العودة   جمهرة العلوم > المنتديات > منتدى جمهرة التفاسير

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #76  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:12 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

المثال الثاني: معنى {مسنون}
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المثال الثاني: معنى {مسنون}
قول ابن عطية الأندلسي(ت:546هـ) في تفسير قول الله تعالى: {من حمأ مسنون} قال: (قال معمر: هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير).

ثمّ تعقّبه بقوله: (والتصريف يردّ هذا القول).
يريد أنّه لا يقال في اسم المفعول من "أسن": "مسنون"؛ لأن "أسن" فعل ثلاثي لازم؛ فلا يصاغ منه اسم مفعول، وإذا عدَّيته بالهمزة فاسم المفعول منه: "مُؤسَن".
ثمّ قال ابن عطية: (والذي يترتَّب في "مَسْنُونٍ":
- إما أن يكون بمعنى محكوك؛ محكَم العمل أملس السطح، فيكون من معنى المُسَنّ والسنان، وقولهم: سَنَنْتُ السّكينَ وسننت الحجر: إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر:
ثم دافعتها إلى القبة الخضرا ... ء تمشي في مرمر مسنون
أي محكم الإملاس بالسَّنّ
- وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول: سننت التراب والماء إذا صببته شيئا بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاصي لمن حضر دفنه: إذا أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سنا، ومن هذا: هو سن الغارة. وقال الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، فمعنى الآية- على هذا- من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة)ا.هـ.
فذكر قولين صحيحين من جهة التصريف، ويضاف إليهما قول ثالث ذكره الخليل بن أحمد، وهو أن "المسنون" بمعنَى "المصوَّر" من قول العرب: سنَّ الشيء إذا صوَّره، والمصوَّر: مسنون.
ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:
سحرتني بجيدها ، وشتيتٍ ، ** وبوجهٍ ذي بهجةٍ مسنونِ
وقول ذي الرمة:
ترِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاَء لَيْسَ بها خَالٌ ولا نَدَبُ
وقال أبو عبيدة (المسنون: المصبوب على صورة).
فجمع القولين الثاني والثالث.
وقال المبرّد: (المسنون: المصبوب على استواء).


فهذه أقوال أهل اللغة، وللسلف في معنى "مسنون" قولان آخران:
أحدهما:
أن المسنون: الرطب، وهذا القول رواه ابن جرير من طريق معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس.

وتخريج هذا القول أن يكون المسنون هنا بمعنى الذي سُنَّ عليه الماء؛ فهو رطب لذلك.
والآخر: أنّ المسنون المتغيّر، وهذا قول ابن جرير، استخرجه من أثر رواه عن قتادة، واختلف أهل اللغة في تخريج هذا القول:
فذهب الفراء إلى أنّ المسنون لا يكون إلا متغيّراً؛ فتفسير المسنون بالمتغيّر تفسير بلازم المعنى لا بدلالته اللفظية.
وذهب أبو عمرو الشيباني إلى أنّه مأخوذ من تَسَنَّنَ الطعامُ إذا تغيّر، ومنه قوله تعالى: {لم يتسنّه} والهاء مبدلة من النون.
قال أبو عبيدة: (وليستْ من الأَسِن المتغير، ولو كانت منها لكانت ولم يتأسن).
وذهب أبو منصور الأزهري إلى أنّه مأخوذ من السَّنَة، أي: مضت عليه سنون حتى تغيّر.
فانظر في هذه المفردة كيف اتّسع النظر فيها بسبب بحث تصاريفها.
والتحقيق: أنّ الأقوال الثلاثة الأولى صحيحة، واللفظ يحتملها من غير تعارض، وقول الفراء أقرب الأقوال في تخريج القول المروي عن بعض السلف). [طرق التفسير:211 - 213]


رد مع اقتباس
  #77  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:26 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

المثال الثالث: معنى {قُبلا}
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المثال الثالث: معنى {قُبلا}
ومن فوائد علم التصريف أنه يُعرف به تخريج بعض أقوال السلف في التفسير من جهة اللغة.

ومن أمثلة ذلك: أقوال السلف في تفسير قول الله تعالى: {وحشرنا عليهم كلّ شيء قُبُلا}
فروي عنهم في معنى {قبلا} ثلاثة أقوال:
القول الأول: {قُبُلا} أي : معاينة، وهذا القول رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس من طريق معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس.
والقول الثاني: {قبلا} أي: أفواجاً ، رواه ابن جرير عن مجاهد.
والقول الثالث: {قُبلا} أي: كفلاء، وهذا القول اختاره الفراء.

فهذه ثلاثة أقوال في هذه المسألة:
- فأمّا القول الأول فتخريجه أنّ القُبُل بمعنى المقابِل ؛ والمقابل معاين لمن قابله، كما تقول: لقيتُه قُبُلاً: أي: مواجهة ، ومنه قوله تعالى: {قُدّ من قُبُل}، وقوله تعالى: {أو يأتيهم العذاب قُبُلا}.
ويرجّح هذا المعنى قراءة من قرأ: {وحشرنا عليهم كلّ شيء قِبَلا}.
- وأما القول الثاني فتخريجه أنَّ {قبلا} جمع قبيل، كرغيف ورُغُف، والقبيل: الجماعة الكثيرة من صنف واحد، أي ُحشروا عليهم أفواجاً كل فوج قبيل.
قال ابن كثير: (أي: تُعرَض عليهم كلّ أمّةٍ بعد أمة فتخبرهم بصدق الرسل فيما جاؤوهم به {ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء اللّه}).
- وأما القول الثالث فتخريجه أنَّ {قبلا} جمع قبيل بمعنى كفيل، ومنه قوله تعالى: {أو يأتي بالله والملائكة قبيلا} أي: كفلاء وضمناء.
والتحقيق أنّ هذه المعاني كلّها صحيحة، ودلالة الآية تسعها كلها.
فانظر فائدة علم التصريف في معرفة التخريج اللغوي لأقوال السلف، وقد كان عامّتهم عرباً فصحاء من أهل عصر الاحتجاج، يفسّرون القرآن بما يعرفون من لسانهم العربيّ، وقد تقدّم أنّ تفسيرهم حجّة لغوية إذا صحّ الإسناد إليهم وأُمن لحن الرواة). [طرق التفسير:213 - 215]

رد مع اقتباس
  #78  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:29 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

النوع الثامن: الاشتقاق
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (النوع الثامن: الاشتقاق
الاشتقاق هو انتزاع لفظة من لفظة أخرى تشاركها في أصل المعنى والحروف الأصلية؛ وتخالفها باختلاف الصيغة.
وهو من دلائل اتّساع كلام العرب، وكثرة تصاريف ألفاظه على أوجه متنوّعة من الاشتقاق والنقل والقلب والإبدال.
وعلم الاشتقاق من العلوم المهمّة للمفسّر، إذ يعرف به الأصول التي ترجع إليها كثير من الكلمات العربية، فيتبيّنُ أصلَ معناها، ويدرك التناسب في المعنى بين الكلمات التي ترجع إلى أصل واحد.
والاشتقاق له أصل في النصوص، وقد استدلّ له بعض العلماء بما في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله عز وجل أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن يصلها أصله ومن يقطعها أقطعه)).
ومما روي من شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه قوله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم:
وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمسِ المؤذنُ أشهدُ
وشقَّ له من اسمه ليجلَّه ... فذو العرش محمود وهذا محمد

وقد نُقل عن العرب من الأخبار والأشعار ما يدلّ على عنايتهم بالاشتقاق، وإدراكهم لتصرّف كثير من كلماتهم من أصول تُشتقّ منها، ومن ذلك أسماؤهم وأسماء بلدانهم ومنازلهم ووقائعهم؛ إذ يجد الناظر فيها أنّها مشتقّة من أصول لها معانٍ معروفة في لسانهم.
وقد ذهب جمهور أهل اللغة إلى أنّ أكثر كلام العرب مشتقّ.
وقال ابن فارس(ت:395هـ): (أجمع أهل اللغة إلا من شذَّ عنهم أنَّ للغة العرب قياساً، وأنَّ العربَ تشتقُّ بعضَ الكلامِ من بعض، وأنَّ اسم الجنّ مشتق من الاجتنان، وأنَّ الجيم والنون تدُلاَّن أبداً عَلَى السَّتر، تقول العرب للدّرع: "جُنَّة"، و:"أجَنَّهُ الليلُ"، و:"هذا جنين"، أي هو فِي بطن أمّه أَوْ مقبور.
وأن الإنس من الظهور، يقولون: آنَسْت الشيء: أبصرته.
وَعَلَى هَذَا سائرُ كلام العَرَب، عَلم ذَلِكَ من عَلِم، وجَهِلَه من جهل)ا.هـ.
وقد بنى ابن فارس مُعجَمه الذي سماه "معجم مقاييس اللغة" على إرجاع المفردات العربية إلى أصول تُشتقّ منها، وتتناسب معانيها). [طرق التفسير:216 - 217]

رد مع اقتباس
  #79  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:32 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

تفاوت ظهور الاشتقاق
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (تفاوت ظهور الاشتقاق
اشتقاق الكلام بعضه من بعض قد يكون ظاهراً غير مُشْكِل، كاشتقاق اسم "محمّد" من الحمد، واشتقاق "الحُسام" من الحَسْم، وهو من أسماء السيف.

- وقد يكون الاشتقاق خفيا لغرابة اللفظ فيحتاج الناظرُ إلى تفسيره ليعرف اشتقاقه، كما قال الأصمعي في كتابه "اشتقاق الأسماء" : ("دُجَانة": اشتقّ من الدَّجن، والدَّجْن ظلمة الغيم وإلباسُه)ا.هـ.
فكأنّ المولود المسمّى بهذا الاسم قد وُلد في يومِ دَجْنٍ، وكان من عادة بعض العرب أنهم يسمّون أولادهم بأوّل ما يظهر لهم بأدنى مناسبة؛ حتى إنّ منهم من إذا ولدت امرأته غلاماً ورأى ثعلباً سمّى ولده ثعلباً.
وقال الأصمعي أيضاً: ("مِرْداس" اشتقّ من الرَّدس، وهو ضربُ الجبل بالمعوَل والصخرة العظيمة)ا.هـ.
فإذا عرف معنى اللفظة وما اشتقّت منه تبيّنت المناسبة بينهما.
- وقد يكون الاشتقاق لمناسبة لطيفة لا يدركها كثير من الناظرين؛ كما اشتقّ "أمس" من المساء، و"غد" من الغُدوة؛ باعتبار أقرب الأوقات إلى يومك الحاضر.
قال ابن القيّم رحمه الله في "بدائع الفوائد": (اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه؛ فيقال: فعلت اليوم، فذكر الاسم العام ثم عرف بأداة العهد ولا شيء أعرف من يومك الحاضر؛ فانصرف إليه، ونظيره الآن من آن، وأما "أمس" و"غد" فلما كان كل واحد منهما متصلا بيومك اشتق له اسم من أقرب ساعة إليه؛ فاشتق لليوم الماضي "أمس" الملاقي للمساء، وهو أقرب إلى يومك من صباحه أعني صباح غد؛ فقالوا: أمس، وكذلك "غد" فقد اشتق الاسم من "الغدوة" وهو أقرب إلى يومك من مسائه أعني مساء غد)ا.هـ.
- وقد يقع الخلاف في أصل اشتقاق الكلمة وتتجاذبها أصول متشابهة في أوجه من المعاني؛ فيجتهد العلماء في الاختيار منها والترجيح بينها، كما اختلفوا في اشتقاق لفظ "القرآن" على أقوال:
أحدها: أنه مشتق من القراءة التي هي بمعنى التلاوة، تقول: قرأت قراءة وقرآنا، قال الله تعالى: {فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه}.
وقال حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان:
ضحّوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
أي قراءة، وهذا القول قال به ابن جرير الطبري، وأسند معناه إلى ابن عباس، ورجّحه ابن عطية.
وعلى هذا القول يكون القرآن بمعنى المقروء، تسمية للمفعول بمصدره.
والقول الثاني: أنه مشتقّ من "القَرْء" بمعنى الجمْعِ، وهو مروي عن قتادة، وقال به أبو عبيدة والزجاج وجماعة من العلماء، واحتجوا بقول عمرو بن كلثوم:
ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا
قالوا: أي: لم تضمّ في رحمها ولداً.
قال أبو عبيدة: (وإنما سمّى قرآنا لأنه يجمع السور فيضمها).
والقول الثالث: أنه مشتق من "القَرْء" بمعنى الإظهار والبيان، وأن القِرَاءة إنما سمّيت قراءة لما فيها من إظهار الحروف، وبيان ما في الكتاب، وقد قال بهذا القول قطرب، وفسّر قول عمرو بن كلثوم: (لم تقرأ جنينا) بالولادة؛ أي لم تُلْقِ من رحمها ولداً، وأرجع المعنى إلى أصل الإظهار والبيان.
قال قطرب فيما ذكره عنه أبو منصور الأزهري في الزاهر: (إنما سُمي القرآن قرآناً، لأن القارئ يُظهره ويبيّنه، ويلقيه من فيه).
وذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أنّ "القران" جامد غير مشتق، وكان الشافعي ينطق اسم القرآن بغير همز "القُران" وهي قراءة ابن كثير المكّي.
وقد روى ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه كان يقول: (القُرَان اسم وليس بمهموز، ولم يؤخذ من قرأت، ولكنه اسم لكتاب الله، مثل التوراة والإنجيل).
والقُرآن والقُرَان بمعنى واحد، وإنما هما لغتان إحداهما بالهمز، والأخرى بالنقل والتسهيل.
قال ابن عاشور: (اتفق أكثر القراء على قراءة لفظ "قرآن" مهموزاً حيثما وقع في التنزيل، ولم يخالفهم إلا ابن كثير قرأه بفتح الراء بعدها ألف على لغة تخفيف المهموز، وهي لغة حجازية، والأصل توافق القراءات في مدلول اللفظ المختلف في قراءته)ا.هـ.
وذهب علم الدين السخاوي إلى أنّ "القران" بالتسهيل مشتقّ من "قَرَنت" بمعنى الضمّ والاقتران.
وأرجح الأقوال أنه مشتق من القراءة، وأنه سمّي قرآنا لأنّه كتابٌ اتُّخذَ للقراءة الكثيرة التي لا يبلغها كتاب غيره، ويدلّ على ذلك بناء الاسم على صيغة "فُعْلان" التي تدلّ على بلوغ الغاية، كسُبحان وحُسبان وغُفران وشُكران، مع ما دلّ عليه قول الله تعالى: {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)}
وقال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ}.
وكان بعض السلف يُسمّون الغناء "قرآن الشيطان" وقد روي في ذلك حديث مرفوع لا يصح، وإنما سمّي بذلك لكثرة ما يَقرأ المغنون من الأغاني التي تُلهي عن ذكر الله). [طرق التفسير:217 - 220]

رد مع اقتباس
  #80  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:35 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

ما لا يدخله الاشتقاق:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (ما لا يدخله الاشتقاق:
ومن الكلمات المستعملة في لسان العرب ما ليس بمشتقّ ، كالحروف، والأسماء الأعجمية، وبعض أسماء الذوات والمعاني التي لم يؤخذ معناها من غيرها؛ كالحجر والشجر والصبر والرضا.

وقد تكلموا في اشتقاق بعض الأسماء الأعجمية التي تقارب العربية في نطقها كإبراهيم ويوسف وأيّوب؛ فمن أهل العلم من ذهب إلى أنّها جامدة بناء على الأصل، ومنهم من ذهب إلى أنّها مما تتقارب فيه اللغات مع اختلاف يسير في النطق بحسب كلّ لغة، فما كان كذلك فيرجع إلى أصله العربي فيكون مشتقاً.
- فأمّا إبراهيم فأرجعه بعضهم إلى البرهمة، وهي إدامة النظر، ذكره أبو الحسن الماوردي والكرماني وغيرهم، وهذا مأخوذ من قول بعض أهل اللغة في معنى البرهمة.
قال الخليل بن أحمد: بَرْهَم الرجل إذا فتح عينيه وحدّد النظر قال:
يمزجن بالناصع لوناً مُسْهَما ... ونَظَراً هَوْنَ الهوينا بَرْهَما)ا.هـ.
والبيت للعجاج بن رؤبة.
وقال الأصمعي: (بَرْهم إذا أدام النظر).
وليس في كلام هؤلاء الأعلام أنّ اسم "إبراهيم" مشتق من البرهمة، وإنما هو معنى أخذه بعض المفسّرين لأجل تشابه الألفاظ، وهو خطأ.
وقال جماعة من المفسّرين: هو اسم سرياني، معناه في السريانية "أب رحيم"، ذكر ذلك مقاتل بن سليمان وأبو الحسن الماوردي، واحتجّ له ابن القيّم في جلاء الأفهام بأنّ إبراهيم هو الأب الثالث للعالم بعد آدم ونوح.
وهذا القول غير مستبعد لأن اللغات العائدة إلى أصول واحدة قد تتشابه في نطق بعض الكلمات مع اتحاد المعنى، لكن هذا خارج عن حدّ الاشتقاق.
- وأمّا يوسف فأرجعه بعضهم إلى الأسف وهو الحزن؛ ذكره أبو جعفر الرعيني(ت:779هـ) في كتابه "تحفة الأقران فيما قرئ بالتثليث من حروف القرآن" ثمّ ردّه بقوله: (وفي هذا الاشتقاق ما ترى من التكلّف وإساءة الأدب).
- وأمّا "أيّوب" فأرجعه بعضهم إلى الأوب، فقيل: هو فيعول، وقيل: فَعُّول من الأوب، ذكره الزبيدي في تاج العروس.
والقول ما قاله ابن الأنباري في الأضداد إذ قال:("أيوب" يكون أعجميا مجهول الاشتقاق، ويكون عربيا مجرى في حال التعريف والتنكير؛ لأنه يجري مجرى قيوم، من قام يقوم، ويكون فيعولا من آب يؤوب، إذا رجع، قال عبيد بن الأبرص:
وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب)ا.هـ.
والأسماء الأعجمية المحضة غير مشتقة). [طرق التفسير :221 - 222]

رد مع اقتباس
  #81  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:39 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

نشأة علم الاشتقاق:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (نشأة علم الاشتقاق:
علم الاشتقاق من أخصّ علوم العرب، وألطفها، وإن لم يدوّنوا فيه كتاباً، ولم يجمعوا له أصولاً وأنواعاً على طرائق مصنفي الكتب ممّن أتى بعدهم؛ إذ كانت العرب أمّة أميّة لا تكتب.

وقد روي من من أخبارهم وأشعارهم ما يدلّ دلالة بيّنة على عنايتهم بالاشتقاق، والتفنن في تصريف الكلام وردّ بعضه إلى بعض، وإدراك مآخذ التسميات ومقاصدها، يعينهم على ذلك ما عُرفوا به من حسن البيان، وجودة القريحة، ولطافة الذهن.
ومن ذلك قول دريد بن الصمّة القشيري بعد أن ظفر بفزارة وهم قبيلة من غطفان، وقتل منهم من قتل ثأراً بمقتل أخيه عبد الله وجماعة من فرسان بني قشير:
قتلتُ بعبد الله خير لِدَاتِه ... ذؤابَ بنَ أسماءَ بنِ زيدِ بنِ قارِبِ
فلليوم سُمّيتم فزارة فاصبروا ... لِوَقْع القَنا تَنزُونَ نَزْو الجنادب

أي في مثل هذا اليوم يظهر معنى اسمكم "فزارة"، يشير إلى أنّ اسم فزارة مشتقّ من الفَزْر، وهو القطع والشقّ والتصدّع.
يقال: تفزّر الثوب، وتفزّر الحائط إذا تشقّق، وفزرتُ الجلَّة إذا فتّتّها.
يريد دريد: إنّا فزرناكم بسيوفنا ورماحنا حتى مزّقناكم كلّ ممزّق.
وفي صحيح مسلم من حديث سماك بن حرب عن مصعب بن سعد في خبر نزول تحريم الخمر أنّ رجلاً شرب ثم أخذ لحي بعير
فضرب به أنف سعد ففَزَره، وكان أنف سعد مفزورا، أي مشقوقاً.
قال ابن فارس في معجم المقاييس: ("فزر" الفاء والزاء والراء أُصيل يدلّ على انفراج وانصداع، من ذلك الطريق الفازر: وهو المنفرج الواسع، والفزر: القطيع من الغنم، يقال فزرت الشيء: صدعته، والأفزر: الذي يتطامن ظهره، والقياس واحد، كأنه ينفرق لحمتا ظهره. والله أعلم)ا.هـ.
ونقل أبو منصور الأزهري عن شمر بن حمدويه أنه قال: (كنت بالبادية فرأيت قباباً مضروبة فقلت لأعرابي: لمن هذه القباب؟ فقال: لبني فزارة فَزَر الله ظهورهم؛ فقلت: ما تعني به؟ فقال: كسر الله)ا.هـ.
وبيت دريد بن الصمّة فيه تلطّف في صرف المعنى إلى اشتقاق غير مراد، وهو ما يسمّى في علم البلاغة "حسن التعليل"، وإلا فإنّ فزارة اسم رجل وهو فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وإليه ينتسب بنو فزارة ، وهم من أكثر قبائل غطفان عدداً.
ولم يكن الرجل ليسمّى ولده بما أراده دريدُ بن الصمّة، وإنما سمّي بذلك على معنى اسم الفاعل "فازر" كما سُمّى "فَضَالَة" بمعنى "المُفْضِل"، و"سلامة" بمعنى "السالم"؛ فصرف دريد اسم "فزارة" إلى معنى اسم المفعول "مفزور" إذ كانت الصيغة محتملة.
ومن شأن العرب في الهجاء أو المدح صرف اللفظ إلى معنى غير مراد من الاشتقاق أو إلى اشتقاق بعيد غير مراد تشنيعاً أو مبالغة في المدح.
ومن دلائل إدراك عامّة العرب اشتقاق الأسماء ما ذكره أبو بكر الزبيدي في طبقات النحويين عن يونس بن حبيب الضبّيّ أنه قال: (سُئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فمرَّ أعرابيٌّ مُحْرِم، فأراد السائلُ سؤال الأعرابي، فقال له أبو عمرو: دَعْنِي، فأنا ألطف بسؤاله وأعرف؛ فسأله؛ فقال الأعرابي: اشتقاق الاسم من فعل المسمّى؛ فلم يعرف من حضر ما أراد الأعرابي، فسألوا أبا عمرو عن ذلك، فقال: ذهب إلى الخُيلاء التي في الخيل والعُجْب؛ ألا تراها تمشي العِرَضْنة خُيلاءً وتكبُّرًا!)ا.هـ.
وشواهد معرفة العرب لاشتقاق الكلام بعضه من بعض كثيرة، وفيما ذكر من التمثيل كفاية). [طرق التفسير:223 - 225]

رد مع اقتباس
  #82  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:42 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

عناية أصحاب المعاجم اللغوية بالاشتقاق
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عناية أصحاب المعاجم اللغوية بالاشتقاق
ظهرت العناية بالكتابة في الاشتقاق مبكّراً؛ فنبّه الخليل بن أحمد في معجمه إلى كثير من مسائل الاشتقاق، وتضمّن كتاب سيبويه مسائل كثيرة في الاشتقاق، ثم تتابع أصحاب المعاجم اللغوية على العناية بالاشتقاق، وكان من أكثرهم عناية به:

1. أبو بكر ابن دريد(ت:321هـ) في معجمه "جمهرة اللغة".
2. وأبو منصور الأزهري(ت:370هـ) في معجمه "تهذيب اللغة" ، وهو من أجلّ المعاجم اللغوية وأصحّها.
3. وابن فارس الرازي(ت:395هـ) في معجمه القيّم المسمى "مقاييس اللغة"، وقد بناه على إرجاع الكلمات التي يفسّرها إلى أصول جامعة تشترك في معنى كليّ يجتهد في استخراجه.
4. وابن سيده الأندسي(ت:458هـ) في كتابيه "المحكَم" و"المخصَّص" ، وقد عني فيهما بالاشتقاق عناية ظاهرة.
5. وابن منظور الأفريقي(ت:711هـ) وهو من ذريّة رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، في معجمه المشهور "لسان العرب"
6. والمرتضى الزبيدي(ت:1205هـ) في كتابه الحافل "تاج العروس".
وفي هذه المعاجم اللغوية من العناية بالاشتقاق في تفسير معاني الكلمات ما هو ظاهر بيّن في كثير من المسائل.
ولبعض العلماء الذين ليست لهم معاجم لغوية عناية بالاشتقاق في بعض كتبهم، ومنهم: أبو علي الفارسي، وأبو الفتح ابن جني، وابن تيمية، وابن القيم). [طرق التفسير:225 - 226]

رد مع اقتباس
  #83  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:45 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

المؤلفات المفردة في علم الاشتقاق
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المؤلفات المفردة في علم الاشتقاق
وقد أفرد التأليف في الاشتقاق جماعة من علماء اللغة:

منهم: المفضل الضبي وقطرب والأخفش الأوسط، والأصمعي، وأبو نصر الباهلي، وابن قطن المهري، وابن قتيبة، وابن طيفور، والمبرّد، والمفضّل بن سلمة الضبي، وأبو إسحاق الزجاج، وابن السرّاج، وابن دريد، وابن درستويه، وأبو جعفر النحاس، وابن خالويه، وأبو الحسن الرمّاني، وأبو القاسم الزجاجي، وأبو عبيد البكري، وحجة الأفاضل الخوارزمي، وأسامة بن منقذ، وغيرهم.
وهؤلاء أكثر كتبهم مفقودة، وقد طبع منها:
1: كتاب اشتقاق الأسماء للأصمعي.
2: وكتاب الاشتقاق لابن دريد.
3: وكتاب "المعاني والاشتقاق" لأسامة بن منقذ.
وكثرة التأليف المفرد في الاشتقاق من دلائل عناية العلماء به.

وفي القرون المتأخرة كتب في الاشتقاق جماعة من العلماء منهم:
- أبو إسحاق الشاطبي(ت:790هـ) وهو صاحب الموافقات، وله كتاب "عنوان الاتفاق في علم الاشتقاق"

- ولعبد الرحيم المقدسي نزيل القسطنطينية(ت:1104هـ) كتاب بعنوان"خلاصة الاشتقاق"
- ولابن الجوهري(ت:1215هـ) كتاب بعنوان"إتحاق الرفاق ببيان أقسام الاشتقاق"
وكتبهم مفقودة.

ثم كتب في الاشتقاق بعدهم جماعة من أهل العلم، وكتبهم مطبوعة متداولة، ومنها:
1: نزهة الأحداق في علم الاشتقاق، للقاضي محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ).
2: العلم الخفاق من علم الاشتقاق، صديق حسن خان القنوجي(ت:1307هـ).
3: الاشتقاق والتعريب، عبد القادر المغربي(ت:1375هـ).
4: بلغة المشتاق إلى علم الاشتقاق، محمد ياسين بن عيسى الفاداني(ت:1410هـ) وهو كتاب تعليمي مرتب على الأسئلة والأجوبة في علم الاشتقاق.
5: وكتاب الاشتقاق، للأستاذ عبد الله أمين.
6: وكتاب "علم الاشتقاق نظرياً وتطبيقياً" للأستاذ محمد حسن حسن جبل.
وفي هذا العصر ظهرت بوادر التأليف المفرد في اشتقاق المفردات القرآنية؛ فكتب الأستاذ الجليل محمد حسن حسن جبل (ت:1436هـ) كتابه الكبير "المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم" وقد بنى كتابه هذا على فكرتَي "المعنى المحوري" و"الفصل المعجمي"، وقد شرح المراد بهما في مقدّمة كتابه هذا). [طرق التفسير:226 - 228]


رد مع اقتباس
  #84  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:54 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

فائدة علم الاشتقاق للمفسّر:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (فائدة علم الاشتقاق للمفسّر:
الاشتقاق مما تدرك به معاني الألفاظ، ويعرف به أصلها وأوجه تصريفها، وقد استعمله الصحابة والتابعون لهم بإحسان ، ومن بعدهم من مفسّري السلف وأئمة الدين.

- قال مجاهد بن جبر: (كان ابن عباس لا يدري ما {فاطر السموات} حتى جاءه أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: يا أبا عباس بئري أنا فطرتها، فقال: خذها يا مجاهد {فاطر السموات}). رواه الدولابي في الكني واللفظ له، ورواه ابن جرير والبيهقي.
- وقال إبراهيم النخعي في قوله تعالى: {اتخذوا هذا القرآن مهجورا} قال: (يعني قالوا فيه غير الحق ألا ترى أن المريض إذا تكلم بغير عَقْلٍ قيل: إنه لَيَهْجُر). رواه ابن إسحاق الهمذاني وابن أبي حاتم، وروى ابن جرير نحوه.
وهذا أحد الأقوال في تفسير هذه الآية، ذهب فيه إبراهيم النخعي إلى أنّ الكفار اتّخذوا هذا القرآن غرضاً لأقوالهم السيئة؛ فقالوا: هو سحر، وقالوا: إفك مفترى، وقالوا: أساطير الأولين، إلى غير ذلك.
وهذا القول مبني على اشتقاق المهجور من هُجْر القول، وهو هذيانه وسيّئه.
قال الشماخ:
كما جَدةِ الأَعْراقِ قال ابنُ ضَرَّةٍ ... عليها كلاماً جارَ فيهِ وأَهْجَرا
وقد رُوي عن مجاهد نحو هذا القول، وفي هذه الآية أقوال أخرى، والمراد هنا التنبيه على أنّ استعمال الاشتقاق في التفسير واستخراج المعاني من أنواع التفسير اللغوي الذي عني به السلف وعلماء اللغة). [طرق التفسير:228 - 229]

رد مع اقتباس
  #85  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 11:58 AM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أنواع مسائل الاشتقاق في التفسير:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع مسائل الاشتقاق في التفسير
ومسائل الاشتقاق التي يذكرها المفسّرون في تفاسيرهم على نوعين:

النوع الأول: ما لا أثر له على المعنى، وهذا يكون في كثير من الألفاظ التي تنوسي اشتقاقها وصارت أشبه بالأعلام المرتجلة؛
ومن أمثلة هذا النوع: الخلاف في اشتقاق لفظ "المدينة"
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (قوله تعالى: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} هي جمع مدينة وفيها قولان:
أحدهما: أنها فَعيلة واشتقاقها من مدن وعلى هذا فتهمز لأنها فعائل كعقائل وظرائف وبابه.
الثاني: أنها مَفْعِلة واشتقاقها من "دان يدين" وأصلها مديونة مفعولة من "دَانَ" أي مملوكة مذللة لملكها منقادة له وفعل بها ما فعل بمبيوع حتى صار مبيعا..) إلى آخر ما ذكر رحمه الله.
والقول الأول أظهر؛ لأن الأفصح في الجمع على القول الثاني أن يقال: "مَداين" لا "مدائن"، والهمز خطّأه بعضهم، والصواب أنّه قد سمع نظيره كما في "معيشة" و"معائش" وقد قرئ بها في قوله تعالى: {وجعلنا لكم فيها معايش}، وسيبويه يخرّج المسموع من ذلك مما يخالف القياس على التوهّم، كما قال في "مصيبة" و"مصائب" توهّموها "فعيلة" كما في "صحيفة" و"صحائف".
قال سيبويه: ( فأما قولهم مصائب فإنه غلطٌ منهم، وذلك أنهم توهموا أن مصيبة فعيلةٌ وإنما هي مفعلةٌ)ا.هـ.
وسواء أكان اشتقاق لفظ "المدينة" من "مدن" بالمكان أي: أقام، أو من "دان" فإنّ لفظ "المدينة" صار اسم جنس للبلد المأهول بالبناء والساكنين، وُتنوسي أصل الاشتقاق، ولذلك قال أبو منصور الأزهري: ("مدن" فعلٌ مُمَات).
وهذا النوع إنما يبحثه اللغويون، ويقلّ بحثه عند المفسّرين.
والنوع الآخر: ما له أثر على المعنى، ويفيد في بيان معنى اللفظ، وترجيح بعض الأقوال على بعض؛ أو الجمع بينها؛ فهذا مما ينبغي للمفسّر أن يعتني به ويضبط مسائله.
- فمن أمثلة فوائده في البيان ما نقله ابن الجوزي عن ابن الأنباري في تفسير قول الله تعالى: ({ واهجرني ملياً } قال: (واشتقاق {نملي لهم} من الملوة، وهي المدة من الزمان ، يقال: مَلوة من الدهر، ومِلوة، ومُلوة، ومَلاوة، ومِلاوة، ومُلاوة، بمعنى واحد، ومنه قولهم: البس جديداً وتملّ حبيباً ، أي : لتطل أيامك معه، قال متمم بن نويرة:
بودِّيَ لو أني تملَّيت عُمرَه ... بماليَ من مالٍ طريفٍ وتالد)ا.هـ). [طرق التفسير:229 - 231]

رد مع اقتباس
  #86  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 12:02 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

مثال على فائدة علم الاشتقاق في الجمع والترجيح بين أقوال المفسّرين:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (ومن أمثلة فوائده في الجمع والترجيح بين أقوال المفسّرين:
ما وقع من اختلاف المفسرين في معنى "المسحَّرين" في قول الله تعالى: {قالوا إنما أنت من المسحّرين}

فإنّهم اختلفوا فيه على أقوال كثيرة:
القول الأول: من المخلوقين، رواه ابن جرير والخطيب البغدادي كلاهما من طريق موسى بن عمير القرشي عن أبي صالح عن ابن عباس، وموسى بن عمير متروك الحديث.
وقال بهذا القول: الخليل بن أحمد، وجماعة من أهل اللغة.
القول الثاني: المسحورين، وهو قول مجاهد رواه عنه ابن جرير.
القول الثالث: الساحرين، وهو قول قتادة رواه عنه عبد الرزاق وابن أبي حاتم.
والقول الرابع: من المخدوعين، وهو رواية عن مجاهد أخرجها ابن الأنباري في "إيضاح الوقف والابتداء" من طريق الكلبي عن أبي صالح وعبد الوهاب عن مجاهد.
والقول الخامس: المسحَّر المجوَّف، وهو قول الفراء.
والقول السادس: المسحَّر الذي ليس له شَيء ولا مُلك، وهو تفسير الكلبي فيما ذكره يحيى بن سلام.
والقول السابع: المسحَّرون المرزوقون الذين لا بدّ لهم من الغذاء، ذكره ابن دريد في الجمهرة، وفي مجاز القرآن لأبي عبيدة نحوه.
قال أبو عبيدة: (كل من أكل من إنس أو دابة فهو مسحّر).
والقول الثامن: من المعلَّلين بالطعام والشراب، وهو قول ابن قتيبة.
والقول التاسع: ممن له سَحْر أي: رئة، والمقصد إنما أنت بشر مثلنا، وهذا قول الزجاج.
وقد حكى الماوردي أقوالاً أخرى لا أعلم لها أصلاً.


وهذه الأقوال المذكورة ترجع إلى معنيين في الاشتقاق:

المعنى الأول: أن يكون لفظ "المسحّرين" مشتقّا من السِّحْر، بكسر السين.
والمعنى الثاني: أن يكون مشتقّا من "السَّحْر" بفتح السين، وهو الراجح، لكن اختلف فيه على قولين:
القول الأول: أنّ المراد السَّحْر الذي بمعنى التغذية، وهو قول الخليل بن أحمد.
والقول الثاني: أن المراد السَّحْر الذي هو الرئة، وهو قول الفراء وأبي عبيدة والزجاج.
والذي يظهر لي أنّ هذين المعنيين يرجعان إلى اشتقاق واحد وهو الصَّرف، وأنّ المسحَّر هو المصروف عن شأنه وما ينفعه.
ومنه قوله تعالى: {فأنّى تُسحرون} أي "تُصرفون" في قول جمهور المفسّرين.
قال لبيد بن ربيعة:
فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسَحَّر
عبيد لِحَيَّيْ حميرٍ إن تملَّكوا ... وتظلمنا عُمَّالُ كسرى وقيصرِ
نحلُّ بلاداً كلّها حُلَّ قبلَنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ

يقول نحن أمّة ضعيفة مستضعفة كالعصافير في ضعفها واشتغالها بطلب المأكل والمشرب حتى استذلّتنا الأمم الأخرى كملوك حِمير من الجنوب، والمناذرة الذي هم وكلاء كسرى على من يليهم من العرب من جهة المشرق، والغساسنة الذين هم وكلاء قيصر على من يليهم من العرب من جهة الشمال.
يقول: فلم نهتدِ لما ننجو به من هذا الذلّ، ولم نفق من سكرتنا بطلب المأكل والمشرب، وغفلنا عن مصيرنا وقد علمنا هلاك الأمم قبلنا؛ فكأنّنا مسحَّرون أي: مصروفون عن شأننا وسبيل عزّتنا، مقيمون على ضعفنا واشتغالنا بما نُلهى به مما لا ينفع.
وهذا من شعر لبيد في الجاهلية.
وقال لبيد أيضاً:
وإنا قد يُرى ما نحن فيه ... ونُسحر بالشراب وبالطعام
كما سُحرت به إرم وعاد ... فأضحوا مثل أحلام النيام
وقال امرؤ القيس بن حجر الكندي:
أرانا موضِعين لأمرِ غيبٍ ... وَنُسْحَرُ بالطعامِ وَبالشرابِ
عَصــــــــــــافيرٌ وَذُبَّانٌ وَدُودٌ ... وأجْرأُ مِنْ مُجَلِّحَةِ الذِّئـــــــــابِ
يقول: نحن في ضعفنا وقعودنا عن طلب العزّة كالمخلوقات الضعيفة من العصافير والذبّان والدود، وفي الشرّ والمآثم وقطيعة الأرحام أجرأ من الذئاب الضارية.
والمقصود من هذه الشواهد أنّ "المسحَّر" هو المصروف عن شأنه وما ينفعه، المشتغل بما يُلهى به عما يراد له.
والتعبير بالتسحير فيه معنى زائد عن مجرّد الصرف؛ فهو صرف مصحوب بأمرين:
1. غفلة عما أمامه من كيد يراد له أو عاقبة لم يستعدّ لها.

2. واشتغال بما لا ينفع، وهذا المشتغَلُ به قد يُذكر وقد يُحذف احتقاراً له أو لعدم فائدة ذكره.

ومن هذا الاشتقاق سمّي السِّحْر سحراً؛ لأنّ المسحور مصروف عما ينفعه ويصلح شأنه مشتغل بما لا ينفعه.
قال أبو منصور الأزهري: ( والسحر سمي سحرا: لأنه صرف الشيء عن جهته، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق، وخيل الشيء على غير حقيقته، فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه)ا.هـ.
وتقرير معنى الآية على هذا - والله تعالى أعلم - أنّهم أرادوا بقولهم: "إنما أنت من المسحَّرين" أي من المصروفين عن شأنهم وما ينفعهم، المتعلّلين بما زُيّن لهم مما التهوا به وشغلهم.
وفيه تكذيب بالرسالة، واتهام رسولهم بأنّ ما يدعوا إليه إنما هو لهوٌ تعلّل به فخُدع به وصرفه عما يرونه من صلاح الشأن الذي يزعمون أنهم يبصرون فيه سبيل الرشاد، وأنّ رسولهم مُسحَّرٌ عنه، ولتأكيد هذا المعنى قالوا: {ما أنت إلا بشر مثلنا} وفي الموضع الآخر: {وما أنت إلا بشر مثلنا}.
وبذلك يظهر أن لفظ "المسحَّرين" ينتظم أكثر الأقوال المذكورة في تفسيره؛ فكلٌّ قد عبّر ببعض المعنى ، وبعض تلك الأقوال لها علل يحسن التنبيه عليها.
1. فأما القول بأنّ "المسحّرين" هم المخلوقون؛ فنسبته إلى ابن عباس لا تصحّ من جهة الإسناد، وهو قول صحيح من جهة المعنى؛ لكنّه تفسير باللازم.
2. وأما القول بأنّ المسحّرين هم المسحورون الذي سُحروا مرّة بعد مرّة، فهو قول له وجهه في اللغة، من جهة أنّ مُفعَّلا يأتي لتأكيد معنى المفعولية في "مفعول" ، كما في "مغلوب" و"مُغلَّب" ؛ فالمغلوب يقع على من غُلب مرة واحدة، والمُغلَّب الذي يُغلب مراراً؛ فلا يكاد يُغالب إلا غُلب.
قال عمرو بن كلثوم:
فإنْ نَغلب فغلابون قدما وإنْ نُغلب فغير مُغَلَّبينا
ولذلك قال بعض أهل اللغة في تقريب هذا القول: المُسَحَّر المسحور مرّة بعد مرّة.
وهذا القول رواه ابن جرير من طرق عن مجاهد.
3. وأما القول بأنّ "المسحَّرين" هم الساحرون، فرواه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة، ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم.
وقد روى هذا القول ابن جرير في تفسيره من هذا الطريق لكن قال: (من المسحورين) وقرنه بقول مجاهد، ولعلّ الصواب من جهة الرواية ما في تفسير عبد الرزاق.


ولهذا القول تخريجان لغويان مقبولان:
أحدهما:
أنّ المُسحَّر هو الذي عُلّم السِّحْرَ حتى صار ساحراً؛ فهو وإن كان اسم مفعول إلا أنّه يؤول إلى معنى اسم الفاعل كما في "مُسلَّم" و"سالم" و"مخلَّد" و"خالد"، و"ومغلَّب" و"غالب".

والآخر: أن يكون المسحَّر بمعنى المتَّهم بالسحر؛ كالمكَّذب المتَّهم بالكذب، و"المبّخَّل" الموصوف بالبخل.
4. وأما تفسير "المسحّرين" بالمخدوعين، فلا يصحّ عن مجاهد من حيث الإسناد، لكنّه تفسير صحيح قائم على المعنى المتقدّم تقريره بشواهده.
5. وأما تفسير الفراء للمسَحَّر بالمجوَّف؛ فهذا مأخوذ من لازم التعليل بالطعام والشراب، والشارب والطاعم له جوف؛ لكن لا يقصر المعنى عليه.
6. وأما تفسير المسحَّر بالذي ليس له شَيء ولا مُلك، فهو تفسير صحيح باعتبار اللازم على المعنى المتقدم ذكره.
7. وأما تفسير المسحَّر بالمرزوق الذين لا بدّ له من الغذاء، فهو تفسير ببعض المعنى على ما تقدّم ذكره.
8. وأما تفسير المسحَّر بالمعلل بالطعام والشراب؛ فهو مأخوذ من الشواهد الشعرية عن لبيد وامرئ القيس لكن قصر المعنى عليه لا يصح، لأنّ هذا الوصف له مقصد.
9. وأما تفسير الزجاج للمسحَّر بالذي له سَحر وهو الرئة فهو تفسير أراد به التنبيه على اشتقاق اللفظ، وهو أحد الأقوال في الاشتقاق كما تقدّم، والأظهر خلافه
وقد ردّ ابن القيّم هذا القول في بدائع الفوائد فأحسن). [طرق التفسير:231 - 237]


رد مع اقتباس
  #87  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:37 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أنواع الاشتقاق:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع الاشتقاق:
النوع الأول: الاشتقاق الصغير، وهو النوع المعروف عند العلماء المتقدّمين، وهو ما تقدّم ذكره؛ كاشتقاق "المسحَّر" من السَّحر" واشتقاق "مرداس" من الردس، وهكذا، ويلحظ فيها الاتفاق في ترتيب حروف الأصل مع اختلاف الصيغتين، وهذا النوع يسميه بعضهم "الاشتقاق الأصغر".
والنوع الثاني: الاشتقاق الكبير، وهو أن يكون بين الجذرين تناسب في المعنى مع اختلاف ترتيب الحروف، كما في "فسر" و"سفر"، و"فقر" و"قفر"
وهذا النوع سماه ابن جني وبعض أهل العلم "الاشتقاق الأكبر"، واستقرّت تسميته فيما بعد بالكبير.
وسمّاه شيخ الإسلام ابن تيمية "الاشتقاق الأوسط" وعرَّفه بقوله: (وهو: اتفاق اللفظين في الحروف لا في ترتيبها).
قال أبو الفتح ابن جني في الخصائص: (وأمَّا الاشتقاق الأكبر فهو أن تأخذ أصلًا من الأصول الثلاثية، فتعقد عليه وعلى تقاليبه الستة معنًى واحدًا، تجتمع التراكيب الستة وما يتصرف من كل واحد منها عليه، وإن تباعد شيء من ذلك عنه رُدَّ بلطف الصنعة والتأويل إليه، كما يفعل الاشتقاقيون ذلك في التركيب الواحد)ا.هـ.
وهذا النوع فيه لطائف، لكن ادّعاء اطراده في جميع تقليبات الجذر متعذّر أو متعسّر، ويدخله التكلف، ومن أوّل من عرفت عنه العناية بهذا النوع أبو الفتح ابن جنّي (ت:392هـ).
- فالألفاظ التي تعود إلى جذر ثلاثي ينتج عنها ستّة جذور بناء على تقليب ترتيب الحروف كما في: " ق ول", "ق ل و ", " وق ل " , "ول ق " , " ل ق و ", "ل وق ".
- والألفاظ التي تعود إلى جذر رباعي يمكن تقليبها إلى أربعة وعشرين جذراً.
- والخماسية إلى مائة وعشرين جذراً، ويتعذّر الإحاطة بها، وقد يكون كثير منها غير مستعمل.
والمقصود أنّ الاشتقاق الكبير قائم على النظر في استعمالات تقليبات الجذر ثم محاولة استخراج معنى كليّ يجمعها، كما قال ابن جني: ( إن معنى " ق ول " أين وجدت وكيف وقعت، من تقدّم بعض حروفها على بعض وتأخره عنه إنما هو للخفّة والحركة).
ثم شرع في شرح استعمالات كل جذر وشواهده ومحاولة إيجاد المناسبة بينه وبين المعنى الكلي الذي استخرجه.
وهذه الطريقة إذا أخذت بهذا التفصيل تعسّرت ودخلها التكلّف، ولا تتعلّق بها حاجة للمفسّر، وإن اقتصر فيها على ما يظهر فيه التناسب كان ذلك حسناً، وقد استعمله بعض المفسّرين استئناساً لا اعتماداً.
قال ابن القيم: (التفسير أصله: الظهور والبيان، ويقابله في الاشتقاق الأكبر: الإسفار ومنه أسفر الفجر إذا أضاء ووضح ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت وظهوره ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم وبيانه).
وقال شيخنا ابن عثمين: (و{الفقراء} جمع فقير؛ و «الفقير» هو المعدم؛ لأن أصل هذه الكلمة مأخوذة من «الفقر» الموافق لـ«القفر» في الاشتقاق الأكبر - الذي يتماثل فيه الحروف دون الترتيب؛ و«القفر» الأرض الخالية، كما قال الشاعر:
وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفر وليس قربَ قبرِ حرب قبر وفـ «الفقير» معناه الخالي ذات اليد)ا.هـ.
ومنه التناسب بين: الحَبْرِ والبَحْر، والرَّهَب والهَرَب، الصِّدْق والقَصْد، وغيرها.
والنوع الثالث: الاشتقاق الأكبر، ويسميه بعضهم الكُبار" وهو اتفاق الجذور في ترتيب أكثر الحروف واختلافها في حرف منها.
- وقد يكون الاختلاف في الحرف الأخير نحو: نفذ، ونفث، ونفر، ونفح، ونفخ، ونفج، ونفش، ونفل، وكلها تدلّ على مطلق خروج وانبعاث.
ونحو: هتن، وهتل، وهطل، وهي تدل على نزول شيء.
ومنه يعرف التناسب بين العَمَى والعَمَه وبابها.
- وقد يكون الاختلاف في الحرف الأول، نحو: همز، ولمز، وغمز، وجمز، ورمز، وكلها تدلّ حركة وخفة.
ومنه التناسب بين الهمزة واللمزة وبابها.

- وقد يكون الاختلاف في الحرف الأوسط: نحو: نعق، ونغق، ونهق، ويجمعها أنها تدلّ على تصويت.
ومنه التناسب بين: ينهون وينأون وبابها.
ويقال في هذا النوع ما قيل في الذي قبله من تعسّر القول باطّراده، وقد حاول ذلك بعض أهل اللغة فوقعوا في تكلّف كثير.
- ومن هذا النوع ما يدخله اختلاف اللغات فيحكى في المفردة لغتان عن العرب في نطقها مع اتحاد المعنى كما اختلفوا: في الصاعقة والصاقعة، وجذب وجبذ، ومشوذ ومشمذ وهي العمامة.
- ومنه ما يُختلف في كونه من اختلاف اللغات؛ كما اختلفوا في "مَدَحَ" و"مَدَهَ"
قال رؤبة بن العجاج: لله درَ الغانيات المدَّهِ ... سبَّحن واسترجعن من تألّهي
فذهب المبرد إلى أن المَدْهَ بمعنى المَدْحِ، وأنه لغة لبني سعد بن زيد مناة ولخم ومن قاربها.
وفرّق بينهما الخليل بن أحمد فقال: (المَدْهُ يضارعُ المَدْحَ، إلاّ أنّ المَدْهَ في نعت الجمال والهيئة، والمدح في كل شيء).
والنوع الرابع: الاشتقاق الكُبّار ، وهو اشتقاق لفظة من لفظتين أو أكثر اختصاراً، وهو ما يعرف بالنحت، كاشتقاق البسملة من قول "بسم الله" ، والحوقلة من "لا حول ولا قوة إلا بالله".
والخلاصة أنّ علم الاشتقاق من العلوم المهمة للمفسّر، وأنّ التمكن منه يفتح للمفسّر أبواباً من استخراج المعاني، والتخريج اللغوي لأقوال المفسرين، والجمع والترجيح، والنقد والإعلال). [طرق التفسير:237 - 241]

رد مع اقتباس
  #88  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:41 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

النوع التاسع: البديع
قال عبد العزيز بن داخل المطيري:
(النوع التاسع: البديع

المراد بالبديع

علم البديع من علوم العربية التي عني بها جماعة من المفسّرين واللغويين ، وهو علم لطيف يعرّف صاحبه بمحاسن الألفاظ ولطائف المعاني، وحسن دلالة تلك الألفاظ على المعاني، ويكشف للمفسّر عن معانٍ بديعة لطيفة قد لا يتفطّن لها كثير من الناس، وهو من العلوم التي يستعان بها على استخراج الأوجه التفسيرية؛ لكثرة أدواته العلمية وتنوّعها.

وكلام العلماء في البديع يقع على معنيين:
المعنى الأول: التعبير المبتكر الذي لم يُسبق إليه المتكلّم، أو الذي تقدّم فيه المتكلم على من سبقه؛ ففاقهم حسناً وسبكاً، ببراعته في انتزاع المعنى وعبارته عنه عبارة حسنة تقع موقعها في نفوس السامعين.

وقد عقد ابن عاشور فصلاً في مقدّمة تفسيره في "مبتكرات القرآن" نبه فيه على أصولها وبعض أنواعها.
والمعنى الثاني: ما يسمّيه المتأخرون من علماء البلاغة "المحسنات المعنوية واللفظية"، وفيهما أنواع كثيرة لا تحصر). [طرق التفسير:242]


رد مع اقتباس
  #89  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:46 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

بديع القرآن:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (بديع القرآن:
كلام العلماء في بديع القرآن له أصول وأمثلة مأثورة عن أصحاب القرون الأولى، لكن لم ينشأ التأليف المفرد في بديع القرآن إلا في القرون المتأخرة.

وأمّا أصل العناية به فكان قديماً من وقت تنزّل الوحي وحلاوة ألفاظ القرآن وبديع دلالتها على المعاني تأخذ بالألباب، وتبهر الفصحاء، ولها سلطان عجيب على من له ذوق في البيان وحظّ من الفصاحة والمعرفة بلسان العرب.
- وقد قال فيه عتبة بن ربيعة: (إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة). وقد فسّرت الطلاوة بالحسن والبهجة والوضاءة.
- وذكر جماعة من العلماء أنّ أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: {فلمّا استيأسوا منه خلصوا نجيّا} فأقسم أنّه لا يقوله بشر.
قال أبو هلال العسكري: ( وقوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} تحيّر فى فصاحته جميع البلغاء، ولا يجوز أن يوجد مثله فى كلام البشر).
- وقد ذكر الماوردي وجماعة من المفسّرين عن الأصمعي أنه قال لأعرابية: ما أفصحك! ، فقالت: (أتعدّ فصاحة بعد قول الله عز وجل: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فجمع في آية واحدة: أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين)ا.هـ.
ولم أجد هذا الخبر فيما طبع من كتب الأصمعي، وهي عبارة صحيحة في نفسها، وهذه الآية يعدّها أهل البديع من بديع الإيجاز.
قال ابن أبي الإصبع عن بديع الإيجاز في كتابه "تحبير التحرير" : (إذا وصلت في هذا الباب إلى قوله تعالى: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فإنه سبحانه أتى في هذه الآية الكريمة بأمرين، ونهيين، وخبرين متضمنين بشارتين، في أسهل نظم، وأحسن لفظ، وأوجز عبارة، ولم يخرج الكلام عن الحقيقة في شيء من ذلك)ا.هـ.
- ومن بديع الإيجاز أيضاً قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} وقد ذكر ابن أبي الإصبع سبعة أنواع من البديع في هذه الجملة، وكانت العرب في الجاهلية تتمثّل في تحسين القَصاص بقولهم: "القتل أنفى للقتل" ورُوي أنّ هذه العبارة مترجمة عن مقولة لأردشير ملك الفرس.
قال ابن معصوم: (وقوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة} .. معناه كثير ولفظه يسير، لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتَل قُتِل كان ذلك داعيا قويا له إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص، كثير من قتل الناس بعضهم لبعض؛ فكان ارتفاع القتل حياة لهم، وقد فُضّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: "القتل أنفى للقتل" بعشرين وجها أو أكثر)ا.هـ.
والكلام في أنواع بديع القرآن يطول جداً). [طرق التفسير:243 - 244]

رد مع اقتباس
  #90  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:48 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

عناية المفسّرين ببديع القرآن
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (عناية المفسّرين ببديع القرآن
لجماعة من المفسّرين عناية بذكر بعض الأمثلة على بديع القرآن في مقدّمات تفاسيرهم، وفي بعض الآيات التي يشتهر خبر بديعها، ولبعض مَن كتب في إعجاز القرآن ومتشابهه وبلاغته عناية بذكر أمثلة من بديع القرآن، كما في إعجاز القرآن للخطابي والرمّاني، والإيجاز والإعجاز لأبي منصور الثعالبي، ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، وغيرها.

وأوّل من علمتُه عُني بتتبّع أنواع البديع في القرآن ابنُ أبي الإصبع المصري(ت:654هـ)، وألّف في ذلك كتابه المعروف "بديع القرآن"، وهو كتاب اختصّ به ما في القرآن من أمثلة البديع التي وقف عليها أو استخرجها، وجعله تتمّة لكتابه "تحرير التحبير"، وأمضى في إعداد كتابه هذا سنوات طويلة من عمره حتى ذكر أنه جعله وظيفة عمره في شبابه ومشيبه، يقرأ ما ألّف في البديع وينقل وينقد، ويباحث العلماء في مسائله، ويحاور الأذكياء والأدباء، ويسأل كلّ من عرف عنايته بتدبّر القرآن، حتى اجتمع له في سنوات عمره من المعرفة بأنواع البديع ما لخّصه وشرحه في كتابه المذكور.
ثمّ ذكر بدر الدين الزركشي (ت:795هـ) في البرهان، وجلال الدين السيوطي(ت:911هـ) في الإتقان أمثلة كثيرة لبديع القرآن.
ولم يزل المصنّفون يزيد بعضهم على بعض في أنواع البديع، حتى أفردت في بعض الأنواع مؤلفات مختصة بها تشرح معناها، وتجمع أمثلتها، وتبيّن أصولها وفصولها). [طرق التفسير:245]

رد مع اقتباس
  #91  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:52 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

نشأة علم البديع
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (نشأة علم البديع
كانت أكثر عناية علماء اللغة المتقدمين بالبديع المعنوي؛ فيستملحون ما يؤثر عن العرب من بدائع العبارات التي تجمع لطافة المعنى وحسن اللفظ، ويشتدّ إعجابهم بما يفيد على وجازة لفظه وحلاوته على اللسان معنى يطول شرحه وتقصّيه؛ فكانوا يستعذبون مثل قول طرفة بن العبد:

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن ... مُظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد
فشبَّه المرأة بغزال لعوب قد استغنى عن لبن أمّه؛ فهو ينفض ورق الأراك برَوقيه من الأمن والشبع، وجمع في الشطر الثاني في أربع مفردات وَصْف عِقْدين لبستهما تلك المرأة متظاهرين أي أحدهما فوق الآخر، الأول من لؤلؤ والآخر من زبرجد، والسِّمطُ هو الخيط الذي نُظمت فيه الجواهر.
فكان قوله: "مظاهر سمطي لؤلؤ وزبرجد" حسناً بديعاً لاختصاره ووفائه ببيان المعنى بما يغنيه عن طول الشرح، ويجنّبه إملال السامع.
ومثله قول امرئ القيس في وصف العُقاب:
كأنَّ قلوبَ الطير رطْباً ويابساً ... لدى وكرها العُنَّاب والحشف البالي
فشبّه في بيت واحد شيئين بشيئين مختلفين على نسق بديع موجز؛ فشبّه قلوب الطير الرطبة الملقاة لدى وكر العُقاب بالعُنَّاب، وشبَّه القلوب التي أيبسها تصرّم الأيام بالحَشف البالي، وهو التمر اليابس المتشقق.
وقد عدّ المبرّدُ هذا البيتَ أحسن ما جاء من التشبيه في الشعر بإجماع الرواة.
وقد حاول جماعة من الشعراء أن يأتوا بمثله فتعسّر عليهم، حتى نُقل عن بشار بن برد أنه لم يزل يحاول أن يأتي بمثله إلى أن قال في قصيدته المشهورة:
كأنَّ مثارَ النَّقع فوقَ رُؤوسنا ... وَأَسيافنا لَيلٌ تهاوى كَواكِبهُ
فشبَّه شيئين بشيئين في بيت واحد، وأحسن في هذا البيت.
وقريب من هذا النوع قول لبيد بن ربيعة العامري:
وجلا السيول عن الطلول كأنّها ... زُبُرٌ تجدُّ متونها أقلامها
فشبَّه تجلية السيول لمعالم الأطلال من بعدما درست من السوافي والرياح بالكتُب التي تجدد الأقلامُ ما في متونها من الكتابة التي انمحى بعضها.
ولم يزل الشعراء والبلغاء يتنافسون في الإتيان بأنواع من البديع لتكون أقرب لبلوغ المأرب، وأعذب في السمع، وأسير في الناس.
فإذا ما أصاب الشاعر منهم معنى لم يسبق إليه سابق، وكساه لفظاً حسنا يروق السامع، عدّ ذلك مفخرة له ومأثرة.
ومن ذلك ما استحسنه رواة الشعر من قول نُصيب بن رباح في مدح الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك:
أقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قارب
قفوا خبّروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودَّان طالب
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ
قال المبرّد: (وهذا في باب المدح حسن ومتجاوزٌ ومبتدَع لم يُسبق إليه).
وربما استعذبوا بيتاً من الشعر فلهجوا به زمناً حتى يسمعوا في بابه أحسن منه معنى أو أعذب لفظاً، ومن ذلك قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخاً لا تلمّه ... على شعث أي الرجال المهذب
فلم يزل هذا البيتُ يُتمثّل به حتى قال بشار بن برد بائيته المشهورة وفيها:
إذا كنتَ في كلّ الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فكان هذا البيت أعذب وأجود، فسار في الناس وتمثّلوا به، وبعده قوله:
فعش واحداً أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب تارة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقد قال قبله الحارث بن ضابئ البرجمي:
وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب
و لستَ بمستبقٍ صديقاً ولا أخاً ... إذا لم تعدَّ الشيء وهو يَريب
لكنّه لم يشتهر كشهرة بيت النابغة ولا بيت بشار بن برد.
ومن بديع التصوير في المدح قول زهير بن أبي سلمى في مدح حصن بن حذيفة الفزاري:
تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
فقال الحطيئة في المدح:
كَسوبٌ ومتلاف متى ما سألتَه ... تهلَّل واهتزّ اهتزاز المهنَّدِ
ثم جاء أبو تمام فتمّم هذا المعنى وأوغل فيه إلى مدى بعيد بديع فقال في مدح المعتصم:
ولو لم يكن في كفّه غير نفسه ... لجاد بها فليتّق اللهَ سائله
وفي باب آخر من المدح قال الحطيئة فأحسن:
هم القوم الذين إذا ألمَّت ... من الأيام مُظلمة أضاؤوا
فكان هذا البيت بديعا لما فيه من حسن التشبيه وجودة المقابلة.
ومن البدائع في الوصف قول قيس بن الخطيم:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنّت بحاجب
وقول عديّ بن الرقاع العاملي:
تزجي أغنّ كأنّ إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
وقد أشاد العلماء بتشبيهه هذا.
ومن البدائع في الحكمة قول عوف بن الأحوص:
وإني لتراك الضغينة قد أرى ... ثراها من المولى فلا أستثيرها
مخافة أن تجني عليّ وإنما ... يهيج كبيرات الأمور صغيرها
ولأجل وجازة ألفاظ الأبيات البديعة، وعذوبتها على اللسان، وحسن دلالتها على المعنى المراد تمثّل بها الناس، وسارت فيهم مسير الأمثال.
وكان البديع في أشعار الشعراء المتقدّمين مطبوعاً غير متكلَّف؛ فربما سُمعت القصيدة الطويلة فيستعذب منها البيت والبيتان، ثم لما كان في القرن الثاني والثالث وما بعدهما أولع الشعراء بالبديع؛ وتكلّفوه حتى كثر في أشعارهم واستسمج بعضَه جماعةٌ من النقّاد لما فيه من التكلّف والتعقيد، وأشادوا ببعضه.
وكان من هؤلاء الشعراء: بشار بن برد مولى بني عُقيل (ت:167هـ)، وأبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي (ت:198هـ)، ومسلم بن الوليد الأنصاري المعروف بصريع الغواني (ت:208هـ) ، وأبو تمام حبيب بن أوس الطائي(ت:231هـ) وإسحاق بن إبراهيم الموصلي (ت:235هـ)، وإبراهيم بن العباس الصولي(ت:243هـ)، ومروان ابن أبي حفصة مولى بني أمية (ت:282هـ)، وأبو الحسن عليّ بن العباس المعروف بابن الرومي(ت:283هـ)، وأبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي المعروف بالبحتري (ت:283هـ) وأضرابهم من الشعراء المولدين.
فكان لهؤلاء من العناية بالبديع والتفنن فيه ما أذاع أشعارهم وأشاعها؛ وبرعوا في الوقوف على المعاني الدقيقة والتعبير عنها بالألفاظ الأنيقة؛ وكشفوا بتفننهم وتنافسهم وجودة قرائحهم عن كثير من أنواع البديع وأدواته وأساليبه.
وكان بعضُهم ربما سُبق إلى معنى لطيف فنسج على منواله وزاده تحبيراً، ولذلك أمثلة كثيرة:
منها: قول إبراهيم الصولي في وصف اجتماع القرب والبعد على حالتين مختلفتين:
دَنَت بأناس عن تَنَاءٍ ديارُهم ... وشطّ بليلى عن دنوّ مزارها
وإنّ مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها
فقال ابن الرومي في رثاء أحد أبنائه:
طواه الرَّدَى عنّي فأضحى مزاره ... بعيداً على قرب قريباً على بُعْدِ
والمقصود من ذكر هذه الأمثلة تقريب تصوّر المراد بالبديع ، وأسباب عناية الشعراء به؛ وكثير من الناس يستغنون بالأمثلة عن كثير من الشرح والتوضيح.
ثمّ شاع في القرن الخامس وما بعده تكلّف البديع وإنهاك الخطاب بكثرته حتى صار اللفظ قائداً للمعنى مستجلباً له، وعاد الكلام أشبه بالألغاز، وأبعد عن صنعة البيان.
وقد عاب علماءُ البلاغة تكلّف البديع، وحذروا منه، وأبانوا عن إضراره ببيان المعنى، وانحرافه بحال الخطاب عن المقصد الأسمى وهو البيان والتفهيم.
قال عبد القاهر الجرجاني (ت:471هـ) : (قد تجد في كلام المتأخرين الآنَ كلاماً حَمَل صاحبَه فرطُ شَغَفِه بأمورٍ ترجع إلى ما له اسمٌ في البديع إلى أن ينسى أنَّه يتكلّم ليُفهِم، ويقول ليُبين، ويُخيَّل إليه أنه إذا جَمَعَ بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عَنَاهُ في عمياء، وأنْ يُوقع السامعَ من طَلَبه في خَبْطِ عَشْوَاءِ، وربَّمَا طَمَسَ بكثرة ما يتكلَّفه على المعنى وأفسده)ا.هـ). [طرق التفسير:246 - 251]


رد مع اقتباس
  #92  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:55 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

التأليف في البديع:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (التأليف في البديع:
للعلماء أربع طرق في تصنيف بدائع الشعراء والبلغاء:

الطريقة الأولى: تصنيفها على أسماء الشعراء والبلغاء وطبقاتهم، وما ينتقى من أشعارهم وأخبارهم، وفيها كتبٌ لم يكن الغرض من تأليفها النصّ على ما يسمّى بالبديع، لكنها من مظانّ الوقوف على بدائع الشعراء، منها: "فحولة الشعراء" للأصمعي، و"طبقات فحول الشعراء" لابن سلام الجمحي، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة، و"معجم الأدباء" لياقوت الحموي.
ويلحق بهذه الطريقة المنتخبات من الأشعار كـ"المفضليات" للمفضل الضبيّ، و"الأصمعيات" للأصمعي، و"جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد القرشي، و"المرقّصات والمطربات" لأبي الحسن المغربي، وغيرها.
هذه الكُتب ينتقى فيها أجود أشعار الشعراء وأشهرها.
والطريقة الثانية: تصنيفها على المعاني وأغراض الشعر:
- فأمّا الأغراض الكبار كالحماسة، والرثاء، والمدح، والهجاء، والوصف، والنسيب؛ فالكتب المصنفة فيها كثيرة، ومن أمثلها: حماسة أبي تمام، وحماسة البحتري، وحماسة الخالديَّين وهما سعيد ومحمد ابنا هاشم الخالدي من أدباء القرن الرابع الهجري وكتابهما مطبوع، وحماسة الزوزني(ت:431هـ)، وحماسة ابن الشجري(ت:542هـ)، والحماسة البصرية لأبي الحسن البصري(ت:659هـ)، وغيرها.
- وأما المعاني فمن أجود ما ألّف فيها كتاب "المعاني الكبير" لابن قتيبة، و"عيون الأخبار" له، و"ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري.
وكثير من كتب الأمالي ومجالس الأدباء يُعنى فيها بحشد ما يُستحسن من بدائع الأشعار.
والطريقة الثالثة: تصنيفها على أساليب البديع وأدواته اللفظية والمعنوية، وهي طريقة ابتكرها الخليفة العباسي عبد الله بن المعتزّ (ت:296هـ) في أواخر القرن الثالث الهجري، وكان شاعراً أديباً ناقداً حسن المعرفة بالشعر ومعانيه، فألّف كتابه الذي سمّاه "البديع" ثم تتابع التأليفُ على هذه الطريقة حتى كثرت المؤلفات في البديع وتنوّعت.
وقد ذكر في كتابه هذا سبقه إلى التأليف فيه فقال: (وما جمع فنون البديع ولا سبقني إليه أحد وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين)ا.ه.
والطريقة الرابعة: نظم أمثلة البديع في قصائد عرفت فيما بعد بالبديعيات، وهي طريقة ابتدأها يحيى بن عبد المعطي الزواوي (ت:628هـ) المعروف بابن معطي، وهو صاحب أوّل ألفية في النحو، ثمّ نظم على منواله علي بن عثمان الإربلّي(670هـ) فزاد في أنواع البديع، ثمّ ابتكر صفيّ الدين الحلّي(ت:750هـ) بديعية عارض بها بردة البوصيري (ت:696هـ) وضمّنها أنواعاً كثيرة من البديع، ثمّ كثرت البديعيات بعده). [طرق التفسير:252 - 253]

رد مع اقتباس
  #93  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 01:58 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

المؤلفات المفردة في البديع:
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (المؤلفات المفردة في البديع:
المؤلّفات المفردة في البديع كثيرة، ومن أشهرها:

1. البديع، لعبد الله بن المعتزّ بن المتوكّل بن المعتصم بالله العباسي (ت:296هـ)، وقد جعل كتابه على قسمين:
- قسم اشتمل على خمسة أبواب من البديع وهي: الاستعارة، والتجنيس، والمطابقة، وردّ العجز على الصدر، وما سمّاه بالمذهب الكلامي تبعاً للجاحظ.
- وقسم سمّاه المحسّنات وذكر من أنواعها: الالتفات والاعتراض، وحسن الابتداء وهو ما يسمّيه المتأخرون براعة الاستهلال، وحسن الخروج من معنى إلى معنى وهو ما يسمّيه المتأخرون حسن التخلّص، وتأكيد المدح بما يشبه الذمّ، وحسن التضمين، والتعريض والكناية، والإفراط في الصفة، وحسن التشبيه، وإعنات الشاعر نفسه وهو ما سمّي فيما بعد بلزوم ما لا يلزم.
وهذه الأنواع منها يتعلّق بالمعاني، ومنها ما يتعلّق بالألفاظ، وقد ذكر لعدد من تلك الأنواع أمثلة من القرآن والحديث وأقوال الصحابة والبلغاء.
وما ذكره في كتابه من الأنواع شامل لفروع علم البلاغة غير مختصة بما اصطلح عليه عند المتأخّرين بالبديع.
2. نقد الشعر، لأبي الفرج قدامة بن جعفر البغدادي (ت:337هـ) وقيل (ت:328هـ)، وكان فيلسوفاً نصرانياً فأسلم على يد المكتفي بالله، وبرع في الأدب ونقد الشعر، وتقدّم في علم المنطق، وقد أدرك ابنَ قتيبة وأبا سعيد السكري والمبرّد وثعلب وطبقتهم، وعمل كاتباً في دواوين الخلافة بدار السلام مدّة طويلة من عمره، وكانت للخلفاء العباسيين عناية ظاهرة بالأدب والشعر، وله كتب كثيرة من أشهرها: "نقد الشعر"، و"جواهر الألفاظ" ، و"الخراج وصناعة الكتابة" وهي مطبوعة، وله كتب أخرى غير مطبوعة - فيما أعلم - منها: "صناعة الجدل" ، و"زهر الربيع" و"نزهة القلوب" و"السياسة" و"الرد على ابن المعتز فيما عاب به أبا تمام".
وقد ذكر قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر" أنواعاً من البديع لم يذكرها ابن المعتزّ، ومما زاده: الترصيع، والتتميم، والتكافؤ، وصحة التقسيم، وصحة المقابلة، وغيرها.
وكثير من هذه التسميات جارية مجرى الاصطلاح الذي قد لا يتبيّن معناه إلا بالوقوف على شرحه ومثاله.
3. "حلية المحاضرة"، لأبي علي محمد بن الحسن الحاتمي (ت:388هـ)، وهو كتاب بديع في بابه، يدلّ على عنايته ببديع الشعر وكثرة اشتغاله به، وقد ذكر في كتابه هذا من أنواع البديع ما لم يذكره ابن المعتزّ ولا قدامة بن جعفر، وكان مما زاده: الترديد، والتسهيم، والتتبيع، والتبليغ، والاستطراد، والحشو البديع، وغيرها.
4. "كتاب الصناعتين"، لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري (ت: بعد 395هـ)، وأراد بالصناعتين صناعة الكتابة وصناعة الشعر، واشتمل كتابه على عشرة أبواب في علم البلاغة، وأفرد منها باباً في البديع ذكر منه خمسة وثلاثين نوعاً.
وأبو هلال العسكري معتزليّ متفنّن في العلوم إلا أنّ العناية بالشعر غلبت عليه.
5. "العمدة في محاسن الشعر وآدابه"، لأبي علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (ت: 463 هـ) وقد ذكر في كتابه هذا أنواعاً كثيرة من البديع.
6. "البديع في نقد الشعر"، للأمير أبي المظفّر أسامة بن مرشد ابن منقذ الشيزري(ت:584هـ) ، وكان شاعراً أديباً حسن الذوق والمعرفة بالشعر، ذكر عن نفسه أنه يحفظ عشرين ألف بيت من الشعر الجاهلي، وكان من أمراء الحرب في زمانه قاد الحملات ضدّ الصليبيين، وقاتل قتال الأبطال، وله أخبار مأثورة، ووقائع مذكورة، وأشعار مستحسنة، واختيارات مستعذبة، وكتب كثيرة من أشهرها: "المنازل والديار"، و"لباب الآداب"، و"العصا"، و"البديع في نقد الشعر"، وهي كتب مطبوعة، وله غيرها مما لم يطبع.
وقد ذكر في كتابه هذا من أنواع البديع ما لم يُذكر في الكتب قبله، وكان حسن الانتقاء للأمثلة والشواهد، بصيراً بلطائف المعاني ومآخذ الشعراء وعلل الاختيار، على أنّ ابن أبي الإصبع المصري قد انتقده انتقاداً شديداً.
7. "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"، لأبي الفتح نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي(ت: 637هـ)، وكان وزيراً كاتباً، وله كتب أخرى في الترسّل والكتابة ونقد الشعر، وقد اشتهر كتابه "المثل السائر" شهرة كبيرة، وذكر فيه أنواعاً كثيرة من البديع.
8. "تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن"، لأبي محمد عبد العظيم بن عبد الواحد ابن أبي الإصبع المصري(ت:654هـ)، وكتابه هذا من أجلّ كتب البديع وأجمعها، وقد قال في مقدّمته: (ولقد وقفت من هذا العلم على أربعين كتاباً منها ما هو منفرد به، وما هذا العلم أو بعضه داخل في بعضه)ا.هـ.
وقد عني بهذا العلم عناية بالغة حتى جعله وظيفة عمره، وذكر في مقدّمة كتابه أنه جمع فيه ستين نوعاً من أنواع البديع أضافها إلى الثلاثين المتحصّلة من جمع ابن المعتزّ وقدامة بن جعفر؛ فصار مجموع أنواع البديع في كتابه هذا تسعين نوعاً، شرحها ومثّل لها، وحرّر كتابه وحبّره؛ فكان من أجمع كتب البديع وأنفعها، غير أنّ ما ذكره من أنواع البديع منه ما هو معدود من علم البيان، ومنه ما هو معدود من علم المعاني، ولم يشتهر فصل "علم البديع" عنهما إلا بعده بزمن؛ إذ قصره المتأخرون على المحسّنات المعنوية واللفظية.
ثمّ إنّ ابن أبي الإصبع لم يزل مشتغلاً بالبديع مدة طويلة من عمره في شبيبته ومشيبه، وذكر أنه ذاكر به عقلاء العلماء، وأذكياء الفضلاء، ونبلاء البلغاء، وكلّ من له عناية بتدبّر القرآن.
وذكر في مقدّمة كتابه "بديع القرآن" أنه تحصّل له مما جمع ممن تقدّمه خمسة وستون نوعاً، واستنبط هو واحداً وثلاثين نوعاً؛ فبلغ المجموع مائة وستة وعشرين نوعاً من أنواع البديع، ثمّ أفرد ما يختص بالقرآن منها فكان مائة نوع وثمانية أنواع.
قال: (فاستنبطت واحداً وثلاثين باباً لم أُسبق في غلبة ظنّي إلى شيء منها، إلا أن يوجد في زوايا الكتب شيء من ذلك لم أقف عليه؛ فأكون أنا ومن سبقني متواردين عليه، وما إخال ذلك إن شاء الله تعالى)ا.ه.
قال صفيّ الدين الحلّي: (سُلّم له منها عشرون، وباقيها مسبوق إليه أو متداخل عليه، وكتابه المسمّى "التحرير" أصحّ كتاب أُلّف في هذا العلم لأنّه لم يتّكل على النقل دون النقد)ا.هـ.
وتعداد الأنواع التي ذكرها يطول، وكثير منه يحتاج إلى شرح وتمثيل.
ولابن أبي الإصبع عناية ظاهرة بالبديع ولطائف معاني القرآن، وله كتاب لم يطبع فيما أعلم سمّاه "الخواطر السوانح في كشف أسرار الفواتح" أي فواتح القرآن، وقد لخّصه السيوطي في "الإتقان" وفي "معترك الأقران في إعجاز القرآن".
وله أبيات حسنة في وصف بديع القرآن من قصيدة له في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله:
وآيته العظمى بلاغة ما به .. أتى من كتابٍ فضله ليس يُجحد
تفرّد في عصر البيان بيانه .. بأسلوبه إذ نظمه متفرّد
وفي نظمه بعد الغرابة معجز .. محاسنه لم تنحصر فتُحدّد
هدى الناسَ منه للبديع بديعُه .. فصاغوا حُليّ القول منه وقلّدوا
بمعنى يزين المرءُ منه كلامه .. فيحلو بأسماع الورى حين يُورَدُ
ويُضحي لما يأتي به أيّ رونق .. يُعظّمه المصغي له ويُمجّد
وجاء سَليماً نظمُه من معايب .. بلا سقطة فيه لمن يتفقّدُ
9. الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، للمؤيد باللَّه يحيى بن حمزة العلويّ (ت: 745هـ)، وقد ضمّنه أنواعاً كثيرة من البديع.
10. "زهر الربيع في شواهد البديع"، لمحمد بن قرقماس بن عبد الله الناصري(ت:882هـ)، وهو كتاب لطيف ذكر فيه ثلاثة وأربعين باباً من أبواب البديع، ومثّل لها بأمثلة من نظمه.
11. القول البديع في علم البديع، لزين الدين مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي (ت:1033هـ) من فقهاء الحنابلة المعروفين، وله كتاب "دليل الطالب" تخرّج به جماعة من الفقهاء.
فهذه أشهر الكتب في البديع، وأكثرها في بديع الشعر، ومنهم من يمثّل لبعض الأوجه من الآيات والأحاديث وأقوال الفصحاء.
ولبعض مَن كتب في علوم البلاغة عناية بذكر أنواع البديع على تفاوت بينهم في ذلك، فذكر بعضَ أنواعه عبد القاهر الجرجاني(ت:471هـ) في كتابه أسرار البلاغة من غير أن يميّزه بقسم.
ثم أتى بعده أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي(ت:626هـ) وهو تلميذ الحاتمي صاحب "حلية المحاضرة" ، فألّف كتابه "مفتاح العلوم"، وحصر فيه البلاغة في علمي المعاني والبيان إلا أنّه ألحق بهما محلقاً في الفصاحة والمحسنات المعنوية واللفظية؛ وذكر منها تسعة وعشرين نوعاً استمدها من كتاب "نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز" للفخر الرازي؛ فكان هذا الفصل ممهّداً لتقسيم علوم البلاغة إلى ثلاثة أقسام: المعاني والبيان والبديع.
ثمّ أتى بدر الدين محمد بن محمد بن عبد الله ابن مالك الطَّائي الأندلسي (ت: 686هـ) ، المعروف بابن الناظم، وهو ابن صاحب الألفية المشهورة في النحو؛ فألّف كتابه "المصباح في المعاني والبيان والبديع"، فكان أوّلَ من عُرف أنّه صرّح بجعل علم البديع قسيماً لعلمي المعاني والبيان، ثم اشتهر هذا التقسيم في كتب البلاغة). [طرق التفسير:254 - 259]

رد مع اقتباس
  #94  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:01 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

البديعيات
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (البديعيات
البديعيات جمع بديعية، وهي القصيدة المرصّعة بأنواع البديع.

وكان الشعراء المحدثون في القرن الثاني والثالث والرابع على تنافسهم في البديع وأنواعه لم يُعرف عنهم أنهم تصدّوا لنظم أنواع البديع بأمثلتها في قصائد مقصدها التعريف بأنواع البديع، وإنما كان الذي فشا فيهم الإكثار من البديع في تحلية قصائدهم التي لها مقاصد أخرى، حتى أتى يحيى بن عبد المعطي الزواوي (ت:628هـ) فنظم أنواع البديع وشواهده في منظومة سمّاها "البديع في علم البديع" قال في مطلعها:
يقول ابن معطٍ قلت لا متعاطياً .. مقالة من يرجو الرضا والتعاطيا
أتيت بأبيات البديع شواهداً .. أضمّ إليها في نظيمي الأساميا
- ثمّ نظم أمين الدين علي بن عثمان السليماني الإربلّي(670هـ) قصيدة من ستة وثلاثين بيتا ضمّنها أنواعاً من البديع، قال في مطلعها:
بعضَ هذا الدّلال والإدلال ... حالي الهجر والتّجنّب حالي
حرت إذ حزت رَبع قلبي وإذْ لا ... لي صبر أكثرت من إذلالي
- ثمّ ابتكر صفيّ الدين عبد العزيز بن سرايا الطائي الحلّي(ت:750هـ) بديعية في المديح النبوي عارض بها بردة البوصيري (ت:696هـ) سمّاها "الكافية البديعية في علوم البلاغة ومحاسن البديع" ، وهي مائة وخمسة وأربعون بيتاً تشتمل على مائة وواحد وخمسين نوعاً من أنواع البديع، ومطلعها:
إن جئت سلعا فسل عن جيرة العلم .. واقرا السلام على عُرْب بذي سلم
وشَرَحَ بديعيته هذه في كتاب طبعه مجمع اللغة العربية بدمشق.
وهي قصيدة فيها فوائد بديعية إلا أنه شانها بالغلو في المدح فلذلك ينبغي أن يحذر مما فيها من مجاوزة الحدّ في مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
وبديعية الحلّي شاعت وذاعت في عصره وبعد عصره وعارضها جماعات من الشعراء حتى جاوزوا المائة، ومنهم من زاد عليه في أنواع البديع.
ومن أشهر ما عورضت به بديعية الحلّي:
1. بديعية ابن جابر، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن جابر الأندلسي، وتعرف أيضاً ببديعية الأعمى ، لأنه كان كفيف البصر، وقد سمّاها "الحلة السيرا في مدح خير الورى"، وهي معدودة من أجود البديعيات نظماً حتى فضّلها بعضهم على بديعية الحلّي، ومما قال فيها:
عُج بي عَلَيهِم فَعُجبي مِن جَفاءِ فَتىً ** جازَ الدِّيارَ وَلَم يُلمِم بِرَبعِهِمِ
دَع عَنكَ سَلمى وَسَل ما بِالعَقيق جَرى ** وَأُمَّ سَلعاً وَسَل عَن أَهلِهِ القُدُمِ
وكان له صديق كالأخ أو هو أقرب من حسن ملازمته له في أسفاره ورحلاته، وقيامه بشؤونه، ومؤانسته له، اسمه أحمد بن يوسف الرعيني الأندلسي(ت779هـ)، فاصطحبا في رحلاتهما من الأندلس إلى الشام مروراً بمصر يسمعان القراءات والحديث ويدرسان النحو وعلوم العربية، حتى عُرفا بالأعمى والبصير، وكان ابن يوسف أديباً ناقداً ، فشرح بديعية صديقه في كتاب حافل سمّاه "طراز الحلة وشفاء الغلة"، وهو مطبوع
ولم يتفرَّقا حتى تزوّج ابنُ جابر بعد استقراره في حلب، فغادرها ابن يوسف ومات قبله بسنة.
2. بديعية عز الدين علي بن الحسين الموصلي (ت:789هـ) ، وسمّاها: "التوصل بالبديع إلى التوسل بالشفيع"، والتزم فيها أن يودع كل بيت اسم النوع البديعي الذي فيه، بالتورية أو الاستخدام أو التنبيه، لكنّه أنهك بهذا الالتزام قصيدته وأذهب رونقها، ومطلعها:
براعة تستهل الدمع في العلم … عبارة عن نداء المفرد العلم
3. بديعية شهاب الدين أحمد العطار (ت: 794هـ) ، سمّاها، "الفتح الإلّي في مطارحة الحلّي".
4. بديعيَّة عيسى بن حجاج بن عيسى بن شداد السعدي (ت:807هـ) ، وهي رائية، شرحها مجد الدين إسماعيل الحنفي شيخ الحافظ السخاوي.
5. بديعيات زين الدين شعبان بن محمد بن داوود الآثاري الموصلي (ت:828هـ)، وهي ثلاث بديعيات: كبرى ووسطى وصغرى.
6. بديعية أبي بكر علي بن حجة الحموي (ت: 837هـ) ، و"سماها "تقديم أبي بكر" ، وشرحها شرحاً حافلاً في كتاب سمّاه "خزانة الأدب وغاية الأرب"، وهو مطبوع.
7. بديعية جلال الدين السيوطي (ت:911هـ) ، وقد سماها "نظم البديع في مدح خير شفيع"
8. بديعية عائشة بنت يوسف الباعونية (ت: 923هـ) ، وقد شرحت بديعيتها في كتاب سمّته "الفتح المبين في مدح الأمين".
9. بديعية الحميدي، وهو عبد الرحمن بن أحمد بن علي الحميدي (ت:1005هـ ) ، وسماها: "فتح البديع بشرح تمليح البديع بمدح الشفيع"
10.بديعية ابن معصوم، وهو علي بن أحمد بن محمد ابن معصوم الهندي (ت:1119هـ)، وقد اشتملت على مائتي نوع من البديع، وله شرح حافل عليها سماه "أنوار الربيع في أنواع البديع"، وهو مطبوع.
فهذه عشر بديعيات، وأكثرها لها شروح مطبوعة، وأقرب فوائدها التعريف بأنواع البديع بالشرح والتمثيل، وأما نظم عامة تلك البديعيات فهو منتقد عند أهل البلاغة من جهة ضعف صنعة الشعر فيها وكثرة إنهاك الأبيات بتكلّف البديع، وكون الألفاظ قائدة للمعاني على عكس غاية البيان، وقد يُنتخب من بعض تلك البديعيات أبيات حسنة قليلة في جنب كثير لا يستساغ، مع ما في بعضها من الغلوّ في المدح إلى درجة وصف النبي صلى الله عليه وسلم ببعض خصائص الربوبية، وسؤاله الحاجات، وهذا من الشرك الأكبر والعياذ بالله). [طرق التفسير:260 - 263]

رد مع اقتباس
  #95  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:05 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

فائدة علم البديع للمفسّر
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (فائدة علم البديع للمفسّر
ينبغي أن يكون للمفسّر نصيب وافرٌ من علوم البلاغة، ومنها علم البديع، وهو من العلوم التي لا يحاط بها لتفاضل القرائح والفهوم في إدراك أنواعه وأمثلته، ولذلك لم يزل العلماء يزيد بعضهم على بعض فيها؛ حتى إنّ ابن أبي الإصبع لما بلغ مائة وعشرين نوعاً أمسك الفكر عن التوغّل في أنواع البديع، وزاد عليه صفيّ الدين الحلّي ثلاثين نوعاً.

وقال أبو يعقوب السكاكي بعد أن ذكر تسعة وعشرين نوعاً من البديع: (فلك أن تستخرج من هذا القبيل ما شئت، وتلقب كلا من ذلك بما أحببت)ا.هـ.
ولم يزل أهل البديع يزيد بعضهم على بعض في أنواعه حتى أوصلها ابن معصوم إلى مائتي نوع في بديعيته.
وقد يتواردون على أنواع من البديع فيختفلون في تسميته وحقيقته واحدة.
وقد يظهر للناظر الفَطِن من أنواع البديع ما لا يجده في كتب البديع، على أنّي أوصي المفسّر بأن يأخذ من أنواع البديع بما ظهر نفعه وتيسّر فهمه، وأن لا يتوغّل فيه توغّل المتكلّفين.
وليكن غرض المفسّر منه ما يعينه على استخراج الأوجه التفسيرية والمعاني اللطيفة، لأنّ علم البديع إذا أوتي الناظرُ فيه حسنَ ذوق، ولطافة ذهن، وقدرة على الاستخراج والتبيين توصّل به إلى أوجه بديعة في التفسير قد لا يتفطّن لها كثير من الناس، فتفيده في التدبّر واستحضار معاني الآيات ولوازم المعاني.

وسأضرب أمثلة بعون الله تعالى على نوعين من أنواع البديع تبيّن فائدة هذا العلم للمفسّر:
النوع الأول: الاحتباك ، وهو افتعال من الحبك ، وهو شدّة الإحكام في حسن وبهاء، وكلّ ما أُجيد عمله فهو: محبوك، وتقول العرب: فرس محبوكة إذا كانت تامّة الخلق شديدة الأسر، ومنه يقال: لشدّ الإزار وإحكامه: الاحتباك.
والمراد بالاحتباك عند أهل البديع أن يقابَل بين جملتين مقابلة غير متطابقة؛ فيحذف من الجملة الأولى ما يقابل الثانية، ويحذف من الثانية ما يقابل الأولى، فتدلّ بما ذكرت على ما حذفت، ويحتبك اللفظ والمعنى بإيجاز بديع.
ولذلك سمّاه بدر الدين الزركشي(ت:795هـ) "الحذف المقابلي"، وهو من أجود أنواع البديع المعنوي، وله أمثلة كثيرة في القرآن:
منها: قول الله تعالى: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، فدلّ على الاحتباكِ في هذهِ الآيةِ المقابلةُ بين جزاء وحال، والمتبادر إلى الذهن أن يُقابَل بين جزاء وجزاء ، وأن يقابل بين حال وحال؛ فالخروج عن المتبادر لا يكون إلا لفائدة بلاغية؛ فكان تقدير الكلام على هذا المعنى: أفمن يأتي خائفاً يوم القيامة ويلقى في النار خير أمّ من يأتي آمناً ويدخل الجنّة.
والناظر في أمثلة الاحتباك التي يذكرها بعض المفسّرين وأهل البديع يتبيّن له إمكان تقسيم الاحتباك إلى درجتين:
- احتباك ثنائي التركيب، ومثاله ما تقدّم.
- واحتباك ثلاثي التركيب، وهو بديع جداً، ومن أمثلته قول الله تعالى في سورة الفاتحة: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}
ففي هذه الآية نوع عزيز من أنواع الاحتباك أشار إليه ابن عاشور رحمه الله.
وشَرْحُ كلامه: أنّ التقابلَ في هذه الآية ثلاثي التركيب ففيه:
1. مقابلة بين الإنعام والحرمان.
2. ومقابلة بين الرضا والغضب.
3. ومقابلة بين الهدى والضلال.
وتقدير الكلام بما يتّضح به هذا المعنى: {اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم} فهديتَهم ورضيت عنهم {غير المغضوب عليهم} الذين حرموا نعمتك وضلّوا، {ولا الضالّين} الذين حرموا نعمتك وغضبت عليهم.
وقد اعتنى بهذا النوع جماعة من العلماء كبدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن، وبرهان الدين البقاعي في "نظم الدرر"، وجلال الدين السيوطي في "التحبير" و"الإتقان" و"معترك الأقران"، والألوسي في "روح المعاني"، وابن عاشور في "التحرير والتنوير"؛ وأفرده البقاعي بمؤلّف سمّاه "الإدارك لفنّ الاحتباك"، وأُفردت فيه رسائل علمية في هذا العصر.

النوع الثاني: حسن التقسيم، ويسميه بعض أهل البديع صحة التقسيم، وهو على نوعين: لفظي ومعنوي وقد يجتمعان.
فالتقسيم اللفظي: تقسيم الكلام إلى جمل يسيرة متسّقة متآلفة.
ومنه قوله تعالى: { إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}.
ومن أمثلة هذا النوع في الشعر قول الخنساء في رثاء أخيها صخر:
حَمّالُ ألوِيَةٍ هَبّاطُ أودِيَةٍ .. شَهّادُ أنْدِيَةٍ للجَيشِ جَرّارُ
وهذا البيت فيه مع التقسيم اللفظي بديع لفظي آخر وهو الترصيع.
والتقسيم المعنوي: هو استيفاء أقسام المُقسَّم نصّاً أو تنبيهاً، وهو كثير جداً في القرآن الكريم.
ومن أمثلته قول الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)}
فإنّه استوفى ذكر أقسام أمّة الاستجابة فجعلها على ثلاثة أقسام:
1. المحسنين.
2. والمقتصدين .
3. وظالمي أنفسهم، وهم الذين لديهم أصل الإيمان لكنّهم مقترفون لذنوب لم يتوبوا منها.
ولا تخرج أقسام أتباع الرسل عن هذه الأقسام الثلاثة، ولكلّ قسم حظّه من الاصطفاء بقدر حظّه من الاستجابة.
ومن أمثلته أيضاً: قول الله تعالى: { الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ}
فاستوفت الآية أقسام حالات العبد.
والتقسيم له أصل في النصوص، ومن دلائله حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الحمد لله رب العالمين}، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: {الرحمن الرحيم} ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: {مالك يوم الدين}، قال: مجدني عبدي؛ فإذا قال: {إياك نعبد وإياك نستعين} قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل). رواه مسلم في صحيحه.
فهذا الحديث نصّ على التقسيم، وهو تقسيم معنوي جليل القدر.
قال ابن عاشور: (في هذا الحديث تنبيه على ما في نظم فاتحة الكتاب من خصوصية التقسيم إذ قسم الفاتحة ثلاثة أقسام. وحسن التقسيم من المحسنات البديعية).ا.هـ.
ومما ينبغي أن يُعلم أنّ التقسيم المعنوي منه ظاهر وخفيّ.
- فالتقسيم الظاهر ما تقدّمت أمثلته، وهو ما ذُكرت أقسامه نصّا أو كان التنبيه فيه على ما حذف ظاهراً.
- والتقسيم الخفيّ ما احتيج فيه إلى استنباط واستخراج، وله دلائل تدلّ عليه، وهو باب عظيم من أبواب تدبّر القرآن، وأمثلته في القرآن كثيرة جداً، يتفاضل العلماء في استخراجها، وإدراك موارد التقسيم فيها.
ومن أكثر من رأيت له عناية بهذا الباب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فله براعة ظاهرة في استخراج هذا الأنواع، والكشف عن موارد التقسيم وبيانها، إلا أنّ كلامه في بعض المواضع كالتنبيه وفتح الباب للمتأمّل حتى يدرك ما وراء عبارته.
ومن ذلك قوله في رسالة "أمراض القلوب وشفائها": (العلم النافع هو أصل الهدى، والعمل بالحق هو الرشاد، وضد الأول هو الضلال، وضد الثاني هو الغيّ، والضلال: العمل بغير علم، والغي: اتباع الهوى، قال تعالى: {والنجم إذا هوى . ما ضل صاحبكم وما غوى} فلا ينال الهدى إلا بالعلم ولا ينال الرشاد إلا بالصبر )ا.هـ.
فهذا الكلام يُستفاد منه التنبّه لما في الآية من تقسيم معنويّ خفيّ، وقد بيّن مورد التقسيم، وهو العلم والعمل، وهذا المورد أصل لكثير من التقسيمات المعنوية في القرآن الكريم.
فقوله تعالى: {ما ضلّ صاحبكم وما غوى} فيه استيفاء الردّ على الإيرادات المحتملة لمنكري خبره صلى الله عليه وسلم عن المعراج.
فقوله: {ما ضلّ} ينفي عنه القول بغير علم.
وقوله: {وما غوى} ينفي عنه إرادة الإخبار بخلاف الحقّ الذي يعلمه.
فإذا كان ما يعلمه حقاً، وأخبر بهذا الحقّ؛ فلا بدّ أن يكون كلامه حقّاً؛ فقامت الحجّة بصدقه؛ لأنّ الحقّ لا يتخلّف عن الخبر إلا بأحد أمرين:
  • أن يكون المُخبر غير عارف بالحقّ، وهذا هو الضلال.
  • أو أن يكون عارفاً به لكن لا يريد الإخبار به، وهذا هو الغيّ.
فاستوفى بهذا التقسيم الحجّة على صدق خبره صلّى الله عليه وسلم.
وزادهم بيانا بذكره بلفظ {صاحبكم} للإشارة إلى أنّكم تعرفون صدقه، وعقله، ورشده، وأنه ليس بالمتّهم عندكم، وقد لبث فيكم عمراً تدعونه الصادق الأمين؛ فهو صاحبكم الذي تعرفونه، وما ضلّ ، وما غوى.
- ونظير هذا قوله تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا}
فجمع الله تعالى في هذه الآية التكفّل بما يحتاجه الداعي إليه، وهما يرجعان إلى أمرين: الهداية والنصر؛ فبالهداية يعرف الحقّ من الباطل، ويسير على الصراط المستقيم، وبالنصر يعان على عدوّه ويتمّ له مقصده، وتحسن عاقبته.
وتقديم الهداية على النصر في هذه الآية من باب تقديم العلم على العمل، لأن الهداية من ثمرات العلم، والنصر من ثواب العمل.
  • ومن ألطف الأمثلة على التقسيم المعنوي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)}
  • فجمع الله في هذه الآية أصلي علم السلوك، وهما: البيّنات والهدى، وحاجة الناس إليهما ماسّة، بل هي أشدّ من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأنّه لا نجاة من العذاب ولا طمع في الثواب إلا بهما؛ فمن كتمهما كان أقبح وأضرّ ممن يمنع الطعام والشراب مع تيسّره.
  • وكتمان البينات يكون بإخفاء الحقّ ولبسه بالباطل، وتضليل الناس، وصدّهم عن الحق.
  • وكتمان الهدى يكون بترك العمل بالحقّ.
فلا يعرف الناس حقاً يتبيّنون به الصواب من الخطأ، ولا يرون قدوة يأتسون بها، ويبصرون صلاح حالها؛ فيقع الناس في عمياء بين دعاة فتنة يضلّونهم، أو علماء سوء تدعوهم ألسنتهم إلى الحق، وتدعوهم أفعالهم إلى الباطل.
ولذلك كانت هذه الآية من أشدّ الآيات على العلماء لأنّهم يدركون أنّه لا نجاة لهم إلا بالعلم والعمل؛ فبالعلم الصحيح يتحقّق التبيّن ويُعرف الحقّ من الباطل، وبالعمل بهذا العلم يتحقّق الهدى؛ فإنّ العالم لا يكون مهتدياً حتى يعمل بعلمه.
فرجع مورد التقسيم إلى أصلي العلم والعمل.
والأمثلة على هذا النوع كثيرة جداً، والموفّق اللبيب يستخرج بهذا النوع علماً غزيراً مباركاً، ولو أُفرد فيه مؤلَّف لكان مجلداً كبيراً.
والمقصود في هذا المقام التنبيه إلى فائدة علم البديع للمفسّر، وذكر بعض الأمثلة الموضّحة لفائدته من غير تطويل). [طرق التفسير:263 - 271]

رد مع اقتباس
  #96  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:33 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

النوع العاشر: تناسب الألفاظ والمعاني.
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (النوع العاشر: تناسب الألفاظ والمعاني.
تناسب الألفاظ والمعاني في القرآن الكريم علم لغوي لطيف المأخذ، عزيز المنال، يلتئم من معرفة صفات الحروف، ودرجاتها، وتناسب ترتيبها، ومراتب الحركات، مع العلم بالاشتقاق، والتصريف، والأشباه والنظائر والفروق اللغوية، وقد اعتنى به جماعة من المفسّرين لفائدته في إحسان تبليغ معاني القرآن، وتقريب دلائل ألفاظه، وهو معين على إدراك التناسب بين بعض الأقوال الصحيحة، والترجيح بين بعض الأوجه التفسيرية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (أكثر المحققين من علماء العربية والبيان يثبتون المناسبة بين الألفاظ والمعاني).
وهذا العلم من العلوم التي لم ينضج التأليف فيها بعد، ولم تزل معالمه بحاجة إلى تشييد وتجديد، وكثير من أبوابه ومسائله بحاجة إلى تأصيل وتفصيل.
ومما يذكره العلماء في مسائل هذا العلم ما هو ظاهر يدركه من له فقه في العربية، وذوق في حسن بيانها، ومنه ما يحتاج في معرفته إلى تفكّر ونظر دقيق في الألفاظ وتركيبها ونظائرها وصفات حروفها وتناسب حركاتها). [طرق التفسير:272]

رد مع اقتباس
  #97  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:36 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

نشأة علم التناسب بين الألفاظ والمعاني
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (نشأة علم التناسب بين الألفاظ والمعاني
لهذا العلم أصول مأثورة عن بعض علماء اللغة المتقدمين كالخليل بن أحمد وسيبويه ومن في طبقتهما.
ثم ابن قتيبة وأبي العباس المبرّد وثعلب ومن في طبقتهم.
ثمّ أبي القاسم الزجاجي وأبي سعيد السيرافي وأبي منصور الأزهري وأبي علي الفارسي ومن في طبقتهم.
لكن كلام هؤلاء الأعلام في هذا العلم إنما هو إشارات متفرقّة لا تبلغ أن يستفاد من مجموعها مادّة كتاب، حتّى أتى أبو الفتح ابن جنّي(ت:392هـ) فحاول كشف مكنونات هذا العلم والتنقيب عن أصوله، وإبراز معالمه؛ فكتب في "الخصائص" باباً سماه "تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني"، وقال فيه: (هذا غَورٌ من العربية لا يُنتَصف منه، ولا يكاد يحاط به، وأكثر كلام العرب عليه، وإن كان غُفْلًا مسهوًّا عنه) إلى آخر ما قال في هذا الباب.
وقال في بيان بعض أنواع مسائله: (من ذلك قول الله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} أي: تزعجهم وتقلقهم، فهذا في معنى تهزّهم هزًّا، والهمزة أخت الهاء؛ فتقارب اللفظان لتقارب المعنيين، وكأنهم خصّوا هذا المعنى بالهمزة لأنها أقوى من الهاء، وهذا المعنى أعظم في النفوس من الهزِّ؛ لأنَّك قد تهزّ ما لا بالَ له كالجذع وساق الشجرة، ونحو ذلك.
ومنه "العَسْف" و"الأسَف"، والعين أخت الهمزة، كما أن الأسف يعسف النفس وينال منها، والهمزة أقوى من العين، كما أن أسف النفس أغلظ من "التردد" بالعسف؛ فقد ترى تصاقب اللفظين لتصاقب المعنيين)ا.هـ.
ثم قال في آخر هذا الباب: (وهذا النحو من الصنعة موجود في أكثر الكلام وفرش اللغة, وإنما بقي من يثيره ويبحث عن مكنونه, بل مَنْ إذا أوضح له وكشفت عنده حقيقته طاع طبعه لها فوعاها وتقبلها. وهيهات ذلك مطلبًا, وعزَّ فيهم مذهبًا)ا.هـ.
ثمّ أتبع هذا الباب باباً طويلاً سمّاه : (إمساسَ الألفاظ أشباه المعاني) وهو من أنواع تناسب الألفاظ والمعاني.
وكان في عصره أحمد بن فارس الرازي(ت:395هـ) صاحب "معجم المقاييس" و"مجمل اللغة" و"الصاحبي في فقه اللغة" وغيرها، وله في هذا العلم كلام حسن متفرّق في كتبه.
ثمّ أتى شيخ الإسلام ابن تيمية(ت:728هـ) فتكلم في أمثلة لهذا العلم بكلام بديع في عدد من كتبه، واستعمله في الترجيح بين بعض الأوجه التفسيرية، والتنبيه على علل بعضها.
وقد ذكر تلميذه النجيب ابن القيّم (ت:751هـ) أنّه سأله عن هذا العلم، فشرح له فيه فصلاً عظيم النفع، وقد وقع هذا الشرح من تلميذه موقعاً حسناً؛ فأخذه وحبّره، وزاد في أمثلته، وفرّع عليه، حتى فتح له في هذا العلم أبواب لطيفة بديعة، وتمنّى أنْ يؤلّف فيه كتاباً مستقلاً، وذكر فيه كلاماً مطوّلاً في كتابه "جلاء الأفهام" ثم قال: (وهذا أكثر من أن يحاط به، وإن مدَّ الله في العمر وضعت فيه كتاباً مستقلاً إن شاء الله تعالى، ومثل هذه المعاني تستدعي لطافة ذهن ورقة طبع، ولا تتأتَّى مع غلظ القلوب، والرضا بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأمّلها وتدبّرها والنظر إلى حكمة الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدقّ على أكثر العقول، وهذا باب ينبّه الفاضل على ما وراءَه {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور}).ا.هـ
وكان الذي جرّه إلى هذا الاستطراد شرح معنى الميم في "اللهمّ" فذكرَ الأقوال فيها وبيّن مآخذها وعللها ثمّ قال: (وقيل: زيدت الميم للتعظيم والتفخيم كزيادتها في زُرْقُم لشديد الزرقة، وابنم في الابن، وهذا القول صحيح ولكن يحتاج إلى تتمة، وقائله لحظَ معنى صحيحاً لا بد من بيانه، وهو أنَّ الميم تدل على الجمع وتقتضيه، ومخرجها يقتضي ذلك، وهذا مطرد على أصل من أثبت المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أساطين العربية وعقد له أبو الفتح بن جني بابا في الخصائص، وذكره عن سيبويه، واستدلَّ عليه بأنواع من تناسب اللفظ والمعنى، ثم قال: "ولقد كنت برهة يرد علي اللفظ لا أعلم موضوعه وآخذ معناه من قوة لفظه ومناسبة تلك الحروف لذلك المعنى ثم أكشفه فأجده كما فهمته أو قريبا منه" فحكيت لشيخ الإسلام هذا عن ابن جني؛ فقال: "وأنا كثيرا ما يجري لي ذلك".
ثم ذكر لي فصلاً عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة الخفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة للمتوسط:
  • فيقولون: "عزَّ يَعَزُّ" بفتح العَين إذا صلب، وأرض عزاز: صلبة.
  • ويقولون: "عَزَّ يَعِزُّ بكسرها، إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب؛ فقد يكون الشيء صلباً ولا يمتنع على كاسره.
  • ثم يقولون: عزَّه يَعُزُّه إذا غَلَبَه، قال الله تعالى في قصة داود عليه السلام: {وعزني في الخطاب}.
والغلبة أقوى من الامتناع؛ إذ قد يكون الشيء ممتنعاً في نفسه، متحصناً من عدوّه، ولا يَغْلِب غيرَه؛ فالغالب أقوى من الممتنع؛ فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع؛ فأعطوه أضعف الحركات، والممتنع المتوسط بين المرتبتين؛ فأعطوه حركة الوسط). إلى آخر ما قال، وهو فصل طويل.
وهذا نوع من أنواع تناسب الألفاظ والمعاني.
وقال ابن القيّم أيضاً: (الألفاظ مشاكلة للمعاني التي هي أرواحها، يتفرَّس الفطنُ فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسّه كما يتعرّف الصادقُ الفراسةَ صفاتِ الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته، وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه: "قال ابن جني: مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه ثم أكشفه؛ فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه.
فقال لي رحمه الله: وهذا كثيرا ما يقع لي".
وتأمَّل حرف "لا" كيف تجدها لاماً بعدها ألِفٌ يمتدّ بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس؛ فآذَنَ امتدادُ لفظها بامتداد معناها ولن بعكس ذلك؛ فتأمَّله فإنه معنى بديع.
وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً} بحرف "لا" في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل؛ فصار من صيغ العموم؛ فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله عز وجل: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدا.
وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى، وحرف "لا" في الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها.
وقال في سورة البقرة: {ولن يتمنوه} فقصر من سعة النفي وقرَّب لأن قبله: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ} لأنَّ "إن كان" هنا ليست من صيغ العموم؛ لأن كان ليست بدالة على حدث، وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث؛ فكأنه يقولُ عزَّ وجلَّ إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن ثم قال في الجواب: {ولن يتمنوه} فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا)ا.هـ). [طرق التفسير:273 - 277]

رد مع اقتباس
  #98  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:41 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

ائتلاف الألفاظ والمعاني عند أهل البديع
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (ائتلاف الألفاظ والمعاني عند أهل البديع
مما ينبغي التنبّه له أنّ أهل البديع لهم عناية بما يقارب هذا العلم في اسمه ويخالفه في بحث مسائله؛ ففي عدد من كتب البديع باب في "ائتلاف اللفظ والمعنى"، وأوّل من ذكر هذا الباب قدامة بن جعفر في كتابه "نقد الشعر" وجعل له أنواعاً، ثمّ تبعه جماعة من أهل البديع، فزادوا عليه فيها، وضمّ بعضهم إلى أنواعه أنواعاً أخرى، ومنهم من يسمّيها "التهذيب والتأديب"

وكلّ تلك المباحث غير داخلة فيما نحن بصدده من ذكر مناسبة الألفاظ في صفات حروفها وترتيبها وحركاتها وطريقة نطقها للمعاني الدالة عليها وإن لم تكن في جمل مفيدة.
وسألخّص ما ذكره أهل البديع في باب "ائتلاف اللفظ والمعنى" حتى يحصل تصوّر ما يريده أهل البديع، ويُعرف اختلافُه عن موضوع علم التناسب بين الألفاظ والمعاني.
فما ذكره أهل البديع في "ائتلاف اللفظ والمعنى" راجع إلى الموازنة بين الألفاظ والمعاني من جهة مقدار الدلالة فيهما، ولذلك يقسّمونها إلى إيجاز ومساواة وإطناب، ويتفرّع على هذه الدرجات أنواع أخرى: كالإشارة والإرداف والمقابلة وغيرها.
أ. فأمّا الإشارة، فهي أن تدلّ بألفاظ قليلة على معنى كثير لا تقتضيه دلالة الألفاظ بوضعها، ولكن بتنبيهها وإشارتها.
ومثاله قوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} فأشارت هذه الألفاظ اليسيرة إلى معانٍ كثيرة، ودلّت على حجج بليغة في الردّ على النصارى الذين غلوا في عيسى وأمّه وادّعوا فيهما الألوهية:
- منها: احتياجهما إلى الطعام كسائر البشر، والمحتاج لا يصلح أن يكون إلهاً.
- ومنها أن لهما مالآكل الطعام من الجوف والقنوات التي يتصرف فيها الطعام داخل الجسم، وأنّ الذي قَدّر لهما تصريف الطعام في أجسادهما إنما هو الله، وأنّ الذي لا يستطيع أن يدبّر تصريف الطعام الذي يأكله في جسده كيف يستطيع تدبير شؤون الخلق؟!!
- ومنها أنّ آكل الطعام عرضة للجوع والأمراض، وقد قيل: فإنّ الداء أكثر ما تراه .. يكون من الطعام أو الشراب
- ومنها: أن آكل الطعام محتاج إلى إخراج فضلاته، والإله الحقّ إنما هو القدوس السلام المتنزّه عما لا يليق بجلاله وعظمته.
فانظر كيف دلّت هذه الإشارة الوجيزة على معانٍ كثيرة وحجج بليغة.
ومثال هذا النوع في الشعر:
قول حجل بن نضلة: جاء شقيقٌ عارضاً رمحه .. إن بني عمّك فيهم رماح
فقوله: (عارضاً رمحه) وقوله: (فيهم رماح) فيهما إشارة إلى ما ورائهما من المعاني التي ترك الشاعرُ ذِكْرَها، واكتفى بالتنبيه عليها.
ب: وأمّا المساواة؛ فقد عرّفها أبو هلال العسكري بأن تكون المعاني بقدر الألفاظ، والألفاظ بقدر المعاني، لا يزيد بعضها على بعض، وهو المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب، ومثّل له بقوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}.
ومثّل له قدامة بن جعفر بقول امرئ القيس:
فإن تكتمُوا الداءَ لا نخفهِ ... وإن تبعَثُوا الحربَ لا نقعدِ
وإن تقتلونَا نقتّلكمُ ... وإن تقصدُوا لدمٍ نقصدِ
ج: وأمّا الإرداف، فهو أن تدلّ على معنى بلفظ غير مباشر الدلالة عليه يكون كالمرادف للعبارة الأصلية، وقد مثّل له قدامة بن جعفر بقول عمر بن أبي ربيعة:
بعيدة مهوى القرط إما لنوفل .. أبوها وإما عبد شمس وهاشم
فعبّر عن طول عنقها بلفظ مرادف، وهو بُعْد مهوى القرط.
د. وأمّا المقابلة فهي أن تُوائم بين لفظين لمناسبة معنوية على جهة المقابلة، ومثاله: قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار} فقابل الركون بالمسّ؛ وبينهما مناسبة معنوية من جهة أنّ الراكن إلى شيء أوّل ما يتحقق به ركونه إليه هو مماسّته له، وكان السامع يتوقّع الإخبار عمّا يحصل بهذا الركون؛ فناسب أنّ يكون جزاء الراكنِ أن تمسّه النار لا أن يمسّ هو ما يطمئنّ إليه، وفي الآية مقابلة أخرى بديعة وهي مقابلة الفعل بالفعل جزاء وفاقاً؛ فلما ابتدأوا الركون بكونهم الفاعلين في {تركنوا}، كان من جزائهم أن تبدأهم النار بالمسّ، ولذلك قال {فتمسّكم النار} ولم يقل [فتمسّوا النار].
ولأهل البديع في هذا الباب تفصيل طويل، ومما ذكروه في هذا الباب ما هو حَسَنٌ ظاهر الحسن، ومنه ما فيه نظر.
والمقصود التنبيه على الفرق بين ما أراده أهل البديع ببحثهم "ائتلاف اللفظ والمعنى" وبين علم تناسب الألفاظ والمعاني.
وإن كان بعضهم قد يُدخل فيه ما يَدخُل في هذا العلم كقول ابن أبي الإصبع المصري: (
ومن ائتلاف اللفظ مع المعنى أن يكون اللفظ جزلاً إذا كان المعنى فخماً، ورقيقاً إذا كان المعنى رشيقاً، وغريباً إذا كان المعنى غريباً بحتاً)). [طرق التفسير:277 - 280]

رد مع اقتباس
  #99  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:43 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

أنواع مسائل التناسب بين الألفاظ والمعاني
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (أنواع مسائل التناسب بين الألفاظ والمعاني
النظر في أقوال العلماء في مسائل تناسب الألفاظ والمعاني يدلّ على أنّها على ثلاثة أنواع:

النوع الأول: تناسب صفات الحروف وترتيبها للمعنى المدلول عليه باللفظ، حتى كأنّها تحكي المعنى بجَرْسها وطريقة نطقها.
والنوع الثاني: تناسب الحركات ومراتبها، ودلالتها على الفروق المتناسبة بين دلائل الألفاظ على المعاني.
والنوع الثالث: مناسبة أحرف الزيادة في الجملة لمعنى الكلام.
وهذه الأنواع متآلفة غير متزايلة، فقد تجتمع كلها في جملة واحدة، وإنما الغرض من التقسيم بيان طرق العلماء في الحديث عن كلّ نوع منها.
وقد يظهر للناظر في مجموع كلامهم من التأصيل والزيادة ما يظهر.
ولا أدّعي أنّ هذه الأنواع حاصرة لأنواع التناسب، لكنّها بحسب ما وقفت عليه، وقد يقع للمستزيد أنواع أخرى بحسب نظره وتأمّله.
وسأمثّل لكلّ نوع بما يبيّنه إن شاء الله تعالى). [طرق التفسير:281]

رد مع اقتباس
  #100  
قديم 7 صفر 1439هـ/27-10-2017م, 02:45 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 284
افتراضي

النوع الأول: تناسب صفات الحروف وترتيبها.
قال عبد العزيز بن داخل المطيري: (النوع الأول: تناسب صفات الحروف وترتيبها.
وهذا النوع هو أخصّ أنواع التناسب وأنفعها، وله أمثلة ظاهرة الدلالة على المراد، وقد قيل: (الألفاظ في الأسماع كالصور في الأبصار).
ولبعض العلماء عناية بهذا النوع، ومن أمثلة ما ذُكِرَ فيه:
- ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان معنى "الصمد": (إذا قيل: الصمد بمعنى المصمت وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار؛ فهو صحيح فإن الدال أخت التاء؛ فإن الصمت السكوت وهو إمساك. وإطباق للفم عن الكلام. قال أبو عبيد: المصمت الذي لا جوف له وقد أصمته أنا وباب مصمت قد أبهم إغلاقه. والمصمت من الخيل البهيم أي لا يخالط لونه لون آخر ومنه قول ابن عباس: إنما حرم من الحرير المصمت فالمصمد والمصمت متفقان في الاشتقاق الأكبر، وليست الدال منقلبة عن التاء، بل الدال أقوى، والمصمد أكمل في معناه من المصمت، وكلما قوي الحرف كان معناه أقوى؛ فإن لغة العرب في غاية الإحكام والتناسب ولهذا كان الصمت إمساك عن الكلام مع إمكانه والإنسان أجوف يخرج الكلام من فيه لكنه قد يصمت بخلاف الصمد فإنه إنما استعمل فيما لا تفرق فيه كالصمد، والسيد، والصَّمْد من الأرض، وصماد القارورة ونحو ذلك؛ فليس في هذه الألفاظ المتناسبة أكمل من ألفاظ "الصمد" فإن فيه الصاد والميم والدال، وكل من هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما يناسبها من الحروف، والمعاني المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل)ا.هـ.

- وقال ابن القيّم رحمه الله: (انظر إلى تسميتهم الغليظ الجافي بالعتل والجعظري والجواظ كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني)ا.هـ.


- وقال أيضاً: (تأمل قولهم: "حجر" و"هواء" كيف وضعوا للمعنى الثقيلِ الشديدِ هذه الحروفَ الشديدةَ، ووضعوا للمعنى الخفيفِ هذه الحروفَ الهوائيةَ التي هي من أخف الحروف)ا.هـ.

- وقريب من ذلك ما قيل في لفظ "يصطرخون" في قول الله تعالى: {وهم يصطرخون فيها} وأنّ صفات هذه الحروف وترتيبها مشعر بمعناها، حتى لو قُدّر وجود مَن تطرق سمعَه هذه اللفظة لأوّل مرّة، وذُكرت له في موضعها، لهداه جرْسُها وتناسب حروفها إلى معرفة معناها، وأنّ أهل النار تتعالى أصواتهم فيها صراخاً وتألّماً واضطراباً وطلباً للنجدة، ودلَّ ضمير "هم" على التمكن والاختصاص، والفعل المضارع على التجدد؛ فصوّرت هذه الآية معنى بليغاً واختصرت شرحاً كثيراً للحال المخزية والمؤلمة للكفار في النار.


- وكذلك "يصَّعَّد" في قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} كأنّها تحكي حال الصعود وضيق النَفَس به، وما يعالجه الصاعدُ من الكرب والضيق). [طرق التفسير:281 - 283]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:04 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة