ولا أعلم للرواية عنهما في هذه المسألة أصلاً فيما بين أيدينا من الكتب المسندة، وقد تقدّم ذكر استغراب ابن حجر لنسبة هذا القول.
والقول الثالث: نزلت مرتين: مرة بمكَّة ومرة بالمدينة، وهذا القول نسبه الثعلبي والواحدي في البسيط والبغوي في معالم التنزيل إلى الحسين بن الفضل البجلي(ت:282هـ).
قال الواحدي: (وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني؛ لأنها نزلت مرتين اثنتين؛ مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة)ا.هـ.
وقال البغوي: (وقال الحسين بن الفضل: سميت مثاني لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة كل مرة معها سبعون ألف ملك).
والحسين بن الفضل البجليّ من كبار المفسّرين، وله تفسير مفقود ينقل عنه الثعلبي كثيراً؛ وقد تقدَّم ذكر انتقاده لرواية مجاهد، وعدّه إيَّاها هفوة، فلعلَّ لحكاية هذا القول عنه علَّة يكشفها النظر في تفسيره أو العثور على نقل تامّ لعبارته.
وفي نقل البغوي ما يُشعر أنَّ النص مأخوذ من أثرٍ حكاه البجلي في تفسيره؛ فنُسب إليه؛ لأنه يبعد أن يُنشئ القول بذكر نزول هذا العدد من الملائكة مع سورة الفاتحة من تلقاء نفسه.
وقال بهذا القول القشيري (ت:465هـ) في تفسيره المسمَّى لطائف الإشارات، قال في تفسير قول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}: (أكثر المفسرين على أنها سورة الفاتحة، وسميت مثانى لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة)ا.هـ.
وذكر هذا القول بعد ذلك الكرماني والزمخشري وابن كثير وغيرهم من غير نسبة إلى أحد.
وقد حمل الشوكانيُّ هذا القول على إرادة الجمع بين القولين المتقدّمين، وهو جمع فيه نظر، والقول بتكرر النزول لا يصحّ إلا بدليل صحيح يُستند إليه.
والخلاصة أن هذا القول ضعيف، وفي النفس من نسبته إلى الحسين بن الفضل شيء.
والقول الرابع: نزل نصفها بمكة، ونصفها الآخر بالمدينة، وهذا القول ذكره أبو الليث السمرقندي (ت:375هـ) في تفسيره، قال: (ويقال: نصفها نزل بمكة، ونصفها نزل بالمدينة)ا.هـ.
وهو قول باطل لا أصل له، ولم ينسبه أبو الليث إلى أحد.
وقد ذكر هذا القول القرطبي وابن كثير من باب جمع ما قيل في هذه المسألة لا على سبيل الإقرار.
قال ابن كثير: (وهو غريب جداً).

وتلخيص ما سبق في نزول سورة الفاتحة أنها مكية لقول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم}، وقد صحّ تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للمراد بالسبع المثاني أنها فاتحة الكتاب من حديث أبيّ بن كعب وحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً، وهي أحاديث صحيحة لا مطعن فيها، وسورة الحجر سورة مكية باتفاق العلماء.
وقد صح عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ما يوافق تفسير النبي صلى الله عليه وسلم، وروي ما يوافقه عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة بأسانيد فيها مقال.
وصحّ هذا التفسير عن جماعة من التابعين.
وصحّ ما يفيد النصّ على أنها مكية عن أبي العالية الرياحي والربيع بن أنس البكري.
ولا يصحّ خلاف ذلك عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن أحد من التابعين إلا ما سبق بيانه عن مجاهد رحمه الله.
وجمهور أهل العلم على أنَّ الفاتحة مكيَّة، وهو الصواب، والله تعالى أعلم). [تفسير سورة الفاتحة:60 - 71]


رد مع اقتباس
  #30  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:19 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

خبر نزول سورة الفاتحة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (خبر نزول سورة الفاتحة
كان لنزول سورة الفاتحة شأن خاصٌّ يدلّ على فضلها وعظمتها، وفيه إشارة إلى ما ينبغي أن تُتلقَّى به هذه السورة من حسن التلقّي والقبول والتكريم.

روى عمَّار بن رُزيق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم، سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: " هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم"، فنزل منه ملك، فقال: "هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم"؛ فسلَّم وقال: (أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته). رواه مسلم وابن أبي شيبة والنسائي في الكبرى وغيرهم.
النقيض هو الصوت، ونقيض السقف تحرّك أجزائه حتى يُحدث صوتاً.
وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للنبيّ صلى الله عليه وسلم ولأمّته بما اختصّهم الله به من إنزال سورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة عليهم دون سائر الأمم.
وأنزلَ ملكاً كريماً إلى السماء لم ينزل من قبل، وما نزل إلا ليبلّغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم هذه البشارات العظيمة، وما تضمّنته كلّ بشارة منها من كرامات جليلة للنبيّ صلى الله عليه وسلّم ولأمّته تستوجب شكر الله تعالى ومحبّته واتّباع رضوانه.
فالبشارة الأولى: أنها نور عظيم البركة واسع الهدايات جليل البصائر:
- فهي نور يبصّر العبد بما يعرّفه بربِّه جلّ وعلا، وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا التي تقتضي من العبد اجتماع عبوديّات المحبّة والخوف والرجاء.
- وهي نور يبصّر المؤمن بمقصد خلقه، والحكمة من إيجاده، وأنه إنما خُلق ليقوم بعبادة ربّه وحده لا شريك له.
- وهي نور يبصّر المؤمن بحاجته إلى عون الله تعالى في كلّ شأن من شؤونه، ويرشده إلى استصحاب حال العبودية والاستعانة في جميع شؤونه.
- وهي نور يبصّر المؤمن بسبب الهداية ومصدرها، ووصف سبيلها، وحال أهلها، وعاقبتهم.
- وهي نور يبصّر المؤمن بأنه لا فلاح له إلا بالعلم النافع والعمل الصالح.
- وهي نور يبصّر المؤمن بسوء عاقبة الذين فرّطوا في العلم والذين فرّطوا في العمل من المغضوب عليهم والضالين.
وهذه الأمور تنتظم حياة المؤمن كلّها، لا تخلو حالة من حالاته من حاجة إلى التبصّر بمعاني هذه السورة العظيمة والاهتداء بهداياتها.
فهذا بعض معاني البشارة الأولى فيما يخصّ سورة الفاتحة.
والبشارة الثانية: أنّ هذه السورة كرامة خاصّة لهذه الأمّة ؛ لم تُعطها أمّة من الأمم، وفي ذلك من تشريف هذه الأمّة وتكريمها ما لا يخفى، وهذا التكريم يقتضي من المكرَّمين به تقبّله بما يحبّه الله تعالى من الفرح بفضله، والقيام بشكره، واتّباع رضوانه؛ فمن شكر كانت هذه البشارات نعمة عظيمة في حقّه يغتبط بها في دنياه وأخراه، ويجد من فضلها وكرامتها على قدر ما يتّبع من هداياتها.
ومن كفر كانت تلك البشارات حسرة عليه؛ لما يرى من خسرانه بتفريطه، وفوز من تلقّوا هذه البشارة بالقبول والشكر.
والبشارة الثالثة: أنَّ دعاء الداعي بها مستجاب؛ وأكّد هذه البشارة بتأكيد جامع بين أسلوبي الحصر والاستغراق؛ (لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته)
(بحرفٍ) نكرة في سياق النفي؛ ودخلت عليها الباء لإفادة استغراق العموم؛ فلا يُستثنى منه حرف، والحرف هنا كلّ جملة طلبية كانت أو خبرية؛ فالجملة الطلبية عطاؤها الإجابة، والجملة الخبرية الذكرُ والإثابة.
(إلا أعطيته) تأكيد للعطاء بأسلوب الحصر بإلا؛ الدالّ على إعطاء جميع المطلوب.
فحريّ بمن نصح لنفسه أن يعرف قدر هذه البشارات العظيمة، وحقّ هذا الفضل والتكريم، وأن يحرص كلّ الحرص أن يكون ممن ينفعهم الله بما أنزل الله من الهدى والنور في هذه السورة العظيمة، وأن يحرص كلّ الحرص على اجتناب ما تنقلب به هذه البشارات إلى حسرات عليه.
فقوله: (لن تقرأ) القراءة المعتبرة هنا هي القراءة التي يحبّها الله تعالى ويرضاها، وهي القراءة التي اشتملت على شرطي القبول من الإخلاص والمتابعة؛ فإذا قرأ العبد الفاتحة قراءة مخلصاً فيها لله جلّ وعلا، ومتبعاً فيها النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراءته متّقبَّلة نافعة، وتحت هذه الجملة ما يطول شرحه، واللبيب من وفّقه الله لفقهها). [تفسير سورة الفاتحة:71 - 74]

رد مع اقتباس
  #31  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:22 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

ترتيب نزول سورة الفاتحة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (ترتيب نزول سورة الفاتحة
لا يصحّ في ترتيب نزول سورة الفاتحة حديث ولا أثر مما وقفت عليه، ولا تحديد لتاريخ نزولها، وقد روي في ذلك حديث مرسل عن أبي ميسرة الهمداني، وآثار ضعيفة عن ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء الخراساني وابن شهاب الزهري، وهي آثار ضعيفة جداً في ترتيب نزول سور القرآن، لا يصحّ منها شيء؛ فلا نطيل الكلام عليها.

وأما مرسل أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل الهمداني فهو ما أخرجه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لخديجة: ((إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً))
فقالت: (معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فو الله إنك لتؤدي الأمانة، أو تصل الرحم، وتصدق الحديث)
فلما دخل أبو بكر وليس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكرت خديجة حديثه له وقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة، فقال: ومن أخبرك؟

قال: خديجة، فانطلقا إليه، فقصَّا عليه.
فقال: (( إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض))
فقال: لا تفعل فإذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني؛ فلما خلا ناداه يا محمد قل: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. حتى بلغ. ولا الضالين قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذلك له فقال له ورقة أبشر، ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك سوف تُؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك).

وهذا الخبر رجاله ثقات يونس بن عمرو هو ابن أبي إسحاق السبيعي، وأبو ميسرة تابعيٌّ ثقة من كبار التابعين وفضلائهم، لكن هذا الخبر فيه حروف منكرة؛ فلا يحتجّ به لإرساله، ولما فيه من نكارة، ولمخالفته ما صحّ في الأحاديث الصحيحة من أنَّ أوَّل ما نزل من القرآن صدر سورة اقرأ.
وقد رواه أيضاً الثعلبي والواحدي من طريق أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة، وقد اختلفا في إسناده ومتنه.
قال ابن حجر في العجاب: (وهو مرسل ورجاله ثقات؛ فإن ثبت حمل على أنَّ ذلك كان بعد قصة غار حراء، ولعله كان بعد فترة الوحي والعلم عند الله تعالى).
ومما ينبغي التنبيه عليه قول الزمخشري في كشافه: (وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب).
وقد نقل هذا القولَ عنه بعض المفسّرين، وهو خطأ محض، وقد ردّه ابن حجر في فتح الباري؛ فقال في باب تفسير سورة العلق: (قال صاحب الكشاف: "ذهب بن عباس ومجاهد إلى أنها أول سورة نزلت وأكثر المفسرين إلى أن أول سورة نزلت فاتحة الكتاب" كذا قال والذي ذهب أكثر الأئمة إليه هو الأول وأما الذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول)ا.هـ.
وقال ابن عاشور: (وقد حقّق بعض العلماء أنّها نزلت عند فرض الصّلاة فقرأ المسلمون بها في الصّلاة عند فرضها)ا.هـ.
وهذا القول يفتقر إلى دليل، وحديث ابن عباس المتقدّم دالٌّ على أنّ سورة الفاتحة نزلت على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو في الأرض، والصلاة فرضت عليه في السماء لمّا عُرج به). [تفسير سورة الفاتحة:64 - 76]

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:24 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

نزولها من كنز تحت العرش:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (نزولها من كنز تحت العرش:
وأما نزولها من كنز تحت العرش فروي فيه حديثان ضعيفان:

أحدهما: حديث صالح بن بشير عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:« إن الله عز وجل أعطاني فيما منَّ به علي؛ إني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين » رواه ابن الضريس في فضائل القرآن والعقيلي في الضعفاء والبيهقي في شعب الإيمان والديلمي في مسند الفردوس كلهم من طريق مسلم بن إبراهيم عن صالح بن بشير المري عن ثابت عن أنس، وصالح بن بشير ضعيف الحديث، قال النسائي: متروك الحديث.
والآخر: حديث العلاء بن المسيّب، عن فضيل بن عمرٍو، عن علي بن أبي طالبٍ رضي اللّه عنه أنّه سئل عن فاتحة الكتاب، فقال: حدّثنا نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ تغيّر لونه، وردّدها ساعةً حين ذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ قال: (أنها نزلت من كنزٍ تحت العرش). رواه إسحاق بن راهويه كما في إتحاف الخيرة والديلمي في مسند الفردوس كلاهما من هذا الطريق، وهو ضعيف لانقطاع إسناده؛ فإنّ فضيلاً لم يدرك عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد صحّ من حديث حذيفة بن اليمان وحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنهما أنّ الذي نزل من تحت العرش خواتيم سورة البقرة:
- فأما حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما فرواه أبو داوود الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وغيرهم من طريق أبي مالك الأشجعي عن ربعيّ بن حراشٍ عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فُضّلنا على الناس بثلاث: جعلت لي الأرض كلها لنا مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا، وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط منه أحد قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي)).
وأصل الحديث في صحيح مسلم غير أنّه ذكر الخصلتين الأوليين ثم قال: (وذكر خصلة أخرى..)
قال الألباني: (وهي هذه قطعا).
- وأما حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه فرواه الإمام أحمد
من طريق شيبان عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش، عن خرشة بن الحر، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، ولم يعطهن نبي قبلي».
وله طرق أخرى، وقد اختلف الرواة فيه على منصور، وقال الدارقطني: (القول قول شيبان)). [تفسير سورة الفاتحة:77 - 78]

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:29 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الباب الرابع:عدد آيات سورة الفاتحة
عدد آيات سورة الفاتحة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عدد آيات سورة الفاتحة
سورة الفاتحة سبع آيات بإجماع القرَّاء والمفسّرين، وقد دلَّ على ذلك النصّ كما دلَّ الإجماع:
- فأما دلالة النصّ فقول الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم} مع ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسيرها بسورة الفاتحة؛ فيكون العدد منصرفاً إلى آياتها.
قال أبو العالية الرياحي في قول اللّه تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني} قال: (فاتحة الكتاب سبع آياتٍ). رواه ابن جرير.
- وأمَّا الإجماع فقد حكاه جماعة من أهل العلم منهم: ابن جرير الطبري، وابن المنذر، وأبو جعفر النحاس، وأبو عمرو الداني، والبغوي، وابن عطية، والشاطبي، وابن الجوزي، وعلم الدين السخاوي، وابن تيمية، وابن كثير، وغيرهم كثير.
قال ابن جرير: (لا خلاف بين الجميع من القرَّاء والعلماء في ذلك).
وقد اتّفق علماءُ العدد على أنها سبع آيات.
قال أبو عمرو الداني: (اعلم أيدك الله بتوفيقه أنَّ الأعداد التي يتداولها الناس بالنقل، ويعدُّون بها في الآفاق قديماً وحديثاً ستة: عدد أهل المدينة الأوَّل، والأخير، وعدد أهل مكة، وعدد أهل الكوفة، وعدد أهل البصرة، وعدد أهل الشام)ا.هـ.
والمقصود بالعدّ الشامي العدّ الدمشقي وهو المرويّ عن عبد الله بن عامر اليحصبي(ت:118هـ) أحد القراء السبعة، وقد أخذ القراءةَ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وعن المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

ومن أهل العلم من أضاف العدّ الحمصي وهو المروي عن شريح بن يزيد الحمصي (ت:203هـ) مقرئ أهل حمص.
وقد كان في كلّ مصرٍ من هذه الأمصار قُرَّاء من السلف تلقّوا القراءات بالأسانيد المتَّصلة إلى قرَّاء الصحابة رضي الله عنهم، وكانت تؤخذ عنهم أعداد الآيات كما تُؤخذ عنهم القراءات، وقد حُمل علمُهم في عدد الآيات ودوّن في كتب أهل هذا الشأن وتناقله رواته، سوى ما ذُكر عن العدّ الحمصي أنه اندثر قديماً ولم يجد من يتولاه ويأخذ به من المتصدّرين للإقراء.
والمقصود أنّ عدد آيات الفاتحة سبع آيات في العدّ المدني الأول، والعدّ المدني الأخير، والعدّ المكّي، والعدّ الكوفي، والعدّ البصري، والعدّ الشامي،
كلّهم اتّفقوا على أنّ سورة الفاتحة سبع آيات.
ومع تقرّر الإجماع فقد حُكي في عدد آيات سورة الفاتحة أقوال أخرى:
منها: أنها ستّ آيات، فلا تعدّ البسملة آية منها، وهذا القول نُسب إلى حسين بن علي الجعفي (ت:203هـ) وكان من القراء الصالحين، قرأ على حمزة الزيات، وهو من شيوخ الإمام أحمد، وهذا القول المنسوب إليه ذكره ابن عطية من غير إسناد، ثم توارد على ذكره جماعة من المفسّرين بعده.
قال ابن عطية: (وهو شاذّ لا يُعوَّل عليه).
ومنها: أنها ثمان آيات؛ فتعدّ البسملة آية، و{إيّاك نعبد} آية، وهذا القول نُسب إلى الحسن البصري وعمرو بن عبيد المعتزلي.
قال الرازي: (رأيت في بعض الروايات الشاذة أن الحسن البصري كان يقول : هذه السورة ثمان آيات).
ولا يصحّ هذا القول عن الحسن البصري رحمه الله.
وكل هذه الأقوال الشاذة تُحكى في بعض كتب التفسير المتأخرة من غير إسناد، ولا أعلم لها أصولاً في الكتب المسندة، فلا هي ثابتة عمَّن نُسبت إليهم، ولا هي قائمة على حجة معتبرة.
والمقصود أنَّ سورة الفاتحة سبع آيات من غير خلاف بين أهل العلم، وما ذكر من الأقوال الشاذة فغير صحيح من جهة الإسناد، وغير معتبر من جهة المتن). [تفسير سورة الفاتحة:79 - 81]

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:32 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الخلاف في عدّ البسملة آية من الفاتحة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الخلاف في عدّ البسملة آية من الفاتحة
ومع اتّفاق العلماء على أنّ آيات الفاتحة سبع إلا أنّهم اختلفوا في عدّ البسملة آية منها على قولين:

القول الأول: البسملة آية من الفاتحة، وهو قول الشافعي ورواية عن أحمد، وهي كذلك في العدّ المكي والعدّ الكوفي.
والعدّ المكّي هو المروي عن عبد الله بن كثير المكّي مقرئ أهل مكّة عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنهم.
والعدّ الكوفي هو المروي عن أبي عبد الرحمن السُّلمي مقرئ أهل الكوفة عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد صحّ هذا القول عن عليّ بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم.
- روى أسباط بن نصر، عن السدي، عن عبد خير قال: سُئل علي رضي الله عنه، عن السبع المثاني، فقال: ( {الحمد لله} ).
فقيل له: إنما هي ست آيات.
فقال: ({بسم الله الرحمن الرحيم} آية). رواه الدارقطي والبيهقي.
- وقال ابن جريج: أخبرنا أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، أنّه، قال في قول اللّه تعالى: {ولقد آتيناك سبعًا من المثاني} قال: (هي فاتحة الكتاب)؛ فقرأها عليَّ ستًّا، ثمّ قال: ({بسم اللّه الرّحمن الرّحيم} الآية السّابعة). رواه الشافعي وعبد الرزاق وأبو عبيد وابن جرير وابن المنذر.

واستُدلَّ لهذا القول بأحاديث منها:
1. حديث ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن أم سلمة، أنها سُئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فقالت: ( كان يقطع قراءته آية آية: {بسم الله الرحمن الرحيم} . {الحمد لله رب العالمين} . {الرحمن الرحيم} .{مالك يوم الدين}). أخرجه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي والدارقطني وغيرهم.
قال الدارقطني: (إسناده صحيح، وكلهم ثقات).
وقد أعلّه بعض أهل الحديث بعلّة الانقطاع؛ والراجح أنه موصول غير منقطع، وإبهام السائل في هذه الرواية لا يضرّ؛ لأنّه قد سُمّي في رواية أخرى وهو "يَعلى بن مملك"، ومن حذف ذكر السائل فقد اختصر الإسناد؛ فانتفت العلّة.
2. وحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وموقوفاً: (( إذا قرأتم {الحمد لله} فاقرءوا: {بسم الله الرحمن الرحيم}؛ إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، و{بسم الله الرحمن الرحيم} إحداها)). رواه الدارقطني والبيهقي من طريق نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري , عن أبي هريرة، وهو إسناد صحيح، والموقوف أصح، وله حكم الرفع.
والقول الثاني: لا تعدّ البسملة من آيات سورة الفاتحة، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي ومالك، ورواية عن أحمد، وهو قول باقي أصحاب العدد.
وهؤلاء يعدّون {أنعمت عليهم} رأس آية.

واستُدلّ لهذا القول بأحاديث منها:
1. حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: مجدني عبدي - وقال مرة فوض إلي عبدي - فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)). رواه مسلم في صحيحه وأحمد والبخاري في القراءة خلف الإمام وغيرهما.
2. وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ{الحمد لله رب العالمين} لا يذكرون {بسم الله الرحمن الرحيم} في أول قراءة ولا في آخرها). متفق عليه.
وعدم الجهر بالبسملة لا يقتضي عدم قراءتها، وهذه الرواية عن أنس تفسّرها الرواية الأخرى من طريق شعبة، عن قتادة، عن أنسٍ، قال: «صلّيت خلف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وأبي بكرٍ، وعمر فلم يجهروا ببسم الله الرّحمن الرّحيم».
وقد روي عن عبد الله بن المغفّل المزني نحوه، والآثار المروية في الجهر بالبسملة وترك الجهر بها كثيرة جداً، وكثير منها ضعيف أو معلول، وهي مسألة منفصلة عن مسألة عدّ البسملة آية من الفاتحة، وإنما ذكرت هذا الحديث لاستدلال بعض أهل العلم به، وهو استدلال غير صحيح، وسيأتي لهذه المسألة مزيد تفصيل في درس البسملة إن شاء الله تعالى.
والصواب أنّ الخلاف في عدّ البسملة آية من الفاتحة كالاختلاف في القراءات إذ كلا القولين متلقّيان عن القرّاء المعروفين بالأسانيد المشتهرة إلى قرّاء الصحابة رضي الله عنهم، ومن اختار أحد القولين فهو كمن اختار إحدى القراءتين.
قال الحافظ ابن الجزري رحمه الله في النشر: (والذي نعتقده أن كليهما صحيح، وأنَّ كل ذلك حق، فيكون الاختلاف فيهما كاختلاف القراءات)ا.هـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والفاتحة سبع آيات بالاتفاق، وقد ثبت ذلك بقوله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فاتحة الكتاب هي السبع المثاني) وقد كان كثير من السلف يقول البسملة آية منها ويقرؤها، وكثير من السلف لا يجعلها منها ويجعل الآية السابعة {أنعمت عليهم} كما دلَّ على ذلك حديث أبي هريرة الصحيح، وكلا القولين حق؛ فهي منها من وجه، وليست منها من وجه، والفاتحة سبع آيات من وجه تكون البسملة منها فتكون آية. ومن وجه لا تكون منها فالآية السابعة {أنعمت عليهم} لأن البسملة أنزلت تبعاً للسور)ا.هـ.
وغرضنا في هذا الدرس تلخيص كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في مسألة عدد آيات سورة الفاتحة، وما يتّصل بذلك من تفصيل أقوالهم وحججهم وتقريراتهم، وأما ما يخصّ البسملة من مسائل وأحكام فسيفرد في درس مستقلّ بعون الله تعالى). [تفسير سورة الفاتحة:81 - 85]



رد مع اقتباس
  #35  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:38 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الباب الخامس:تفسير الاستعاذة

معنى الاستعاذة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (معنى الاستعاذة
الاستعاذة هي الالتجاء إلى من بيده العصمة من شرِّ ما يُستعاذ منه والاعتصام به.
قال الحصين بن الحمام المري:
فعوذي بأفناء العشيرة إنما ..... يعوذ الذليلُ بالعزيز ليُعصما
قال أبو منصور الأزهري: (يقال: عاذ فلان بربّه يعوذ عَوْذاً إذا لجأ إليه واعتصم به).
والعِصمة هي المنَعَة والحماية ، قال الله تعالى: {لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم}، وقال: {ما لهم من الله من عاصم}). [تفسير سورة الفاتحة:87]

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:41 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أقسام الاستعاذة:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أقسام الاستعاذة:
الاستعاذة على قسمين:
القسم الأول: استعاذة العبادة، وهي التي يقوم في قلب صاحبها أعمال تعبّدية للمستعاذ به من الرجاء والخوف والرغب والرهب، وقد يصاحبها دعاء وتضرّع ونذر.
وهي تستلزم افتقار المستعيذ إلى من استعاذ به، وحاجته إليه، واعتقاده فيه النفع والضر.
فهذه الاستعاذة عبادة يجب إفراد الله تعالى بها، ومن صرفها لغير الله تعالى فقد أشرك مع الله.
ومن صرفها لغير الله فإنه لا يزيده من استعاذ به إلا ذلاً وخساراً، كما قال الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجنّ فزادوهم رهقا}.
والقسم الثاني: استعاذة التسبب، وهي ما يفعله المستعيذ من استعمال الأسباب التي يُعصم بها من شر ما يخافه من غير أن يقوم في قلبه أعمال تعبدية للمستعاذ به.
وهذا كما يستعيذ الرجل بعصبته أو إخوانه ليمنعوه من شرّ رجل يريد به سوءاً، فهذه الاستعاذة ليست بشرك لخلوّها من المعاني التعبّدية، فهي أسباب تجري عليها أحكام الأسباب من الجواز والمنع بحسب المقاصد والوسائل.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون فِتَن، القاعِدُ فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من السَّاعي، مَنْ تَشَرَّفَ لها تَسْتَشْرِفْهُ، ومَن وَجَدَ مَلْجأ أو مَعاذا فَلْيَعُذْ به)).
وفي رواية عند مسلم: ((فليستعذ)) ومعناهما واحد، فهي استعاذة تسبب لا استعاذة عبادة). [تفسير سورة الفاتحة:87 - 88]

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:44 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

لوازم "الاستعاذة"
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (لوازم "الاستعاذة"
الاستعاذة عبادة عظيمة تستلزم عبادات أخرى قلبية وقولية وعملية:
فمنها: افتقار العبد إلى ربّه جلّ وعلا، وإقراره بضعفه وتذلّلـه وشدّة حاجته إليه.
ومنها: أنها تستلزم إيمان العبد بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وتدبيره وتصرّفه التامّ في الكون؛ وذلك أنّ الحامل على الاستعاذة في الأصل إيمان العبد بقدرة ربّه جلّ وعلا على إعاذته، وإيمانه برحمته التي يرجو بها قبول طلب إعاذته، وإيمانه بعزّته وملكه وجبروته وأنه لا يعجزه شيء، وإيمانه بعلم الله عزّ وجلّ
بحاله وحال ما يستعيذ منه، وإحاطته بكلّ شيء، وتستلزم أيضاً إيمان العبد بسمع الله وبصره وحياته التامّة وقيّوميّته، إلى غير ذلك من الاعتقادات الجليلة النافعة التي متى قامت في القلب قياماً صحيحاً كان لها أثر عظيم في إجابة طلب الإعاذة.
ومنها: أنها تحمل العبد على الاستقامة على أمر الله جلّ وعلا، وحفظ جوارحه ولسانه؛ لأنه يخشى أن يخذل بسبب ذنوبه وما فرّط فيه، فإذا ما وقع في عصيان أو تفريط أثر ذلك في قلبه خشية تحمله على المبادرة إلى التوبة والاستغفار والإنابة إلى الله جلّ وعلا.
ومنها:
أن المستعيذ تقوم بقلبه أعمال جليلة يحبّها الله تعالى، من الصدق والإخلاص والمحبّة والخوف والرجاء والخشية والإنابة والتوكّل والاستعانة وغيرها، وكل هذه العبادات القلبية العظيمة تقوم في قلب المستعيذ حين استعاذته؛ فلذلك كانت عبادة الاستعاذة من العبادات الجليلة التي يُحبّها الله تعالى ويثيب عليها، ويبغض من أعرض عن التعبّد له بها). [تفسير سورة الفاتحة:89 - 90]

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:46 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أثر الاستعاذة بالله تعالى على قلب العبد:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أثر الاستعاذة بالله تعالى على قلب العبد:
من أعظم ثمرات الاستعاذة بالله عمران القلب بخشية الله وصدق الإنابة إليه، وما تثمره من التفكّر والتذكّر والتبصّر والاستقامة.

- فأمّا الخشية فلما يقوم بقلبه من المعرفة بالله تعالى وبأسمائه وصفاته والمعرفة بما كسبت نفسه وفرّطت فيه من أوامر الله ؛ فيخشى سخط ربّه وعقابه.
- وأمّا الإنابة فلأجل ما يقوم في قلبه من الإقبال على ربّه، والإعراض عما يصدّ عنه، وهذه الإنابة هي المقصود الأعظم للابتلاء بما يُستعاذ منه.
ومتى صحّت الإنابة في قلب العبد كان من الذين يهديهم الله كما قال الله تعالى: {قل إن الله يضلّ من يشاء ويهدي إليه من أناب} ، وقال تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}
- وأما الصدق فلأجل أن المستعيذ صادق في طلب الإعاذة لشدّة حاجته إلى من يعصمه، واجتهاده في ذلك.
- وأما الإخلاص؛ فلأجل أن المؤمن يفزع إلى ربّه جلّ وعلا لا إلى غيره؛ فيستعيذ به وحده.
- وأما التوكّل فلأجل ما يقوم في قلب العبد من التفويض وعزمه على اتّباع هدى الله.
- وأمّا الاستعانة فلأجل معرفته بحاجته إلى عون الله تعالى على اتّباع هداه ليعصمه من شرّ ما استعاذ منه.
ومحركات القلوب إلى الله تعالى ثلاثة: المحبّة والخوف والرجاء
والاستعاذة تستحثّ هذه المحرّكات وتحفّزها في قلب العبد؛ فإذا دَهمَ القلبَ ما يزعجه ويخاف ضرره؛ فزع إلى الله تعالى ولاذ بجانبه وأيقن أنّه لا عاصم له إلا هو:
1. فيعظم الرجاء في الله لطلب السلامة والعصمة مما استعاذ منه؛ ذلك لأنّ المستعيذ إنما يحمله على الاستعاذة رجاؤه أن يستجيب له ربّه فيعيذه من شرّ ما استعاذ منه.
2. ويعظم الخوف من الله تعالى لعلم العبد بأنّه لن يخذل إلا من جهة نفسه وذنبه؛ فيحمله ذلك على الاستقامة والكفّ عن المعاصي؛ لأجل ما يقوم في قلبه من خوف ردّ استعاذته بسبب ذنوبه، ولذلك كان من شأن المحسنين عند الملمّات تقديم الاستغفار والتوبة إلى الله؛ كما أثنى الله تعالى على بعضهم بقوله: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)}
فسمّاهم الله محسنين وبيّن أنّهم يحبّهم ويحبُّ من يعملُ عملهم لمّا أحسنوا الاستعاذة به جلّ وعلا من شرّ عدوّهم؛ واتّبعوا هداه بصبرهم وعزيمتهم على جهاد عدوّهم، وخوفهم من ربّهم؛ فحقّقوا بما عملوا وبما قالوا معنى الاستعاذة كما يحبّ اللهُ ويرضى، حتى جعلهم مثلاً يحثّ عباده المؤمنين من هذه الأمّة على الاتّساء بهم في ذلك.

وقال تعالى: {إنّ الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا}

ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: (لا يخاف العبدُ إلا ذنبَه، ولا يرجو إلا ربه) رواه عبد الرزاق والبيهقي في شعب الإيمان.
3. وتعظم محبّة الله في قلبه لما يرى من أثر إعاذته له ويجد من طمأنينة القلب في الالتجاء إليه والاعتصام به، وإيمانه بأنّ الله وليّه الذي لا وليّ له غيره.
ومن قامت في قلبه هذه العبادات العظيمة كانت استعاذته من أعظم أسباب محبّة الله تعالى له، وهدايته إليه.
والمقصود أنّ الاستعاذة من العبادات العظيمة التي هي من مقاصد خلق الله تعالى للإنس والجنّ كما قال الله تعالى: {وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون}، وأنها تثمر في القلب أعمالاً تعبّدية يحبّها الله من الصدق والإخلاص والمحبة والرجاء والخوف والخشية والإنابة والتوكل وغيرها؛ فيحيا القلب بعد موته، ويستيقظ بعد غفلته، ويلين بعد قسوته، وتزكو النفس، وتستنير البصيرة، ويصلح العمل، وتحسن العاقبة). [تفسير سورة الفاتحة:90 - 92]

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:49 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الحكمة من تقدير ما يُستعاذ منه:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الحكمة من تقدير ما يُستعاذ منه:
وبما تقدّم تتبيّن لك بعض الحِكَم الجليلة من تقدير الله تعالى لما يُستعاذ منه، وخلق الأشياء المؤذية والضارة، مع ضمانه لعباده المؤمنين بإعاذتهم إذا أحسنوا الاستعاذة به؛ كما قال تعالى في حديث الوليّ المشهور: (ولئن استعاذني لأعيذنّه).
ولو قُدّر خلو العالم الدنيوي من الشرور التي يُستعاذ منها لفات على العباد فضيلة التعبد لله تعالى بالاستعاذة به، وفاتهم من المعارف الإيمانية الجليلة، والعبادات العظيمة ما يناسب ذلك.
والنفس البشرية إذا أمِنَت المضارّ ارتاحت إلى اتّباع الهوى وطول الأمل ودخل عليها من العلل والآفات ما يسوء به الحال والمآل؛ فكان من حكمة الله تعالى أن قدّر من أقدار الشرّ ما يحمل عباده على الاستعاذة به جلّ وعلا واتّباع هداه؛ فتتطهّر قلوبهم وتتزكّى نفوسهم وتصلح أحوالهم وتحسن عواقبهم، وقد قال الله تعالى {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }
فتقدير المشقّة والضرر لا يريد الله به أن يجعل على عباده المؤمنين حرجاً أو يكلّفهم ما لا يطيقون، وإنما يريد به أن يطهّرهم، وأن تتهيّأ نفوسهم لإنعامه الخاصّ الذي يختصّ به من يستجيب له ويتّبع هداه.
والمقصود أنّ الحوادث والابتلاءات مجال رحب يعرّف العباد بربّهم جلّ وعلا وبأسمائه وصفاته، ليجدوا ما أخبر الله به وما وعدهم به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم صدقاً وحقاً). [تفسير سورة الفاتحة:93]

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:51 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

تحقيق الاستعاذة:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (تحقيق الاستعاذة يكون بأمرين:
أحدهما: التجاء القلب إلى الله تعالى وطلب إعاذته بصدق وإخلاص معتقداً أن النفع والضر بيده وحده جلّ وعلا، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
والآخر: اتّباع هدى الله فيما أمر به ليعيذه، ومن ذلك بذل الأسباب التي أمر الله بها، والانتهاء عما نهى الله عنه.
فمن جمع بين هذين الأمرين كانت مستعيذاً بالله حقاً). [تفسير سورة الفاتحة:94]

رد مع اقتباس
  #41  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:53 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

درجات الاستعاذة:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (درجات الاستعاذة:
أمرَ الله تعالى بالاستعاذة به؛ وهذا الأمر الرباني يتضمّن وعداً كريماً بإعاذة من يستعيذ به، فمن أحسن الاستعاذة بالله تعالى أعاذه الله،كما قال الله تعالى في الحديث القدسي [ولئن استعاذني لأعيذنه]، والله تعالى لا يخلف وعده، ولكن الشأن كلَّ الشأن في تصحيحِ الاستعاذةِ وإحسانها؛ فإن الاستعاذة الصحيحة هي التي تنفع العبد بإذن الله تعالى، وهي التي يكون فيها صدق التجاء القلب إلى الله تعالى، واتباع هداه، فيما يأمر به العبد وينهاه، فإذا سلك العبد سبيل النجاة نجاه الله.
وأما من يستعيذ بلسانِه وقلبُه معرضٌ عن صدق الالتجاء إلى الله، أو يستعيذ بلسانه ولا يتبع هدى الله فاستعاذته كاذبة.

ولذلك فإنَّ الناس في الاستعاذة على درجات:
الدرجة الأولى: أصحاب الاستعاذة الباطلة، وهي الاستعاذة التي تخلَّف عنها أحد شرطي القبول من الإخلاص والمتابعة؛ وهؤلاء استعاذتهم من جَهْد البلاء، لأنهم يستعيذون بالله وبغيره؛ فيشركون بالله، ويدعونَ {وما دعاء الكافرين إلا في ضلال}، وكذلك أصحاب الاستعاذات البدعية مما يحدثه بعض الناس من التعويذات المبتدعة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
والدرجة الثانية: الاستعاذة الناقصة، وهي الاستعاذة التي خلت من الشرك والبدعة، لكنها استعاذة ناقصة ضعيفة لما فيها من ضعف الالتجاء إلى الله، وضعف الاستعانة به، والتفريط في اتباع هداه؛ فيستعيذ أحدهم وقلبه فيه غفلة ولهو عن الاستعاذةِ.
والاستعاذةُ نوع من أنواع الدعاء وقد رُوي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله لا يستجيب لعبد دَعَاه عن ظهر قلب غافل )) والحديث حسَّنه الألبانيّ رحمه الله.
قال ابن القيّم رحمه الله في الجواب الكافي كلاماً معناه: الدعاء دواء نافع مزيل للداء لكن غفلة القلب عن الله تضعف قوَّته.
وكذلك من يستعيذ بقلبه لكن في اتباعه لهدى الله عز وجلَّ ضعف وتهاون وتفريط فتكون استعاذته ناقصة بذلك، والاستعاذة الناقصة تنفع أصحابها بعضَ النفع بإذن الله تعالى.
الدرجة الثالثة: استعاذة المتقين، وهي الاستعاذة الصحيحة المتقبَّلة التي تنفع أصحابها بإذن الله، وهي التي تكون بالقلب والقول والعمل:
- فأما تصحيح الاستعاذة بالقلب؛ فذلك بأن يكون في قلب صاحبها التجاء صادق إلى الله جل وعلا، فيؤمن بأنه لا يعيذه إلا الله، ويتوكل على الله وحده، ويحسن الظنَّ به، ويصبر على ما يصيبه حتى يفرج الله عنه، ولا ينقض استعاذته ولا يضعفها بالاستعجال وترك الدعاء ولا بالتسخط والاعتراض.
- وأما الاستعاذة بالقول؛ فتكون بذكر ما يشرع من التعويذات المأثورة، وما في معناها مما يصحّ شرعاً.
- وأما الاستعاذة بالعمل؛ فتكون باتباع هدى الله جلَّ وعلا، ولا سيما في ما يتعلق بأمر الاستعاذة.
الدرجة الرابعة: استعاذة المحسنين، وهي أعلى درجات الاستعاذة وأحسنها أثراً، وأصحاب هذه الدرجة هم ممن أوجبَ الله تعالى على نفسه أن يعيذهم إذا استعاذوه، وهم الذين حققوا صفات ولاية الله تعالى كما في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قال: [ من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه؛ فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمعُ به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه] )).
وهؤلاء هم الذين أحسنوا الاستعاذة بقلوبهم وأعمالهم وأحوالهم؛ حتى إنهم يستعيذون بالله كأنهم يرون الله جل وعلا، يكثرون من ذكر الله، ويحسنون اتباع هدى الله تعالى؛ فتراهم يسارعون في الخيرات، ويكفّون عن المحرّمات، ويتورعون عن الشبهات، ويحسنون التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.
فهؤلاء أولياء الله، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، واستعاذتهم سريعة الأثر في الغالب، كما كانت استجابتهم لله تعالى سريعة لا تردد فيها ولا توانٍ.
وبهذا يتبيَّن أن الناس يتفاضلون في الاستعاذة، بل أصحاب كلّ درجة يتفاضلون فيها، بل إنّ العبد الواحد تتفاضل استعاذاته فيحسن في بعضها ويقصّر في بعضها، ومن تبصّر بحقيقة الاستعاذة بالله، وأيقن بنفعها وعظيم أثرها على قلبه وجوارحه وحاله ومآله حرص على إحسانها.
وكلما كان العبد أحسن استعاذةً كانت إعاذته أرجى وأنفعَ وأحسنَ أثراً بإذن الله تعالى.
والله تعالى يبتلي عبادَه ببعض ما يُستعاذ منه؛ فمن أحسن الاستعاذة به جلّ وعلا أعاذه، واصطفاه، ورفع درجته؛ فكانت حاله بعد استعاذته أحسن وأكمل وأحبّ إلى الله من حاله قبل أن يُقدّر عليه ما استعاذ منه.
وقد كتب الله حسن العاقبة لمن يتّبع هداه، وبذلك يطمئنّ المؤمن أنّه ما دام متبعاً لهدى الله فهو على خير، وإلى خير، وما أصابه مما يكره فسيفضي به إلى ما يحبّ بإذن الله. (*)). [تفسير سورة الفاتحة:94 - 98]

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:55 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الأمر بالاستعاذة من الشيطان الرجيم
أمر الله تعالى عباده بالاستعاذة من الشيطان الرجيم في آيات من القرآن الكريم:

- فقال الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم * إنّه ليس له سلطانٌ على الّذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون}.
- وقال تعالى: {وإمّا ينزغنّك من الشّيطان نزغٌ فاستعذ باللّه إنّه سميعٌ عليمٌ}.
- وقال تعالى: {قل ربّ أعوذ بك من همزات الشّياطين * وأعوذ بك ربّ أن يحضرون}
- وقال تعالى: {وإمّا ينزغنّك من الشّيطان نزغٌ فاستعذ باللّه إنّه هو السّميع العليم}.
وهذه الآيات تدلّ دلالة بيّنة على أن للشيطان من الشرور ما يستوجب استعاذة المسلم منه بربّه جلّ وعلا، وأنه لا سلامة من شرّه وكيده إلا بتحقيق الاستعاذة بالله تعالى.
وقد بيّن الله تعالى في مواضع كثيرة من القرآن أن الشيطان عدوّ للإنسان، وأنه إنما يريد أن يغوي بني آدم ليكونوا من أصحاب النار، وأن من أعظم حبائله الوسوسة التي يغرّ بها بعض بني آدم ويستزلّهم بها حتى يُنسيهم ما وعدهم الله به من وعد الحقّ إذا آمنوا به وأطاعوه، ولذلك جاء الأمر الصريح باتّخاذه عدوا يجب الحذر منه والانتهاء عن اتّباع خطواته.
وقد جمع الله ما تقدّم من هذه الأصول العظيمة في آيتين من كتابه؛ فقال تعالى: { يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)}
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}.
وقال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}.
وقال: { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)}). [تفسير سورة الفاتحة:98 - 99]

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 01:58 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أنواع شرور الشيطان:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع شرور الشيطان:
للشيطان شرور كثيرة متنوّعة لا يخلو منها شأن من شؤون الإنسان؛ كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه)).

وقد ثبت في النصوص أن الشيطان يوسوس وينزغ ويهمز وينفخ وينفث، ويستزلّ ويضلّ، ويخوّف، ويَعِدُ ويمنّي ويزيّن الشهوات المحرمة، ويثير الشبهات المحيرة، بل له تصرفات في بعض أجساد الناس، كما صح أن التثاؤب من الشيطان، والحلم من الشيطان، والاستحاضة من الشيطان، وصراخ الطفل إذا استهل من الشيطان، والغضب من الشيطان، والعجلة من الشيطان، والالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وأن الشيطان يوهم بعض الناس أنه خرج منه ريح وهو لم يخرج، كما في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أحدكم إذا كان في الصلاة جاءه الشيطان فأبسّ به ، كما يبس الرجل بدابته، فإذا سكن له أضرط بين إليتيه ليفتنه عن صلاته ، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا لا يشك فيه)). إلى غير ذلك من أنواع الشرور التي تدلّ من تفكّر فيها وفي آثارها أنّه لا بدّ له من الاستعاذة بالله تعالى من شرّه وكيده.
وهذه الأعمال أدلتها معلومة في الكتاب والسنة وشرحها يطول ويخرجنا عن المقصود من تلخيص كلام أهل العلم في تفسير الاستعاذة). [تفسير سورة الفاتحة:99 - 100]

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 02:01 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

درجات كيد الشيطان:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (درجات كيد الشيطان:
ومما ينبغي أن يعلم أن كيد الشيطان على درجات:

الدرجة الأولى: الوسوسة، وهي أصل كيده وأوّله، وهو بلاء عامّ قد ابتلي به الأنبياء فمن دونهم، وهو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا، لكنَّ هذه الوسوسة لا تضرّ من يتّبع هدى الله شيئاً كما قال الله تعالى في أوّل وصية أوصى بها آدم وحواء لما أهبطهما إلى الأرض وأهبط معهما إبليس فتنة وابتلاء: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) }
وقال تعالى: { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38)}.
فهذا هو أصل الابتلاء في هذه الحياة الدنيا ليعلم الله من يتبع هداه ممن يتّبع الشيطان.
والدرجة الثانية: التسلط الناقص، وهو على نوعين: استزلال، وابتلاء.
أ: فأمّا الاستزلال فيكون لبعض عصاة المسلمين الذين يتّبعون خطوات الشيطان حتى يستزلّهم، أي: يوقعهم في الزَّلَل؛ فيتسلَّط عليهم تسلّطاً يفتنهم ويغويهم به؛ فيرتكبون بعضَ ما حرّم الله أو يتركون بعضَ ما أوجب الله؛ فيُحرمون بذلك من خير عظيم وثواب كريم، ويتعرّضون لفتنة أشدّ وعذاب أليم؛ كما قال الله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)}
وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}
وقال تعالى: { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)}
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ب: وأما الابتلاء فقد يبتلي الله بعض عباده المؤمنين بإيذاء الشياطين وكيدهم، كالإيذاء بالفزع والتخويف، والإضرار بأنواع من الضرر، ومن ذلك كيد بعض مردة الجنّ لبعض الصالحين، وما يكون من همزات الشياطين ونزغهم، وقد يشتدّ هذا الإيذاء والإضرار ببعض المؤمنين وقد يضعف، وقد يطول أمده وقد يقصر؛ بحسب ما يقدّره الله من ذلك لحكمة يعلمها جلّ وعلا، ومن هذا النوع ما قد يُبتلى به بعض الأنبياء فمن دونهم كما قال الله تعالى في شأن أيّوب عليه السلام: {واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربّه أنّي مسني الشيطان بنصب وعذاب}
ومن هذا النوع ما يحصل لبعض الصالحين من الابتلاء بالسحر والعين وتسلط الشياطين، وما يحصل لهم من الآفات التي تُضعف أبدانهم ويتسلط عليهم الشيطان بأنواع من الأذى.
فهذا التسلّط شفاؤه الصبر والتقوى؛ فمن صبر واتّقى كانت عاقبته حسنة، ورفع الله عنه بلاءَه وأعظم جزاءه؛ فإنَّ الله تعالى لا يديم البلاء على عبده، ولا يجعل عاقبة من اتّبع هداه سيّئة، وقد قال الله تعالى: {فاصبر إنّ العاقبة للمتقين}، وقال الله تعالى: {إنه من يتق ويصبر فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين}.
فأهل البلاء يبلغون درجة الإحسان التي هي أعلى مراتب الدين بالصبر والتقوى.
وهؤلاء لا يتمكن الشيطان منهم تمكناً تاماً ما بقي معهم الإيمان بالله جل وعلا والعمل الصالح، ومهما بلغ بهم الأذى فإن الله يجعل لهم مخرجاً وفرجاً، والله تعالى لا يديم البلاء على عبده، وعظم الجزاء مع عظم البلاء.
ومن هذا الإيذاء ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن كما في مسند الإمام أحمد ومصنف ابن أبي شيبة وغيرهما من حديث أبي التيَّاح قال: سأل رجل عبد الرحمن بن خنبش رضي الله عنه وكان شيخاً كبيراً قد أدرك النبيَّ صلى الله عليه وسلم: كيف صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم حين كادته الشياطين؟
قال: (جاءت الشياطين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأودية، وتحدَّرت عليه من الجبال، وفيهم شيطان معه شعلة من نار يريد أن يحرق بها رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قال: (فرعب؛ جعل يتأخر).
قال: (وجاء جبريل عليه السلام؛ فقال: يا محمد قل).
قال: ((ما أقول؟)).
قال: (قل:((أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن))؛ فطفئت نار الشياطين وهزمهم الله عزَّ وجل).
فهذه التعويذة نافعة لمن وجد شيئاً من أذى الشياطين وتبدّيهم له وتفلتهم عليه.
والدرجة الثالثة: التسلّط التام، وهو تسلّط الشيطان واستحواذه على أوليائه الذين اتّخذوه ولياً من دون الله حتى خرجوا من النور إلى الظلمات ، ومن ولاية الله إلى ولاية الشيطان {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)}
وقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)}.
ومن ضيّع الصلاة وتعامى عن ذكر الله تعالى كان على خطر من استحواذِ الشيطان عليه كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)}
وفي المسند والسنن من حديث معدان بن أبي طلحة اليعمري قال: قال لي أبو الدرداء: أين مسكنك؟
قلت: في قرية دون حمص.
قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من ثلاثة في قرية لا يؤذّن ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان)) فعليك بالجماعة فإن الذئب يأكل القاصية)). [تفسير سورة الفاتحة:100 - 104]

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 02:05 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أسباب العصمة من كيد الشيطان:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أسباب العصمة من كيد الشيطان:
لا سبيل للعصمة من كيد الشيطان إلا بالاستعاذة بالله والإيمان به والتوكّل عليه، كما تقدّم في آية النحل.

وهذا المعنى الكبير أفاض أهل العلم رحمهم الله في الحديث عنه وتفصيله وسلكوا في ذلك طرقاً متنوّعة، وحاصل ما تلخّص لي من كلام أهل العلم في هذا الباب يمكن إرجاعه إلى ثلاثة أسباب إجمالاً:
السبب الأول: اليقين بشدة حاجة العبد إلى أن يعيذه الله من كيد الشيطان.

وهذا اليقين متركب من بصيرتين:
البصيرة الأولى: بصيرة العبد بنفسه وضعفها، وشدّة افتقاره إلى الله تعالى، وأنه لا عصمة له إلا أن يعصمه الله؛ كما قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}.
وقال تعالى: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83)}.
والبصيرة الثانية: البصيرة بشدة عداوة الشيطان، ودوامها ما دامت حياة الإنسان، وحضور الشيطان للعبد عند كلّ شيء من شأنه، والبصيرة بخطر اتّباع خطوات الشيطان.
فينشأ من هاتين البصيرتين يقينٌ بالافتقار الدائم الشديد إلى الله تعالى، ومن حصل له هذا اليقين أثمر له الاعتصام بالله {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم}.
والسبب الثاني، وهو مترتب على الأوّل: العمل بما أرشد الله تعالى إليه وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم مما يعصم الله به عبده من كيد الشيطان:
وأصل ذلك ومعناه الجامع: تقوى الله عزّ وجلّ بأداء الفرائض والانتهاء عن المحرمات، والتوبة مما يحصل من العبد من ذنب باقتراف محرّم أو تضييع واجب.
ومن ذلك: قراءة السور والآيات والأدعية والأذكار والتعويذات الشرعية التي جعلها الله سبباً مباركاً للعصمة من كيد الشيطان.
ومنها: المعوذات وآية الكرسي إذا أصبح وإذا أمسى، وقراءة آخر آيتين من سورة البقرة، وقراءة سورة البقرة، وقراءة الأذكار والتعويذات الشرعية، وهي متنوّعة وميسّرة، ولله الحمد، وفضلها عظيم، وأثرها نافع جداً.
ومن ذلك: التسمية في المواضع المندوب إلى التسمية فيها؛ عند الدخول والخروج، وعند الأكل والشرب والجماع والرمي وكلّ أمر ذي بال.
والسبب الثالث: حراسة مداخل الشيطان على الإنسان، وأهمها: الغفلة، والهوى، والغضب، والفرح، والشهوة، والشحّ، والفضول.
فهذه المداخل التي يدخل منها الشيطان على كثير من الناس فيستزلّهم؛ فمن أقام دون كلّ مدخل منها حرساً من ذكر الله والاعتصام به والعمل بما أرشد الله إليه في كلّ أمر من هذه الأمور؛ فقد وقي شرّا عظيماً.
والجمع بين هذه الأسباب الثلاثة هو تفصيل لاتّباع هدى الله تعالى فيما أرشد إليه في آية النحل بقوله: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون}
فإن تحقيق التوكّل إنما يكون بالجمع بين تفويض القلب واتّباع الهدى، والتوكّل من واجبات الإيمان ودلائله كما قال الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين}). [تفسير سورة الفاتحة:105 - 107]


رد مع اقتباس
  #46  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 03:21 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الاستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن
قال الله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ باللّه من الشّيطان الرّجيم * إنّه ليس له سلطانٌ على الّذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون}

فالشيطان يريد أن يحول بين المرء وبين الانتفاع بالقرآن بما يستطيع من الكيد، فإن استطاع أن يردّه عن تلاوته أصلاً ردّه حتى يقع في هجران القرآن؛ فإن عصاه المسلم فقرأ القرآن اجتهد في صدّه عن الانتفاع بتلاوته بإفساد قصده، أو إشغال ذهنه، أو التلبيس عليه في قراءته أو غير ذلك من أنواع الكيد، إذ لا شيء أنكى على الشيطان ولا أغيظ عليه من أن يتّبع المسلم هدى ربّه جلّ وعلا ويفوز بفضله ورحمته.
وَمَن عصمه الله من كيد الشيطان عند تلاوته للقرآن كان أقرب إلى إحسان تلاوته، وتدبّر آياته، والتفكّر في معانيه، وعَقْلِ أمثاله، والاهتداء بهداه، وكان أحرى بالخشية والخشوع، والسكينة والطمأنينة، والتلذّذ بحلاوة القرآن، ووجدان طعم الإيمان، والفوز بنصيب عظيم من فضل الله ورحمته وبركاته). [تفسير سورة الفاتحة:107 - 108]

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 03:24 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

هل الاستعاذة قبل القراءة أو بعدها؟
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (هل الاستعاذة قبل القراءة أو بعدها؟
قال الله تعالى {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}

وقد نُقل في معنى هذه الآية أربعة أقوال للعلماء:
القول الأول: إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا قول جمهور أهل العلم، فإنّ العرب تطلق الفعل على مقاربته، كما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)).
أي إذا أراد الدخول إلى الخلاء أو قارب الدخول إلى الخلاء.
ومنه ما في الصحيحين أيضاً من حديث عائشة رضي الله عنها أن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وقد فسَّره جماعة من الشرَّاح كابن عبد البر وغيره بأن المراد قاربت الصباح.
وهو قول جمهور العلماء، وممن قال به: ابن جرير، وابن خزيمة، والطحاوي، والبيهقي، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن تيمية، وغيرهم.
وقال به من علماء اللغة: يحيى بن سلام، والزجاج، وابن الأنباري، والنحاس، وابن سيده، وغيرهم.
والقول الثاني: في الآية تقديم وتأخير، والتقدير إذا استعذت بالله فاقرأ القرآن، وهذا قول أبي عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن.
وقد ردّه ابن جرير رحمه الله بقوله: (كان بعض أهل العربيّة يزعم أنّه من المؤخّر الّذي معناه التّقديم، وكأنّ معنى الكلام عنده: وإذا استعذت باللّه من الشّيطان الرّجيم فاقرأ القرآن، ولا وجه لما قال من ذلك، لأنّ ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذ مستعيذٌ من الشّيطان الرّجيم لزمه أن يقرأ القرآن)ا.هـ.
والقول الثالث: إذا قرأت فاجعل مع قراءتك الاستعاذة، وهذا قول ثعلب.
قال كما في مجالسه: (في قوله عز وجل: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " قال: هذا مثل الجزاء، مثل قولهم إذا قمت قمت، وإذا فعلت فعلت، وقيامى مع قيامك، أي الاستعاذة والقرآن معاً، أي اجعل مع قراءتك الاستعاذة، كقولهم: اجعل قيامك مع قيام زيد).
والأقوال الثلاثة المتقدّمة متفقة على أنَّ الاستعاذة قبل القراءة.
والقول الرابع: إذا فرغت من قراءتك فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا القول روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، ونُسب القول به إلى الإمام مالك، وحمزة الزيات القارئ، وأبي حاتم السجستاني، وداود بن عليّ الظاهري.
وكلّ هؤلاء لا تصحّ نسبة هذا القول إليهم، وقد شاعت نسبته إليهم في كتب التفسير وبعض شروح الحديث، وقد أحسن ابن الجزري - رحمه الله-
بيانَ علل هذه الروايات في كتابه "النشر في القراءات العشر" وخطَّأ من نسبها إليهم، وقال في وقت الاستعاذة: (هو قبل القراءة إجماعاً ولا يصح قولٌ بخلافه، عن أحد ممن يعتبر قوله، وإنما آفة العلم التقليد).
ثم قال بعد توجيه معنى الآية على القول الأول: (ثم إن المعنى الذي شرعت الاستعاذة له يقتضي أن تكون قبل القراءة؛ لأنها طهارة الفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطييب له، وتهيؤ لتلاوة كلام الله تعالى، فهي التجاء إلى الله تعالى، واعتصام بجنابه من خلل يطرأ عليه، أو خطأ يحصل منه في القراءة وغيرها وإقرار له بالقدرة، واعتراف للعبد بالضعف والعجز عن هذا العدو الباطن الذي لا يقدر على دفعه ومنعه إلا الله الذي خلقه).ا.هـ). [تفسير سورة الفاتحة:108 - 110]

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 03:26 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

الإجماع على أنّ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ليست قرآنا
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (الإجماع على أنّ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ليست قرآنا
قال ابن عطية: (وأجمع العلماء على أن قول القارئ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ليس بآية من كتاب الله)). [تفسر سورة الفاتحة:110]

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 03:29 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

صِيَغ الاستعاذة
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (صِيَغ الاستعاذة
روي في صيغ الاستعاذة عدد من الأحاديث النبوية والآثار عن الصحابة والتابعين؛ فمن الأحاديث المرفوعة:

1. حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استبّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني لأعلم كلمة، لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ))
فقالوا للرجل: (ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟)
قال: (إني لست بمجنون). رواه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن سليمان بن صرد رضي الله عنه.

وهذا الحديث روي من طريق أبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما.
وهذه الصيغة الواردة في الحديث لم تكن في الصلاة ولا عند القراءة، لكنّها أصحّ ما روي من صيغ الاستعاذة، وبها يقول الشافعي وكثير من الفقهاء والقراء.
2. وروى محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان، من همزه ونفخه ونفثه». رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داوود وابن المنذر في الأوسط، وغيرهم.
محمد بن فضيل سمع من عطاء بن السائب بعد الاختلاط.
3. جعفر بن سليمان الضبعي عن علي بن علي الرفاعي، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك»، ثم يقول: «لا إله إلا الله» ثلاثا، ثم يقول: «الله أكبر كبيرا» ثلاثا، «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» رواه أحمد والدارمي وأبو داوود والترمذي وابن خزيمة وغيرهم.
4. عمرو بن مرّة، عن عاصم بن عمير العنزيّ، عن نافع بن جبير بن مطعمٍ، عن أبيه قال: رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين دخل في الصّلاة، قال: «اللّه أكبر كبيرًا، ثلاثًا، الحمد للّه كثيرًا، ثلاثًا، سبحان اللّه بكرةً وأصيلًا ثلاثًا، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الشّيطان من همزه ونفخه ونفثه».
قال عمرٌو: «وهمزه: المُوتة، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشّعر». رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وغيرهم.
رجال ثقات معروفون غير عاصم العنزي وقد اختلف في اسمه، وهو مجهول الحال، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.
وله شاهد مرسل رواه الإمام أحمد من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفثه ونفخه).
5. وروى يعلى بن عطاء، أنه سمع شيخا من أهل دمشق، أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل في الصلاة من الليل كبر ثلاثا، وسبح ثلاثا، وهلل ثلاثا، ثم يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه). رواه أحمد، والشيخ الدمشقي مجهول الحال.
وأما الآثار المروية عن الصحابة رضي الله عنهم في صيغ الاستعاذة فمنها:
1. ما رواه الأعمش، عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود بن يزيد النخعي قال: افتتح عمر الصلاة، ثم كبر، ثم قال: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك , وتعالى جدك، ولا إله غيرك، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الحمد لله رب العالمين» رواه ابن أبي شيبة.
2. وما رواه ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر، كان يتعوذ يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، أو «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم» رواه ابن أبي شيبة.
وفي رواية عند عبد الرزاق وابن المنذر كان يقول: « اللهمّ إنّي أعوذ بك من الشّيطان الرّجيم »
وقد روي عن بعض التابعين في ذلك آثار صحيحة منها:
1. ما رواه عبد الله بن طاووس بن كيسان عن أبيه وكان من أصحاب ابن عباس أنه كان يقول: «رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم» رواه عبد الرزاق.
2. وما رواه أيوب السختياني عن محمد بن سيرين أنه كان يتعوذ قبل قراءة فاتحة الكتاب وبعدها، ويقول في تعوذه: «أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون» رواه ابن أبي شيبة.
3. وما رواه كهمس بن الحسن عن عبد الله بن مسلم بن يسار، قال: سمعني أبي، وأنا أستعيذ بالسميع العليم، فقال: «ما هذا؟» قال: قل: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم). رواه ابن أبي شيبة.
وهذه الأحاديث والآثار تدلّ على أنّ الاختيار في صيغة الاستعاذة واسع، وقد اختلفت اختيارات أئمة الفتوى والقراءات في ذلك:
- فمن الأئمة من اختار التعوذ بقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وهو قول أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد، وهو المختار عند القراء.
قال ابن الجزري: (المختار لجميع القراء من حيث الرواية {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم}).
- ومنهم من اختار: {أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم} وهو رواية عن أحمد.
- ورواية ثالثة عنه: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم).
قال النووي: (قال الشّافعيّ في الأمّ وأصحابنا يحصل التّعوّذ بكلّ ما اشتمل على الاستعاذة باللّه من الشّيطان لكنّ أفضله أعوذ باللّه من الشّيطان الرّجيم).
وقال ابن قدامة: (وهذا كلّه واسع، وكيفما استعاذ فهو حسن).
لكن ينبغي أن يختار من الصيغ المأثورة، وأن لا يتّخذ صيغة غير مأثورة شعاراً له يكثر منها عند القراءة؛ لأنّ الأصل في القراءة الاتّباع.
قال ابن عطية: (وأما المقرئون فأكثروا في هذا من تبديل الصفة في اسم الله تعالى وفي الجهة الأخرى كقول بعضهم: «أعوذ بالله المجيد من الشيطان المريد» ونحو هذا مما لا أقول فيه: نعمت البدعة، ولا أقول: إنه لا يجوز)ا.ه). [تفسير سورة الفاتحة:110 - 115]

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 30 محرم 1439هـ/20-10-2017م, 03:31 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

حكم الاستعاذة لقراءة القرآن
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (حكم الاستعاذة لقراءة القرآن
اختلف العلماء في حكم الاستعاذة لقراءة القرآن على ثلاثة أقوال:
القول الأول: هي سنّة في الصلاة وخارجها، وهو قول الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وابن سيرين والأوزاعي وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم كثير.

ثم من هؤلاء من يقول: تكفي الاستعاذة في أوّل ركعة، وهو قول الحسن وعطاء بن أبي رباح، ورواية عن أحمد.
ومنهم من قال: يستعيذ في كلّ ركعة وهو قول ابن سيرين، والشافعي، ورواية عن أحمد.
قال الشافعي: (إن قاله في كل ركعة قبل القراءة فحسن، ولا آمر به في شيء من الصلاة أمري به في أوّل ركعة).
ثم منهم من يرى الاستعاذة للإمام والمنفرد دون المأموم، وهذا قول سفيان الثوري.
قال ابن المنذر: (وذلك لأنه كان لا يرى خلف الإمام قراءة؛ فأمّا على مذهب من يرى القراءة خلف الإمام فإنّه يستعيذ).
والقول الثاني: لا يستعيذ في صلاة الفريضة، ويستعيذ في النافلة إن شاء، وفي غير الصلاة.
وهذا قول الإمام مالك في المشهور عنه.
والقول الثالث: وجوب الاستعاذة لقراءة القرآن ، وهذا القول يُنسب إلى عطاء بن أبي رباح وسفيان الثوري، ولم أره مُسنداً عنهما.
والراجح هو القول الأول وهو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى). [تفسير سورة الفاتحة:115 - 116]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:24 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة