العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم الاعتقاد > كتاب الأسماء والصفات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 13 رمضان 1438هـ/7-06-2017م, 09:45 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي العطف بين الأسماء الحسنى وتركه


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 11:06 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

الأحاديث والآثار


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 14 رمضان 1438هـ/8-06-2017م, 11:07 AM
جمهرة علوم العقيدة جمهرة علوم العقيدة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: May 2017
المشاركات: 1,193
افتراضي

بيانِ بعضِ ما تَضَمَّنَهُ العَطْفُ بينَ الأسماءِ الْحُسْنَى وتَرْكُهُ مِن اللطائفِ والأسرارِ

قال ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي (ت:751هـ) كما في المرتبع الأسنى
: (البابُ التاسعَ عشرَ:
في بيانِ بعضِ ما تَضَمَّنَهُ العَطْفُ بينَ الأسماءِ الْحُسْنَى وتَرْكُهُ مِن اللطائفِ والأسرارِ

(القاعدةُ أنَّ الشيءَ لا يُعْطَفُ على نفسِهِ؛ لأنَّ حُروفَ العطْفِ بِمَنـزلةِ تَكرارِ العامِلِ؛ لأنكَ إذا قُلْتَ:
قامَ زيدٌ وعمرٌو؛ فهيَ بمعنى: قامَ زيدٌ، وقامَ عمرٌو.
والثاني غيرُ الأَوَّلِ، فإذا وَجَدْتَ مثلَ قولِهم: (كَذِباً وَمَيْناً) فهوَ لِمَعنًى زائدٍ في اللفظِ الثاني وإن خَفِيَ عنكَ، ولهذا يَبْعُدُ جِدًّا أن يَجيءَ في كلامِهم: جاءني عمرُ وأبو حَفْصٍ، ورضيَ اللهُ عنْ أبي بكرٍ وعَتيقِهِ.
فإنَّ الواوَ إِنَّمَا تَجمَعُ بينَ الشيئينِ لا بينَ الشيءِ الواحدِ , فإذا كانَ في الاسمِ الثاني فائدةٌ زائدةٌ على معنى الاسمِ الأوَّلِ كنتَ مخيَّراً في العطفِ وتَرْكِهِ. فإنْ عَطَفْتَ فمِنْ حيثُ قَصَدْتَ تَعدادَ الصِّفَاتِ وهيَ مُتغايرةٌ، وإن لم تَعْطِفْ فمِنْ حيثُ كانَ في كلٍّ منهما ضميرٌ هوَ الأوَّلُ.
- فعلى الوجهِ الأوَّلِ: تقولُ: زيدٌ فقيهٌ شاعرٌ كاتبٌ.
- وعلى الثاني: فقيهٌ وشاعرٌ وكاتبٌ.
كأنكَ عَطَفْتَ بالواوِ الكتابةَ على الشِّعْرِ، وحيثُ لم تَعْطِفْ أَتْبَعْتَ الثانيَ الأوَّلَ؛ لأنَّهُ هوَ هوَ مِنْ حيثُ اتَّحَدَ الحاملُ للصِّفاتِ.
وأمَّا في أسماءِ الربِّ تَبارَكَ وتعالى فأَكثرُ ما يَجيءُ في القرآنِ بغيرِ عَطْفٍ نحوَ:
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ
إلى آخِرِها، وجاءتْ معطوفةً في مَوضعينِ:
- أحدُهما: في أربعةِ أسماءٍ وهيَ: الأوَّلُ والآخِرُ والظاهرُ والباطنُ.
- والثاني: في بعضِ الصِّفَاتِ بالاسمِ الموصولِ، مثلَ قولِهِ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4)} [الأعلى: 2-4]، ونظيرُهُ: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الزخرف: 10-12].
فأمَّا تَرْكُ العطفِ في الغالبِ فلِتَنَاسُبِ معاني تلكَ الأسماءِ، وقُرْبِ بعضِها مِنْ بعضٍ، وشعورِ الذِّهْنِ بالثاني منها شعورَهُ بالأوَّلِ. ألا تَرَى أنكَ إذا شَعَرْتَ بصِفةِ المغفرةِ انْتَقَلَ ذهنُكَ منها إلى الرحمةِ، وكذلكَ إذا شَعَرْتَ بصفةِ السمْعِ انْتَقَلَ الذهْنُ إلى البَصَرِ، وكذلكَ {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24].
وأمَّا تلكَ الأسماءُ الأربعةُ فهيَ ألفاظٌ مُتبايِنَةُ المعاني، مُتَضَادَّةُ الحقائقِ في أصْلِ مَوضوعِها وهيَ مُتَّفِقَةُ المعاني مُتطابِقَةٌ في حَقِّ الربِّ تعالى لا يَبْقَى منها معنًى بغيرِهِ، بلْ هوَ أوَّلٌ كما أنَّهُ آخِرٌ، وظاهرٌ كما أنَّهُ باطنٌ. ولا يُناقِضُ بعضُها بعضاً في حَقِّهِ، فكان دخولُ الواوِ صَرْفاً لوَهْمِ المخاطَبِ قَبْلَ التفَكُّرِ والنظَرِ عنْ تَوَهُّمِ الْمُحالِ واحتمالِ الأضدادِ؛ لأنَّ الشيءَ لا يكونُ ظاهراً باطناً مِنْ وجهٍ واحدٍ، وإِنَّمَا يكونُ ذلكَ باعتبارينِ، فكان العطْفُ هاهنا أحسنَ مِنْ تَرْكِهِ لهذه الحِكمةِ. هذا جوابُ السُّهَيْلِيِّ.
وأَحسنُ منهُ أن يُقالَ: لَمَّا كانت هذهِ الألفاظُ دالَّةً على معانٍ مُتبايِنَةٍ، وأنَّ الكمالَ في الاتِّصافِ بها على تَبايُنِها أتى بحرْفِ العطْفِ الدالِّ على التغايُرِ بينَ المعطوفاتِ، إيذاناً بأنَّ هذهِ المعانيَ معَ تَبايُنِها فهيَ ثابتةٌ للموصوفِ بها.
ووجهٌ آخَرُ وهوَ أَحسنُ منهما: وهوَ أنَّ الواوَ تَقتضِي تحقيقَ الوصْفِ المتقدِّمِ، وتقريرُهُ يكونُ في الكلامِ مُتَضَمِّناً لنوعٍ مِن التأكيدِ مِنْ مَزيدِ التقريرِ. وبيانُ ذلكَ بمثالٍ نَذكُرُهُ مَرْقَاةً إلى فَهْمِ ما نحن فيهِ: إذا كانَ لرجلٍ مَثَلاً أربعُ صفاتٍ هوَ عالمٌ وجَوَادٌ وشُجاعٌ وغَنِيٌّ. وكان المخاطَبُ لا يَعلمُ ذلكَ أوْ لا يُقِرُّ بهِ ويَعْجَبُ مِن اجتماعِ هذهِ الصِّفَاتِ في رجُلٍ.
فإذا قلتَ: زيدٌ عالمٌ، وكان ذهنُهُ اسْتَبْعَدَ ذلكَ فتقولُ: وجَوَادٌ؛ أيْ: وهوَ معَ ذلكَ جَوَادٌ. فإذا قدَّرْتَ استبعادَهُ لذلكَ قلتَ: وشجاعٌ؛ أيْ: وهوَ معَ ذلكَ شجاعٌ وغَنِيٌّ؛ فيكونُ في العطفِ مَزيدُ تقريرٍ وتوكيدٍ لا يَحْصُلُ بدونِهِ، تَدْرَأُ بهِ تَوَهُّمَ الإنكارِ.
وإذا عَرفتَ هذا فالوَهْمُ قدْ يَعتريهِ إنكارٌ لاجتماعِ هذهِ المتقابِلاتِ في مَوصوفٍ واحدٍ، فإذا قيلَ: هوَ أوَّلٌ، رُبَّمَا سَرَى الوهمُ إلى أنَّ كونَهُ أوَّلاً يَقتضِي أن يكونَ الآخِرُ غيرَهُ؛ لأنَّ الأَوَّلِيَّةَ والآخِريَّةَ مِن المُتَضَايِفَاتِ. وكذلكَ الظاهرُ والباطنُ إذا قيلَ: هوَ ظاهرٌ ربما يَسْرِي الوهمُ إلى أنَّ الباطنَ مُقابِلُهُ. فَقَطَعَ هذا الوهمَ بحَرْفِ العطفِ الدالِّ على أنَّ الموصوفَ بالأَوَّلِيَّةِ هوَ الموصوفُ بالآخِريَّةِ فكأنَّهُ قيلَ: هوَ الأوَّلُ وهوَ الآخِرُ وهوَ الظاهرُ وهوَ الباطنُ لا سِوَاهُ.
فتَأَمَّلْ ذلكَ فإنَّهُ مِنْ لطيفِ العَربيَّةِ ودَقيقِها، والذي يُوَضِّحُ لكَ ذلكَ أنَّهُ إذا كانَ للبلدِ مَثَلاً قاضٍ وخطيبٌ وأميرٌ؛ فاجتمعتْ في رجلٍ حَسُنَ أن تقولَ: زيدٌ هوَ الخطيبُ والقاضي والأميرُ. وكان للعطْفِ هنا مَزِيَّةٌ ليست للنَّعْتِ المُجَرَّدِ؛ فعَطْفُ الصِّفَاتِ هاهنا أحسَنُ، قَطْعاً لوَهْمِ مُتَوَهِّمٍ أنَّ الخطيبَ غيرُهُ، وأنَّ الأميرَ غيرُهُ.
وأمَّا قولُهُ تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [غافر: 3] فعطْفٌ في الاسمينِ الأَوَّلَينِ دونَ الآخِرينِ.
فقالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنَّمَا حَسُنَ العطْفُ بينَ الاسمينِ الأَوَّلَيْنِ لكونِهما مِنْ صفاتِ الأفعالِ, وفِعْلُهُ سبحانَهُ في غيرِهِ لا في نفسِهِ، فدَخَلَ حَرْفُ العطْفِ للمُغايَرَةِ الصحيحةِ بينَ المعنيينِ، ولِتَنـزُّلِهِمَا مَنـزلةَ الجملتينِ؛ لأنَّهُ يُريدُ تَنبيهَ العِبادِ على أنَّهُ يَفعلُ هذا ويَفعلُ هذا ليَرجوهُ ويُؤَمِّلُوهُ , ثُمَّ قال: {شَدِيدِ الْعِقَابِ} بغيرِ واوٍ؛ لأنَّ الشدَّةَ راجعةٌ إلى معنى القوَّةِ والقُدرةِ، وهوَ معنًى خارجٌ عنْ صفاتِ الأفعالِ فصارَ بمنـزلةِ قولِهِ: {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}. وكذلكَ قولِهِ: {ذِي الطَّوْلِ}.
لأنَّ لفظَ ذي عبارةٌ عنْ ذاتِهِ.
هذا جوابُهُ، وهوَ كما تَرَى غيرُ شافٍ ولا كافٍ، فإنَّ شِدَّةَ عِقابِهِ مِنْ صفاتِ الأفعالِ، وطَوْلَهُ مِنْ صفاتِ الأفعالِ، ولفظةُ “ ذي “ فيهِ لا تُخْرِجُهُ عنْ كونِهِ صفةَ فعْلٍ، كقولِهِ: {عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4)}. [آل عمران: 4]. بلْ لفظُ الوصْفِ بـ ((غافرٍ)) وَ ((قابلٍ)) أَدَلُّ على الذاتِ مِن الوصْفِ بـ (ذي)؛ لأنَّها بمعنى صاحبِ كذا.
فالوصفُ المُشْتَقُّ أَدَلُّ على الذاتِ مِن الوصفِ بها. فلم يَشْفِ جَوابُهُ، بلْ زادَ السؤالَ سؤالاً.
فاعلَمْ أنَّ هذهِ الجملةَ مُشتمِلَةٌ على سِتَّةِ أسماءٍ، كلُّ اثنينِ منها قِسْمٌ: -
- فابتدَأَهَا بـ ((العزيزِ العليمِ)) ، وهما اسمانِ مُطْلَقانِ، وصِفتانِ مِنْ صِفاتِ ذاتِهِ، وهما مُجَرَّدَانِ عن العَطْفِ.
- ثُمَّ ذَكَرَ بعدَهما اسمينِ مِنْ صفاتِ أفعالِهِ فأَدْخَلَ بينَهما العاطفَ.
- ثُمَّ ذَكَرَ اسمينِ آخَرينِ بعدَهما وجَرَّدَهما مِن العاطفِ.
● فأمَّا الأَوَّلانِ فتَجَرُّدُهُمَا مِن العاطفِ لكونِهما مُفْرَدَيْنِ صِفتينِ جاريتينِ على اسمِ ((اللهِ)) وهما متلازمانِ فتَجريدُهما عن العطْفِ هوَ الأصلُ. وهوَ موافقٌ لبيانِ ما في الكتابِ العزيزِ مِنْ ذلكَ كَ ((العزيزِ العليمِ))، و ((السميعِ البصيرِ)) ، و ((الغفورِ الرحيمِ)). وأمَّا ((غافرُ الذنبِ وقابلُ التَّوْبِ)) فدَخَلَ العاطفُ بينَهما؛ لأنهما في معنى الْجُملتينِ، وإن كانا مُفردينِ لَفْظاً فهما يُعطيانِ معنى: يَغفرُ الذنْبَ ويَقبلُ التوبَ. أيْ: هذا شأنُهُ ووَصفُهُ في كلِّ وَقْتٍ. فأتى بالاسمِ الدالِّ على أنَّ هذا وَصفُهُ ونَعْتُهُ المتضمِّنُ لمعنى الفعْلِ الدالِّ على أنَّهُ لا يَزالُ يَفعلُ ذلكَ، فعَطْفُ أحدِهما على الآخَرِ نحوَ عَطْفِ الْجُمَلِ بعضِها على بعضٍ. ولا كذلكَ الاسمانِ الأَوَّلانِ. ولَمَّا لم يكن الفعلُ مَلحوظاً في قولِهِ: {شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} إذ لا يَحْسُنُ وُقوعُ الفعلِ فيهما وليسَ في لفظِ (ذي) ما يُصاغُ منهُ فِعْلٌ جَرَى مَجْرَى الْمُفردينِ مِنْ كلِّ وجهٍ، ولم يَعْطِفْ أحدَهما على الآخَرِ، كما لم يَعْطِفْ في العزيزِ العليمِ. فتَأَمَّلْهُ فإنَّهُ واضحٌ.
وأمَّا العطْفُ في قولِهِ: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)} [الأعلى: 2-3] فلَمَّا كانَ المقصودُ الثناءَ عليهِ بهذه الأفعالِ وهيَ جُملةٌ، دَخَلَت الواوُ عاطفةً جملةً على جُملةٍ , وإن كانت الجملةُ معَ الموصولِ في تقديرِ الْمُفْرَدِ، فالفعلُ مرادٌ مقصودٌ والعطفُ يُصَيِّرُ كلاًّ منها جُملةً مُسْتَقِلَّةً مقصودةً بالذِّكْرِ، بخِلافِ ما لوْ أتى بها في خبرٍ مَوصولٍ واحدٍ فقيلَ: الذي جَعَلَ لكم الأرضَ مِهاداً. ونَـزَّلَ مِن السماءِ ماءً. وخَلَقَ الأزواجَ كلَّها. كانت كلُّها في حُكْمِ جُملةٍ واحدةٍ، فلَمَّا غَايَرَ بينَ الجُمَلِ بذِكْرِ الاسمِ الموصولِ معَ كلِّ جملةٍ دَلَّ على أنَّ المقصودَ وَصْفُهُ بكلٍّ مِنْ هذهِ الْجُمَلِ على حِدَتِهَا. وهذا قريبٌ مِنْ بابِ قَطْعِ النعوتِ. والفائدةُ هنا كالفائدةِ ثَمَّ... بلْ قَطْعُ النعوتِ إِنَّمَا كانَ لأجْلِ هذهِ الفائدةِ، فذلكَ المُقَدَّرُ في النعوتِ المقطوعةِ لهذا المحقَّقِ في النعوتِ المعطوفةِ. والحمدُ للهِ على ما مَنَّ بهِ وأَنْعَمَ، فإنَّهُ ذو الطَّوْلِ والإحسانِ. ([1])

تَـتِمَّةٌ:
تَأَمَّلْ كيفَ وَقَعَ الوصْفُ بـ ((شديدِ العقابِ)) بينَ صِفَتَيْ رحمةٍ قَبْلَهُ وصِفةِ رَحمةٍ بَعْدَهُ. فقَبْلَهُ {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} وبعدَهُ {ذِي الطَّوْلِ} ففي هذا تصديقُ الحديثِ الصحيحِ وشاهدٌ لهُ، وهوَ قولُهُ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ كَتَبَ كِتَـاباً فَـهُـوَ مَـوْضُوعٌ عِـنْدَهُ فَـوْقَ الْعَـرْشِ إِنَّ رَحْمَـتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)) ([2]).
وفي لفظٍ: ((سَبَقَتْ غَضَبِي)) ([3])
وقدْ سَبَقَتْ صِفَتَا الرحمةِ هنا وغَلَبَتْ.
وتَأَمَّلْ كيفَ افْتَتَحَ الآيَةَ بقولِهِ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ} والتنـزيلُ يَستلزمُ عُلُوَّ المُنـَزَّلِ مِنْ عِنْدِهِ، لا تَعْقِلُ العربُ مِنْ لُغَتِها بلْ ولا غيرِها مِن الأُمَمِ السليمةِ الفِطرةِ إلاَّ ذلكَ. وقدْ أَخْبَرَ أنَّ تَنـزيلَ الكتابِ منهُ. فهذا يَدُلُّ على شيئينِ: -
- أحدُهما: عُلُوُّهُ تعالى على خَلْقِهِ.
- والثاني: أنَّهُ هوَ المتكلِّمُ بالكتابِ المُنـَزَّلِ مِنْ عِنْدِهِ، لا غيرُهُ.
فإنَّهُ أَخبرَ أنَّهُ منهُ. وهذا يَقتضِي أن يكونَ منهُ قولاً كما أنَّهُ منهُ تَنـزيلاً. فإنَّ غيرَهُ لوْ كانَ هوَ المتكلِّمَ بهِ لكان الكتابُ مِنْ ذلكَ الغيرِ، فإنَّ الكلامَ إِنَّمَا يُضافُ إلى المتكلِّمِ بهِ. ومِثلُ هذا: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي} [السجدة: 13]، ومِثلُهُ: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102]، ومِثلُهُ: {تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)} [فصلت: 42].
فاسْتَمْسِكْ بحرفِ (مِنْ) في هذهِ المواضِعِ فإنَّهُ يَقطعُ حُجَجَ شُعَبِ المعتزِلةِ والْجَهْمِيَّةِ.
وتَأَمَّلْ كيفَ قالَ: {تَنْزِيلٌ مِنْ}، ولم يَقُلْ تَنـزيلُهُ، فتَضَمَّنَت الآيَةُ إثباتَ عُلُوِّهِ وكلامِهِ وثبوتَ الرسالةِ.
ثُمَّ قالَ: {الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)} فتَضَمَّنَ هذانِ الاسمانِ صِفَتَي القُدرةِ والعلْمِ، وخَلْقَ أعمالِ العبادِ، وحدوثَ كلِّ ما سِوَى اللهِ؛ لأنَّ القَدَرَ([4]) هوَ قُدرةُ اللهِ. كما قالَ أحمدُ بنُ حنبلٍ. فتَضَمَّنَتْ إثباتَ القَدَرِ، ولأنَّ عِزَّتَهُ تَمْنَعُ أن يكونَ في مُلْكِهِ ما لا يَشاؤُهُ، أوْ أنْ يَشاءَ ما لا يكونُ، فكانتْ عِزَّتُهُ تُبْطِلُ ذلكَ. وكذلكَ كمالُ قُدرتِهِ تُوجِبُ أن يكونَ خالقَ كلِّ شيءٍ، وذلكَ يَنْفِي أن يكونَ في العالَمِ شيءٌ قديمٌ لا يَتعلَّقُ بهِ خَلْقُهُ؛ لأنَّ كمالَ قُدرتِهِ وعِزَّتِهِ يُبْطِلُ ذلكَ.
ثُمَّ قالَ: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} والذنبُ مُخالَفَةُ شَرْعِهِ وأَمْرِهِ فتَضَمَّنَ هذانِ الاسمانِ إثباتَ شَرْعِهِ وإحسانِهِ وفَضْلِهِ , ثُمَّ قالَ: {شَدِيدِ الْعِقَابِ} وهذا جزاؤُهُ للمذنبينَ. و (ذو الطَّوْلِ) جزاؤُهُ للمحسنينَ فتَضمَّنَت الثوابَ والعقابَ.
ثُمَّ قالَ: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)} فتَضَمَّنَ ذلكَ التوحيدَ والْمَعادَ.
فتَضَمَّنَت الآيتانِ إثباتَ صفةِ العُلُوِّ والكلامِ والقُدرةِ والعلْمِ والقَدَرِ وحدوثِ العالَمِ والثوابِ والعقابِ والتوحيدِ والمعادِ. وتَنـزيلُ الكتابِ منهُ على لِسانِ رَسولِهِ يَتَضَمَّنُ الرسالةَ والنُّبوَّةَ، فهذه عشرةُ قَواعدَ للإسلامِ والإيمانِ تُجَلَّى على سَمْعِكَ في هذهِ الآيَةِ العظيمةِ، ولكنْ خُودٌ تُزَفُّ إلي ضَرِيرٍ مُقْعَدٍ!!.
فهلْ خَطَرَ ببالِكَ قَطُّ أنَّ هذهِ الآيَةَ تَتضمَّنُ هذهِ العلومَ والمعارِفَ معَ كَثرةِ قِراءتِكَ لها وسماعِكَ إيَّاهَا.
وهكذا سائرُ آياتِ القرآنِ فما أَشَدَّها مِنْ حَسرةٍ وأَعْظَمَها مِنْ غَبْنَةٍ على مَنْ أَفْنَى أَوقاتَهُ في طَلَبِ العلْمِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن الدنيا وما فَهِمَ حقائقَ القرآنِ ولا بَاشَرَ قلبُهُ أسرارَهُ ومَعانيَهُ، فاللهُ الْمُستعانُ) ([5])
).[المرتبع الأسنى: ؟؟]


([1]) وقال -رَحِمَهُ اللهُ تَعالَى- في بدائعِ الفوائدِ (3/ 52- 53): (الصفاتُ إذا ذُكِرَتْ في مَقامِ التَّعدادِ فتارةً يَتَوَسَّطُ بينها حرفُ العَطْفِ:
- لِتَغايُرِها في نَفْسِها
- وللإيذانِ بأن المرادَ ذِكرُ كلِّ صفةٍ بمُفرَدِها.
وتارةً لا يَتَوَسَّطُها العاطِفُ:
- لاتحادِ مَوْصُوفِها وتَلازُمِها في نَفْسِها.
- وللإيذانِ بأنها في تَلازُمِهَا كالصفةِ الواحدةِ.
وتارةً يَتَوَسَّطُ العَاطِفُ بينَ بَعْضِهَا ويُحْذَفُ مع بعضٍ بحَسَبِ هذين المَقامَيْنِ:
- فإذا كانَ المَقامُ مَقامَ تَعْدادِ الصفاتِ من غيرِ نَظرٍ إلى جمعٍ أو انفرادٍ حَسُنَ إسقاطُ حرفِ العطفِ.
- وإن أُرِيدَ الجمعُ بين الصفاتِ أو التنبيهُ على تغايُرِها حَسُنَ إدخالُ حرفِ العطفِ.
فمثالُ الأولِ: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الحَامِدُونَ}، وقولُهُ: {مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ}.
ومثالُ الثاني: قولُه تَعالَى: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ والظَّاهِرُ والبَاطِنُ}.
وتأمَّلْ كَيْفَ اجتمَعَ النَّوْعَانِ في قَوْلِه تعالَى: {حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ العَزِيز العَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ}.
فأتى بالواوِ في الوصفَينِ الأولَيْنِ وحَذَفَها في الوصفَينِ الآخِرَينِ لأنَّ غُفرانَ الذنبِ وقَبُولَ التوبِ قد يُظَنُّ أنهما يَجْرِيَانِ مَجْرَى الوصفِ الواحدِ لِتَلازُمِهِما فمَنْ غَفَرَ الذَّنْبَ قَبِلَ التَّوْبَ فكانَ في عَطْفِ أَحَدِهما على الآخَرِ ما يَدُلُّ على أَنَّهُما صِفتانِ وفِعلانِ مُتَغايِرانِ ومَفْهُومَانِ مُخْتَلِفَانِ لِكُلٍّ مِنهُما حُكْمُه:
- أَحَدُهما: يَتَعَلَّقُ بالإساءةِ والإعراضِ وهو المَغْفِرَةُ.
- والثاني: يَتَعَلَّقُ بالإحسانِ والإقبالِ على اللهِ والرُّجوعِ إليه وهو التوبةُ.
فتُقْبَلُ هذهِ الحسنةُ وتُغْفَرُ تلك السيئةُ. وحَسُنَ العَطْفُ هَهُنا لهذا التغايُرِ الظاهرِ.
وكُلَّما كانَ التغايُرُ أَبْيَنَ كَانَ العَطْفُ أَحْسَنَ ، ولهذا جاءَ العَطْفُ في قولِه: {هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}، وتُرِكَ في قولِه: {الْمَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} وقولِه: {الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ}.
وأما: {شَدِيدُ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} فتُرِكَ العَطْفُ بينَهما لنُكْتَةٍ بَدِيعةٍ؛ وهي الدَّلالةُ على اجتماعِ هذينِ الأمرينِ في ذاتِه سُبحانَهُ وأنه حالَ كَونِه شديدَ العقابِ فهو ذو الطَّوْلِ، وطَوْلُه لا يُنافِي شِدَّةَ عِقابِه بل هما مُجْتَمِعَانِ له. بخلافِ الأولِ والآخِرِ فإنَّ الأوليةَ لا تُجامِعُ الآخِرِيَّةَ ، ولهذا فَسَّرَها النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ بقولِه: ((أَنْتَ الأَوَّلُ فلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأَنْتَ الآخِرُ فلَيْسَ بَعْدكَ شَيْءٌ)). فأَوَّلِيَّتُهُ أَزَلِيَّتُهُ، وآخِرِيَّتُهُ أَبَدِيَّتُهُ.
فإن قُلتَ: فما تَصْنَعُ بقَوْلِه: (وَالظَّاهِرُ والبَاطِنُ) فإن ظُهورَهُ تعالَى ثَابِتٌ مع بُطونِه فيَجْتَمِعُ في حقِّه الظهورُ والبُطونُ، والنبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ فسَّر الظاهرَ بأنه الذي ليس فوقَهُ شيءٌ، والباطِنَ بأنه الذي ليس دُونَهُ شيءُ. وهذا العُلُوُّ والفوقيةُ مُجامِعٌ لهذا القُربِ والدُّنُوِّ والإحاطةِ؟
قلتُ: هذا سؤالٌ حَسَنٌ. والذي حَسَّنَ دُخولَ الواوِ هاهنا أنَّ هذه الصفاتِ مُتقابِلَةٌ متضادةٌ. وقد عَطَفَ الثانِيَ منهما على الأولِ للمقابلةِ التي بَينَهما. والصفتانِ الأُخرَيانِ كالأُولَيَيْنِ في المقابلةِ ، ونِسبةُ الباطنِ إلى الظاهرِ كنسبةِ الآخِرِ إلى الأولِ فكمَا حَسُنَ العطفُ بين الأُولَيَيْنِ حَسُنَ بينَ الأُخْرَيينِ).
([2]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (9314) , والبُخَارِيُّ في كتابِ التوحيدِ / بابُ قولِ اللهِ تعالَى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} (7404), ومسلمٌ في كتابِ التوبةِ / بابٌ في سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ (690) , والتِّرْمِذِيُّ في كتابِ الدَّعَواتِ / بابُ خَلْقِ اللهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ (3543) , وابْنُ مَاجَهْ في كتابِ الزُّهْدِ / بابُ ما يُرْجَى مِن رَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وجلَّ (4295).
([3]) رَوَاهُ الإمامُ أَحْمَدُ (7448) , والبُخَارِيُّ في كتابِ التوحيدِ / بابُ قولِ اللهِ تَعـالَى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} (7422) , ومسلمٌ في كتابِ التوبةِ / بابٌ في سَعةِ رَحْمَةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وأنها تَغْلِبُ غَضبَهُ (6904) , وابْنُ مَاجَهْ في المُقَدِّمَةِ / بابٌ فِيمَا أَنْكَرَتِ الجَهْمِيَّةُ (189).
([4]) في الأصلِ: القُدرةُ هِيَ، وهو تصحيفٌ ظاهرٌ.
([5]) بدائعُ الفوائدِ (1/ 189-194).


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:35 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة