العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم القرآن الكريم > الوقف والابتداء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #2  
قديم 19 جمادى الآخرة 1434هـ/29-04-2013م, 11:40 AM
عبد العزيز بن داخل المطيري عبد العزيز بن داخل المطيري غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Sep 2008
المشاركات: 2,179
افتراضي أقسام الوقوف

اختلاف العلماء في تقسيم الوقوف


قَالَ أبو بكر محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بشَّار ابن الأَنباريِّ (ت:328هـ): (ومن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه، فينبغي للقارئ أن يعرف الوقف التام والوقف الكافي الذي ليس بتام والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف).[إيضاح الوقف والابتداء: 1/108]م
قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ): (اعلم، أيدك الله بتوفيقه، أن علماءنا اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم: الوقف على أربعة أقسام، تام مختار وكاف جائز، وصالح مفهوم، وقبيح متروك. وأنكر آخرون هذا التمييز وقالوا: الوقف على ثلاثة أقسام، قسمان أحدهما مختار وهو التام، والآخر جائز وهو الكافي الذي ليس بتام. والقسم الثالث القبيح الذي ليس بتام ولا كاف.
وقال آخرون: الوقف على قسمين تام وقبيح لا غير.

والقول الأول أعدل عندي وبه أقول، لأن القارئ قد ينقطع نفسه دون التام والكافي فلا يتهيآن له، وذلك عند طول القصة، وتعلق الكلام بعضه ببعض، فيقطع حينئذ على الحسن المفهوم تيسيرًا وسعة، إذ لا حرج في ذلك ولا ضيق في سنة ولا عربية.
وقد حدثنا أبو الفتح شيخنا قال: حدثنا عبد الله بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن موسى قال: قال قنبل: سمعت أحمد بن محمد القواس يقول: نحن نقف حيث انقطع النفس.
قال أبو عمرو: وأنا أفسر الأقسام الأربعة المذكورة قسمًا قسمًا، وأشرح أصولها، وأبين فروعها وأمثل من كل قسم ما تيسر وخف، لكي يوقف بذلك على حقائقها، وتفهم معانيها، ويستدل على ما ورد منها في السور إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق).
[المكتفي : 1/138-139]
م

قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ): (علماؤنا مختلفون في أقسام الوقف:
فقال بعضهم: [الوقف] قسمان: موصل ومفصل.
وقال آخرون: الوقف على ثلاثة أقسام: قسم مختار وهو التام، وجائز وهو الكافي، والثالث: القبيح الذي ليس بتام ولا كاف.
وقال آخرون: الوقف على أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك.

فالتقسيم الأول مجمل، لا يترتب به الوقف ولا يتحصل. والتقسيم الثاني أفسر وأهدى سبيلاً من الأول وأظهر. والقسم الثالث أحسن في الترجيح من الثاني وأوفر، وسراجه للمهتدين أشرق وأنور، وعليه الحذاق من أهل التأويل، وبه نقول لرجحانه في ميزان التعليل. ألا ترى أن القارئ قد ينقطع نفسه دون التمام والكافي عند طول القصص وانقضائهن، وتعلق الكلام بعضه ببعض، فيقطع حينئذ على الحسن المفهوم، ولا حرج في ذلك، ولا مانع له من سنّة ولا غريبة).

[نظام الأداء : 1/28-29

قالَ أبو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ) : ( أقسام الوقف:
واعلم أن الوقف على ثلاثة أقسام: تام؛ وحسن ليس بتام؛ وقبيح ليس بحسن ولا تام.
فالتام: الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، ولا يكون ما بعده متعلقا به، كقوله: {أولئك هو المفلحون}.
والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، كقوله: {الحمد لله} ويقبح الابتداء بقوله: {رب العالمين}.
والقبيح: كقوله: {بسم} لأنه لا يعلم إلى أي شيء أضفته. والله تعالى أعلم )
[فنون الأفنان :367 ]م

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (والوقف على أربعة أقسام:
- تـــام: وهو الذي انفصل مما بعده لفظا ومعنى.
- وكاف: وهو الذي انفصل مما بعده في اللفظ وله به تعلق في المعنى بوجه.
- وحسن: وهو الذي لا يحتاج إلى ما بعده، لأنه مفهوم دونه، ويحتاج ما بعده إليه لجريانه في اللفظ عليه.
- وقبيح: وهو الذي لا يفهم منه كلام، أو يفهم منه غير المراد.
وقال قوم: الوقف قسمان: تام وقبيح، فعند هؤلاء الوقف في الأقسام الثلاثة تام.
وقال آخرون: الوقف ثلاثة: تام وكاف وقبيح، فجعلوا الحسن من جملة القبيح.
والاختيار تفصيل هذه الأوقاف وتقسيمها إلى أربعة كما سبق.
* فأما القسم الأول وهو التام، ويسمى أيضا المختار، فكقوله عز وجل: {مالك يوم الدين} وقوله: {ولا الضالين} وقوله {أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون} وشبه ذلك مما تعلق لما بعده به لفظا ولا معنى.
* وأما الكافي ويسمى الصالح، والمفهوم، والجائز: وهو الذي يحسن الوقف عليه لإفادة الكلام، ويحسن الابتداء بما بعده وإن كان متعلقا بالأول بوجه من المعنى، كقوله عز وجل: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} فهذا كلام كاف مفهوم، والذي بعده أيضا كلام مستقل مستغن عما قبله في اللفظ وإن اتصل به في المعنى، وهو قوله عز وجل: {وبالآخره هم يوقنون}.
* وأما الحسن: فهو الذي يحسن الوقف عليه لأنه كلام مفيد حسن، ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظا ومعنى، كقوله عز وجل: {الحمد لله} فهذا كلام حسن مفيد، وقوله بعد ذلك {رب العالمين} غير مستغن عن الأول.
إلا أن الحسن إذا كان رأس آية نحو {رب العالمين} فإنهم أجازوا الابتداء بما بعده وإن تعلق بما قبله في اللفظ والمعنى، لحديث أم سلمة: ثم يقول: {الرحمن الرحيم} ثم يقف، ثم يقول: {ملك يوم الدين}.
وحكى اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يسكت على رؤوس الآي ويقول: إنه أحب إلي.
وقد يحتمل الموضع الواحد أن يكون تاما وأن يكون كافيا وأن يكون حسنا:
كقوله عز وجل: {فيه هدى للمتقين} يجوز أن يكون تاما إذا كان {الذين يؤمنون بالغيب} مبتدأ، والخبر {أولئك على هدى من ربهم}، ويجوز أن يكون كافيا إذا جعلت {الذين يؤمنون بالغيب} مرفوعا على معنى: هم الذين، أو منصوبا على معنى: أعني الذين، وأن يكون حسنا إذا كان في موضع خفض نعتا {للمتقين}.
* والقبيح: هو الذي لا يجوز تعمد الوقف عليه، إما لنقص المعنى وإما لتغييره، فنقص المعنى كقولك: {بسم} فإن هذا لا يفيد معنى.
والتغيير كقولك {فويل للمصلين} وكقولك: {إن الله لا يهدي} و{إن الله لا يستحيي}، و{إن الله لا يأمر} وكقولك: {وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه}، و{إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى} وكقولك {وما من إله} و{لا إله} و(أصحاب النار الذي يحملون) وهذا كثير يجب أن يحذر ويحترز منه.
وكذلك عند انقطاع النفس على ما لا يوقف عليه إذا احتجت أن تصله بما قبله فاحترز في الرجوع إلى ما قبله أن تكون مبتدأ بما لا يحسن،
مثل أن ينقطع النفس على قولك {عزير ابن} فتقول في وصله بما قبله {عزير ابن الله}.
ومثل أن يحتاج القارئ إلى الرجوع إلى ما تقدم لوصل الكلام فيقول: {إن الله فقير}، {إن الله هو المسيح} جل الله عز وجل، فهذا مثال يقاس عليه.
وقال أبو عمرو الداني في تمثيل الوقف الكافي: وذلك نحو الوقف على قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} والابتداء بما بعد ذلك في الآية كلها.
قال: وكذلك الوقف على قوله: {أن تأكلوا من بيوتكم} والابتداء بما بعد ذلك إلى قوله: {أو أشتاتا}. قال: وكذلك الوقف على قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات} والابتداء بما بعد ذلك.
وهذا ليس بالوقف الكافي، لأن هذه المواقف يتعلق ما بعدها بما قبلها في اللفظ والمعنى، وإنما هي من الأوقاف الحسان.
- وأما قوله عز وجل: {ألم نجعل الأرض مهادا} فإنه رأس الآية كقوله عز وجل: {الحمد لله رب العالمين} وقد تقدم القول فيه. وأما قوله: {والجبال أوتادا} فهو وقف كاف، لأن ما بعدها لا يتعلق به في اللفظ، وكذلك رؤوس الآي إلى قوله عز وجل: {وجنات ألفافا} وهو وقف تام، لأن قوله عز وجل: {إن يوم الفصل} لا يتعلق به لفظا ولا معنى.
وأما قوله عز وجل: {والذاريات ذروا}، {والطور * وكتاب مسطور}، {والنجم إذا هوى}، {والمرسلات عرفا}، {والنازعات غرقا}، {والسماء ذات البروج}، {والشمس وضحاها}، {والليل إذا يغشى}، {والضحى} ونحو ذلك، فإن هذه الأقسام لا يوقف عليها عندهم قبل جوابها.
وقد أجازوا الوقف على نحو: {إذا الشمس كورت} قبل الجواب (إلا) على الآية التي بعدها الجواب، نحو: {وإذا الجنة أزلفت} وعللوا ذلك بطول القصة، ويلزمهم ذلك في نحو: {والشمس وضحاها} وكونها رؤوس آي أن يجوز ذلك، وأجاز بعضهم في {إذا الشمس كورت} ونحوها أن يقف على كل آيتين لطول القصة.
وكان شيخنا أبو القاسم رحمه الله يقف فيها على قوله: {بأي ذنب قتلت} لا غير، ثم على {علمت نفس ما أحضرت}.
- وعن عمر رضي الله عنه أنه قرأ: {إذا الشمس كورت} فلما بلغ إلى قوله عز وجل: {علمت نفس ما أحضرت} قال: لهذا جرى الحديث. وقرأها قارئ عند ابن مسعود، فلما بلغ إليها قال ابن مسعود: وانقطاع ظهراه. وهي اثنتا عشرة آية: ست في الدنيا وست في الآخرة.
وقال بعضهم: إذا لم يقدر على التمام ووقف عند رؤوس الآي جاز، ولا يكلف الإنسان ما ليس في وسعه.
- والوقف على قوله عز وجل: {وتعزروه وتوقروه} في سورة الفتح – كاف، والهاء للنبي صلى الله عليه وسلم، ويبتدئ: {وتسبحوه} والهاء لله عز وجل.
- وقوله عز وجل: {إن الإنسان لربه لكنود} وقف كاف، {وإنه على ذلك لشهيد} كاف أيضا، والهاء لله عز وجل، وقيل: للإنسان، أي أنه لشهيد على عصيانه وبخله، مقر بذلك. وقوله عز وجل: {لشديد} كاف.
وقال قوم – منهم أبو عمرو عثمان: هو تام.
- وكذلك قالوا في قوله عز وجل: {وحصل ما في الصدور} إنه تام، وهو كاف أيضا، لأن التعلق في المعنى موجود في الموضعين.
- وفي آية الكرسي عشرة أوقاف: {الله لا إله إلا هو} كاف، على أن قوله عز وجل: {الحي القيوم} خبر مبتدأ محذوف: {لا تأخذه سنة ولا نوم} كاف، {وما في الأرض} كاف {إلا بإذنه} كاف، {وما خلفهم} كاف، {إلا بما شاء} كاف، {السموات والأرض} كاف، {حفظهما} كاف، {العظيم} تام.
- وفي قوله عز وجل: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} في "آل عمران" عشرة أوقاف أيضا: {طائفة منكم} حسن، {أنفسهم} حسن {الجاهلية} كاف، {من شيء} كاف {كله لله} كاف، {يبدون لك} كاف هاهنا كاف {مضاجعهم} حسن {في قلوبكم} كاف شبه التام {والله عليم بذات الصدور} تام.
- وفي الشورى آية فيها أيضا عشرة أوقاف: قوله عز وجل: {فلذلك فادع} هذا وقف كاف {واستقم كما أمرت} مثله، {ولا تتبع أهواءهم} مثله، {وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب} مثله، {وأمرت لأعدل بينكم} مثله، {ربنا وربكم} مثله، {ولكم أعمالكم} مثله، {بيننا وبينكم} مثله، {يجمع بيننا} مثله، {وإليه المصير} تام.
- وفي سورة الامتحان أيضا آية فيها من الأوقاف هذه العدة: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} كاف، {الله أعلم بإيمانهن} مثله، {فلا ترجعوهن إلى الكفار} مثله {يحلون لهن} مثله، {ما أنفقوا} مثله، {أجورهن} مثله، {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} مثله، {وليسألوا ما أنفقوا} مثله، {يحكم بينكم} مثله {عليم حكيم} تام.
فهذه مواضع من الوقف والابتداء مبينة على الأصول التي أسلفتها في معرفة التام والكافي والحسن، والاعتماد إنما هو على معرفتها وترك الاغترار بما ذكره المصنفون في هذا الباب في الفرش، فإنهم يغلطون كثيرا ويقولون حسن وهو كاف، وكاف وهو حسن، ونحو ذلك مما تشهد به تصانيفهم). [جمال القراء:2/563-568]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (أقسام الوقف
** والوقف عند أكثر القراء ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار وكاف جائز وحسن مفهوم وقبيح متروك.
** وقسمه بعضهم إلى ثلاثة: وأسقط الحسن.
** وقسمه آخرون إلى اثنين: وأسقط الكافي والحسن.
فالتام هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ، كقوله تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وأكثر ما يوجد عند رءوس الآي كقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ثم يبتدئ بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} وكذا: { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ثم يبتدئ بقوله: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ}.
وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة كقوله: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} هنا التمام لأنه انقضى كلام بلقيس ثم قال تعالى: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} وهو رأس الآية.
كذلك: {عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} هو التمام لأنه انقضاء كلام الظالم الذي هو أبي بن خلف ثم قال تعالى: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً} وهو رأس آية.
وقد يوجد بعدها كقوله تعالى مصبحين {مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ} {مُصْبِحِينَ} رأس الآية: {وَبِاللَّيْلِ} التمام لأنه معطوف على المعنى أي والصبح وبالليل.
وكذلك: {يَتَّكِئُونَ} {وَزُخْرُفاً} رأس الآية: {يَتَّكِئُونَ} {وَزُخْرُفاً} هو التمام لأنه معطوف على ما قبله من قوله: {سَقْفاً}
وآخر كل قصة وما قبل أولها وآخر كل سورة تام والأحزاب والأنصاف والأرباع والأثمان والأسباع والأتساع والأعشار والأخماس وقبل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول والله بعد رأس كل آية والشرط ما لم يتقدم جوابه وكان الله وذلك ولولا غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم او قول أو ما في معناه.
والكافي منقطع في اللفظ متعلق في المعنى فيحسن الوقف عليه والابتداء أيضا بما بعده نحو: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} هنا الوقف ثم يبتدئ بما بعد ذلك وهكذا باقي المعطوفات وكل رأس آية بعدها لام كي وإلا بمعنى لكن وإن المكسورة المشددة والاستفهام وبل وألا المخففة والسين وسوف على التهدد ونعم وبئس وكيلا وغالبهن كاف ما لم يتقدمهن قول أو قسم وقيل أن المفتوحة المخففة في خمسة لا غير البقرة: {وَأَنْ تَصُومُوا}{وَأَنْ تَعْفُوا}{وَأَنْ تَصَدَّقُوا} {وَالنِّسَاءِ} {وَأَنْ تَصْبِرُوا} {وَالنُّورَ} {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ}
والحسن هو الذي يحسن الوقوف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به في اللفظ والمعنى نحو {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} و{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} والوقف عليه حسن لأن المراد مفهوم والابتداء بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} و{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} و{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} لا يحسن لأن ذلك مجرور والابتداء بالمجرور قبيح لأنه تابع.
والقبيح هو الذي لا يفهم منه المراد نحو: {الْحَمْدُ} فلا يوقف عليه ولا على الموصوف دون الصفة ولا على البدل دون المبدل منه ولا على المعطوف دون المعطوف عليه نحو: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ} ولا على المجرور دون الجار.
وأقبح من هذا الوقف على قوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ} والابتداء بقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}، {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}، {إِنِّي إِلَهٌ} لأن المعنى يستحيل بهذا في الابتداء ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر ومثله في القبح الوقف على: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ} و{مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ} وشبهه ومثله: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ} و{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى}.
وأقبح من هذا وأشنع الوقف على النفي دون حروف الإيجاب نحو: {لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} وكذا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ والذين كفروا} و{الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا} فإن اضطر لأجل التنفس جاز ذلك ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج.
وقال بعضهم: إن تعلقت الآية بما قبلها تعلقا لفظيا كان الوقف كافيا نحو: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ} وإن كان معنويا فالوقف على ما قبلها حسن كاف نحو: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وإن لم يكن لا لفظيا ولا معنويا فتام، كقوله: {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} بعده {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا} وإن كانت الآية مضادة لما قبلها كقوله: {أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ} فالوقف عليه قبيح.
واعلم أن وقف الواجب إذا وقفت قبل والله ثم ابتدأت بوالله وهو الوقف الواجب كقوله تعالى: {حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ}.
وقال بعض النحويين: الجملة التأليفية إذا عرفت أجزاؤها، وتكررت أركانها كان ما أدركه الحس في حكم المذكور فله أن يقف كيف شاء وسواء التام وغيره إلا أن الأحسن أن يوقف على الأتم وما يقدر به.
وذهب الجمهور إلى أن الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب تام وشبيه به وناقص وشبيه به وحسن وشبيه به وقبيح وشبيه به، وصنفوا فيه تصانيف؛ فمنها ما أثروه عن النحاة، ومنها ما أثروه عن القراء، ومنها ما استنبطوه، ومنها ما اقتدوا فيه بالسنة فقط كالوقف على أواخر الآي وهي مواقف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). [البرهان في علوم القرآن: 1/350 -353]

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (اصطلح الأئمة على أن لأنواع الوقف والابتداء أسماء واختلفوا في ذلك.
فقال ابن الأنباري: الوقف على ثلاثة أوجه: تام وحسن وقبيح.
فالتام: الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يكون بعده ما يتعلق به كقوله: {وأولئك هم المفلحون} الآية [البقرة: 5]، وقوله: {أم لم تنذرهم لا يؤمنون} الآية [البقرة: 6].
والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده كقوله: {الحمد لله}؛ لأن الابتداء بـ{رب العالمين} [الفاتحة: 2] لا يحسن لكونه صفة لما قبله.
والقبيح: هو الذي ليس بتام ولا حسن كالوقف على بسم من قوله: {بسم الله} الآية [الفاتحة: 1].
قال: ولا يتم الوقف على المضاف دون المضاف إليه ولا المنعوت دون نعته ولا الرافع دون مرفوعه وعكسه ولا الناصب دون منصوبه وعكسه ولا المؤكد دون توكيده ولا المعطوف دون المعطوف عليه ولا البدل دون مبدله ولا إن أو كان أو ظن وأخواتها دون اسمها ولا اسمها دون خبرها ولا المستثنى منه دون الاستثناء ولا الموصول دون صلته اسميا أو حرفيا ولا الفعل دون مصدره ولا حرف دون متعلقه ولا شرط دون جزائه.
وقال غيره: الوقف ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار وكاف جائز وحسن مفهوم وقبيح متروك.
فالتام: هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده وأكثر ما يوجد عند رؤوس الآي غالبا كقوله: {وأولئك هم المفلحون} الآية [البقرة: 5].
وقد يوجد في أثنائها كقوله: {وجعلوا أعزة أهلها} الآية [النمل: 34] أذلة هنا التمام؛ لأنه انقضى كلام بلقيس ثم قال تعالى: {وكذلك يفعلون} الآية [النمل: 34].
وكذا {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} الآية [الفرقان: 29] هنا التمام؛ لأنه انقضى كلام الظالم أبي بن خلف ثم قال تعالى: {وكان الشيطان للإنسان خذولا} الآية [الفرقان: 29].
وقد يوجد بعدها كقوله: {مصبحين وبالليل} الآية [الصافات: 137-138] هنا التمام؛ لأنه معطوف على المعنى أي بالصبح وبالليل.
ومثله: {يتكئون وزخرفا} الآية [الزخرف: 34-35]، رأس الآية {يتكئون} و{وزخرفا} هو التمام؛ لأنه معطوف على ما قبله.
وآخر كل قصة وما قبل أولها وآخر كل سورة وقبل ياء النداء وفعل الأمر والقسم ولامه دون القول والشرط ما لم يتقدم جوابه وكان الله وما كان وذلك ولولا غالبهن تام ما لم يتقدمهن قسم أو قول أو ما في معناه.
والكافي: منقطع في اللفظ متعلق في المعنى فيحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده أيضا نحو: {حرمت عليكم أمهاتكم} الآية [النساء: 23]، هنا الوقف ويبتدأ بما بعد ذلك وهكذا كل رأس آية بعدها لام كي وإلا بمعنى لكن وإن الشديدة المكسورة والاستفهام وبل وألا المخففة والسين وسوف للتهديد ونعم وبئس وكيلا ما لم يتقدمهن قول أو قسم.
والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده نحو: {الحمد لله رب العالمين} الآية [الفاتحة: 2].
والقبيح: هو الذي لا يفهم منه المراد كالحمد وأقبح منه الوقف على {لقد كفر الذين قالوا} الآية [المائدة: 17، 72، 73]، ويبتدئ {إن الله هو المسيح} الآية [المائدة: 17، 72]؛ لأن المعنى مستحيل بهذا الابتداء ومن تعمده وقصد معناه فقد كفر.
ومثله في الوقف {فبهت الذي كفر والله} الآية [البقرة: 258]، {فلها النصف ولأبويه} الآية [النساء: 11].
وأقبح من هذا الوقف على المنفي دون حرف الإيجاب نحو: {لا إله إلا الله} الآية [محمد: 19]، {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} الآية [الإسراء: 105]، فإن اضطر لأجل التنفس جاز ثم يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده ولا حرج. انتهى.
وقال السجاوندي: الوقف على خمس مراتب:
لازم ومطلق وجائز ومجوز لوجه ومرخص ضرورة.
فاللازم: ما لو وصل طرفاه غير المراد نحو قوله: {وما هم بمؤمنين} الآية [البقرة: 8]، يلزم الوقف هنا إذ لو وصل بقوله: {يخادعون الله} الآية [البقرة: 9]، توهم أن الجملة صفة لقوله: {بمؤمنين} فانتفى الخداع عنهم وتقرر الإيمان خالصا عن الخداع كما تقول ما هو بمؤمن مخادع.
وكما في قوله: {لا ذلول تثير الأرض} الآية [البقرة: 71]، فإن جملة تثير صفة ل ذلول داخلة حيز النفي أي ليست ذلولا مثيرة للأرض.
ونحو: {سبحانه أن يكون له ولد} الآية [النساء: 171]، فلو وصلها بقوله: {له ما في السموات وما في الأرض} الآية [النساء: 171]، لأوهم أنه صفة لولد وأن المنفي ولد موصوف بأن له ما في السموات والمراد الولد مطلقا.
والمطلق: ما يحسن الابتداء بما بعده:
كالاسم المبتدأ به نحو: {الله يجتبي} الآية [الشورى: 13].
والفعل المستأنف نحو: {يعبدونني لا يشركون بي شيئا} الآية [النور: 55]، و{سيقول السفهاء} الآية [البقرة: 142]، و{سيجعل الله بعد عسر يسرا} الآية [الطلاق: 7].
ومفعول المحذوف نحو: {وعد الله} الآية [النساء: 122]، {سنة الله} الآية [الأحزاب: 38]، والشرط نحو: {من يشأ الله يضلله} الآية [الأنعام: 39]، والاستفهام ولو مقدرا: {أتريدون أن تهدوا} الآية [النساء: 88]، {تريدون عرض الدنيا} الآية [الأنفال: 67].
والنفي {ما كان لهم الخيرة} الآية [القصص: 68]، {إن يريدون إلا فرارا} الآية [الأحزاب: 13]، حيث لم يكن كل ذلك مقولا لقول سابق.
والجائز: ما يجوز فيه الوصل والفصل لتجاذب الموجبين من الطرفين نحو: {وما أنزل من قبلك} الآية [البقرة: 4]، فإن واو العطف تقتضي الوصل وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم فإن التقدير ويوقنون بالآخرة.
والمجوز لوجه: نحو: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} الآية [البقرة: 86]؛ لأن الفاء في قوله: {فلا يخفف} الآية [البقرة: 86]، تقتضي التسبب والجزاء وذلك يوجب الوصل وكون نظم الفعل على الاستئناف يجعل للفصل وجها.
والمرخص ضرورة: ما لا يستغني ما بعده عما قبله لكنه يرخص لانقطاع النفس وطول الكلام ولا يلزمه الوصل بالعود؛ لأن ما بعده جملة مفهومة كقوله: {والسماء بناء} الآية [البقرة: 22]؛ لأن قوله وأنزل لا يستغنى عن سياق الكلام فإن فاعله ضمير يعود إلى ما قبله غير أن الجملة مفهومة.
وأما ما لا يجوز الوقف عليه فكالشرط دون جزائه والمبتدأ دون خبره ونحو ذلك.
وقال غيره: الوقف في التنزيل على ثمانية أضرب:
تام وشبيه به وناقص وشبيه به وحسن وشبيه به وقبيح وشبيه به.
وقال ابن الجزري: أكثر ما ذكر الناس في أقسام الوقف غير منضبط ولا منحصر وأقرب ما قلته في ضبطه إن الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري؛ لأن الكلام إما أن يتم أو لا فإن تم كان اختياريا وكونه تاما لا يخلو:
إما ألا يكون له تعلق بما بعده البتة أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى فهو الوقف المسمى بالتام لتمامه المطلق يوقف عليه ويبتدأ بما بعده ثم مثله بما تقدم في التام.
قال: وقد يكون الوقف تاما في تفسير وإعراب وقراءة غير تام على آخر.
نحو: {وما يعلم تأويله إلا الله} الآية [آل عمران: 7]، تام إن كان ما بعده مستأنفا غير تام إن كان معطوفا.
ونحو فواتح السور الوقف عليها تام إن أعربت مبتدأ والخبر محذوف أو عكسه أي ألم هذه أو هذه ألم أو مفعولا بـ«قل» مقدرا غير تام إن كان ما بعدها هو الخبر.
ونحو: {مثابة للناس وأمنا} الآية [البقرة: 125]، تام على قراءة واتخذوا بكسر الخاء كاف على قراءة الفتح.
ونحو: {إلى صراط العزيز الحميد}الآية [إبراهيم: 1]، تام على قراءة من رفع الاسم الكريم بعدها حسن على قراءة من خفض.
وقد يتفاضل التام نحو: {مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين} الآية [الفاتحة: 4-5]،كلاهما تام إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول.
وهذا هو الذي سماه بعضهم شبيها بالتام.
ومنه ما يتأكد استحسانه لبيان المعنى المقصود به وهو الذي سماه السجاوندي: باللازم.
وإن كان له تعلق فلا يخلو إما أن يكون من جهة المعنى فقط وهو المسمى بالكافي للاكتفاء به واستغنائه عما بعده واستغناء ما بعده عنه كقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} الآية [البقرة: 3]، وقوله: {وما أنزل من قبلك} الآية [البقرة: 4]، وقوله: {على هدى من ربهم} الآية [البقرة: 5].
ويتفاضل في الكفاية كتفاضل التام نحو: {في قلوبهم مرض} الآية [البقرة: 10]، كاف {فزادهم الله مرضا} الآية [البقرة: 10]، أكفى منه {بما كانوا يكذبون} الآية [البقرة: 10]، أكفى منهما.
وقد يكون الوقف كافيا على تفسير وإعراب وقراءة غير كاف على آخر نحو: {يعلمون الناس السحر} الآية [البقرة: 102]، كاف إن جعلت ما بعده نافية حسن إن فسرت موصولة.
{وبالآخرة هم يوقنون} الآية [البقرة: 4]، كاف إن أعرب ما بعده مبتدأ خبره {على هدى} الآية [البقرة: 5]، حسن إن جعل خبر {الذين يؤمنون بالغيب} الآية [البقرة: 3]، أو خبر {والذين يؤمنون بما أنزل} الآية [البقرة: 4].
{ونحن له مخلصون} الآية [البقرة: 139]، كاف على قراءة {أم تقولون} الآية [البقرة: 140]، بالخطاب حسن على قراءة الغيب.
{يحاسبكم به الله} الآية [البقرة: 284]، كاف على قراءة من رفع {فيغفر}، {ويعذب} الآية [البقرة: 284]، حسن على قراءة من جزم.
وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهو المسمى بالحسن؛ لأنه في نفسه.
حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة الآتي.
وقد يكون الوقف حسنا على تقدير وكافيا أو تاما على آخر نحو: {هدى للمتقين} الآية [البقرة: 2]، حسن إن جعل ما بعده نعتا كاف إن جعل خبر مقدر أو مفعول مقدر على القطع تام إن جعل مبتدأ خبره {أولئك} الآية [البقرة: 5].
وإن لم يتم الكلام كان الوقف عليه اضطراريا وهو المسمى بالقبيح لا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه لعدم الفائدة أو لفساد المعنى نحو:
{صراط الذين} الآية [الفاتحة: 7].
وقد يكون بعضه أقبح من بعض نحو: {فلها النصف ولأبويه} الآية [النساء: 11]، لإيهامه أنهما مع البنت شركاء في النصف.
وأقبح منه نحو: {إن الله لا يستحيي} الآية [البقرة: 26]، {فويل للمصلين} الآية [الماعون: 4]، {لا تقربوا الصلاة} الآية [النساء: 43]، فهذا حكم الوقف اختياريا واضطراريا.
وأما الابتداء فلا يكون إلا اختياريا؛ لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقل بالمعنى موف بالمقصود وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة وتتفاوت تماما وكفاية وحسنا وقبحا بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى وإحالته نحو الوقف على {ومن الناس} الآية [البقرة: 8]، فإن الابتداء بـ«الناس» قبيح وبـ{من} تام فلو وقف على {من يقول} الآية [البقرة: 8] كان الابتداء بـ«يقول» أحسن من الابتداء بـ«من».
وكذا الوقف على {ختم الله} الآية [البقرة: 7]، قبيح والابتداء بـ«الله» أقبح وبـ«ختم» كاف.
والوقف على {عزير ابن الله} و{المسيح ابن الله} الآية [التوبة: 30]، قبيح والابتداء بابن قبيح وبعزير والمسيح أشد قبحا.
ولو وقف على {ما وعدنا الله} الآية [الأحزاب: 12]، ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحا وبـ{وعدنا} أقبح منه وبـ{ما} أقبح منهما.
وقد يكون الوقف حسنا والابتداء به قبيحا نحو: {يخرجون الرسول وإياكم} الآية [الممتحنة: 1]، الوقف عليه حسن والابتداء به قبيح لفساد المعنى إذ يصير تحذيرا من الإيمان بالله.
وقد يكون الوقف قبيحا والابتداء جيدا، نحو: {من بعثنا من مرقدنا هذا} الآية [يس: 52]، الوقف على هذا قبيح لفصله بين المبتدأ وخبره؛ ولأنه يوهم أن الإشارة إلى المرقد والابتداء بهذا كاف أو تام لاستئنافه).
[الإتقان في علوم القرآن: 2/؟؟]


قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ):
(
والناس في اصطلاح مراتبه مختلفون؛ كل واحد له اصطلاح وذلك شائع لما اشتهر أنه لا مشاحة في الاصطلاح بل يسوغ لكل أحد أن يصطلح على ما شاء كما صرح بذلك صدر الشريعة وناهيك به، فقال ابن الأنباري والسخاوي مراتبه ثلاثة: تام، وحسن، وقبيح، وقال غيرهما أربعة: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك، وقال السجاوندي: خمسة: لازم، وملق، وجائز، ومجوز لوجه، ومرخص ضرورة، وقال غيره: ثمانية (تام، وشبيه، وناقص، وشبيه، وحسن، وشبيه، وقبيح، وشبيه)، وجميع ما ذكروه من مراتبه غير منضبط ولا منحصر لاختلاف المفسرين والمعربين لأنه سيأتي أن الوقف يكون تامًا على تفسير وإعراب وقراءة، غير تام على آخر، إذًا الوقف تابع للمعنى). [منار الهدى: 8]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم ابن الأنباري

قَالَ أبو بكر محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بشَّار ابن الأَنباريِّ (ت:328هـ): (ومن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه وغريبه معرفة الوقف والابتداء فيه، فينبغي للقارئ أن يعرف الوقف التام والوقف الكافي الذي ليس بتام والوقف القبيح الذي ليس بتام ولا كاف).[إيضاح الوقف والابتداء: 1/108]
الوقف القبيح
قَالَ أبو بكر محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بشَّار ابن الأَنباريِّ (ت:328هـ): (واعلم أن الوقف يسمج على مثل قوله: {الله لا إله إلا هو} [البقرة: 255] يقبح الوقف على (لا إله) وكذلك: {وما من إله} [آل عمران: 62] الوقف عليه سمج. وكذلك: {قالوا اتخذ الرحمن ولدا} [مريم: 88] الوقف على (قالوا) والابتداء (اتخذ الرحمن) قبيح. ولا تقف على قوله: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفتر} [إبراهيم: 22] ولا على قوله: {ألا إنهم من إفكهم ليقولون} [الصافات: 151] ثم نبتديء: (ولد الله) [152]. وكذلك يسمج الوقف على قوله: {وقالت اليهود} [التوبة: 30] والابتداء: {عزير ابن الله} [وكذلك لا تقف على قوله: {لقد كفر الذين
قالوا} [المائدة: 17] وتبتدئ: {إن الله هو المسيح} وكذلك لا تقف على (لقد كفر الذين قالوا) ثم تبتدئ: {إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73] ولا تقف على قوله: {الم. ذلك الكتاب لا} [البقرة: 1، 2] ثم تبتدئ {ريب فيه}. وكذلك لا تقف على (لا) ثم تبتبديء: {خير في كثير من نجواهم} [النساء: 14] ولو وقف واقف على هذا لم يلحقه مأثم إن شاء الله لأن نيته للحكاية عمن قاله وهو غير معتقد له. وقد كان حمزة وغيره يستسمجون الوقف على هذا لأن القارئ يقدر على تعهد هذا. فتجنبه الوقف على هذا أعجب إلينا.
وكان حمزة يستسمج السكت على قوله: {يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا}، والابتداء: {ما وعد الرحمن} [يس: 52].
وقال: السكت على (الرحمن). وهذا عند الفراء على معنيين:
أحدهما أن يكون (هذا) مرفوعًا بـ(ما وعد) و(ما) مرفوعة بـ(هذا)، فيكون الوقف على (مرقدنا) والابتداء (هذا ما وعد الرحمن). والوجه الآخر أن يكون (هذا) في موضع خفض على الإتباع لـ «المرقد» فيكون الوقف على (هذا) ثم يبتديء (ما وعد الرحمن) على معنى «بعثكم ما وعد الرحمن» أي: بعثكم وعد الرحمن. يقاس على كل ما يرد مما يشاكله إن شاء الله).
[إيضاح الوقف والابتداء: 1/450-452]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم أبي عمرو الداني

قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ):
(
اعلم، أيدك الله بتوفيقه، أن علماءنا اختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم: الوقف على أربعة أقسام، تام مختار وكاف جائز، وصالح مفهوم، وقبيح متروك. وأنكر آخرون هذا التمييز وقالوا: الوقف على ثلاثة أقسام، قسمان أحدهما مختار وهو التام، والآخر جائز وهو الكافي الذي ليس بتام. والقسم الثالث القبيح الذي ليس بتام ولا كاف.

وقال آخرون: الوقف على قسمين تام وقبيح لا غير.

والقول الأول أعدل عندي وبه أقول، لأن القارئ قد ينقطع نفسه دون التام والكافي فلا يتهيآن له، وذلك عند طول القصة، وتعلق الكلام بعضه ببعض، فيقطع حينئذ على الحسن المفهوم تيسيرًا وسعة، إذ لا حرج في ذلك ولا ضيق في سنة ولا عربية.
وقد حدثنا أبو الفتح شيخنا قال: حدثنا عبد الله بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن موسى قال: قال قنبل: سمعت أحمد بن محمد القواس يقول: نحن نقف حيث انقطع النفس.
قال أبو عمرو: وأنا أفسر الأقسام الأربعة المذكورة قسمًا قسمًا، وأشرح أصولها، وأبين فروعها وأمثل من كل قسم ما تيسر وخف، لكي يوقف بذلك على حقائقها، وتفهم معانيها، ويستدل على ما ورد منها في السور إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق).
[المكتفي : 1/138-139]

الوقف التام
قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ): (اعلم أن الوقف التام هو الذي يحسن القطع عليه والابتداء بما بعده، لأنه لا يتعلق بشيء مما بعده. وذلك عند تمام القصص وانقضائهن موجودًا في الفواصل ورؤوس الآي كقوله: {وأولئك هم المفلحون} والابتداء بقوله: {إن الذين كفروا}.
وكذلك: {وهو بكل شيء عليم} والابتداء بقوله: {وإذ قال ربك للملائكة} وكذلك: {وأنهم إليه راجعون} والابتداء بقوله: {يا بني إسرائيل} وكذلك: {وأفئدتهم هواء} والابتداء بقوله: {وأنذر الناس} وكذلك {ولو ألقى معاذيره} والابتداء بقوله: {لا تحرك به لسانك}. وكذلك ما أشبهه مما تنقضي القصة عنده، ويوجد في أخرى. وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة كقوله: {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} هذا هو التمام، لأنه انقضاء كلام بلقيس ثم قال عز وجل:
{وكذلك يفعلون} وهو رأس الآية. وكذلك: {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} هذا التمام أيضًا لأنه انقضاء كلام الظالم الذي هو أبي بن خلف ثم قال الله عز وجل: {وكان الشيطان للإنسان خذولا} وهو رأس الآية وقد يوجد بعد انقضاء الفاصلة بكلمة كقوله: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل}، رأس الآية (مصبحين) والتمام: (وبالليل) لأنه معطوف على المعنى، أي: في الصبح وبالليل. وكذلك: {عليها يتكئون * وزخرفًا} رأس الآية (يتكئون) والتمام (وزخرفًا) لأنه معطوف على ما قبله من قوله: {سقفًا}. وكذلك {لم نجعل لهم من دونها سترًا * كذلك} رأس الآية (سترًا) والتمام (كذلك)، لأن المعنى: كذلك كان خبرهم. وقد يوجد أيضًا بعد آية وآيتين وأكثر.
وسيأتي ذلك كله مفسرًا في مواضعه من السور إن شاء الله تعالى.
وقد يكون التام أيضًا في درجة الكافي من جهة تعلق الكلام من طريق المعنى، لا من طريق اللفظ، وذلك نحو قوله: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا} هذا تمام ثم تبتدئ بقوله: {ما لهم به من علم} لأن ما بعده مستغن عنه. وكذلك الوقف على قوله: {ولا لآبائهم} تمام أيضًا ثم تبتدئ بقوله: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} وهي مقالتهم: (اتخذ الله ولدا) وكذلك ما أشبهه مما يتم الوقف عليه بإجماع من أهل التأويل وأصحاب التمام لانقضاء الكلام عنده واستغناء ما بعده عنه، وما بعده منه، أو من سببه من جهة المعنى فهو بذلك في درجة الكافي، وبالله التوفيق).
[المكتفي : 1/140-142]

الوقف الكافي
قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ):
(
واعلم أن الوقف الكافي هو الذي يحسن الوقف عليه أيضًا والابتداء بما بعده، غير أن الذي بعده متعلق به من جهة المعنى دون اللفظ كما ذكرنا، وذلك نحو الوقف على قوله: {حرمت عليكم أمهاتكم} والابتداء بما بعد ذلك في الآية كلها. وكذلك الوقف على قوله: {ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم} والابتداء بما بعد ذلك إلى قوله: {أو أشتاتًا}. وكذلك الوقف على قوله: {اليوم أحل لكم الطيبات} والابتداء بما بعد ذلك، لأن ذلك كله معطوف. وكذلك القطع على الفواصل في سورة والتكوير والانفطار والانشقاق وما أشبههن، والابتداء بما بعدهن. وكذلك فواصل سورة الجن والمدثر وشبهها، والمراد بالفواصل مثل {أحدا} و{ولدا} وكذلك الوقف على قوله: {أحل لكم الطيبات} والابتداء بما بعد ذلك وكذلك ما أشبهه لأنه معطوف بعضه على بعض، فما بعده متعلق بما قبله كما قلناه وكذلك كل كلام قائم بنفسه مستغن بعامل ومعمول فيه يفيد معنى يكتفى به. فالقطع عليه كاف، ويسمى أيضًا هذا الضرب مفهومًا، وتفاضله في الكفاية كتفاضل التام سواء. وما ورد منهما ومن الحسن في الفواصل فهو أتم وأكفى وأحسن مما يرد من ذلك في حشوهن. وسترى ما جاء من ذلك في كل سورة مفصلاً إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق). [المكتفي : 1/143-144]
الوقف الحسن
قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ): (
واعلم أن الوقف الحسن هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به من جهة اللفظ والمعنى جميعًا، وذلك نحو قوله: {الحمد لله رب العالمين} و{الرحمن الرحيم} والوقف على ذلك وشبهه حسن، لأن المراد مفهوم، والابتداء بقوله: {رب العالمين} و: {الرحمن الرحيم} و: {مالك يوم الدين} لا يحسن، لأن ذلك مجرور، والابتداء بالمجرور قبيح لأنه تابع لما قبله. ويسمى هذا الضرب صالحًا إذ لا يتمكن القارئ أن يقف في كل موضع على تام، ولا كاف، لأن نفسه ينقطع دون ذلك. ومما ينبغي له أن يقطع عليه رؤوس الآي، لأنهن في أنفسهن مقاطع. وأكثر ما يوجد التام فيهن لاقتضائهن تمام الجمل، واستيفاء أكثرهن انقضاء القصص، وقد كان جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين يستحبون القطع عليهن، وإن تعلق كلام بعضهن ببعض، لما ذكرناه من كونهن مقاطع، ولسن بمشتبهات لما كان من الكلام التام في أنفسهن دون نهاياتهن.
حدثنا فارس بن أحمد المقرئ قال: حدثنا جعفر بن محمد الدقاق قال: حدثنا عمر بن يوسف قال: حدثنا الحسين بن شريك قال: أخبرنا أبو حمدون قال: حدثنا اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يسكت على رأس كل آية، وكان يقول: إنه أحب إلي إذا كان رأس آية أن يسكت عندها.
وقد وردت السنة أيضًا بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند استعماله التقطيع، كما حدثنا خلف بن إبراهيم بن محمد المقرئ قال: حدثنا أحمد بن محمد المكي قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال: حدثنا أبو عبيد قال:
وحدثني يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن أبي مليكة عن أم سلمة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: {بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين}.
وحدثنا محمد بن أحمد بن علي البغدادي قال: حدثنا محمد بن القاسم النحوي قال: حدثنا سليمان بن يحيى قال: حدثنا محمد بن سعدان قال: حدثنا يحيى بن سعيد الأموي عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم [ثم يقف] ثم يقول: الحمد لله رب العالمين. ثم يقف ثم يقول: الرحمن الرحيم [ثم يقف ثم يقول] ملك يوم الدين). ولهذا الحديث طرق كثيرة، وهو أصل في هذا الباب، وبالله التوفيق). [المكتفي : 1/145-147]

الوقف القبيح
قال أبو عمرو عثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّانِيُّ (ت:444هـ): (واعلم أن الوقف القبيح هو الذي لا يعرف المراد منه، وذلك نحو الوقف على قوله: (بسم) و(مالك) و(رب) و(رسل) وما أشبهه والابتداء بقوله: (الله) و(يوم الدين) و(العالمين) و(السماوات) و(الله) لأنه إذا وقف على ذلك لم يعلم إلى أي شيء أضيف. وهذا يسمى وقف الضرورة، لتمكن انقطاع النفس عنده. والجلة من القراء وأهل الأداء ينهون عن الوقف على هذا الضرب، وينكرونه، ويستحبون لمن انقطع نفسه عليه أن يرجع إلى ما قبله حتى يصله بما بعده، فإن لم يفعل ذلك فلا حرج عليه.
حدثنا الخاقاني خلف بن إبراهيم قال: أخبرنا أحمد بن أسامة قال: حدثنا أبي قال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا علي بن كيسة قال: لا يحسن الوقف على مضاف إلا بتمام الحرف.
وأقبح من هذا النوع الوقف على قوله: {لقد سمع الله قول الذين قالوا} و{لقد كفر الذين قالوا} و{قالت اليهود} و{قالت النصارى} و{فاعبدون * وقالوا} و{من إفكهم ليقولون} و{من يقل منهم} {وهم مهتدون * ومالي}، و{من الخاسرين * فبعث}، و{إلا أن قالوا أبعث} والابتداء بعد ذلك بقوله: {إن الله فقير} و{إن الله هو المسيح ابن مريم} و{إن الله ثالث ثلاثة} و{يد الله مغلولة} و{عزير ابن الله} و{المسيح ابن الله} و{اتخذ الرحمن ولدا} و{ولد الله} {وإني إله من دونه} و{لا أعبد الذي فطرني} و{الله غرابًا} و{الله بشرًا رسولا} لأن المعنى يستحيل بفصل ذلك مما قبله، ومثله في القبح الوقف على قوله: {فبهت الذي كفر والله} و{للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله} و{إن الله لا يستحيي} و{إن الله لا يهدي} و{إن الله لا يحب} و{لا يبعث الله} وشبهه، لأن المعنى يفسد بفصل ذلك مما بعده من قوله: {لا يهدي القوم الظالمين} و{المثل الأعلى} و{أن يضرب مثلاً} و{من هو مسرف} و{من كان مختالاً فخورًا} و{من يموت}. فمن انقطع نفسه على ذلك وجب عليه أن يرجع إلى ما قبله، ويصل الكلام بعضه ببعض. فإن لم يفعل أثم وكان ذلك من الخطأ العظيم، الذي لو تعمده متعمد لخرج بذلك من دين الإسلام، لإفراده من القرآن ما هو متعلق بما قبله، أو بما بعده، وكون إفراد ذلك افتراء على الله عز وجل، وجهلاً به.
ومن هذا الضرب الوقف على الكلام المنفصل الخارج عن حكم ما وصل به كقوله: {وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه} إن وقف على ذلك، لأن (النصف) كله إنما يجب للابنة دون الأبوين، و(الأبوان) مستأنفان بما يجب لهما مع الولد ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا كان أو جمعًا. وكذلك قوله: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى} إن وقف على ذلك لأن (الموتى) لا يسمعون ولا يستجيبون وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يبعثون، فهم مستأنفون بحالهم. وكذلك قوله: {لكل امرئٍ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم} إن وقف على ذلك، لأن من كنى عنهم أولاً مؤمنون، و(متولي الكبر) منافق، وهو عبد الله بن أبي بن سلول، فهو مستأنف بما يلحقه خاصة في الآخرة من عظيم العذاب. وكذلك قوله: {إني أخاف أن يقتلون * وأخي هارون} إن وقف على ذلك، لأن (موسى) عليه السلام، إنما خاف القتل على نفسه دون أخيه، وأخوه مستأنف بحاله وصفته. وكذلك ما كان مثله وفي معناه.
ومن هذا النوع من القبح أيضًا الوقف على الأسماء التي تبين نعوتها حقائقها، نحو قوله: {فويلٌ للمصلين} وشبهه، لأن (المصلين) اسم ممدوح محمود لا يليق به (ويل). وإنما خرج من جملة الممدوحين بنعته المتصل به وهو قوله: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}.
وأقبح من هذا وأبشع الوقف على المنفي الذي يأتي بعده حرف الإيجاب نحو قوله: {لا إله إلا الله} و{ما من إله إلا الله} و{لا إله إلا أنا} وشبهه. ولو وقف واقف قبل حرف الإيجاب من غير عارض لكان ذنبًا عظيمًا، لأن المنفي في ذلك كل ما عبد غير الله عز وجل، ومثله: {وما أرسلناك إلا مبشرًا ونذيرا} و{ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} إن وقف على ما قبل حرف الإيجاب في ذلك آل إلى نفي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم وخلق الجن والإنس. وكذلك: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} و{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} وما كان مثله، وذلك من عظيم القول.
ومن الوقف القبيح أيضًا، الذي ورد التوقيف بالنهي عنه، الوقف على قوله: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} و{الذي كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا وعملوا الصالحات} و{الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات}. و{للذين استجابوا لربهم الحسنى
والذين لم يستجيبوا له} و{إنهم أصحاب النار * الذين يحملون العرش ومن حوله} و{من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل} و{فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن يعودوا} و{فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني} و{لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم} وشبه ذلك مما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى، لأنه متى قطع عليه دون ما يبين حقيقته ويوضح مراده لم يكن شيء أقبح منه لاستواء حال من آمن ومن كفر، ومن اهتدى ومن ضل، وفي ذلك بطلان الشريعة والخروج من الملة فيلزم من انقطع نفسه عند ذلك أن يرجع حتى يصل الكلام بعضه ببعض أو يقطع على آخر القصتين، أو على آخر القصة الثانية إن شاء. ومتى لم يفعل ذلك فقد أثم واعتدى، وجهل وافترى.
حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: كان حمزة وغيره يستسمجون الوقف على هذا، يعني ما تقدم ذكره من القبيح لأن القارئ يقدر على تفقده وتجنبه.
قال الحافظ أبو عمرو: فهذه أقسام الوقف قد فسرتها ولخصتها بأصولها وفروعها فاعلمه، وبالله التوفيق).

[المكتفي : 1/148-154]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم السجاوندي


الوقف القبيح

قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (فأول ذلك قوله تعالى: {وما هم بمؤمنين} إذ لو وصل بقوله: {يخادعون الله صارت الجملة صفة لقوله: {بمؤمنين} فانتفى الخداع عنهم، وتقرر الإيمان خالصًا عن الخداع، كما تقول: ما هو بمؤمن مخادع، ومراد الله تعالى نفي الإيمان وإثبات الخداع.
ومن ذلك قوله تعالى: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}
لو وصل صار الجار وما دخل عليه صفة لبعض فانصرف الضمير في بيان المفضل بالتكليم إلى {بعض} لا إلى جمع الرسل، فيكون
موسى عليه السلام من البعض المفضل عليه غيره، لا من البعض المفضل على غيره.
ومن ذلك قوله تعالى: {سبحانه أن يكون له ولد}، فلو وصل به: {له ما في السموات وما في الأرض} وحرف الجر المتصل بامنكر وصف له، فيكون المنفي ولدًا له ما في السموات وما في الأرض، والمراد نفي الولد مطلقًا.
ومن ذلك ما يجعل الوصل ما بعده ظرفًا لما قبله، وليس بظرف له، كقوله تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق}، فلو وصل [به: {إذ} صار {إذ} ظرفًا لقوله: {واتل} فيختل المعنى، بل عامل {إذ} محذوف، أي: اذكر إذ.
وكذلك قوله تعالى: {فما تغن النذر. فتول عنهم} فلو وصل {عنهم} بـ({يوم يدع}] صار الظرف ظرفًا لقوله: {فتول} وكان المعنى: فتول عنهم عندما ينفخ في الصور، وهو محال.
وكذلك قوله تعالى: {أنكم عائدون} فو وصل بقوله: {يوم نبطش} صار المعنى: إنكم عائدون إلى الكفر والشرك يوم بطشنا إياكم، وهو يوم بدر أو يوم القيامة، وكلاً الوجهين محال، فإنهم كانوا يوم بدر يقتلون، ويلقون في الآبار، ويوم القيامة يشدون بالسلاسل، ويلقون في النار.
ومن ذلك ما يجعل الوصل [ما بعده] من المقول الأول، وإنما هو إخبار مستأنف، كقوله تعالى: {ولعنوا بما قالوا} فلو وصل صار قوله: {بل يداه مبسوطتان} من مقول اليهود، وإنما ذلك أخبار مستأنف يراد قوله: {يد الله مغلولة}.
أو يجعله [خبرًا للأول] كقوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء}، فلو وصل صار قوله: {ما نعبدهم} خبرًا لقوله تعالى: {والذين اتخذوا}، وإنما الخبر محذوف، أي: يقولون: ما نعبدهم. وفي نظائره كثرة يوصلك المرور بها إلى العثور عليها).
[علل الوقوف:1/108-115]

الوقف المطلق
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (والمطلق: ما يحسن الابتداء بما بعده، كالاسم المبتدأ به، نحو قوله تعالى: [{الله يجتبي إليه من يشاء}]، [والفعل المستأنف] مع السين كقوله تعالى: {سيقول السفهاء}، أو كقوله تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا}، أو بغير السين كقوله تعالى: {يعبدونني لا يشركون بي شيئًا} ومفعول المحذوف كقوله تعالى: {وعد الله] أي: وعد الله وعدًا، فلما حذف الفعل أضيف المصدر إلى الفاعل، وكقوله تعالى: {سنة الله} أي: سن الله سنة، والشرط كقوله تعالى: {من يشأ الله يضلله، وكقوله: {إن يكن منكم عشرون}، والاستفهام، كقوله تعالى: {أتريدون أن تهدوا}، وكذلك إن
كان ألف الاستفهام مقدار، كقوله: {تريدون عرض الدنيا} وقوله: {تريدون أن تصدونا}، والنفي كقوله تعالى: {ما كان لهم الخيرة}، وقوله: {إن يريدون إلا فرارًا}- وإن كان دخل في الشرط والاستفهام فاء كان الوقف أدون درجة {من الأول حسنا فالتحق بالجائز-].
وحرف إن كقوله تعالى: {إن الله يحكم بينهم} بعد قوله: {زلفى}، وكقوله تعالى: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب}، بعد قوله: {يعدكم}.
وما يقرب معناه من الأول على وجه التعليل والتسبيب قد يستحسن الوصل هناك، كقوله تعالى: {وهب لنا من لدنك رحمة}.
لاحتمال الاتصال بواسطة فإن، أو لأن، أي: فإنك، أو لأنك، وكقوله تعالى: {إن الله يغفر الذنوب جميعًا} على احتمال أي {فإنه أو لأنه] هو الغفور الرحيم، وهذا إذا لم يكن شيء من ذلك من مقول قول قبله، كقوله تعالى:
{وما كنا له مقرنين} لأن قوله: {وإنا إلى ربنا} مقول قوله: {وتقولوا}، وقوله: {قالوا هذا سحر}، لأن قوله: {به كافرون} مقول قوله: {قالوا}، وقوله: {ويلك آمن} لأن قوله: {إن وعد الله حق} معمول معنى القول المضمر، تقديره: يستغيثان الله ويقولان: ويلك آمن.
وقوله: {قل الله خالق كل شيء}، وقوله: {قل إن كنتم}، وقوله: {قال أفتعبدون}، وقوله: {قل إنما أعظمكم} فإن المبتدأ والشرط والاستفهام وحرف إن من مقول القول، فلا يبتدأ بشيء من ذلك ولا كان شيء من ذلك صفة لما قبله أو جوابًا كقوله: {الله مهلكهم} فإن المبتدأ مع خبره صفة: {قومًا}، وقوله: {إن يردن الرحمن بضر} فإن جملة الشرط صفة قوله: {آلهة} [أي: آلهة غير معينة]، وقوله: {هل يهلك} فإن جملة الاستفهام سدت مسد {جواب الشرط] في قوله: {إن أتاكم}، [ونظيره قوله:] {هل هن ممسكات رحمته} فإنها جواب قوله: {إن أرادني الله بضر}. ولا كان الشرط معلقًا بما قبله كقوله تعالى: {إن عصيته} لتعلق أن بقوله: {فمن ينصرني}. ولا كان جوابًا لقسم كقوله تعالى: {إن الإنسان} لأنها جواب قوله: {والعاديات}، ولا كانت أن في تأويل أن المعلقة للفعل كقوله تعالى: {إن ربهم بهم} لأن إن} هذه علقت قوله: {ألا يعلم}، وإنما انكسرت لدخول اللام في خبرها، [ونظيره قوله تعالى: {إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين}.]
ومن المطلق: ما يقتضيه العدول من الإخبار إلى الحكاية، أو عكسه، كقوله تعالى: {ولقد أخذ الله ميثاق بين إسرائيل} لأن قوله: {وبعثنا} معدول بالحكاية عن الإخبار في قوله تعالى: {ولقد أخذ الله}، [وكذلك قوله تعالى:] {وقال الله} معدول بالإخبار عن الحكاية في قوله: {وبعثنا منهم أثنى عشر نقيبًا}، وكذلك في العدول عن الماضي إلى المستقبل، وعكسه، كقوله تعالى: [{فآمنا به} لأن قوله:] {ولن نشرك بربنا أحد} وهو مستقبل بعد قوله تعالى: {فآمنا به} وهو ماض، وكذلك العدول عن الاستخبار إلى الإخبار، كقوله تعالى: {مستهم البأساء والضراء} على الإخبار بعد تمام الاستفهام على قوله: {خلوا من قبلكم}، وقوله: {الذين ضل سعيهم} وهو خبر مبتدأ
محذوف، أي: هم الذين، على الإخبار بعد تمام الاستفهام على قوله: {بالأخسرين أعمالا}، وقوله تعالى: {لا يستوون} بعد تمام الاستفهام على قوله: {كمن كان فاسقًا}).
[علل الوقوف:1/116-127]

الوقف الجائز
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (وأما الجائز: فما يجوز فيه الوصل والفصل لتجاذب الموجبين من الطرفين كقوله تعالى: {وما أنزل من قبلك} لأن واو العطف يقتضي الوصل، وتقديم المفعول على الفعل يقطع النظم، فإن التقدير: ويوقنون بالآخرة، وقوله: {ويسفك الدماء} لأن انتهاء الاستفهام على قوله: {ويسفك الدماء} يقتضي الفصل، واحتمال الواو معنى الحال في قوله: {ونحن نسبح بحمدك} يقتضي الوصل وقوله: {آباؤكم وأبناؤكم} لأن قوله: {آباؤكم} يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هم آباؤكم، وأن يكون مبتدأ خبره: {لا تدرون}. وقوله: {ولكم ما كسبتم} لأن واو العطف يقتضي الوصل، واختلاف جملتي المعطوف والمعطوف عليه يقتضي الفصل، فإن قوله: {ولكم ما كسبتم} [جملة من} مبتدأ وخبر، أو جار وخبره. وقوله: {ولا تسألون} جملة من فعل مجهول ومفعوله). [علل الوقوف:1/128-129]



الوقف المجوز
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (والمجوز لوجه: كقوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} لأن الفاء في قوله: {لا يخفف} لتعقيب يتضمن معنى الجواب والجزاء لا حقيقة [الجواب والجزاء]، وذلك يوجب الوصل، إلا أن نظم الفعل على الاستئناف يري للفصل وجهًا.
وقوله: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} لأن فاء الجواب والجزاء أكد في الوصل، ونظم الابتداء في قوله: {فلعنة الله}: [في وجه جواز الفصل أضعف}).
[علل الوقوف: 1/130]


الوقف المرخص ضرورة
قال أبو عبدِ الله محمدُ بنُ طَيْفُورَ الغزنويُّ السَّجَاوَنْدِيُّ (ت:560هـ): (
والمرخص ضرورة: ما لا يستغنى ما بعده عما قبله، لكنه يرخص الوقف ضرورة انقطاع النفس لطول الكلام، ولا يلزمه الوصل بالعود لأن ما بعده جملة مفهومة، كقوله تعالى: {والسماء بناء}، لأن قوله: {وأنزل} لا يستغنى عن سياق الكلام، فإن فاعله ضمير يعود إلى الصريح المذكور قبله، غير {أنها جملة} مفهومة لكون الضمير مستكنًا، وإن كان لا يبرز إلى النطق.
وقوله تعالى: {من بعد ميثاقه} لأن قوله: {ويقطعون} معطوف على قوله: {ينقضون} غير أن الجملة مفهومة، ولكن أسند فعلها إلى ضمير الفاعل في {ينقضون}
).[علل الوقوف: 1/131]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم ابن الطحان


قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ):
(
علماؤنا مختلفون في أقسام الوقف:
فقال بعضهم: [الوقف] قسمان: موصل ومفصل.
وقال آخرون: الوقف على ثلاثة أقسام: قسم مختار وهو التام، وجائز وهو الكافي، والثالث: القبيح الذي ليس بتام ولا كاف.
وقال آخرون: الوقف على أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك.

فالتقسيم الأول مجمل، لا يترتب به الوقف ولا يتحصل. والتقسيم الثاني أفسر وأهدى سبيلاً من الأول وأظهر. والقسم الثالث أحسن في الترجيح من الثاني وأوفر، وسراجه للمهتدين أشرق وأنور، وعليه الحذاق من أهل التأويل، وبه نقول لرجحانه في ميزان التعليل. ألا ترى أن القارئ قد ينقطع نفسه دون التمام والكافي عند طول القصص وانقضائهن، وتعلق الكلام بعضه ببعض، فيقطع حينئذ على الحسن المفهوم، ولا حرج في ذلك، ولا مانع له من سنّة ولا غريبة).

[نظام الأداء : 1/28-29]

الوقف التام

قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ): (الوقف التام هو الذي يحسن القطع عليه، ويحسن الابتداء بما بعده، لأنه لا يتعلق بشيء مما بعده، منفصلاً عنه لفظًا ومعنى. وذلك عند تمام القصص وانقضائهن، ويكثر وجوده في الفواصل.
كقوله تعالى: {... وأولئك هم المفلحون} ثم الابتداء بقوله تعالى: {إن الذين كفروا...}.
وكذلك: {... على كل شيء قدير} ثم يبتدئ: {يا أيها الناس اعبدوا...}.

وكذلك {... بكل شيء عليم. وإذ قال ربك...}، {وأنهم إليهم راجعون. يا بني إسرائيل...}، {وأفئدتهم هواء}، {ولو ألقى معاذيره}، وكذلك ما أشبهه مما تنقضي القصة فيه، ثم يؤخذ في أخرى.
وقد يكون التمام قبل انقضاء الفاصلة، كقوله تعالى: {لا يحطمنكم سليمان وجنوده} التمام {وجنوده} لأنه آخر قول (النملة)، وتمام الفاصلة قوله تعالى: {وهم لا يشعرون} على الخلاف فيه.
ومثله: {لقد أضلني عن الذكر بعد إذا جاءني} آخر قول (الظالم) ثم قال الله [تعالى]: {وكان الشيطان للإنسان خذولا}.
وقد يكون التمام بعد انقضاء الفاصلة بكلمة، كقوله تعالى: {لم نجعل من دونها سترًا. كذلك} آخر الفاصلة: {سترًا} والتمام: {كذلك}، والمعنى: كذلك كان خبرهم، هذا على قول أهل الوقف.
وكقوله تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين. وبالليل}، {مصبحين} هي الفاصلة، والتمام {وبالليل} لأنه عطف على المعنى، تقديره: مصبحين ومليلين.ومثله: {وسررا عليها يتكئون. وزخرفا}.
وقد يكون التمام بعد آية وآيتين فأكثر، فبعد آية كالقطع على {... أنعمت عليهم} في أحد العدين، وكالقطع على {شهيدا} حيث قطع ابن مسعود.
وبعد آيتين كالقطع على قوله تعالى: {فأخرجهما مما كانا فيه } على أحد القولين.
وبعد آي كالقطع على قوله تعالى: {... وإنهم إليه راجعون} هو التمام بعد ست آيات.
وقد يكون التمام أيضًا في درجة الكافي من طريق المعنى لا من طريق اللفظ، كقوله تعالى: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} هذا تمام، ثم يبتدئ بقوله: {ما لهم به من علم}. وكذلك القطع على {ولا لآبائهم}، ثم يبتدئ {كبرت كلمة تخرج من أفواههم} وهي مقالتهم: اتخذ الله ولدًا. وكذلك ما أشبهه مما يتم القطع عليه عند أهل التأويل وأئمة التمام، لانقطاع الحكاية، واستبعاد ما بعده عنه.
وقد يكون التمام أيضًا تمامًا على قراءة، ويكون موضع القطع كافيًا على أخرى، كقوله تعالى: {من خشية الله} هو تام على قراءة من قرأ: {وما الله بغافل عما يعملون} بالياء، وكاف على قراءة التاء. وكقوله تعالى: {مثابة للناس وأمنا} من قرأ {واتخذوا} بكسر الخاء، فـ{أمنا} تمام، وهو كاف على فتحها.
وقد يكون القطع يحتمل التمام والوصل من جهة التأويل، كقوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله} وهو تمام على نفي علم الراسخين به، وهو قول أكثر أهل العلم من المفسرين والفقهاء والمحدثين والقراء، وهو قول أئمة القراء؛ ورويناه منصوصًا عنهم، وفي قراءة طائفة من الصحابة ما يؤيد ذلك، روينا عن ابن عباس أنه قال: وقد ذكر له الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال: يؤمنون بمحكمه، ويهلكون عند متشابهه، وقرأ: (وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به). ومن جعلهم عالمين به لم يكن تامًا، ووجب الوصل، وبالأول أقول.
ومن جهة التأويل يكون الوقف على قوله تعالى: {... ألست بربكم قالوا بلى} تامًا، إذا كانت الشهادة من الملائكة، فإن كانت من بني آدم لم يوقف عليه، ووقف على [قوله] {شهدنا} ويكون كافيًا).
[نظام الأداء : 1/30-37]

الوقف الكافي

قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ): (والوقف الكافي: هو الذي يحسن القطع عليه، ويحسن الابتداء بما بعده، غير أن الذي بعده متعلق به معنى لا لفظًا.
كقوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار...} القطع على {الأنهار} كاف، وكذلك {متشابها} و{مطهرة}.
وكذلك [القطع] على قوله تعالى: {وإياي فارهبون}، {فاتقون}، {وأنتم تعلمون}، {الراكعين}، {الخاشعين}، كل هذه أوقاف كافية، لأنها منسوقة بعضها على بعض.
وكذلك القطع على قوله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم...} والابتداء بما بعد ذلك في الآية كلها. وكذلك كل ما يفيد معنى يكتفي به، فالقطع عليه كافٍ، ويسمى هذا أيضًا مفهومًا.
والكافي يتفاضل أيضًا في الكفاية كتفاضل التمام، وما كان منه في الفواصل فهو أكفى، ويقويه ما سلف من سنّه المصطفى صلى الله عليه وسلم.
من المقاطع التي بعضها أكفى من بعض قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} القطع على {بكفرهم} كافٍ، و{إن كنتم مؤمنين} أكفى منه.
وكذلك القطع على {تقبل منا} كافٍ، و{إنك أنت السميع العليم} أكفى منه.
وكذلك: {ليبلوكم فيما آتاكم} هو كاف، و{فاستبقوا الخيرات} أكفى منه.
وكذلك: {قال اهبطوا} كافٍ، و{لبعض عدو} أكفى منه، و{إلى حين} أكفى منهما.
وقد يكون القطع كافيًا على قراءة، ويكون موضع القطع موصولاً على أخرى كقوله تعالى: {ولا جدال في الحج}، يبتدأ به على قراءة من نصب هنا الاسمين قبله، ومن رفعه معها لم يبتدئ به.
وكذلك: {ويكفر عنكم من سيئاتكم} من قرأ بالرفع والياء قطع على {فهو خير لكم}، ومن جزم لم يقطع
وكذلك قوله تعالى: {والله أعلم بما وضعت} من قرأ بفتح العين وإسكان التاء قطع على قوله تعالى، إخبارًا عن أم مريم {وضعتها أنثى} ثم استأنف {والله أعلم بما وضعت} لأنه إخبار من الله عز وجل عن ذلك. ومن سكن العين وضم لم يقطع على {أنثى} لأن ما بعده متعلق به، إذ هو كلام واحد متصل.
وكذلك قوله تعالى: {بنعمة من الله وفضل} من كسر الهمزة قطع، وكان كافيًا، وابتدأ {وإن الله لا يضيع أجر المحسنين}. ومن فتحها وصل.
ومثله: {أن النفس بالنفس} لمن قرأ {والعين} بالرفع.
وقد يكون ذلك من جهة التأويل، كقوله تعالى: {يعلمون الناس السحر} من جعل {ما} نفيًا قطع على {السحر} ومن جعلها بمعنى (الذي) وصل، وبالنفي أقول.
وكقوله تعالى: {فأنزل الله سكينته عليه} إذا جعلت الهاء للصديق رضي الله عنه قطع على {عليه} وكان كافيًا، وهو قول سعيد بن جبير، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة معه، ومن جعلها للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكف الوقف على {عليه} ووجب الوصل.
ومنه قوله تعالى: {حريص عليكم} القطع على {عليكم} كاف على قول من جعله متصلاً بما قبله، وهو خطاب لأهل مكة، ثم ابتدأ فقال: {بالمؤمنين رؤوف رحيم} والأوجه الوصل).
[نظام الأداء : 1/38-44]

الوقف الحسن
قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ): (والوقف الحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به معنى ولفظًا. نحو {بسم الله} و{الحمد لله} و{رب العالمين} و{الرحمن الرحيم}، و{يا أيها الناس أعبدوا ربكم}، {ولكم في الأرض مستقر} و{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي}، فهذا وما أشبهه لا يحسن الابتداء بما بعده، ويسمى هذا الضرب أيضًا صالحًا، لأنه لا يمكن للقارئ أن يقف في كل موضع على تام ولا كاف، لأن نفسه ينقطع دون ذلك، إلا أنه السنة قد خصصت القطع على الآي كما ذكرنا قبل، فما كان من هذا النوع [رأس] آية قطع عليه، وهو قول جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين، يستحبون القطع على الآي، وإن تعلق بعضهن ببعض.
روينا عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يسكت عند رأس كل آية، وكان يقول: إنه أحب إلي إذا كان رأس آية أن يسكت عندها.
فالقطع على قوله: {هدى للمتقين} حسن إذا جعلت {الذين} نعتًا له. وكذلك ما أشبهه مما يجوز في الذي بعده أن يكون نعتًا، كقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين}، و{بصير بالعباد}.
والقطع على {تثير الأرض} حسن، وعلى {في سبيل الله أموات} وعلى {بل أحياء}، وعلى {كدأب آل فرعون} وعلى {والذين من قبلهم} بعده، وعلى {بكلمة منه}، وعلى {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم} وعلى {إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم} و{لله رب العالمين} تعبر عن هذا كله بما أصلناه.
وقد أتينا في هذه الفصول بأصول المقاطع الثلاثة التي يجب على القراء تمييزها، ونصبناها مثالاً لما يرد في كتاب الله تعالى منها. ومن تعدى [جماها] وقع في القسم الرابع القبيح، الذي منتحله بين إثم كبير، كفر صراح). [نظام الأداء : 1/45-49]

الوقف القبيح
قال أبو الأصبغِ عبدُ العزيزِ بنُ عليٍّ ابنُ الطحَّان الإشبيليّ (ت:560هـ): (والوقف القبيح هو الذي لا يعرف المراد منه، ولا تقوم فائدة عنه.
نحو الوقف على {بسم} [و{الحمد}] و{رب} و{مالك} وغير ذلك، {ومما رزقناهم}، {وبالآخرة هم}، {ومن الناس من يقول}، {مرضا ولهم}، {لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما}.
هذا وما أشبهه لا يجوز الابتداء بما بعده، ويسمى هذا وقف الضرورة، لتمكن انقطاع النفس عنده. وعلماء الأداء ينهون عن الوقف عليه، وينكرون الإغفال المؤدي إليه، لأن القارئ إذا حافظ على مراعاة المقاطع الصحيحة لم يقع في هذه المقاطع القبيحة.
والوقف القبيح أيضًا يتعاضل، ويشهد بعمائه من يتهاون به، ويتهافت فيه ويتخاذل:
فمنه الوقف على الكلام المنفصل الخارج عن حكم ما وصل به، كقوله تعالى: {وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه} إن قطع على {ولأبويه} لأن النصف كله إنما يجب للابنة وحدها، والأبوان مستأنفان بما يجب لهما.
وكذلك قوله تعالى: {إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى...} إن قطع على {والموتى} [فهو قبيح] لأن الموتى لا يسمعون [ولا يستجيبون] وهم مستأنفون [بأنهم] يبعثون.
وكذا قوله: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره...} من كني عنهم أولاً مؤمنون، ومتولي الكبر هو عبد الله بن سلول المنافق، فهو مستأنف لما يلحقه في الآخرة من عظيم [العذاب].
وكذا قوله تعالى: {فأخاف أن يقتلون. وأخي هارون} والخوف إنما هو من موسى على نفسه خاصة، وأخوه مستأنف بحاله وصفته.
ومنه القطع على الأسماء التي تبين نعوتها حقائقها، نحو قوله تعالى: {فويل للمصلين...} وشبهه، لأن (المصلين) اسم ممدوح، ولا يليق به (ويل)، وإنما خرج من جملة الممدوحين بنعته المتصل به، وهو قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون}.
ومن الوقف القبيح ما ورد التوقيف بالنهي المتقدم عنه، كالوقف على قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا...} و{للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له...} و{فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني...} و{من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل...} و{... أنهم أصحاب النار. الذين يحملون العرش ومن حوله...}، {... واتقوا الله إن الله شديد العقاب. للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم...} و{إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه...} وما أشبه هذا مما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى، لأنه متى قطع عليه دون ما يبين حقيقته، ويوضح مراده وفائدته، لم يكن شيء أقبح منه، لاستواء حال من آمن ومن كفر، ومن اهتدى ومن ضل.
فاللازم للقارئ أن يعتبر حالة نفسه: هل يوصله إلى آخر الجملتين، أو يقطع به عند تجاوز الجملة الأولى، فإن تجاوزها وقد علم أنه لا يصل إلى آخر الثانية، وقطع على نحو ما مثلنا فقد أثم واعتدى، لأنه قادر على تجنبه، أو التحفظ مما يلحق المقت به.

[فصل]
ومن الوقف القبيح الشنيع الوقف على قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي} و{فبهت الذي كفر والله} و{إن الله لا يهدي} و{إن الله لا يحب} و{لا يبعث الله} و{للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله} وكذلك ما أشبهه مما لا يجوز للقارئ أن يتغافل عنه حتى يقع فيه، فيبوء بالإثم العظيم، فالواجب عليه إن انقطع نفسه عنده أن يرجع إلى ما قبله، ويصل الكلام بعضه ببعض، فإن لم يفعل فقد افترى على الله، وصار كالمتعمد، ومتعمد هذا وشبهه عندهم كافر.
ومنه الوقف على قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا...} و{لقد كفر الذين قالوا...}، {وقالت اليهود...}، {وقالت النصارى...} و{من الخاسرين. فبعث} و{إلا أن قالوا أبعث...}.
{ومن يقل منهم...}، {وهم مهتدون. ومالي} الابتداء بما بعد ذلك كله حرام، لأن المعنى يستحيل، بفصل ذلك مما قبله.
ومن هذا النوع الوقف على المنفي الذي يأتي بعده حرف الإيجاب، نحو {وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا...}، {وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين}، {وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها}. لو وقف واقف قبل حرف الإيجاب من غير عارض لكان ذنبًا عظيمًا.
وأقبح من هذا وأشنع في هذا القبيل الوقف على المنفي في قوله تعالى: {لا إله إلا الله}، {وما من إله إلا الله}، و{لا إله إلا أنا}، {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} و{قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وما أشبه هذا، تعمد الوقف على المنفي كفر مجرد.
والوقف القبيح هو مجال القراء اليوم، وميدانهم الذي فيه يترددون، وخوضهم الذي فيه يلعبون، وذلك بإغماض المتصدرين، وإغضاء المتلقنين المقصرين). [نظام الأداء : 1/50-59]


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم ابن الجوزي

قالَ أبو الفَرَجِ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَلِيٍّ ابنُ الجَوْزِيِّ (ت: 597هـ) : ( أقسام الوقف:
واعلم أن الوقف على ثلاثة أقسام: تام؛ وحسن ليس بتام؛ وقبيح ليس بحسن ولا تام.
فالتام: الذي يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، ولا يكون ما بعده متعلقا به، كقوله: {أولئك هو المفلحون}.
والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه، ولا يحسن الابتداء بما بعده، كقوله: {الحمد لله} ويقبح الابتداء بقوله: {رب العالمين}.
والقبيح: كقوله: {بسم} لأنه لا يعلم إلى أي شيء أضفته. والله تعالى أعلم )
[فنون الأفنان :367 ]


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم ابن الفرُّخان

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (فصل جامع لخصته من كلام صاحب المستوفي في العربية..
قال: تقسيمهم الوقف إلى الجودة والحسن والقبح والكفاية وغير ذلك وإن كان يدل على ذلك فليست القسمة بها صحيحة مستوفاة على مستعملها وقد حصل لقائلها من التشويش ما إذا شئت وجدته في كتبهم المصنفة في الوقوف.
فالوجه أن يقال الوقف ضربان: اضطراري واختياري
* فالاضطراري ما يدعو إليه انقطاع النفس فقط وذلك لا يخص موضعا دون موضع حتى إن حمزة كان يقف في حرفه على كل كلمة تقع فيها الهمزة متوسطة أو متطرفة إذا أراد تسهيلها وحتى إنه روي عنه الوقف على المضاف دون المضاف إليه في نحو قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ} قالوا وقف هنا بالتاء على نحو جاءني طلحت إشعارا بأن الكلام لم يتم عند ذاك.
وكوقفه على {إلى} من قوله: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى} بإلقاء حركة الهمزة على الساكن قبلها كهذه الصورة خلو لى وعلى هذا يجوز أن يقف في المنظوم من القول حيث شئت وهذا هو أحسن الوقفين.
* والاختياري وهو أفضلهما هو الذي لا يكون باعتبار انفصال ما بين جزأي القول.
وينقسم بانقسام الانفصال أقساما:
الأول : التام وهو الذي يكون بحيث يستغني كل واحد من جزأي القولين اللذين يكتفانه عن الآخر كالوقف على: {نَسْتَعِينُ} من قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والآخر {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} مستغن عن الآخر من حيث الإفادة النحوية والتعلق اللفظي.
الثاني : الناقص وهو أن يكون ما قبله مستغنيا عما بعده ولا يكون ما بعده مستغنيا عما قبله كالوقف على: {الْمُسْتَقِيمَ} من قوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ولأن لك أن تسكت على {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } وليس لك أن تقول مبتدئا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
فإن قيل: ولم لا يجوز أن يقدر هاهنا الفعل الذي ينتصب به {صِرَاطَ} ؟
قلنا: أول ما في ذلك أنك إذا قدرت الفعل قبل {صِرَاطَ} لم تكن مبتدئا به من حيث المعنى ثم إن فعلت ذلك كان الوقف تاما لأن كل واحد من طرفيه يستغني حينئذ عن الآخر.
والنحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص كقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ} إلى قوله: {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} إن كسرت بعده {إِنَّ} فإن فتحتها فإلى قوله: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} لأن الأوجه في{أن} في الآية أن تكون محمولة على {أُوحِيَ} وهذا أقرب من جعل الوقف التام {حَطَباً} وحمل {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا} على القسم فاضطر في {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} إلى أن جعل التقدير، {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً} لأن المساجد لله .
فإن قيل: هذا هو الوجه في فتح {أَنَّ} في الجملة التي بعد قوله: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً} فلم لا يلزم من جعل الوقف التام {حَطَباً} ألا يقف قبله على هذه الجمل في كسر {أَنَّ} في أول كل واحدة منها
قلنا: لأن هذه الجمل داخلة في القول وما يكون داخلا في القول لا يتم الوقف دونه كما أن المعطوف إذا تبع المعطوف عليه في إعرابه الظاهر والمقدر لا يتقدمه الوقف تاما.
فإن قيل: فهل يجوز الفصل بالمكسورات بين: {أَنَّهُ اسْتَمَعَ} وبين: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ} فيمن فتحهما وقد عطف بالثانية على الأولى.
قيل: أما عندنا فليس ذلك بفصل لأن ما بعد: {إِنَّا سَمِعْنَا} من المكسورات معطوف عليها وهي داخلة في القول والقول أعني {فَقَالُوا} معطوف على {اسْتَمَعَ} و{اسْتَمَعَ} من صلة أن الأولى المفتوحة فالمكسورات تكون في خبر المفتوحة الأولى فيعطف عليها الثانية بلا فصل بينها.
والثانية عندنا هي المخففة في قوله تعالى: {وَأن َلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} ثم الثالثة هي التي في قوله: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ}
ثم إن فتحت التي في قوله تعالى: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ}. رابعة تابعة فإن فتحت التي بعد: {سَمِعْنَا} كانت هي واللواتي بعدها إلى قوله: {حَطَباً} داخله في القول حملا على المعنى وقد يجوز أن تكون هي الثانية: ثم تعد بعدها على النسق
ونحو قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} إلى قوله: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} وعلى هذا القياس
الثالث: الأنقص ومثل له بقراءة بعضهم: {وَإِنَّ كُلاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} وقراءة بعضهم {لَكِنَّ هُوَ اللَّهُ} والفرق بينهما أن التام قد يجوز أن يقع فيه بين القولين مهلة وتراخ في اللفظ والناقص لا يجوز أن يقع فيه بين جزأي القول إلا قليل لبث والذي دونهما لا لبث فيه ولا مهلة أصلا
ثم إن كلا من التام والناقص ينقسم في ذاته أقساما فالتام أتمه مالا يتعلق اللاحق فيه من القولين بالسابق معنى كما لا يتعلق به لفظا وذلك نحو قوله تعالى {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الأِنْسَانَ كَفُورٌ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وشأن ما يتعلق فيه أحد القولين بالآخر معنى وإن كان لا يتعلق به لفظا وذلك كقوله: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}
وتعلق الثاني فيه بالأول تعلق الحال بذي الحال معنى.
ونحو قوله تعالى: {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} إلى قوله {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} إلى قوله: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} فهذه الحال قد عطف بعضها في المعنى وظاهر كل واحد منها الاستئناف في اللفظ
ونحو قوله تعالى: {فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قَالُوا} وأنت تعلم أن بل لا يبتدأ بها
ونحو: {وَكُنْتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً} ، فإن ما بعده منقطع عنه لفظا إذ لا تعلق له من جهة اللفظ لكنه متعلق به معنى وتعلقه قريب من تعلق الصفة بالموصوف إلى قوله: {وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ}
ونحو قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} فإن الوقف عليه تام ولكنه ليس بالأتم لأن ما بعده وهو قوله تعالى {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} كالعلة لما قبلها فهو متعلق به معنى وإن كان لا تعلق له من جهة اللفظ فقس على هذا ما سواه فإنه أكثر أنواع الوقوف استعمالا وليس إذا حاولت بيان قصة وجب عليك ألا تقف إلا في آخرها ليكون الوقف القول على الأتم ومن ثم أتى به من جعل الوقف على {عَلَيْكُمْ} من قوله: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} غير تام). [البرهان في علوم القرآن:1/359 -363]

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (فصل
متى يحسن الوقف الناقص؟
يحسن الوقف الناقص بأمور:
منها: أن يكون لضرب من البيان كقوله تعالى {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً} إذ به تبين أن قيما منفصل عن عوجا وإنه حال في نية التقدم.
وكما في قوله تعالى {وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ} ليفصل به بين التحريم النسبي والسببي
قلت: ومنه قوله تعالى: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا} ليبين أن هذا ليس من مقولهم
ومنها : أن يكون على رءوس الآي كقوله تعالى: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً} ونحوه: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا} وكان نافع يقف على رءوس الآي كثيرا.
ومنه قوله تعالى {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ}
ومنها أن تكون صورته في اللفظ صورة الوصل بعينها نحو قوله تعالى {كَلا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِلشَّوَى: تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى}
ومنها: أن يكون الكلام مبنيا على الوقف فلا يجوز فيه إلا الوقف صيغة كقوله: {لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ}
هذا في الناقص ومثاله في التام {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ}.
[البرهان في علوم القرآن:1/364]

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (فصل: خواص الوقف التام
من خواص التام المراقبة وهو أن يكون الكلام له مقطعان على البدل كل واحد منهما إذا فرض فيه وجب الوصل في الآخر وإذا فرض فيه الوصل وجب الوقف في الآخر كالحال بين حياة وبين أشركوا من قوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} ، فإنك إن جعلت القطع على {حَيَاةٍ} وجب أن تبتدئ فتقول: {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ} على الوصل لأن {يَوَدُّ} صفة للفاعل في موضعه فلا يجوز الوقف دونه وكذلك إن جعل المقطع {أَشْرَكُوا} وجب أن يصل {عَلَى حَيَاةٍ} على أن يكون التقدير وأحرص من الذين أشركوا والله أعلم بمراده
ومنه أيضا ما تراه بين {لا رَيْبَ} وبين {فِيهِ} من قوله تعالى: {لا رَيْبَ فِيهِ}). [البرهان في علوم القرآن:1/365]

قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (فصل:انقسام الناقص بانقسام خاص
ينقسم الناقص بانقسام ما مر من التعلق اللفظي بين طرفيه فكلما كان التعلق أشد وأكثر كان الوقف أنقص وكلما كان أضعف وأوهى كان الوقف أقرب إلى التمام والتوسط يوجب التوسط
فمن وكيد التعلق ما يكون بين توابع الاسمية والفعلية وبين متبوعاتها إذا لم يمكن أن يتمحل لها في إعرابها وجه غير الإتباع ومن ثم ضعف الوقف على {مُنْتَصِرِينَ} من قوله تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ وَقَوْمَ نُوحٍ} فيمن جر غاية الضعف.
وضعف على {أَثِيمٍ} من قوله:: {وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ}
وضعف على {بِهِ} من قوله تعالى: {سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} وضعف على {أَبَداً} من قوله: {مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً} على أن هذه الطبقة من التعلق قد تنقسم أقساما فإنه ليس بين البدل والمبدل منه من التعلق بين الصفة والموصوف على ما ذكرناه.
وأوهى من هذا التعلق ما يكون بين الفعل وبين ما ينتصب عنه من الزوائد التي لا يخل حذفها بالكلام كبير إخلال كالظرف والتمييز والاستثناء المنقطع ولذلك كان الوقف على نحو {عَجَباً} من قوله: {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} أوهى من الوقوف المذكورة
فإن وسطت بين التعلق بالمذكور من المتعلق الذي للمفعول أو الحال المخصصة أو الاستثناء الذي يتغير بسقوطه المعنى وانتصب كان لك في الوقف على نحو {مَسْغَبَةٍ} من قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}.
وعلى نحو {قَلِيلاً} من قوله تعالى {يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُذَبْذَبِينَ}.
وعلى نحو {مَصِيراً} من قوله {جزاؤهم جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ}.
وعلى نحو {وَاحِدَةٍ} و{زَوْجَهَا} من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} وعلى نحو {نذيرا} من قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} مرتبة بين المرتبتين المذكورتين.
فهذه ثلاث مراتب للوقف الناقص كما ترى بإزاء ثلاث طبقات من التعلق المذكور فإن قسمت طبقة من الطبقات انقسمت بإزائها مرتبة من المراتب فقد خرج لك بحسب هذه القسمة وهي القسمة الصناعية ستة أصناف من الوقف في الكلام؛ خمسة منها بحسب الكلام نفسه وهي الأتم والتام والذي يشبه التام والناقص المطلق والأنقص وواحد من جهة المتكلم أو القارئ وهو الذي بحسب انقطاع النفس كما سبق عن حمزة). [البرهان في علوم القرآن:1/366]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم ابن الجزري

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : ((وقد اصطلح الأئمة لأنواع أقسام الوقف والابتداء أسماء، وأكثر في ذلك الشيخ أبو عبد الله محمد بن طيفور السنجاوندي. وخرج في مواضع عن حد ما اصطلحه واختاره كما يظهر ذلك من كتابي: الاهتداء. وأكثر ما ذكر الناس في أقسامه غير منضبط ولا منحصر.
وأقرب ما قلته في ضبط أن الوقف ينقسم إلى اختياري واضطراري. لأن الكلام إما أن يتم أولاً، فإن تم كان اختيارياً. وكونه تاماً لا يخلو إما أن لا يكون له تعلق بما بعده البتة- أي لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى- فهو الوقف الذي اصطلح عليه الأئمة
بالتاملتمامه المطلق، يوقف عليه ويبتدأ بما بعده، وإن كان له تعلق فلا يخلو هذا التعلق إما أن يكون من جهة المعنى فقط وهو الوقف المصطلح عليه بالكافي للاكتفاء به عما بعده، واستغناء ما بعده عنه وهو كالتام في جواز الوقف عليه والابتداء بما بعده، وإن كان التعلق من جهة اللفظ فهو الوقف المصطلح عليه بالحسنلأنه في نفسه حسن مفيد يجوز الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي إلا أن يكون رأس آية فإنه يجوز في اختيار أكثر أهل الأداء لمجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية يقول: {بسم الله الرحمن الرحيم} ثم يقف، ثم يقول: {الحمد لله رب العالمين} ثم يقف، ثم يقول: {الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين}رواه أبو داود ساكتاً عليه، والترمذي وأحمد، وأبو عبيدة وغيرهم وهو حديث حسن وسنده صحيح.
وكذلك عد بعضهم الوقف على رؤوس الآي في ذلك سنة.
وقال أبو عمرو: وهو أحب إليَّ واختاره أيضاً البيهقي في شعب الإيمان، وغيره من العلماء، وقالوا: الأفضل الوقوف على رؤوس الآيات وإن تعلقت بما بعدها.
قالوا: واتباع هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أولى.
وإن لم يتم الكلام كان الوقف عليه اضطرارياً وهو المصطلح عليه
بالقبيح لا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه لعدم الفائدة أو لفساد المعنى.
فالوقف التام اكثر ما يكون في رؤوس الآي وانقضاء القصص نحو الوقف على (بسم الله الرحمن الرحيم) والابتداء (الحمد لله رب العالمين) ونحو الوقف على (مالك يوم الدين) والابتداء (إياك نعبد وإياك نستعين) ونحو (وأولئك هم المفلحون) والابتداء (إن الذين كفروا) ونحو (إن الله على كل شيء قدير) والابتداء (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) ونحو ( وهو بكل شيء عليم) الابتداء (وإذ قال ربك للملائكة) ونحو (وأنهم إليه راجعون) والابتداء (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي) وقد تكون قبل انقضاء الفاصلة نحو (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) هذا انقضاء حكاية كلام بلقيس ثم قال تعالى (وكذلك يفعلون) رأس آية. وقد يكون وسط الآية نحو (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني) هو تمام وقد يكون بعد انقضاء الآية بكلمة نحو (لم نجعل لهم من دونها سترا) آخر لأمره. أو كذلك كان خبرهم، على اختلاف بين المفسرين في تقديره مع إجماعهم على أنهم التمام ونحو (وإنكم لتمرون عليها مصبحين) وهو آخر الآية التمام (وبالليل) أي مصبحين ومليلين ونحوه (وسرراً عليها يتكئون) آخر الآية، والتمام (وزخرفا) وقد يكون الوقف تاماً على التفسير أو إعراب ويكون غير تام على آخر نحو (وما يعلم تأويله إلا الله) وقف تام على أن ما بعده مستأنف وهو قو ابن عباس وعائشة وابن مسعود وغيرهم ومذهب أبي حنيفة وأكثر أهل الحديث به وقال نافع والكسائي ويعقوب والفراء والأخفش وأبو حاتم وسواهم من أئمة العربية، قال عروة والراسخون في العلم لا يعلمون التأويل ولكن يقولون آمنا به، وهو غير تام عند آخرين والتمام عندهم على (والراسخون في العالم) فهو عندهم معطوف عليه وهو اختيار ابن الحاجب وغيره ونحو (الم) ونحوه من حروف الهجاء فواتح السور الوقف عليها تام عل أن يكون المبتدأ أو الخبر محذوفاً أي هذا الم أو الم هذا، أو على إضمار فعل أي قل الم على استئناف ما بعدها، وغير تام على أن يكون ما بعدها هو الخبر، وقد يكون الوقف تاماً على قراءة وغير تام على أخرى نحو: (مثابة الناس وأمنا) تام على قراءة من كسر خاء (واتخذوا) وكافيا على قراءة من فتحها، ونحو (إلى صراط العزيز الحميد) تام على قراءة من رفع الاسم الجليل بعدها. وحسن على قراءة من خفض.
وقد يتفاضل التام في التمام نحو (مالك يوم الدين، وإياك نعبد وإياك نستعين) كلاهما تام إلا أن الأول أتم من الثاني لاشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الأول.
(والوقف الكافي) يكثر من الفواصل وغيرها نحو (ومما رزقناهم ينفقون، وعلى: من قبلك، وعلى: هدى من ربهم، وكذا: يخادعون الله والذين آمنوا، وكذا: إلا أنفسهم، وكذا: إنما نحن مصلحون) هذا كله كلام مفهوم، والذي بعده كلام مستغن عما قبله لفظاً وإن اتصل معنى.
وقد يتفاضل في الكفاية كتفاضل التام نحوه (في قلوبهم مرض) كاف (فزادهم الله مرضاً) أكفى منه (بما كانوا يكذبون) أكفى منهما وأكثر ما يكون التفاضل في رؤوس الآي نحو (ألا إنهم السفهاء) كاف (ولكن لا يعلمون) أكفى. نحو (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) كاف و (كنتم مؤمنين) أكفى، ونحو (ربنا تقبل منا) كاف (أنت السميع العليم) أكفى. وقد يكون الوقف كافياً على تفسير أو إعراب ويكون غير كاف على آخر نحو (يعلمون الناس السحر)كاف: إذا جعلت –ما- بعده نافية. فإن جعلت موصولة كان حسناً فلا يبتدأ بها ونحو (وبالآخرة هم يوقنون) كاف على أن يكون ما بعده مبتدأ خبره (على هدى من ربهم) وحسن على أن يكون ما بعده خبر (الذين يؤمنون بالغيب) أو خبر (والذين يؤمنون بما أنزل إليك) وقد يكون كافياً على قراءة غي كاف على قراءة أخرى نحو (ونحن له مخلصون)كاف على قراءة من قرأ (أم تقولون) بالخطاب وتام على قراءة من قرأ بالغيب وهو نظير ما قدمنا في التام. ونحو (يحاسبكم به الله) كاف على قراءة من رفع (فيغفر ويعذب) وحسن على قراءة من جزم ونحو (يستبشرون بنعمة من الله وفضل) كاف على قراءة من كسر (وأن) وحسن على قراءة الفتح.
(والوقف الحسن) نحو الوقف على (بسم الله) وعلى (الحمد لله) وعلى (رب العالمين) وعلى (الرحمن. وعلى: الرحيم، والصراط المستقيم، وأنعمت عليهم) الوقف على ذلك وما أشبهه حسن لأن المراد من ذلك يفهم، ولكن الابتداء بـ (الرحمن الرحيم، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وصراط الذين، وغير المغضوب عليهم) لا يحسن لتعلقه لفظاً. فإنه تابع لما قبله إلا ما كان من ذلك رأس آية وتقدم الكلام فيه وأنه سنة. وقد يكون الوقف حسناً على تقدير، وكافياً على آخر، وتاماً على غيرهما نحو قوله تعالى (هدى للمتقين) يجوز أن يكون حسناً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) نعتاً (للمتقين) وأن يكون كافياً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) رفعاً بمعنى: هم الذين يؤمنون بالغيب، أو نصباً بتقدير أعني الذين. وأن يكون تاماً إذا جعل (الذين يؤمنون بالغيب) مبتدأ، وخبره (أولئك على هدى من ربهم).
(والوقف القبيح) نحو الوقف على: بسم، وعلى: الحمد، وعلى: رب، وملك يوم. وإياك، وصراط الذين، وغير المغضوب. فكل هذا لا يتم عليه كلام ولا يفهم منه معنى.
وقد يكون بعضه أقبح من بعض كالوقف على ما يحيل المعنى (وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه) فإن المعنى بهذا الوقف لأن المعنى أن البنت مشتركة في النصف مع أبويه. وإنما المعنى أن النصف للبنت دون الأبوين. ثم استأنف الأبوين بما يجب لهما مع الولد. وكذا الوقف على قوله تعالى (إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى) إذ الوقف عليه يقتضي أن يكون الموتى مستجيبون مع الذين يسمعون. وليس كذلك بل المعنى أن الموتى لا يستجيبون. وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم يبعثون مستأنفاً بهم. وأقبح من هذا ما يحيل المعنى ويؤدي إلى ما لا يليق والعياذ بالله تعالى نحو الوقف على (إن الله لا يستحي. فبهت الذي كفر والله، وإن الله لا يهدي، ولا يبعث الله، وللذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله، وفويل للمصلين) فالوقف على ذلك كله لا يجوز ا اضطراراً لانقطاع النفس أو نحو ذلك من عارض لا يمكنه الوصل معه فهذا حكم الوقف اختيارياً واضطرارياً).
[النشر في القراءات العشر:؟؟]
تقسيم ابن الجزري للابتداء
قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (وأما الابتداء فلا يكون إلا اختياريا لأنه ليس كالوقف تدعو إليه ضرورة فلا يجوز إلا بمستقل بالمعنى موف بالمقصود. وهو في أقسامه كأقسام الوقف الأربعة، ويتفاوت تماما"وكفاية وحسنا"وقبحا"بحسب التمام وعدمه وفساد المعنى إحالته نحو الوقف على(ومن الناس) فإن الابتداء بالناس قبيح. ويؤمن تام. فلو وقف على من يقول :كان الابتداء بيقول أحسن من إبتداءه بمن، وكذا الوقف على (ختم الله) قبيح والابتداء بالله أقبح. ويختم كاف والوقف على عزير ابن. والمسيح ابن قبيح. والابتداء بابن أقبح. والابتداء بعزيز والمسيح أقبح منهما. ولو وقف على (ما وعدنا الله) ضرورة كان الابتداء بالجلالة قبيحاً. وبوعدنا لأقبح منه. وبما أقبح منهما. والوقف على (بعد الذي جاءك من العلم) للضرورة والابتداء بما بعده قبيح. وكذا بما قبله من أول الكلام.
وقد يكون الوقف حسناً والابتداء به قبيحاً نحو (يخرجون الرسول وإياكم) الوقف عليه حسن لمام الكلام. والابتداء به قبيح لفساد المعني إذ يصير تحذيراً من الإيمان بالله تعالى. وقد يكون الوقف قبيحاً والابتداء به جيد نحو (من بعثاً من مرقدنا هذا) فإن الوقف على هذا قبيح عندنا لفصله بين المبتدأ وخبره ولأنه يوهم أن الإشارة إلى مرقدنا (وليس) كذلك عند أئمة التفسير والابتداء بهذا كاف أو تام لأنه وما بعده جملة مستأنفة رد بها قولهم).
[النشر في القراءات العشر:؟؟]
قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (
(73) وَبَـعْدَ تَجْوِيـدِكَ لِلْحُرُوفِ*** لاَبُدَّ مِنْ مَعْرِفَـةِ الْـوُقُـوفِ
(74) وَالاْبِتِـدَاءِ وَهْـىَ تُقْسَـمُ إِذَنْ*** ثَلاَثَةٌ تَامٌ وَكَـافٍ وَحَسَــنْ
(75) وَهْـىَ لِمَا تَـمَّ فَإنْ لَّمْ يُوجَــدِ*** تَعَلُق أَوْ كَانَ مَعْنَـى فَابْتَدى
(76) فَالتَّامُ فَالْكَافِى وَ لَفْظــاً فَامْنَعَنْ*** إِلاَّ رُؤُس الآىِ جَوِّزْ فَالحَسَنْ
(77) وَغَيْرُ مَا تَـمَّ قَبِيـــحٌ وَلَـهُ*** الوقَفُ مُضْطُـرَّاً وَيُبْدَا قَبْلَـهُ
(78) وَلَيسَ في الْقُرْآنِ مِنْ وَقْفٍ وَجَبْ*** وَلاَ حَرَامٌ غَيْرَ مَـالَـهُ سَبَبْ).
[المقدمة الجزرية : 1/73-78]

- قال زكريّا بن محمد بن أحمد السُّنيكي الأنصاري (ت:926هـ): ((73) "وبعدَ " معرفةِ "تجويدِكَ للحُروفِ لا بُدَّ " لكَ " من معرفةِ الوُقوفِ" والابتداءِ.
(74) "والابْتِدَا "، والوقوفُ: جمعُ وَقَفٍ. جمعَهُ باعتبارِ أنواعِهِ المذكورةِ بقولِهِ:
"وهي تُقْسَمُ إِذَنْ" – زائدةٌ – " ثلاثةً " وهي " تامٌ " – بتخفيفِ الميمِ للوزنِ " وكافٌ وحسنُ ".
والوقفُ – لُغةً -: الكفُّ. واصطِلاحًا: قطعُ الكَلِمةِ عمَّا بعدَها بسكتةٍ طويلَةٍ.

فإن لم يكنْ بعدَهَا شيءٌ؛ سُمِّيَ ذلكَ قطعًا.
(75) "وهي" أي: الوقوفُ المذكورةُ إنَّما تكونُ " لمَّا تمَّ " معناهُ.
"فإنْ لم يُوجَدْ" فيمَا يُوقَفُ عليه "تعلُّقٌ" بمَا بعدَهُ لا لفظًا ولا معنىً. "أَوْ كانَ" فيه تعلُّقٌ بهِ "معنىً" لا لفظًا" "فابتدي" أنتَ بما بعدَهُ في القسميْنِ.
الوقفُ التَّامُّ والكَافي والحسَنُ، وقل: أمَّا الوقوفُ في الأوَّلِ منها فالتَّامُّ.
(76) " فالتَّامُّ " سُمِّيَ بهِ لتمامِ اللَّفْظِ، وانقطاعِ ما بعدَهُ عنهُ.
وأمَّا في الثَّاني " فالكافي " سُمِّيَ بهِ للاكتفاءِ بالوُقوفِ عليهِ وبالابتداءِ بمَا بعدَهُ، كالتَّامِّ، وإنْ كانَ فيه تعلُّقٌ بمَا بعدَهُ " لفظًا " ومعنىً " فامنعن " الابتداءَ بمَا بعدَهُ.
"إلا رؤوسَ الآيِ جُوِّزَ" أي: يجوزُ الابتداءُ بما بعدَهَا؛ لورودِ السُّنَّةِ بالوقوفِ على {العالمينَ}، والابتداءِ بـ {الرَّحمنِ} ؛ولأنَّ رؤوسَ الآيِ فواصلُ بمنزلةِ فواصِلِ السَّجعِ والقوافي.
وأمّا الوقوفُ على ما فيه التَّعلُّقُ المذكورُ " فالحَسَنُ " سُمِّيَ بهِ لحُسنِ الوَقْفِ عليْهِ.
والمُرادُ بـ "التعلُّقِ المعنويِّ": أنْ يتعلَّقَ المُتأخِّرُ بالمتقدِّمِ من حيثُ المعنى، لا الإعرابُ. كالإخبارِ عن حالِ الكافرينَ، أوْ حالِ المُؤمنينَ، أو تَمامِ قِصَّةٍ.
وبـ "اللفظيُّ": أنْ يتعلَّقَ بهِ منْ حيثُ الإعرابُ؛ لكونهِ صِفَةًلهُ، أَوْ معطوفًا عليهِ.
1- فمثالُ "الوقْفِ التَامِّ": {..وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: 3]، و { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.وأكثرُ ما يُوجَدُ في الفواصِلِ، ورؤوسِ الآي. وقد يُوجَدُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْفَاصِلَةِ. نحوُ: { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً}.إذ قولُه: "أَذِلَّةً" هُوَ آخرُ كلامِ "بلقيسَ"، و"يفعلونَ" هو رأسُ الآية.
وقد يُوجدُ بعدَ انقضائِهَا بكلمةٍ. نَحْوُ: { وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ}.إذْ رأسُ الآيةِ: "مُصْبِحِينَ) وتمامُ الكلامِ قولُهُ – تعالَى -: { وباللّيلِ}. لأنَّهُ معطوفٌ على المعنَى. أيْ: بالصُّبحِ واللَّيْلِ. وكذَا { عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ – وَزُخْرُفًا}. رأسُ الآيةِ: "يَتَّكِئُونَ"، وتمامُ الكلامِ: "وزُخْرُفًا"؛ لأنَّهُ معطوفٌ على "سُقُفًا".
2- ومثالُ "الكافي": { لَا رَيْبَ فِيهِ}(76)، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (76).
3- ومثالُ "الحَسَنِ" { الْحَمْدُ لِلَّهِ} (76) فالوقوفُ عليه حَسَنٌ؛ لأنَّ المعنى مفهومٌ، ولا يَحْسُنُ الابتداءُ بمَا بعدَهُ، ولكونِهِ تابعاً لمَا قبلَهُ، وليسَ رأسَ آيةٍ.
الوقفُ القبيحُ
(77) "وغيرُ ما تَمَّ" معناه فالوقوفُ عليْهِ "قبيحُ". كالوقوفِ على المُضافِ دونَ المُضافِ إليْهِ، وعلى الرَّافِعِ دونَ مرفوعِهِ، وعلى النَّاصبِ دون مَنْصُوبِهِ، وعلى الشَّرْطِ دونَ جوابِهِ، وعلى الموْصوفِ دون صِفَتِهِ؛ إذا لم يتمَّ معناهُ بدونِهَا. وكذا على المعطوفِ عليْهِ دونَ المعطوفِ.
"وله" أيْ لِلْقارئِ "الوقفُ" على ذلكَ "مضطَرًّا". لعيٍّ، أو لضيقِ النَّفَسِ، أوْ غيرِهِ. ولكنْ "يبدأُ" مما "قبلَهُ" أيْ من الكلمةِ التي وقفَ علَيْهَا، ليَصِلَ الكَلامَ بعضَه ببعْضٍ.
وأقبحُ من الوقفِ على ما ذُكِرَ من الأمثلةِ: الوقفُ على قولِهِ – تعالَى -: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا}[آل عمران: 181]، وعلى قولِهِ – تعالى -: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى} [المائدة: 18]، فإنْ وقَفَ عليهِمَا مضطَرًّا، فلا يبدأُ بقولِهِ:{إنَّ اللهَ فقيرٌ}، و {نحنُ أبناءُ اللهِ}، بل يبتدِئُ بمَا وقفَ علَيْهِ، فإنْ لم يفعلْ فقدْ أخطأَ.
(78) "وليْسَ في القُرآنِ مِنْ" – زائدةٌ – "وَقْفٍ وَجْبٍ" – وفي نسخةِ يجبُ – حتى إذا تركَهُ القارئ يأثَمُ. "ولا حرامٍ" حتَّى إذا فعلَهُ يأثَمُ "غَيْرَ مَا لَهُ سَبَبٌ"؛ لأنَّ الوقفَ والوصْلَ لا يدلَّانِ على معنًى، حتى يختلَّ بترْكِهِمَا.
فإنْ كانَ لَهُ سببٌ يَستدعِي تحريمَهُ؛ كأَنْ قَصَدَ الوقفَ علَى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ}، و {إِنِّي كَفَرْتُ}(78)، ونحوِهِمَا من غيرِ ضَرورةٍ حُرِّمَ. ومَعَ عَدَمِ القصْدِ فالأحسنُ أنْ يَتَجَنَّبَ الوقفَ على ذلكَ للإبهامِ.
ويَجُوزُ رفعُ حرامٍ عطفًا على محلِّ وقفٍ؛لأنَّهُ اسمُ لَيْسَ، وجرِّهِ عطفًا على لفظِهِ. ومثلُهُ لفظة غَيْرٍ. فإن رُفِعَ رُفِعَتْ، وإن جُرَّ جُرَّتْ. ويجوزُ نصبُهمَا حالاً). [الدقائق المحكمة:1/32-33]

- قال المُلاّ عليُّ بنُ سلطان محمّد القاري الهرويُّ (ت:1014هـ ): ((وبعدَ تَجويدِكَ للحروفِ) بالإشباعِ أي: وبعدَ مَعْرفةِ تحسينِكَ للحروفِ مفردةً ومركبةً، موصولةً وموقوفةً.
بـــابُ الوقــوفِ:
وتعميمُنا أَوْلَى مِن تخصيصِ المصريِّ لها بحروفِ الهجاءِ, واعْتِرَاضُه على ابنِ المصنِّفِ في تفسيرِه إياها بالكلماتِ، فإنَّه عُدُولٌ عن الظاهرِ (لابدَّ مِن مَعْرفةِ الوقوفِ) أي: لابدَّ لكَ مِن مَعْرفةِ أماكنِ الوقوفِ ( والِابْتِدَاءِ وهي تُقْسَمُ إلى ) بحذفِ همزةِ ألِ وكسرِ لامِهِ للالتقاءِ وبسكونِ هاءٍ (وهي) الراجعةُ إلى الوقوفِ و (تُقْسَمُ) بصيغةِ المجهولِ مُخَفَّفًا، وفي نسخةٍ: ضُبِطَ بكسرِ هاءٍ و (هي) وسكونُ يائِها و (تُقَسَّمُ) بتشديدِ سينِها والظاهرُ أنَّهُ غيرُ موزونٍ إلا بقصرِ الابتداءِ (تامٌّ وكافٍ حسنٌ تَفَضُّلًا) بضمِّ الضادِ، تمييزٌ كما اختارَه الروميُّ، وبفتحِها جملةٌ مستأنفةٌ، كما أشارَ إليه ابنُ المصنِّفِ بقولِه: أي: تبيَّنَ تقسيمُ الوقوفِ، فَأَلِفُه للإطلاقِ وخُفِّفَتْ ميمُ تامٍّ ضرورةً، وفي نسخةٍ: (وهي تُقَسَّمُ إذنْ ثلاثةً؛ تامٌ وكافٍ وحسنْ) فمعنى إذنْ أي: حينئذٍ فهو ظرفٌ (لتُقْسَمُ) كما صرَّحَ به الروميُّ، وقالَ الشيخُ زكريَّا وتبِعَه المصريُّ: زائدةٌ، وفيه أنَّ إذا الزائدةَ لا تكونُ مُنَوَّنَةً، ونَصَبَ ثلاثةً على المفعوليَّةِ من (تُقْسَمُ) وحذفُ (إلى ) لدلالةِ الحالِ عليها، وقولُه (تامٌ) مُخَفَّفٌ، خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ هو (هي) و (كافٍ) بكسرِ الفاءِ مُنَوَّنٌ وهو مرفوعٌ لكن علامةُ رفعِه مُقَدَّرَةٌ كإعرابِ قاضٍ مرفوعًا، و (حسنْ) بالسكونِ وقفًا، وهذه النسخةُ هي أصلُ الشيخِ زكريَّا وخالدٍ الأزهريِّ قالَ ابنُ المصنِّفِ: الوقوفُ جمعُ وقفٍ وجمعُها باعتبارِ تَنَوُّعِها، يعني في مَحِلٍّ واحدٍ من الإسكانِ والرَّوْمِ والإشمامِ، ووحدَ الابتداءَ؛لأنَّه غيرُ مُتَنَوِّعٍ، أي: كذلك، والأظهرُ أنَّ الوقوفَ مَصْدَرٌ، كالابتداءِ، ففي القاموسِ: وَقَفَ يَقِفُ وُقُوفًا دامَ قائمًا، والمَوْقِفُ مَحلُّ الوقوفِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقَدَّرَ مضافًا فيقالُ: مَعْرفةُ مواضعِ الوقوفِ ومَحَالِّ الابتداءِ، فالمعنى مَعْرفةُ المواقفِ والمبادي، أو يرادُ بهما المعنى المصدريُّ أي: مَعْرفةُ كيفيَّةِ الوقوفِ والابتداءِ، ثمَّ قالَ ابنُ المصنِّفِ: والوقفُ عن الشيءِ تركُ الإتيانِ به، ولهذا سُمِّيَ في الاصطلاحِ وقفًا؛ لأنَّه وقفٌ عن الحركةِ أي: تَرْكُها، وفيه: أنَّ هذا الحدَّ غيرُ جامعٍ؛ لأنَّه لم يَشْمَل الكلمةَ التي يكونُ آخرُها ساكنًا مِن أصلِها كـ (لم يلدْ) وإنْ في ونحوِها، فالأَوْلَى أنْ يقالَ: لأنَّه وقَفَ على الكلمةِ ولم يَتَعَدَّهَا (وهي لما تمَّ فإنْ لم يوجدْ) بالإشباعِ (تَعَلَّقَ أو كانَ معنى فابتدَى) أي: وهذه المواقفُ المذكورةُ إنَّما تكونُ لمِا تمَّ مَعْناه لا لما كَمُلَ مبناهُ.
والحاصلُ: أنَّ هذه الوقوفَ للفظٍ تمَّ الكَلاَمُ عليه من حصولِ رُكْني الجملةِ من المسندِ والمسندِ إليه، ثمَّ يُقَسِّمُ ذلكَ التمامَ إلى ما فصَّلَه في مقامِ المرامِ بقولِه: (فإنْ لم يوجدْ) لما تمَّ مِن الكَلاَمِ تَعَلُّقٌ بما بعدَه لامبنىً ولا معنىً، أو يوجدُ له تَعَلُّقٌ به معنىً لا مبنىً، فابْتَدِىءْ أنتَ بما بعدَه في القسمينِ المذكورينِ، إذا وقَفْتَ على ما قبلَه في الصنفينِ المسطورينِ، فقولُه: (ابْتَدِىءْ) عطْفٌ على مقدَّرٍ، أي: قفْ حينئذٍ على ما تمَّ فابْتَدِئْ بما بعدَه، قالَ الروميُّ:هو أَمْرٌ حَذَفَ الهمزةَ مِن آخرِه (أشبعَ الدالَ للوزنِ، وفيه أنَّهُ لا وجهَ لحذفِها مجانًا، فالصوابُ أنَّهُ إبدالُ الهمزةِ الساكنةِ ياءً على قاعدةِ حمزةَ وهشامٍ وقفًا فينبغي أنْ يكتبَ بالياءِ بعدَ الدالِ ليكونَ دالاّ على الإعلالِ.

(فالتامُّ فالكافي ولفظًا فامْنَعَنْ = إلا رؤوسَ الآيِ جُوِّزَ فالحَسَنُ)
الفاءُ الأُولَى للتفصيلِ أو للتفريعِ، وما بعدَها للترتيبِ في التنويعِ، وفيه لَفٌّ ونشرٌ مُرَتَّبٌ في الصنيعِ، وتقديرُ الكَلاَمِ: وقلَّ أمَّا الوقفُ على الأَوَّلِ منهما فالتامُّ، سُمِّيَ به لتمامِ المبنى، وانقطاعِ ما بعدَه عنه في المعنى، وأمَّا الوقفُ على الثاني فالكافيِ، وسُمِّي به للاكتفاءِ في الوقفِ عليه والابتداءِ بما بعدَه كالتَّامِّ، و (لفظًا) عطفٌ على معنى في البيتِ السابقِ أي: وإن كانَ فيه تَعَلُّقٌ بما بعدَه لفظًا ومعنى؛ لأنَّه يلزمُ مِن اللفظِ تَعَلُّقُ المعنى بخلافِ عكسِ المبنى كما سيأتي في تحقيقِ التَّعَلُّقِ وقولُه: (فَامْنَعَنْ) بالنونِ الساكنةِ المُخَفَّفَةِ، دخَلَتْ على الأمرِ للتأكيدِ، والفاءِ لأنَّه جوابٌ للشرطِ المُقَدَّرِ، والمعنى فامْنَعِ الابتداءَ حينئذٍ بما بعدَه، بل ابْتَدِئْ بما قبلَه، إلا رؤوسَ الآيِ التي فيها التَّعَلُّقُ اللفظيُّ يجوزُ الابتداءُ بما بعدَها؛ لورودِ الحديثِ بالوقوفِ على {العالمينَ}والابتداءُ {بالرحمنِ}؛ ولأنَّ رؤوسَ الآيِ بمنزلةِ فواصلِ السجعِ في النثرِ، وفي مرتبةِ القوافي في الشعرِ، من حيثُ إنَّها محَالُّ التوقفِ، وقولُه (فالحسنُ) بالفاءِ، بِناءً على أنَّهُ جوابُ إنْ الُمَقَدَّرَةِ، أي: إنْ كانَ التَّعَلُّقُ لفظًا فوقفُه الحسنُ، أو فاسمُ وقفِه الحسنُ، فإذا عرَفْتَ ذلكَ فاعلمْ أنَّ الوقفَ على ما فيه التَّعَلُّقُ اللفظيُّ مطلقًا سُمِّيَ بالحسنِ لحُسْنِ الوقفِ عليه، وإن كانَ تفصيلٌ في الابتداءِ بما بعدَه، فقولُه {الحمدُ} مثلًا لفظٌ غيرُ تامٍّ، فلا يدخلُ تحتَ أنواعِ الوقوفِ المُسْتَحْسَنَةِ، وأمَّا {الحمدُ للهِ} فوقفُه الحَسَنُ، لكن لا يَحْسُنُ الابتداءُ بما بعدَه، فلابدَّ مِن أنْ يعيدَ ما قبلَه كُلَّه أو بعضَه، وأمَّا { ربِّ العالمينَ } فوقفُه حسنٌ أيضًا لكن يَحْسُنُ الابتداءُ بما بعدَه لكونِه من رؤوسِ الآيِ، على خلافٍ في أنَّ الوقفَ على مثلِه أَوْلَى، أو وصلَه بما بعدَه مِن أصلِه أعلى، وسيجىءُ تحقيقُه، وكذا الكَلاَمُ على { الرحيمِ } ، وأمَّا الوقفُ على { مالكِ يومِ الدينِ } فكافٍ، وكذا على { نستعينُ } فلا خلافَ في أنَّ الوقفَ عليهما هو الأَوْلَى، قالَ ابنُ المصنِّفِ: والوقفُ التامُّ عندَ تمامِ القصصِ، وأكثرُ ما يكونُ موجودًا في الفواصلِ ورؤوسِ الآيِ، كقولِه تعالى: { وأولئكَ هم المُفْلِحُونَ} ، زادَ الشيخُ زكريَّا {وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} وفيه بحثٌ، واللهُ هو المُعِينُ، وقد يوجدُ قبلَ انقضاءِ الفاصلةِ، كقولِه تعالى: { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } قالَ ابنُ المصنِّفِ: وهذا التامُّ؛ لأنَّه انقضاءُ كَلاَمِ بِلْقِيسَ، وهو ليسَ رأسَ آيةٍ ا.هـ يعني قولَه تعالى: { وَكَذَلكَ يَفْعَلُونَ } ابتداءُ كَلاَمٍ مِن اللهِ شهادةٌ على ماذَكَرْتُه، وفيه أنَّ له تَعَلُّقًا مَعْنويًّا فلا يكونُ وقفُه تامًّا، بلْ وَقْفُه كافيًا، وقالَ بعضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قولَه: { وكذلكَ يَفْعَلُونَ } أيضًا مِن كَلاَمِها تأكيدًا لما قبلَها، فالوقفُ على (أَذِلَّةٍ) كافٍ وعلى (يفعلونَ) تامٌّ، وقد يقالُ: إنَّه كافٍ أيضًا؛ لأنَّ ما بعدَه من جملةِ مقولِها فله تَعَلُّقٌ مَعْنويٌّ بما قبلَه، ثمَّ قالَ: وقد يوجدُ بعدَ انقضاءِ الفاصلةِ بكلمةٍ، كقولِه تعالى: { وإنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عليهم مُصْبِحِينَ وبالليلِ } لأنَّه مَعْطُوفٌ على المعنى، أي: بالصبحِ وبالليلِ، يعني فيهما، وفيه البحثُ السابقُ؛ إذ من جملةِ التعليقِ المَعْنويِّ قولُه: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فهو وقفٌ تامٌّ وما قبلَه كافٍ، ثمَّ قالَ: وأمَّا التعليقُ من جهةِ المعنى دونَ اللفظِ فنحوُ قولِه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} والابتداءُ بما بعدَ ذلكَ في الآيةِ كُلِّها، وفيه أنَّ الظاهرَ أنَّ ما بينَ المَعْطوفِ والمَعْطوفِ عليه تَعَلُّقٌ لفظيٌّ، فهو مِن قبيلِ الوقفِ الحسنِ، ثمَّ قالَ: وكذلكَ القطعُ على الفواصلِ في سورةِ الجنِّ، والمُدَّثِّرِ، والتكويرِ، والانفطارِ، والانشقاقِ، وما أَشْبَهَهُنَّ، وفيه أنَّ رؤوسَ آيِ هذه السورِ المُخْتَلِفَةِ الصورِ، فبعضُها تامٌّ، وبعضُها كافٍ، وبعضُها حسنٌ، عندَ مَن له إلمامٌ بالمباني العربيَّةِ، والمَعْاني التفسيريَّةِ، خصوصًا في فواصلِ سورةِ الجنِّ، فإنَّ أربابَ الوقوفِ جعَلُوا الخلافَ في جوازِ وقفِها بِناءً على كسرِ الهمزةِ بعدَ الواوِ فيها، وتعيينِ الوصلِ على فتحِها، ثمَّ قالَ: وكذلكَ مثلَ الوقفِ على {لاريبَ فيه}، وفيه أنَّ وقوعَ اختلافِ أربابِ الوقوفِ يُنافِيه، فبعضُهُم وقَفَ على (لاريبَ بِناءً على أنَّ خبرَ (لا) محذوفٌ، لحذفِه كثيرًا بلا شَكٍّ، وأنَّ قولَه (فيه) خبرٌ مُقَدَّمٌ لقولِه { هدًى للمُتَّقِينَ } ، أي: هدايةً وباعثهُ عنايةً للمؤمنينَ، وبعضُهم وقفَ على (فيه) بِناءً على أنَّهُ خبرُ (لا) وأنَّ (هدى) خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، تقديرُه: هو هدًى، بمعنى هادٍ أو ذو هدايةٍ، وسُمِّيَ بالمصدرِ للمبالغةِ ومثلَ هذا التركيبِ يُسَمَّى عندَ أربابِ الوقوفِ مُعَانَقَةً أو مُراقبةً، بمعنى: أنَّهُ إذا وقفَ على الأَوَّلِ يصلُ في الثاني، وبالعكسِ، فلا يجوزُ وقفُهُما ولا وصلُهما، وأمثالُ ذلكَ في القرآنِ مواضعُ جمعَها بعضُهم.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ على رؤوسِ الآيِ سُنَّةٌ؛ لمِا ذكرَه ابنُ المصنِّفِ بروايتِه على أبيه بسندِه المُتَّصِلِ إلى أمِّ سلمةَ رضي اللهُ تعالى عنها: (كانَ إذا قرأَ قطَّعَ آيةً آيةً يقولُ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ ثمَّ يقفُ ثمَّ يقولُ: الرحمنِ الرحيمِ ثمَّ يقفُ) قالَ: ولهذا الحديثِ طرقٌ كثيرةٌ وهو أصلٌ في هذا البابِ.
أقول: فظاهرُ هذا الحديثِ أنَّ رؤوسَ الآيِ يُسْتَحَبُّ الوقوفُ عليها سواءٌ وُجِدَ تَعَلُّقٌ لفظيٌّ أمْ لا، وهو الذي اختارَه البيهقيُّ، وقالَ أبو عمرٍو: وهو أحبُّ إليََّ، لكنَّهُ خلافُ ماذهبَ إليه أربابُ الوقوفِ كالسجاوندي وصاحبِ الخلاصةِ وغيرِهما مِن أنَّ رؤوسَ الآيِ وغيرَها في حكمٍ واحدٍ، من جهةِ تَعَلُّقِ ما بعدَه بما قبلَه وعدمِ تَعَلُّقِهِ؛ولذا جعلُوا رمزَ (لا) ونحوَه فوقَ الفواصلِ، كما كتبُوها فوقَ غيرِها، معَ اتِّفَاقِهِم على جوازِ الابتداءِ بعدَ روؤسِ الآيِ، بخلافِ ما سِوَاها ممَّا لا يكونُ علامةَ الوقوفِ فوقَها، وحمَلُوا الحديثَ الواردَ على بيانِ الجوازِ، وعلى تعليمِ الفواصلِ، فإنَّه مِن بابِ التوقيفِ لعدمِ اطِّلاعِ غيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها، بلْ فَرَّقُوا في رؤوسِ الآيِ بحسبِ اختلافِ القُرَّاءِ المُقْتَضِي لاختلافِ الإعرابِ المُوجِبِ للتَّعَلُّقِ وعدمِهَ، فَوَقَفُوا في سورةِ إبراهيمَ على قولِه تعالى: { العزيزُ الحميدُ } إذ قرَأُوا لنافعٍ والشاميِّ برفعِ ما بعدَه، ووصلُوا على قراءةِ غيرِهما بجرِّه، وأمثالُ ذلكَ كثيرٌ في القرآنِ يَعْرِفُها أربابُ الوقوفِ من الأعيانِ، وقد اعتنى قرَّاءُ العجمِ بهذا الشأنِ، وأَهْمَلَ أمرَه قرَّاءُ العربِ في هذا الزمانِ، حتَّى ذكرَ مولانا نورُ الدينِ عبدُ الرحمنِ الجاميُّ قُدِّسَ سِرُّهُ الساميُّ بطريقِ اللطافةِ أنَّ قُرَّاءَ مصرَ والشامِ ترَكُوا مراعاةَ وقوفِ الكَلاَمِ، فكأنَّ قضاتَهم لمَّا ضَيَّقُوا أوقافَ كُلِّ مكانٍ رفعُوا أيضًا وقوفَ القرآنِ.
هذا والتَّعَلُّقُ اللفظيُّ هو أنْ يكونَ ما بعدَه مُتَعَلِّقًا بما قَبلَه من جهةِ الإعرابِ، كأنْ يكونَ صفةً أو مَعْطُوفًا لكن بشرطِ أنْ يكونَ ما قبلَه كَلاَمًّا تامًّا، وأمَّا التَّعَلُّقُ المَعْنويُّ فهو أنْ يكونَ تَعَلُّقُهُ، من جهةِ المعنى فقطْ دونَ شيءٍ من تَعَلُّقَاتِ الإعرابِ، كالإخبارِ عن حالِ المؤمنينَ في أَوَّلِ سورةِ البقرةِ مثلًا فإنَّه لا يتمُّ إلاَّ إلى قولِه: { الْمُفْلِحُونَ } ثمَّ أحوالُ الكافرينَ يتمُّ عندَ قولِه تعالى: { وَلَهُم عذابٌ عظيمٌ } ثمَّ تمامُ أحوالِ المنافقينَ عندَ قولِه: { إنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ } حيثُ لم يَبْقَ لما بعدَه تَعَلُّقٌ بما قبلَه لا لفظًا ولا معنىً، وقد اعْتَنَى أبو عمرٍو الدانيُّ برسالةٍ مَسْتَقِلَّةٍ مُسْتَوْعِبَةٍ لأَنْواعِ الوقفِ من التامِّ والكافي والحسنِ في جميعِ السورِ.
وأمَّا قولُ الأزهريِّ: والمختارُ أنَّ التامَّ والكافيَ حسنٌ، والحسنَ جائزٌ، وكذا حكمُ الابتداءِ. فَخُروجٌ عن اصطلاحِ القُرَّاءِ وتحقيقِ العلماءِ، ومبنيٌّ على عدمِ التمييزِ بينَ مراتبِ الوقوفِ والابتداءِ.

(وغيرُ ماتمَّ قبيحٌ وله = يُوقَفُ مُضطرًّا ويُبْدَا قبلَهُ)

يُبْدَأُ بصيغةِ المجهولِ، وسُكِّنَ همزتُه ضرورةً، ثمَّ أُبْدِلَ ألفًا، وقالَ اليمنيُّ: الهمزةُ في يبدأُ ساكنةٌ على نيَّةِ الوقفِ، كما في روايةِ قُنْبلٍ * (بسبأٍ) وضَبَطَ الروميُّ: بصيغةِ الفاعلِ، حيثُ قالَ: ويَبْدَأُ القارئُ، لكنَّهُ خلافُ الظاهرِ، للاحتياجِ إلى القولِ بحذفِ الفاعلِ ولو بقرينةِ المقامِ، معَ ما يَفُوتُه مِن المناسبةِ بينَ (يبدأُ) و (يوقفُ) على ما فيه من نظامِ المرامِ، وفي أصلِ زكريَّا (الوقفُ مضطرًّا) بفتحِ همزة أل للابتداءِ، وقالَ التقديرُ: للقارئِ الوقفُ على ذلكَ، وفي نسخةٍ (يُوقَفُ) أي ولأجلِ قَبُحِ الوقفِ على ذلكَ يُوقَفُ عليه مُضْطرًّا إلخ، وأنتَ تعلمُ أنَّ نسخةَ المضارعِ أحسنُ مِن المصدرِ، وهو كذلكَ في النسخِ باعتبارِ الأكثرِ، ومعنى البيتِ مُجْمَلًا أنَّ غيرَ ما تمَّ مِن الكَلاَمِ قبيحُ الوقفِ عليه عندَ القُرَّاءِ الفِخَامِ، حالَ الاختيارِ، دونَ وقفِ الاختيارِ، أو الانتظارِ، أو الاضطرارِ، فالمرادُ بالاضطرارِ أعمُّ مِن الحقيقيِّ والحكميِّ في الاعتبارِ، وقولُه (مضطرًّا) حالٌ مِن الواقفِ بِناءً على نسخةِ (الوقفِ) ومِن الوقفِ على نسخةِ (يُوقَفُ) ولا يبعُدُ أنْ يُجْعَلَ المضطرُّ مصدرًا للعِلَّةِ، والأظهرُ أنَّهُ صفةُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: يُوقَفُ وقفًا مضطرًّا لِعيٍّ وحصرٍ وغيرِهما، لكنْ حينئذٍ يُبْدَأ بما قبلَ موضعِ الوقفِ، من الكلمةِ التي وقفَ عليها، وبيانُ تفصيلِه بحسبِ تمثيلِه: أنَّ الوقفَ على {الحمدِ} قبيحٌ وكذا على (بسمِ) كما صرَّحَ به ابنُ المصنِّفِ، وأمَّا ما سبقَ مِن المصريِّ أنَّ الوقفَ على (بسمِ الله ِ) قبيحٌ وعلى {الرحمنِ} كذلكَ وعلى {الرحيمِ} تامٌّ، فخطأٌ قبيحٌ منه، فإنَّ الوقفَ على كُلٍّ مِن الجلالةِ والرحمنِ حسنٌ؛ لأنَّه معَ مُتَعَلِّقِه مِن الفعلِ أو الاسمِ المُقَدَّرِ كَلاَمٌ تامٌّ، كما وردَ في أحاديثِه عليه السلامُ مِن الاكتفاءِ على بسمِ اللهِ في ابتداءِ الطعامِ ونحوِه من المواضعِ الكرامِ، وإنَّما يَقْبُحُ الوقفُ على (بسمِ)؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ لأيِّ شيءٍ أَضَفْتَهُ، وكذا الوقفُ على المضافِ دونَ المضافِ إليه، والصفةِ دونَ الموصوفِ، والرافعِ دونَ المرفوعِ، والناصبِ دونَ المنصوبِ والمنصوبِ دونَ الناصبِ، ولا على المَعْطوفِ دونَ ما عَطفْتَه عليه ولا على إنَّ وأخواتِها دونَ اسمِها، ولا على اسمِها دونَ خبرِها، وعلى كانَ وأخواتِها دونَ اسمِها، ولا على اسمِها دونَ خبرِها، وعلى ظننتُ وأخواتِها دونَ منصوباتِها، ولا على صاحبِ الحالِ دونَها، ولا على المُسْتَثْنَى منه دونَ الاستثناءِ، ولا على المُفَسِّرِ دونَ المُفَسَّرِ، ولا على الذي، وما، وَمن، دونَ صلاتِهِنَّ، ولا على صلاتِهِنَّ دونَ مَعْمُولاتِهِنَّ، ولا على الفعلِ دونَ مصدرٍ، ولا على مصدرٍ دونَ آلتِه، ولا على حروفِ الاستفهامِ دونَ ما اسْتُفْهِمَ بها عنه، ولا على حروفِ الشرطِ دونَ المشروطِ، ولا على المشروطِ دونَ الجزاءِ، ولا على الأمرِ دونَ جوابِه، إلا أنْ يكونَ القارئُ مضطرًّا فإنَّهُ يجوزُ له الوقفُ حالَ اضطرارِه، كانقطاعِ نَفَسٍ ونحوِه، لكن إذا وقفَ يبتدىءُ من الكلمةِ التي وقفَ عليها، يعني: إذا حسُن الابتداءُ بها، كذا ذكرَه المصنِّفُ، ولعلَّه مبنيٌّ على أنَّ التمامَ عندَه ما يَحْسُنُ السكوتُ عليه من الكَلاَمِ، وأمَّا على الظاهرِ المُتَبَادِرِ من كَلاَمِ الناظمِ وتقسيمِه إلى أنواعِ التَّعَلُّقِ فمعنى التمامِ استيفاءُ الكَلاَمِ للمُسْنَدِ والمُسْنَدِ إليه، ثمَّ يُرَدُّ على ابنِ المصنِّفِ في إطلاقِ أمثلتِه إذا وقعَ شيءٌ منها في رؤوسِ الآيِ؛ فإنَّه ليسَ الوقفُ عليها بقبيحٍ إجماعًا، وإنَّما اختلفُوا في الوجهِ الأَوَّلِ، وكذا يُرَدُّ على قولِه: ولا على المَعْطوفِ دونَ ما عطَفْتَه عليه، ما سبقَ منه أنَّ الوقفَ على قولِه: {حُرِّمَتْ عليكُم أُمَّهَاتُكُم} هو الكافي، ويمكنُ دفعُه بأنَّهُ أرادَ عطفَ المفردِ، كقولِه: {واللهُ ورسولُه} وكذا يُرَدُّ على قولِه: وعلى الموصوفِ دونَ الصفةِ، ما تقدَّمَ من حُسْنِ الوقفِ على (بسمِ اللهِ) وكذا في (الحمدِ للهِ).
ثمَّ قالَ: واعلمْ أنَّ مِن الوقفِ القبيحِ الوقفَ على (غيرِ) مِن {غيرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِم} وعلى (إلهٍ) من {إلهِ الناسِ} كما يفعلُه جهلةُ القُرَّاءِ، ويَسْتَدِلُّونَ برقمِ السجاوندي على ما قبلَ هذه الكلماتِ: لا، أي لا وقفَ، فليتَ شعري هل نهاكَ عن الوقفِ على رأسِ الآيةِ الذي هو سُنَّةٌ وأمَرَكَ بالوقفِ على المضافِ دونَ ما أُضِيفَ له مِن (غيرِ) و (إلهٍ) يعني: وتُخَالِفُ السُّنَّةَ وأئمةَ الوقوفِ في القِراءةِ فَتَقِفُ تارةً بعدَ تمامِ الآيِ وتارةً قبلَها لكونِ كتابةِ (لا) على رؤوسِ الآيِ، وأمَّا ما نَقَلَ بعضُهم مِن الروايةِ عن بعضِ مَن ليسَ له الدِّرايةُ أنَّ الوقفَ على (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم) غيرُ جائزٍ بل حرامٌ وَكُفْرٌ وَأَمْثَالُ ذلكَ فهذا نقلٌ باطلٌ ليسَ فيه وجهٌ طائلٌ، وكذا ما ذَكَرَه بعضُهم مِن أنَّ الوقفَ على: { والسَّمَاءِ ذاتِ الرجعِ } مُبْطِلٌ للصلاةِ وَكُفْرٌ في خارجِها تَعَمُّدًا فَمِن أقبحِ الرواياتِ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لإجماعِ أربابِ القِرَاءاتِ وقواعدِهم المَأْخُوذَةِ مِن الأصولِ العربيَّةِ، لا سيَّما وقد وَرَدَتْ الأحاديثُ النبويَّةُ بخصوصِ رؤوسِ الآيِ القرآنيَّةِ، ثمَّ قالَ: وأقبحُ مِن هذا الوقفُ على قولِه: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذينَ قالُوا} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذينَ قالُوا} {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} {وَقَالَتِ النَّصَارَى} {فَاعْبُدُونِ} و {قالُوا} و{مِن إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ} {وهم مُهْتَدُونَ} {ومالي} {ومَن يَقُلْ مَنْهُمْ} {مِن الخاسرينَ} {فَبَعَثَ} {إلا أنْ قالُوا أَبَعَثَ} والابتداءُ بقولِه تعالى: {إنَّ اللهَ فقْيرٌ} و {إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ} و {يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ} و {المَسِيحُ ابنُ اللهِ } و {وَلَدَ اللهُ} و {لا أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي} و {إني إلهٌ مِن دونِه} و {اللهُ غُرَابًا} و {اللهُ بَشَرًا} لأنَّ المعنى يَخْتَلُّ بلْ يَسْتَحِيلُ بفصلِ ذلكَ عمَّا قَبْلَهُ.
قُلْتُ أمَّا الابتداءُ في المثالينِ الآخرينِ فإنَّه يَشْتَبِهُ على العوامِّ حيثُ لا يُمَيِّزُونَ بينَ المنصوبِ والمرفوعِ في حكمِ الكَلاَمِ ونظامِ المرامِ، وأمَّا في سائرِ الأمثلةِ فالوقفُ ليسَ بقبيحٍ فضلًا عن أنْ يكونَ أقبحَ، وإنَّما القبيحُ في غايةِ القبحِ هو الابتداءُ بما بعدُ، لما يتفرَّعُ على الابتداءِ مِن توهُّمِ الإنشاءِ، وسيأتي تحقيقُ أساسِ ذلكَ البناءِ، ومِن هذا القبيلِ الوقفُ على نحوِ: { قلْ يا أيُّهَا الكافرونَ لا } والابتداءُ بقولِه { أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ } ثمَّ قالَ: ومِثْلُه في القبحِ الوقفُ على قولِه: {فَبُهِتَ الذي كَفَرَ واللهُ} و {الذينَ لا يؤمنونُ بالآخرةِ مَثَلُ السَّوْءِ وللهِ} {إنَّ اللهَ لا يَسْتَحْيِ} {إنَّ اللهَ لا يَهْدِي} و {لا يَبْعَثُ اللهُ}، وَشِبْهِهِ؛ لأنَّ المعنى يفسُدُ بفصلِ ذلكَ عمَّا بَعْدَه.
أقولُ: وإنَّما قالَ: ومثلَه، وفُصِلَ عمَّا قَبْلَه؛ لأنَّ الوقفَ على هذه المواضعِ قبيحٌ جدًّا لمَا يَتَرَتَّبُ عليه مِن قُبْحِ العطفِ، أو تركِ المفعولِ، وأمَّا الابتداءُ بِما بعدَه فليسَ بقبيحٍ، بخلافِ الأمثلَةِ التي قبلَه، فقولُه: ومن انقطعَ نَفَسُه على ذلكَ وجبَ عليه أنْ يرجعَ إلى ما قبلَه ويصلَ الكَلاَمَ بعضَه ببعضٍ فإن لم يَفْعَلْ أَثِمَ، إنَّما يستقيمُ في الأمثلةِ الأُولَى، وأمَّا في الأمثلةِ الثانيَةِ فينبغي أنْ يعودَ فالعودُ أحمدُ، ثمَّ قالَ: وكانَ ذلكَ أي الابتداءُ في القسمِ الأَوَّلِ والوقفُ في الثاني من الخطأِ العظيمِ الذي لو تَعَمَّدَهُ مُتَعَمِّدٌ لَخَرَجَ بذلكَ عن دينِ الاسلامِ؛ لكونِ اعتقادِ ذلك افتراءً على اللهِ عزَّ وجلَّ وجهلًا به سبحانَه. وأقولُ: وأمَّا قولُ (قاضيخانَ) مِن علمائِنا الحنفيَّةِ في فتاواه: وإنْ غَيَّرَ المعنى تغيُّرًا فاحشًا بأنْ قرأَ: { إنَّما يَخْشَى اللهَ مِن عِبَادِه العلماءُ } برفعِ الهاءِ ونصبِ العلماءِ، وقرأَ: { إنَّ اللهَ برىءٌ مِن المشركينَ ورسولُه } بكسرِ لامِ الرسولِ، وما أَشْبَهَ ذلكَ ممَّا لو تَعَمَّدَهُ به يُكَفَّرُ، وإذا قرأَ خطأً فَسَدَتْ صلاتُه في قولِ المُتَقَدِّمِينَ فَسَهْوٌ فهو صَدَرَ عنه مِن الغفلةِ عن مَعْرفةِ القِراءةِ الشاذَّةِ ووجوِه القواعدِ العربيَّةِ، إذ نَصَبَ (العلماءَ) رُوِيَ عن أبي حنيفةَ رحمَهُ اللهُ تعالى إمامِ الفقهاءِ، وَوُجِّهَ بأنَّ (يخشى) بمعنى يُعَظِّمُ، على قاعدةِ التجريدِ، فإنَّ الخشيةَ خوفٌ مَقْرُونٌ بالتعظيمِ ووجهُ كسرِ (رسولِه) المقروءِ في الشواذِّ أيضًا بأنَّ واوَه للقسمِ أو جَرِّه للجِوارِ، كما ذكرَه صاحبُ الكَشَّافِ، ثمَّ قالَ: وإنْ وصَلَ في غيرِ موضعِه، وفَصَلَ في غيرِ موضعِه، فإن لم يتغيَّر المعنَى تَغَيُّرًا فاحشًا، بأنْ وقَف على الشرطِ وابتدأَ بالجزاءِ فقرأَ: {إنَّ الذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصالحَاتِ} وَوَقَفَ ثمَّ ابتدأَ بـ {أُولَئِكَ هم خيرُ البريَّةِ} أو فَصَلَ بينَ الصفةِ والموصوفِ، نحوَ إنْ قرأَ { إنَّهُ كانَ عبدًا } ووقفَ ثمَّ ابتدأَ بقولِه: {شَكُورًا} فَمِثلُ هذا لا يَحْسُنُ، ولا يُفْسِدُ صلاتَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الفصلِ والوصلِ لا يعرفُها إلا العلماءُ، وإن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوُ أنْ يقرأَ {اللهُ لا إلهَ} وَيَقِفُ ثمَّ يبتدىءُ بقولِه: {إِلاَّ هُوَ} أو قرأَ {قالَت اليَهودُ} وَيَقِفُ، ثمَّ يَبْتَدِيءُ بقولِ {عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} ونحوُ ذلكَ، قالَ عامَّةُ العلماءِ: لا تَفْسُدُ صلاتُهَ، وقالَ بعضُهم: تَفْسُدُ. ا هـ. وفي الخلاصةِ لو وقفَ على قولِه: {وَقَالَتِ اليَهودُ} ثمَّ ابتدأَ بقولِه: {عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ} لاتَفْسُدُ صلاتُه بالإجماعِ. أقولُ: ولعلَّ وَجْهَهُ ما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، وأبي حفصٍ الكبيرِ البخاريِّ ومُحَمَّدٍ بنِ مُقَاتِلٍ، وغيرِهم مِن أنَّ عدمَ فسادِه لِمَا فيه من ضرورةِ سَبْقِ اللِّسانِ، ثمَّ قالَ في الخلاصةِ: ولو لم يقفْ عندَ قولِه: {أنَّهُم أصحابُ النارِ} بلْ وصلَ بقولِه: {الذينَ يَحْمِلُونَ العرشَ} لا تَفْسُدُ لكنَّه قبيحٌ ا.هـ.َ
ولا يخفى أنَّ أربابَ الوقوفِ جعلُوا الميمَ الذي هو علامةُ الوقفِ اللازمِ على قولِه (أصحابُ النارِ) لأنَّ في وصلِه إبهامَ أنْ يكونَ ما بعدَه صفةً لما قبلَه، وهو يُغَيِّرُ المعنى تغيرًا فاحشًا؛ لأنَّ قصدَ ذلك المعنى يكونُ كُفْرًا، وبِهَذَا التقريرِ وما سبقَ به من التحريرِ تبيَّنَ معنى قولِ الناظمِ التحريرِ (وليسَ في القرآنِ مِن وقفٍ وَجَبَ) وفي نسخةٍ (يَجِبُ) و (مِن) زائدةٌ مُؤَكِّدَةٌ، للمبالغةِ في النفيِ، فيجوزُ وصلُ الكلماتِ مِن أَوَّلِها إلى آخرِها في القرآنِ العظيمِ، ولا يكونُ فاعلُه تاركًا لواجبٍ عليه، بمعنى أنَّهُ يَأْثَمُ بتركِ الوقفِ لديه وإنَّما ينبغي له بالوجوبِ الاصطلاحيِّ ويُسْتَحَبُّ له باللزومِ العرفيِّ مراعاةُ الوقوفِ القرآنيَّةِ، لما وردَ أنَّ عليًّا كرَّمَ اللهُ وجهَهُ سُئِلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّل القرآنَ تَرْتِيلًا} فقالَ الترتيلُ: تجويدُ الحروفِ ومَعْرفةُ الوقوفِ.
ولِمَا وردَ عن ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّهُ قالَ: " لقد عِشْنا بُرْهَةً مِن دَهْرِنَا وإنَّ أحدَنا لَيُؤْتَى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنْزِلُ السورةُ على النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَتَعَلَّمُ حلالَها وحرامَها وأمرَها وزَجْرَها وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منَها.
قالَ الناظمُ ففي كَلاَمِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تَعَلُّمِهِ ومَعْرفتِه وفي كَلاَمِ ابنِ عمرَ رضي اللهُ تعالى عنهما برهانٌ على أنَّ تَعَلُّمَهُ إجماعٌ مِن الصحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، وصحَّ بلْ تواترَ عندَنا تَعَلُّمُهُ والاعتناءُ به من السلفِ الصالحِ، قالَ: ومِن ثَمَّ اشترطَ كثيرٌ مِن أئمَّةِ الخلفِ على المجيزِ أنْ لا يُجِيزَ أحدًا إلا بعدَ مَعْرفةِ الوقفِ والابتداءِ، وقالَ الإمامُ أبو زكريَّا: الوقفُ في الصدرِ الأَوَّلِ مِن الصحابةِ والتابعينَ وسائرِ العلماءِ مرغوبٌ فيه من مشايخِ القُرَّاءِ والأئمَّةِ الفُضَلاءِ، مطلوبٌ فيما سلفَ من الأعصارِ، واردةٌ به الأخبارُ الثابتةُ، والآثارُ الصحيحةُ، ففي الصحيحينِ أنَّ أمَّ سلمةَ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَطِّعُ قراءتَه يقولُ: " (الْحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ) ثمَّ يقفُ " الحديثَ. ورُوِيَ أنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيا النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَشَهَّدَ أحدُهُما وقالَ: مَن يُطِع اللهَ ورسولَه فقدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِهِمَا ووقفَ، فقالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( قُمْ بِئْسَ الخطيبُ أنتَ ). قالَ بعضُهم: إنَّما قالَ ذلكَ لِقُبْحِ لفظِه، وكانَ حقُّه أنْ يقفَ على (رَشَدَ) أو على (غَوَى) أو يصلَ الجميعَ، فانظرْ كيفَ كَرِهَ قُبْحَ لَفْظِه إنْ كانَ مرادُه الخيرَ لا الشرَّ ا.هـ.
ولا يخفى أنَّ قولَه: وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عندَه منها لا يبعُدُ أن يُرَادَ بها الآياتُ المتشابهةُ في مَعْناها، فليسَ في الحديثِ الثاني نصٌّ على الوقفِ المصطلحِ عليه.
(ولا حرامٌ غيرُ ما لَه سببٌ) يجوزُ رفعُ حرامٍ على أنَّهُ مَعْطُوفٌ على مَحَلِّ (َمَن وَقَفَ)؛ لأنَّه اسمُ ليسَ، وَجَرُّه للعطفِ على لفظِه، كما قُرِيءَ بالوجهينِ في قولِه تعالى: {هلْ مِن خالقٍ غيرُ اللهِ} وقولِه سبحانَه { مَالَكُمْ مِن إِلَهٍ غَيْرُه} لكن الجمهورُ بالرفعِ وأمَّا (غيرُ في البيتِ فَتَابِعٌ لحرامٍ في إعرابِه، وَجُوِّزَ نَصْبُه حالًا، ويمكنُ نصبُه على الاستثناءِ أيضًا.
وحاصلُ معنى البيتِ بكمالِه أنَّهُ ليسَ في القرآنِ وقفٌ واجبٌ يَأْثَمُ القارئُ بتركِه، ولا وَقْفٌ حرامٌ يَأْثَمُ بِوَقْفِه؛ لأنَّهما لا يدلاَّنِ على معنًى فَيَخْتَلُّ بِذَهَابِهِمَا، إلا أنْ يكونَ لذلكَ سببٌ يَسْتَدْعِي تحريمَه ومُوجِبٌ يقتضي تَأْثِيمَه، كأنْ يَقْصِدَ الوقفَ على {ما مِن إلهٍ} و {إنِّي كَفَرْتُ} ونحوِهما كما سبقَ مِن غيرِ ضرورةٍ، إذ لايَقْصِدُ ذلكَ مُسْلِمٌ واقفٌ على مَعْناهُ، وإذا لم يَقْصِدْ فلا يَحْرُمُ عليه لا الوصلُ ولا الوقفُ في مبناهِ، وأمَّا غيرُ الواقِفينَ على مَعْناهُ ففي الأمرِ سَعَةٌ عليهم؛ إذ لا يُتَصَوَّرُ القصدُ لديهم، لكن الأحسنُ معَ عدمِ القصدِ أنْ يُتَجَنَّبَ الوقفُ على مثلِ ذلكَ مطلقًا، للإبهامِ على خلافِ المَرامِ، لاسيَّما إذا كانَ مُسْتَمِعًا في ذلكَ المقامِ.
ثمَّ اعلمْ أنَّ المُتَأَخِّرينَ مِن عُلَمَائِنا اتَّفَقُوا على أنَّ الخطأَ إنْ كانَ في الإعرابِ لا يُفْسِدُ الصلاةَ مُطْلَقًا، وإنْ كانَ ممَّا اعتقدَه كُفِّرَ؛ لأنَّ أكثرَ الناسِ لا يُمَيِّزُونَ بينَ وجوهِ الإعرابِ، قالَ قاضيخانَ: وما قالَه المتأخِّرُونَ أوسعُ، وما قالَه المُتَقَدِّمُونَ أحوطُ؛ لأنَّه لو تَعَمَّدَهُ يكونُ كُفْرًا وما يكونُ كُفْرًا لا يكونُ مِن القرآنِ. قالَ ابنُ الهُمَامِ: فيكونُ مُتَكَلِّمًا بكَلاَمِ الناسِ الكفارِ وهو مُفْسِدٌ كما لو تَكَلَّمَ بكَلاَمِ الناسِ ساهيًا ممَّا ليسَ بكفرٍ فكيفَ وهو كُفْرٌ.
قالَ شارحُ المنيَّةِ: ولا يُقَاسُ مسألةُ زَلَّةِ القارئِ بعضِها ممَّا ليسَ مذكورًا عن الأئمَّةِ المتقدِّمِينَ والمُتَأَخِّرينَ على بعضٍ ممَّا هو مذكورٌ إلا بعلمٍ كاملٍ في اللغةِ و العربيَّةِ والمَعْاني ونحوِ ذلكَ ممَّا يحتاجُ إليه تفسيرٌ لِيُعْلَمَ ما اعتقادُه كُفِّرَ وما هو بعيدٌ فاحشًا أو غيرَ فاحشٍ. ثمَّ قالَ: وأمَّا الحُكْمُ في قطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ، بأنْ أرادَ أنْ يقولَ (الَحَمْدُ للهِ) فقالَ (أل) فانقطعَ نَفَسُه أو نَسِيَ الباقيَ ثمَّ تَذَكَّرَ فقالَ (الْحَمْدُ للهِ) أو لم يَتَذَكَّرْ فَتَرَكَ الباقيَ وانتقلَ إلى كلمةٍ أُخْرَى فقدْ كانَ الشيخُ الإمامُ شمسُ الأئمَّةِ الحُلْوَانِيُّ يُفْتِي بالفسادِ في مثلِ ذلكَ، وعامَّةُ المشايخِ قالُوا: لا تَفْسُدُ لعمومِ البَلْوَى في انقطاعِ النفَسِ والنسيانِ.
أقولُ: وفيه بحثٌ؛ لأنَّ المثالَ المذكورَ لا يصلُحُ أنْ يكونَ لقطعِ بعضِ الكلمةِ عن بعضٍ على وجهِ الحقيقةِ؛ فإنَّ لامَ التعريفِ كلمةٌ مستقلةٌ، لكن لكمالِ امتزاجِها بمدخولِها تُعَدُّ كلمةً واحدةً ولا يُسْتَحْسَنُ قطعُها عمَّا بعدَها وكذا فُصِلَ ما بعدَها عنها لاتِّصَالِها رسمًا فالمثالُ اللائقُ فيما نحنُ فيه أنْ يقولَ: (الْحَمْدُ للهِ) بأنْ يَقِفَ على الميمِ وابْتَدَأَ بالدالِ، فَتَأَمَّلْ في تحقيقِ تَصَوُّرِ المثالِ، قالَ: وأمَّا الوقفُ في غيرِ موضعِه والابتداءُ في غيرِ موضعِه فلا يُوجِبُ ذلكَ فسادَ الصلاةِ أيضًا لعمومِ البلوى بانقطاعِ النَّفَسِ وحصولِ النسيانِ، وعدمِ مَعْرفةِ المعنى في حقِّ العوامِّ، وانتفاءِ القصدِ المذمومِ بالنسبةِ إلى الخواصِّ، عندَ عامَّةِ علمائِنا، وعندَ بعضِ العلماءِ تَفْسُدُ إن تغيَّرَ المعنى تَغَيُّرًا فاحشًا نحوُ أنْ يقرأَ { لا إلهَ } ووقفَ وابتدأَ بقولِه: { إلا اللهُ } وهذا مثالُ الوقفِ، أو قرأَ: { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذينَ أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِكم } ووقفَ وابتدأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنِ اتَّقُوا اللهَ} أو قرأَ: { يُخْرِجُونَ الرَسُولَ } وابْتَدَأَ بقولِه: {وإيَّاكُمْ أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ ربِّكُمْ} وأمثالُ ذلكَ ممَّا تقدَّمَ، فالصحيحُ عدمُ الفسادِ في ذلكَ واللهُ أعلمُ.
ثمَّ قالَ ولو وَصَلَ حرفًا مِن آخرِ كلمةٍ بكلمةٍ أُخْرَى بأنْ قرأَ: {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينُ} بوصلِ كافِ إيَّاكَ بالنونِ، أو قرأَ {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكوثرَ} وما أَشْبَهَ ذلكَ فإنَّ صلاتَه لا تَفْسُدُ على قولِ العامَّةِ مِن العلماءِ، قالَ قاضيخانِ: وإنْ تَعَمَّدَ ذلكَ، وفي شرحِ التَّهْذِيبِ: هو الصحيحُ؛ لأنَّ مِن ضرورةِ وصْلِ الكلمةِ بالكلمةِ اتصالَ آخرِ الأُولَى بأَوَّلِ الثانيَةِ. قالَ في فتاوَى الحُجَّةِ: المُصَلِّي إذا وصلَ في الفاتحةِ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لا ينبغي أنْ يَقِفَ على (إيَّاكَ) ثمَّ يقولُ (نَعْبُدُ) بل الأَوْلَى والأصحُّ أنْ يصلَ {إيَّاكَ نَعْبُدُ وإيَّاكَ نستعينَ} قالَ صاحبُ المنيَّةِ: وعلى قولِ بعضِ المشايخِ تَفْسُدُ صلاتُه، والظاهرُ أنَّ مُرَادَ هذا القائلِ إنَّما هو عندَ السكتِ على (إيا) ونحوِها، وإلا فلا ينبغي لعاقلٍ أنْ يَتَوَهَّمَ فيه الفسادَ فضلًا عن العالمِ، هذا وبعضُ المشايخِ فصَّلُوا وقالُوا: إنْ عَلِمَ القارىءُ أنَّ القرآنَ كيفَ هو، أي عَلِمَ أنَّ الكافَ مِن الكلمةِ الأُولَى لامِن الثانيَةِ إلا أنَّهُ جرَى على لسانِه هذا الوصلُ لاتَفْسُدُ صلاتُه، وإن كانَ في اعتقادِه أنَّ القرآنَ كذلكَ أي: إنَّ الكافَ مثلًا مِن الكلمةِ الثانيَةِ تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّ ما قرأَ ليسَ بقرآنٍ، نظرًا إلى ما أرادَه، والصحيحُ قولُ العامَّةِ؛ لأنَّ هذه كُلَّها تكَلُّفَاتٌ باردةٌ، وإذا إتَّسَقَ اللفظُ فلا عبرةَ بإرادةٍ.
أقولُ وما اشْتَهَرَ على لسانِ بعضِ الجهلةِ من القُرَّاءِ أنَّ في سورةِ الفاتحةِ للشيطانِ كذا من الأسماءِ في مثلِ هذه التراكيبِ من البناءِ فخطأٌ فاحشٌ وإطلاقٌ قبيحٌ، ثمَّ سَكْتُهُمْ عن نحوِ دالِ الحمدِ وكافِ إيَّاكَ وأمثالِها غلطٌ صريحٌ.

تعريـفُ الوقـفِ والسَّكْـتِ:
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ: هو قطعُ الصوتِ عندَ آخرِ الكلمةِ مِقْدَارَ زمنِ التنفُّسِ، والسكتَ: قطعُ الصوتِ زمانًا أقصرَ مِن زمنِ التنفُّسِ، ثمَّ الوقفُ اختياريٌّ: وهوَ أنْ يُقْصَدَ لذاتِه مِن غيرِ عُرُوضِ سببٍ في جهاتِه، واضطراريٌّ وهو ما يَعْرِضُ بسببِ حصرٍ وعجزٍ ونسيانٍ لما بعدَه من كلماتِه، واختياريٌّ: وهو ما يَمْتَحِنُه الأستاذُ بقولِه كيفَ تقفُ على هذا اللفظِ بعينِه؟ لِيَعْلَمَ مهارتَه في وجوهِ قراءتِه، وانتظاريٌّ: وهو أنْ يقفَ على كلمةٍ ليَعْطِفَ عليها غيرَها حينَ جمعِه لاختلافِ رواياتِه. (في الوقفِ على { وَمَا يَعْلَمَ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ}.
ثمَّ اعلمْ أنَّ الوقفَ قد يكونُ كافيًا على إعرابٍ وتفسيرٍ، وغيرَ كافٍ على آخرَ، نحوُ قولِه تعالى {وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إلا اللهُ} فإنه كافٍ على أنَّ ما بعدَه مُسْتَأْنَفٌ، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ، وعائشةَ، وابنِ مسعودٍ، وغيرِهم رَضِيَ اللهُ عنهم، ومذهبُ أبي حنيفةَ، وأكثرِ أهلِ العلمِ، وذهبَ إليه الفَرَّاءُ، والأخفشُ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهم، قالَ عُرْوَةُ: والراسخونُ في العلمِ لا يعلمونَ التأويلَ ولكن يقولونُ آمنَّا بِه. وعندَ غيرِهم الوقفُ كافٍ على { والرَّاسِخُونَ في العِلْمِ} فإنَّه عندَهم مَعْطُوفٌ عليه، وهو روايةٌ عن ابنِ عبَّاسٍ، واختارَه ابنُ الحاجبِ ومن تَبِعَه، والمَعْتمَدُ هو الأَوَّلُ، وعندَ أربابِ الوقوفِ هو المُعَوَّلُ؛ ولذا رَمَزُوا فوقَ لفظِ الجلالةِ حرفَ الميمِ بالْحُمْرَةِ، للإيماءِ إلى أنَّ الوصلَ مُوهِمٌ لمعنًى فيه خَلَلٌ مِن حيثُ الاعتقادُ، وأمَّا جَعْلُ المصريِّ الوقفَ على الجلالةِ تامًّا فغيرُ تامٍّ؛ لأنَّ ما بعدَه له تَعَلُّقٌ مَعْنويٌّ بما قبلَه، بلْ عندَ المحقِّقِينَ مِن أربابِ التفسيرِ إثباتُ تَعَلُّقِ المعنى في جميعِ الآياتِ ولو ما بينَ القصصِ وبينَ السورِ من سائرِ الكلماتِ.
والحاصلُ أنَّ الناظمَ جعلَ الوقوفَ على ثلاثِ مراتبَ تبعًا لأبي عمرٍو الدانيِّ، وأمَّا السجاونديُّ وكذا مَن تَبِعَه لم يُفَرِّقْ بينَ التامِّ والكافي، لكنَّه جعلَهما على مراتبَ مِن وقفٍ مُطْلَقٍ ورمزُه الطاءُ، حيثُ لم يُجَوِّزْ فيه الوصلَ، ومِن وقفٍ جائزٍ وصلُه والأَوْلَى وقفُه وَرَمْزُه الجيمُ، ومِن وقفٍ مُجَوَّزٍ وصلُه أَوْلَى ورمزُه الزايُ، وجعَل لطولِ الكَلاَمِ وقفًا سَمَّاهُ مُرَخِّصًا ورمزُه الصادُ، وجعلَ بعضَ أنواعِ المطلقِ وقفًا لازمًا ورمزُه الميمُ، وذلكَ لَمَّا كانَ في وصلِه حصولُ خللٍ في المَعْني نحوُ قولِه تعالى {وَمَاهُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ} فإنَّ حالَ الوصلِ قد يُتَوَهَّمُ أنَّ قولَه: (يُخَادِعُونَ) قيدٌ للنفيِ بكونِه وصفًا أو حالًا، والصوابُ أنَّهُ استئنافٌ، ونحوُ قولِه تعالى: {وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إنَّ الْعِزَّةَ للهِ} و {إنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ} فإنَّ وَصْلَهُ مُوهِمٌ أنَّ القولَ هو مابعدَه وليسَ كذلكَ بلْ القولُ مُقَدَّرٌ، أي: فينا أو فيكَ أو في كتابِنا، ثمَّ الجملةُ استئنافيَّةٌ مُعَلِّلَةٌ لنفيِ الحزنِ، وتسليةٌ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وتهديدٌ لهمْ.
وقد يكونُ الاختلافُ باختلافِ القِراءةِ فنحوُ قولِه تعالى: { يُحَاسِبْكُمْ بِه اللهِ } وقفٌ كافٍ على قراءةِ مَن رفعَ: فَيَغْفِرُ ويُعَذِّبُ ووقفٌ حَسَنٌ لِمَنْ يَجْزِمُهُمَا، لكن لا يُسْتَحْسَنُ الوقفُ عليه لعدمِ حُسْنِ الابتداءِ بما بعدَه، وقِسْ على هذا ما وقعَ في القرآنِ مثلَه، وقد جاءني في سؤالٍ عن بعضِ فضلاءِ اليمينِ في الفَرْقِ بينَ قولِه تعالى: {وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} وبينَ قولِه سبحانَه: { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُم صالحًا} حيثُ جعلَ رمزَ الوقفِ على الأَوَّلِ مطلقًا وعلى الثاني لازمًا، معَ أنَّ ما بعدَهُمَا { قالَ يا قومِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُهُ} بلا تفاوتٍ في الموضعينِ. فقلتُ:لأنَّ الأَوَّلِ عَلَمٌ جامدٌ لا يصلُحُ أنَّ ما بعدَه وهوَ قولُه: {قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَالَكُمْ مِن إلهٍ غَيْرُه} وصفٌ له بخلافِ الثاني فإنَّهُ عَلَمٌ مُشْتَقٌّ وقعَ في صورةِ النكرةِ فقدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ مَابَعْدَهُ نعتٌ له، ومِن تحقيقِ أربابِ هذا الفنِّ وتدقيقِ نظرِهم في التعبيرِ وكمالِ حَذَاقَتِهِمْ في علمِ التفسيرِ أنَّ السجاونديَّ جعلَ رمزَ الوقفِ على قولِه تعالى حكايةً عن موسى عليه السلامُ: {قالَ ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بَيْنَهُما} و {ربُّ المشرقِ والمغربِ وما بينَهُما} مطلقًا، وعلى قولِه سبحانَه وتعالى في الدُّخَانِ: {ربُّ السمواتِ والأرضِ وما بينَهُمَا} لازمًا، معَ اتِّحَادِ ما بَعْدَهُمَا بقولِه تعالى: {إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} وقد جاءَ صاحبُ الخلاصةِ وجعلَ رمزَهما مطلقًا من غيرِ فرقٍ بينهما، بل اعْتُرِضَ علي مَن ميَّزَ باختلافِ رمزِهما، وأقولُ: الصوابُ هو الأَوَّلُ؛ لأنَّ الوصلَ في الآيةِ الأُولَى ليسَ بِمُوهِمٍ لخللٍ في المعنى، بخلافِ الآيةِ الثانيَةِ؛ لأنَّ ما قبلَها فيه خطابٌ للنبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيثُ قالَ تعالى: {إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} فلو وصلَ لربَّمَا يُتَوَهَّمُ أنَّ الخطابَ في كُنْتُمْ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على طريقِ التعظيمِ، أو له ولأمَّتِه على جهةِ التغليبِ، وقد عرَضْتُ هذه الدقيقةَ على مشايخِي في الحرمينِ الشريفينِ، أعني: شيخَ القُرَّاءِ بالمدينةِ السَّكِينَةِ مولانا المَغْفُورِ له أبو الحَرَمِ المدنيِّ، وشيخَ القُرَّاءِ بمكةَ الأمينةِ أستاذِنا المَبْرُوَِر سِرَاجِ الدينِ عُمَرَ الشوافيِّ اليمنيِّ فاسْتَحْسَنَا ما ذكَرْتُه غايةَ التحسينِ، لمَّا تَبَيَّنَ الفرقُ لهما على وجهِ التبيينِ، وقد اعْتَنَى بعضُهم برسالةٍ مُخْتَصَّةٍ في وقفِ اللازمِ، والعوامُّ يَحْسَبونَ أنَّهُ واجبٌ، ووصلُه حرامٌ، ويَغْفُلُونَ أنَّهُ مُقَيَّدٌ بما ذَكَرَه الناظمُ مِن سببِ قصدِ المُخَالفِ المرامَ، وقد صُنِّفَتْ كتبٌ في الوقوفِ القرآنيَّةِ بعضُها مُدَلِّلٌ ببيانِ إعرابِ المباني، وإعرابِ المَعْاني، والمصاحفُ المصحَّحَةُ الْمَقْرُؤةُ على قُرَّاءِ العجمِِ مَرْمُوزَةٌ في مُشْتَبِهَاتِ المثاني. فإنْ قلتَ: ما وجهُ أربابِ الوقوفِ أنَّهُم كَتَبُوا (لا) في بعضِ المواضعِ ولم يَسْتَغْنُوا بعدمِ كتابةِ رمزِ الدالِّ على نفيِ الوقفِ في أكثرِها؟ قلتُ: لأنَّ تلكَ المواضعَ كانتْ مَظِنَّةَ أنَّهَا مَحَلُّ وقفٍ وانقطاعٍ لها عمَّا بعدَها فَنَبَّهُوا على خلافِ ما يُتَوَهَّمُ مِن ظواهرِها، هذا وقدْ وقعَ اختلافٌ بينَ الكوفيِّ والبصريِّ في بعضِ رؤوسِ الآىِ فجعلَ رمزَ آيةِ الكوفيِّ (لب) وعلامةَ خُمْسِهِمْ (الهاء) وَعُشْرِهِمْ رأسَ العينِ أو حرفَ الياءِ، ورمزَ آيةِ البصريِّ (تب) وَخُمْسِهِمْ (خب) وعُشْرِهِمْ (عب)
فقولُه (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ ) في الفاتحةِ آيةٌ للكوفيِّ و { أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } آيةٌ للبصريِّ معَ الإجماعِ على أنَّ سورةَ الفاتحةِ سبعُ آياتٍ، وأمَّا البسملةُ في سائرِ السورِ فليستْ بآيةٍ اتفاقًا، وكذا (آلم) البقرةُ آيةٌ عندَ الكوفيِّ خلافًا للبصريِّ، وتفصيلُ ذلكَ يطولُ ويَضُرُّ للمَلُولِ، والعاقلُ يكفيه الإشارةُ، ثمَّ اعْلَمْ أنَّهُ قدْ يقعُ الوقفُ كافيًا على إعرابٍ، وحسنًا على آخرَ، نحوُ قولِه تعالى: { هُدًى للْمُتَّقِينَ } فإنَّه إنْ جَعَلْتَ الموصولَ بعدَه نعتًا له فَالْوَقْفُ حسنٌ، وإنْ جَعَلْتَهُ مرفوعًا أو منصوبًا على القطعِ أو مُبْتَدَأً فوقفُه كافٍ، وَبِمُرَاعَاةِ هذِه الملاحظاتِ في إعرابِ الآياتِ وسائرِ الكلماتِ يحصلُ الفهمُ والدرايةُ، ويتَّضِحُ مِنْهاجُ الهدايةِ ومِعْراجُ الروايةِ، فَتَلْتَذُّ به التلاوةُ على وجهِ الغايةِ والنهايةِ، وأمَّا إذا لم يُلاَحَظ الإعرابُ والمعنى فقد يَقَعُ الواقفُ في خطأ المبنى كما إذا وقفَ على نحوِ قولِه تعالى: { وإنْ كَانَتْ واحدةٌ فَلَها النَّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ}وكذا الوقفُ على { لاتَقْرَبُوا الصَّلاَة } وكذا على { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ } وإنْ كانَ رأسَ آيةٍ، ولايُقَاسُ هذا على نحوِ { ربِّ الْعَالَمِِينَ } لِمَا بَيْنَهُمَا مِن الفرقِ الجليِّ المَعْنويِّ، وأمَّا قولُ المصريِّ: الوقفُ على خَتْمِ اللهِ قبيحٌ، والابتداءُ باللهِ أقبحُ، فليسَ بصحيحٍ؛ لأنَّ الوقفَ على ختمِ اللهِ حَسَنٌ، إلا أنَّهُ يَبْدَأُ بما قبلَه، والابتداءُ بختمٍ أحسنُ مِن الابتداءِ بالجلالةِ، ثمَّ قولُه: وقد يكونُ الوقفُ قبيحًا والابتداءُ به جيِّدًا نحوُ قولِه تعالى: { مَن بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَا هذا } فإنَّ الوقفَ على (هذا) قبيحٌ؛ لفصلِه بينَ المبتدأِ والخبرِ؛ ولأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ الإشارةَ إلى (مَرْقَدِنَا) وليسَ كَذَلِكَ عندَ أَئِمَّةِ التفسيرِ، ففيه تنبيهٌ حَسَنٌ، إلا أنَّ الأقبحَ منه وصلُ (مَرْقَدِنَا) فإنَّ وَقْفَه عندَ أربابِ الوقوفِ لازمٌ، لما سَبَقَ، وإنْ وُصِلَ هذا بما بعدَه لحصولِ تَوَهُّمِ ما تقدَّمَ، واختارَ حفصٌ عَن عَاصِمٍ السكتَ على (مَرْقَدِنَا) وهو وقفَةٌ لطيفةٌ مِن غيرِ تنَفُّسٍ لحصولِ هذا المعنى، ولدفعِ تَوَهُّمِ ذلكَ المبنى؛ ولأنَّ هذا وما بعدَه معَ ما قبلَه داخلانِ في أجزَاءِ مقولِهم،فلا يَحْسُنُ القطعُ بالكُلِّيَّةِ بينَ مقولِهم، فَتَأَمَّلْ؛ فإنَّه موضعُ تحقيقٍ ومَحَلُّ تدقيقٍ، كما اختارَ السكتَ أيضًا على قوله في سورةِ الكهفِ { وَلَمْ يَجْعَلْ له عِوَجًا } وغيرُه جعلَ وَقْفَه مُطْلَقًا، معَ أنَّهُ مِن رؤوسِ الآىِ، ويتبيَّنُ لكَ وجهُ سكتِه وسببُ العُدُولِ عن وقفِه ممَّا حكاهُ بعضُهم مِن أنَّهُ سمِعَ شيخًا يُعْرِبُ لِتِلْمِيذِهِ (قَيِّمًا) مِن قولِه تعالى: { ولم يَجْعَلْ له عِوَجًا قَيِّمًا } صفةً لِعِوَجًا قالَ فَقُلْتُ له: يا هذا كيفَ يكونُ الْعِوَجُ قَيِّمًا وَتَرَحَّمْتُ على مَن وقفَ من القُرَّاءِ على ألفِ التنوينِ في (عِوَجًا) وَقَفَةً لطيفةً دفعًا لهذا الوهمِ وإنَّما (قَيِّمًا) حالٌ إمَّا مِن اسمٍ محذوفٍ هو وعاملُه، أي أَنْزَلَه قَيِّمًا، وإمَّا مِن (الكتابِ) وجملةُ النفيِ مَعْطُوفةٌ على الأَوَّلِ ومُعْتَرِضَةٌ على الثاني على ماذكرَه المُفْتِي).[المنح الفكرية:1/57-65]


- قال عبد الرَّازق بنُ عليِّ بنِ إبراهيمَ موسى (ت:1429هـ): (بابُ الوقْفِ والابتداءِ وما يَتعلَّقُ بهما:
لما فرَغَ الناظمُ من الكلامِ على المدِّ شرَعَ في الكلامِ على الوقْفِ والابتداءِ فقالَ:


73 - وبعـدَ تجويـدِك للحــروفِ = لابـدَّ مِـنْ معْرِفَـةِ الوُقُـــوفِ
74 - والابتِـداءِ وهـي تنقسِمُ إذنْ = ثلاثةٌ تـامٌّ وكــافٍ وحسَـــنْ

أيْ بعدَ ما أَتْقَنْتَ أيُّها القارئُ مَخارجَ الحروفِ وصفاتِها والإدمانَ في تجويدِها وتلاوتِها، وكيفيَّةَ النطقِ بها لابدَّ لك من معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، ومعرفةُ الوقْفِ والابتداءِ متأكِّدٌ غايةَ التأكيدِ وهو من متعلِّقاتِ التجويدِ إذ لا يَتبيَّنُ معنى كلامِ الله ويَتمُّ على أكمَلِ وجهٍ إلا بذلك فربما قارئٌ يَقرأُ ويقِفُ قبلَ تمامِ المعنى فلا يَفهمُ هو ما يَقرأُ ومن يَسمعُه كذلك، ويَفوتُ بسببِ ذلك ما لأجلِه يُقرأُ كتابُ اللهِ ولا يَظهرُ مع ذلك وجهُ الإعجازِ بل قد يُفهمُ من ذلك غيرُ المعنى المرادِ وهذا فسادٌ عظيمٌ.
ولهذا اعتَنَى بعلْمِه وتعليمِه والعملِ به المتقدِّمون والمتأخِّرون وألَّفُوا في ذلك من الدواوين المطوَّلةِ والمتوسِّطةِ والمختصَرةِ ما لا يُعدُّ كثرةً ومن لم يَلتفتْ لهذا ويقِفْ أين شاءَ، فقد خرَقَ الإجماعَ وحادَ عن إتقانِ القراءةِ وتمامِ التجويدِ وهو الغالبُ في قراءةِ قرَّاءِ زمانِنا فإيَّاكَ إيَّاكَ أيُّها القارئُ أن تَفعلَ مثلَهم، والدليلُ على وُجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ من قولِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأصحابِه ما يلي: حديثُ أبى بَكرةَ أن جبريلَ عليه السلامُ: أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَ: اقْرأ الْقُرْآنَ على حرفٍ، فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه فقالَ: اقرأْ على حرفَيْن فقالَ ميكائيلُ: استزِدْه حتى بَلغَ سبعةَ أحرُفٍ، ثم قالَ: كلٌّ شافٍ كافٍ ما لم تَختمْ آيةَ عذابٍ بآيةِ رحمةٍ، أو آيةَ رحمةٍ بآيةِ عذابٍ. ورُويَ عن ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: لقد عِشْنا برهةً من دهرِنا، وإنَّ أحدَنا ليُؤْتى الإيمانَ قبلَ القرآنِ، وتَنزلُ السورةُ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فنَتعلَّمُ حلالَها وحرامَها، وأمرَها وزجرَها، وما يَنبغي أن يُوقفَ عندَه منها، وقالَ عليٌّ رضيَ اللهُ عنه لما سُئلَ عن قولِه تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً} (المزمل: آية 4) الترتيلُ معرفةُ الوقوفِ وتجويدُ الحروفِ، وقال ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما: يوقَفُ عندَ قولِه تعالى: {أِنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} (غافر: آية 6)، مقدارُ ما يَشربُ الشربةَ من الماءِ، وقال غيرُه مقدارَ ما يُقالُ: أعوذُ باللهِ من النارِ ثلاثَ مراتٍ، وقال ابنُ الْجَزْرِيِّ في النشْرِ، بعد أن ذكَرَ ما قدَّمناه عن عليٍّ وابنِ عمرَ، ففي كلامِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه دليلٌ على وجوبِ تعلُّمِ الوقْفِ والابتداءِ ومعرفتِه وفي كلامِ ابنِ عمرَ برهانٌ على أنَّ تعلُّمَه إجماعٌ من الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم.
ومن ثَمَّ اشتَرطَ كثيرٌ من أئمَّةِ الخلَفِ على المُجيزِ ألاَّ يُجيزَ أحداً إلا بعدَ معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ، وفي نهايةِ القولِ المفيدِ ورُويَ أنَّ رجلَيْن أَتَيَا النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فتشهَّدَ أحدُهما فقالَ: من يُطِع اللهَ ورسولَه فقد رَشدَ ومن يَعصِهما ووقَفَ، فقالَ له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قُمْ بئسَ الخطيبُ أنتَ قلْ: ومنْ يَعصِ اللهَ ورسولَه فقد غَوى، ففي هذا الخبرِ دليلٌ واضحٌ على كراهةِ الوقْفِ على المستبْشَعِ من اللفظِ المتعلِّقِ بما يُبيِّنُ حقيقتَه ويدلُّ على المرادِ منه، لأنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إنما ذمَّ الخطيبَ وأقامَه، لما قطَعَ على ما يَقبحُ إذ جمَعَ بقطعِه بينَ حالِ من أطاعَ ومن عَصى ولم يَفصلْ بينَهما، يقولُ صاحبُ نهايةِ القولِ المفيدِ معلِّقاً على هذا الحديث: فإذا كان مثلُ هذا مكروهاً مستبشَعاً في الكلامِ الجاري بينَ المخلوقين فهو في كلامِ اللهِ تعالى أشدُّ كراهةً واستبشاعاً، وتجنُّبُه أَوْلى وأحقُّ، فيجبُ علينا أن نَهتَمَّ بمعرفةِ الوقْفِ والابتداءِ خُصوصاً القائمين على مراجعةِ المصاحفِ وطباعتِها، فعَلَيهم أن يَعتمدوا الكتُبَ الصحيحةَ المؤلَّفَةَ في هذا الشأنِ، ولا يعملون برأيِهم وهم على درجةٍ أقلَّ من مستوى العلماءِ في اللغةِ العربيَّةِ المتخصِّصين في هذا الفنِّ، ومع ذلك يقولون: إنَّ هذه الكُتبَ يُستأنسُ بها فقط ويَعملُ برأيه مخالِفاً لها تكبُّراً وعِناداً، وابتغاءً للشهرةِ ظنًّا منه أنه سيكونُ في نظَرِ الناسِ أعلى ممن تتَلمَذَ عليهم وانتفعَ بكتبِهم، ويقولون: المصحفُ لم يكن فيه هذه العلاماتُ على عهدِ عثمانَ رضيَ اللهُ عنه وينْسونَ أنَّ الذين وَضعُوها - أي علاماتِ الوقفِ - من العلماءِ الذين درَسوا اللغةَ والتفسيرَ والبلاغةَ، بدرجةٍ كبيرةٍ ليس هناك نسبةٌ بينَ هؤلاءِ المحدَثين والقدماءِ في هذا المجالِ، هدانا اللهُ وإيَّاهم.
إذا علمْتَ هذا أيُّها القارئُ، فاعلَمْ أنَّ الوقْفَ في اللغةِ الكفُّ عن القولِ والفعلِ.
وفي الاصطلاحِ: قطْعُ الصوتِ على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ زمناً يُتنفَّسُ فيه عادةً بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ، فقولُنا: قطْعُ الصوتِ: جنسٌ يَشملُ الوقفَ والسكْتَ والقطعَ وقولُنا على آخِرِ الكلمةِ الوضعيَّةِ نحوَ: {كُلَّمَا} فإن آخِرَها وضْعاً الألفُ وقولُنا زمناً يُتنفَّسُ فيه، فصلٌ آخَرُ أخرَجَ السكْتَ، فإنه قطْعُ الصوتِ زمناً من غيرِ تنفُّسٍ. وقولُنا بنيَّةِ استئنافِ القراءةِ خرَجَ به القطْعُ أي قطْعُ القراءةِ بدونِ الرجوعِ إليها. وقولُنا عادةً فصلٌ آخَرُ أخرَجَ القطْعَ أيضاً فإنه الإعراضُ عن القراءةِ بالكليَّةِ، والسببُ الداعي إلى معرفةِ الوقْفِ والابتداءِ كما قالَه الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه لما لم يُمَكَّن القارئُ أن يَقرأَ السورةَ أو القصَّةَ في نفَسٍ واحدٍ ولم يَجزْ التنفُّسُ بينَ كلمتين حالةَ الوصْلِ بل ذلك كالنفَسِ في أثناءِ الكلمةِ وَجبَ حينئذٍ اختيارُ وقْفٍ للتنفُّسِ فيه والاستراحةِ وتعيَّنَ أيضاً ابتداءٌ بعدَ التنفُّسِ والاستراحةِ، وتَحتَّمَ أن لا يَكونَ ذلك مما يُحيلُ المعنى، ولا يُخلُّ بالفهْمِ إذ بذلك يَظهرُ الإعجازُ ويَحصلُ القصدُ، وكذلك حضَّ الأئمَّةُ على تعليمِه ومعرفتِه كما قدَّمْنا.
ثم اعلمْ أيُّها القارئُ أنَّ الوقْفَ ثلاثةُ أقسامٍ، اختباريٌّ بالموحَّدةِ، واضطراريٌّ واختياريٌّ بالياءِ المثنَّاةِ من تحتَ.
فالاختباريُّ بالموحَّدةِ، متعلِّقُه الرسمُ العثمانيُّ لبيانِ المقطوعِ من الموصولِ، والهاءِ المربوطةِ من التاءِ المجرورةِ والثابتِ من المحذوفِ من حروفِ المدِّ، ويَلحقُ بهذا الوقْفِ وقفُ القارئِ لإعلامِ غيرِه بكيفيةِ الوقفِ على الكلمةِ بكونِه عالماً بها ولهذا يُسمَّى اختباريًّا وحكْمُه الجوازُ بشرطِ أن يَبتدئَ الواقفُ بما وَقفَ عليه ويصلَه بما بعدَه، ويأتي الكلامُ عليه قريباً.
والاضطراريُّ: هو الوقْفُ عندَ ضِيقِ النفَسِ والتعَبِ ونحوِهما.
والاختياريُّ: هو الذي يَقصِدُ القارئُ الوقْفَ عليه لكن تارةً يُفهمُ منه معنًى، وتارةً لا، فالأوَّلُ يَنقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: وقْفٌ تامٌّ، وكافٍ وحسَنٌ وهذا هو المرادُ بقولِ الناظمِ:

74- والابتـداءِ وهـي تنقسمُ إذنْ = ثلاثةٌ تـامٌّ وكــافٍ وحسَـــنْ
75 - وهـي لِمَا تـمَّ فإن لم يُوجـدِ = تعلُّـقٌ أو كان معنَـى فــابْتَـدِي

يعني أنَّ الأقسامَ الثلاثةَ مختَصَّةٌ بالكلامِ على الذي معناه والمرادُ بتمامِ المعنى أن يكونَ للكلامِ معنًى يُفهمُ، بأن اشتَملَ على رُكْنَي الجملةِ، من مُسنَدٍ ومسنَدٍ إليه. ووجْهُ ضبْطِ الثلاثةِ أن يقالَ: إذا وُقفَ على كلامٍ معناه، فإما أن لا يكونَ له تعلُّقٌ بما بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، أو يكونَ له تعلُّقٌ به لفظاً ومعنًى، أو معنًى فقطْ، فالأوَّلُ التامُّ والثاني الحسَنْ، والثالثُ الكافي: وقولُ الناظمِ رحمَه اللهُ تعالى:


75- ................ فإنْ لم يُوجـدِ = تعلُّـقٌ أو كان معنًى فــابْتَـدِي
76 - فالتـامُّ فالكـافى ولفظاً فامنَعَنْ = إلا رءوسَ الآيِ جـوِّزْ فالحسَنْ


إشارةً إلى بيانِ حُكْمِها مع بيانِ الفرْقِ بينَها، فالتامُّ هو الذي لا تعلُّقَ له بما بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه والابتداءُ بما بعدَه.
والكافي هو الذي تعلَّقَ بما بعدَه معنًى لا لفظاً، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه، والابتداءُ بما بعدَه كالتامِّ، وهذا معنى قولِه: فإن لم يُوجدِ تعلُّقٌ، أي أصلاً لا لفْظاً ولا معنًى، أو كان معنى، أي فيه تعلُّقٌ معنًى لا لفظاً، فابتدئْ أنت بما بعدَه في القسمين وقلْ في الوقْفِ الأوَّلِ منهما، وهو الوقْفُ التامُّ، والثاني هو الوقْفُ الكافي.
والحسَنُ هو الوقْفُ الذي تعلَّقَ بما بعدَه لفظاً ومعنًى، وحكمُه جوازُ الوقْفِ عليه، وعدَمُ جوازِ الابتداءِ بما بعدَه إلا رءوسَ الآيِ جَوِّزْ، أيْ فيجوزُ الابتداءُ بما بعدَه، وقَلَّ الوقْفُ عليه هو الحسَنُ، والمرادُ بالتعلُّقِ المعنويِّ أي يَتعلَّقُ المتقدِّمُ بالمتأخِّرِ من حيثُ المعنى، لا من حيثُ الإعرابِ، كالإخبارِ عن أحوالِ المؤمنين أو الكافرين أو تمامِ قصَّةٍ، وبالتعلُّقِ اللفظيِّ أن يَتعلَّقَ به من حيثُ الإعرابُ كأن يكونَ موصوفاً. للمتأخِّرِ، أو معطوفاً عليه المتأخِّرُ، فمثالُ الوقفِ التامِّ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة: آية 5)، {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (البقرة: آية 29)، {وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ} (إبراهيم: آية 43)، {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة:آية 15)، وأكثرُ ما يُوجدُ في رءوسِ الآيِ، وتمامِ القَصصِ وآخِرِ السورِ، وقد يُوجدُ التامُّ قبلَ تمامِ الفاصلةِ نحوُ: {وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} (النمل: آية34)، إذ هو آخِرُ كلامِ بلقيسَ، وقولُه: {وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}، هو من كلامِ اللهِ جَلَّ ذكْرُه، وهو رأسُ آيةٍ، بإجماعٍ، وقد يكونُ التامُّ بعدَ تمامِ الفاصلةِ نحوُ: و {إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِالَّيْلِ} (الصافات: آية 137، 138)، وهو تامٌّ اتفاقاً، والفاصلةُ {مُصْبِحِينَ} قبلَه، وقدْ يكونُ على قراءةٍ دونَ قراءةٍ، كقولِه تعالى: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللهِ} (إبراهيم: آية 2،1) هو تامٌّ على قراءةِ رفْعِ لَفْظِ الجلالةِ بعدَه وحسَنٌ على قراءةِ الخفْضِ.
قال في النشْرِ: قد يَتفاضلُ التامُّ في التمامِ نحوُ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، كلاهما تامٌّ، إلا أنَّ الأوَّلَ أ من الثاني لاشتراكِ الثاني مع ما بعدَه في معنى الخطابِ، بخلافِ الأوَّلِ ا هـ.
وسُمِّيَ تامًّا لتمامِ لفظِه وانقطاعِ ما بعدَه عنه في اللفظِ والمعنى، ومثالُ الكافي، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة: آية3) {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (البقرة: آية 4)، {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (البقرة:آية 5)، وسُمِّيَ كافياً لكفايتِه مع وجودِ التعلُّقِ المعنويِّ نظراً إلى عدمِ التعلُّقِ اللفظيِّ، ويُسمَّى أيضاً مفهوماً، واحتجَّ له الداني بما في صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه، قالَ: قالَ لي النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قلتُ: أَأَقرأُ عليكَ وعليكَ أُنزلَ؟ قالَ: فَأُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي، فقرأتُ عليه سورةَ النساءِ حتى إذا بلغتُ: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيداً}.
فقال: أَمْسِكْ. فإذا عيناه تَذرِفان ا هـ. وهو استدلالٌ ظاهرٌ لأنَّ القطْعَ أبلغُ من الوقْفِ والوقْفُ عليه كافٍ، فلو كان الوقْفُ عليه غيرَ سائغٍ ما أَمَرَ به صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قرْبِ التامِّ المجمَعِ عليه، وهو (حديثاً) بعدَه ومثالُ الوقْفِ الحسَنْ الذي يَجوزُ الوقفُ عليه ولا يَجوزُ الابتداءُ بما بعدَه كالوقفِ على {الْحَمْدُ للهِ} فإنك إذا وقفْتَ عليه، وابتَدأتَ بربِّ العالمين فقد فصَلْتَ بينَ النعْتِ والمنعوتِ وابتدأتَ بمجرورٍ، ولا يَجوزُ ذلك لأنَّ المجرورَ معمولٌ، والعاملُ والمعمولُ كشيءٍ واحدٍ، ولأنك إذا ابتدأْتَ بشيءٍ فقد عرَّيْتَه عن العواملِ اللفظيَّةِ، وهو المبتدأُ، والمبتدأُ مرفوعٌ وهو مخفوضٌ، ومثالُ الحسَنِ الذي يَجوزُ الوقْفُ عليه والابتداءُ بما بعدَه كالوقْفِ على {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وعلى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ولجوازِ الوقْفِ عليه والابتداءِ بما بعدَه أمرَان:
الأوَّلُ: أنّ رءوسَ الآيِ فواصلُ بمنزلةِ فواصلِ السجْعِ والقوافي.
الثاني: أن النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقفُ على رءوسِ الآيِ، بل جَعلَ جماعةٌ الوقفَ على رءوسِ الآيِ سنَّةً، واستدلُّوا على ذلك بحديثِ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها، أنّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان إذا قرأَ قَطَّعَ قراءتَه آيةً آيةً يقولُ: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يَقفُ {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يَقفُ {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ويُسَمَّى أيضاً صالحاً، وإنما ذكَرُوه ليتَّسِعَ الأمرُ على القارئِ فربما ضاقَ نفسُه قبل الوصولِ إلى التمامِ أو الكافي.
لاسيَّما من كان ضيِّقَ الحنجرةِ ثم لا يَستطيعُ أن يَتكلَّمَ بكلامٍ كثيرٍ في نفَسٍ واحدٍ.
فيقفُ على الجائزِ فهو أَوْلى من الوقوفِ على كلامٍ لم تَحصُلْ لسامعِه فائدةٌ.
والثاني وهو الذي لا يَتمُّ معناه عندَ الوقفِ يُسمَّى قبيحاً، وقد أشارَ له الناظمُ بقولِه:


77 - وغـيرُ ما تَـمَّ قبيــحٌ ولــهُ = يُوقــفُ مضطـرًّا ويُبـدَا قبلَـــهُ

أي يَمتنعُ على القارئِ أن يَقفَ على موضعٍ لم يَتمَّ الكلامُ فيه ولم يَنقطعْ عمَّا بعدَه لا لفظاً ولا معنًى، ولا معنًى فقط، وللقارئِ أن يَقفَ عليه حالَ اضطرارِه لانقطاعِ نفَسٍ أو نحوِه، ومن ثم سُمِّيَ هذا الوقفُ وقفَ الضرورةِ، لكن إذا وَقفَ عليه أن يَبتدئَ بالكلمةِ التي وَقفَ عليها ليَصلَ الكلامَ بعضَه ببعضٍ، ومثالُه: الوقْفُ على المضافِ دونَ المضافِ إليه، وعلى الرافعِ دونَ مرفوعِه، وعلى الناصبِ دونَ منصوبِه، وعلى الشرْطِ دونَ جوابِه، وعلى الموصوفِ دونَ صفتِه، إذا لم يَتمَّ معناه بدونِها وعلى المعطوفِ عليه دونَ المعطوفِ، إلا إذا كَثُرَت المعطوفاتُ، وطالَ الكلامُ وعَجَزت الطاقةُ عن بلوغِ الوقفِ فيَجوزُ، أو كان عطفَ جملةٍ على جملةٍ أيضاً فيَسوغُ لأنهما يَجريان مجْرَى الجملتين المستغنيَةِ إحداهُما عن الأُخرى، فاللاَّحقةُ كالمنفصِلةِ عن السابقةِ, وأقبحُ من الوقْفِ القبيحِ ما يُفسدُ المعنى لإيهامِه خلافَ المقصودِ كقولِه تعالى: {وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَِبَوَيْهِ} (النساء: آية 11) إن وَقفَ على أبويه لأنه يُوهم أن النصْفَ للبنتِ وللأبوين، وليس كذلك بل البنتُ لها النصْفُ والأبوان لكلٍّ منهما السدُسُ، على التفصيلِ المأخوذِ من الآيةِ، فالوقْفُ على النصْفِ وهو كافٍ، ومثلُه {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (هود: آية 6) إن وُقفَ على (بِجَنَاحَيْهِ) لأنه يُوهمُ نفْيَ ما هو مشاهدٌ وهو مكابرةٌ وجحْدٌ للضرورةِ، فالوقفُ على أمثالِكم، وهو كافٍ، ومثلُه {يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ} (الإنسان: آية 31) إذا وُقفَ على الظالمين لأنه يُوهم أن الظالمين داخلون في رحمةِ اللهِ وليس كذلك.
وأقبحُ من هذا ما أَوْهمَ فسادَ المعنى، وفيه سوءُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى: كقولِه تعالى: {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة: آية 258) إن وُقفَ على الجلاَلةِ إذ ما فيه من فسادِ المعنى وسوءِ الأدبِ ظاهرٌ لا يَنبغي لأحدٍ التفَوُّه به ومثلُ هذا في القُبحِ أو أقبحُ منه، أن يَقفَ على المنفيِّ الذي يأتي بعدَه الإيجابُ وفي الإيجابِ إثباتُ وصْفٍ له جلَّ وعَلا، أو لرُسلِه نحوَ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} (محمد: أية 19) إن وُقفَ على إله، ومثلُ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} (الإسراء: آية 105) إن وُقفَ على أَرْسَلْنَاكَ.

والحاصلُ أنَّ القارئَ يُندبُ له الوقْفُ على التامِّ فإن لم يُمكنْه ذلك أو يُمكنْه ولكن يَشقُّه فيقفَ على الكافي، فإن لم يُمكنْه، فعلى الجائزِ ويُعيدُ ما وَقفَ عليه، إلا أن يكونَ رأسَ آيةٍ، ولا يَعدلُ عن هذه إلى المواضعِ التي يَقبحُ الوقفُ عليها إلا من ضرورةٍ وإن لم يَفعلْ فإن لم يَحصُلْ فسادٌ في المعنى عُوتِبَ ولا إثمَ عليه، وإلا أثِمَ. ثم قالَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى:


78 - وليس فـى القرآنِ من وقفٍ وَجَبْ = ولا حـرامٌ غيرَ ما لــه سبـــبْ

أخبرَ الناظمُ رحِمَه اللهُ تعالى: أنه ليس في الْقُرْآنِ وقفٌ واجبٌ إذا ترَكَه القارئُ أَثِمَ ولا حرامٌ إذا فعلَه أثِمَ لأن الوقفَ والوصلَ لا يَدلاَّن على معنى حتى يَختلَّ بذهابِهما: والحاصلُ منهما إيهامُ خلافِ المرادِ في المواضعِ التي نُهِيَ عن الوقفِ عليها، أو أُمِرَ به، إنما هو لتوهُّمِ السامعِ استقلالَ ما بعدَها، أو اتِّصالَه مع كونِه خلافَ الواقعِ، فليس التوهُّمُ من ذاتِ الوقْفِ والوصلِ، فلا يكونُ الوقْفُ واجباً ولا حراماً، إلا أن يكونَ له سببٌ يَستدعي تحريمَه، فيَحرمُ كأن يَقصدَ الوقْفَ على {مَا مِنْ إِلَهٍ}، {إِنِّي كَفَرْتُ} ونحوِهما من غيرِ ضرورةٍ، هذا إذا كان قلبُه مطمئِنًّا بالإيمانِ وإلا فقدْ خرَجَ عن دِينِ الإسلامِ، أعاذنا اللهُ من ذلك، فإن لم يَقصدْ ذلك لم يَحرُمْ، ومع عدَمِ القصْدِ فالأحسَنُ أن يَجتنبَ الوقْفَ على مثلِه بالتيقُّظِ وعدَمِ الغفلةِ دفعاً لإيهامِ أنه وَقفَ على ذلك عمْداً.
واعلمْ أن الابتداءَ يُطلبُ منه ما يُطلبُ في الوقْفِ، فلا يكونُ إلا بمستقلٍّ في المعنى، موفٍ بالمقصودِ، يُستفادُ منه معنًى صحيحٌ، بل هو آكَدُ، إذ اعتبارُ حسْنِ مطالِعِ الكلامِ، وأوائلِه، أَوْلى من مُنتهاه وآخِرِه، ولأنه لا يكونُ إلا اختياراً بخلافِ الوقْفِ، فربَّما تَدعو إليه ضرورةٌ، وتَتفاوتُ مراتبُه كتَفاوتِ مراتبِ الوقْفِ من التامِّ، والكافي والحسَنِ، وقد يكونُ الابتداءُ قبيحاً، كالوقْفِ ويَتفاوتُ في القبْحِ، فلو وُقفَ على {مَرَضٌ} من قولِه تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} (الأحزاب: آية 12)، أو على {مَا وَعَدَنَا اللهُ} (الأحزاب: آية 12) ضرورةً كان الابتداءُ بالجلالةِ قبيحاً وبـ (وَعَدَنَا) أقبحَ منه، وبـ(ما) أقبحَ منهما. وقد يكونُ الابتداءُ أشدَّ قبْحاً من الوقْفِ، كما إذا وُقفَ على (قالوا) من قولِه تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ} إلخ الآيةِ (آل عمران: آية 181) {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ} في الآيتَيْن (المائدة: آية 72)، وابتدأَ بأن اللهَ بل الوقْفُ على {أَغْنِيَاء}، و {مَرْيَم} و {وَاحِد} والابتداءُ بعدَهن ومثلُه الوقْفُ على: {وَقَالَت الْيَهُودُ}، {وَقَالَت النَّصَارَى}، {وَقَالَت الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ}، {وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}.
والابتداءُ بـ{يَدُ اللهِ} و {عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ}، و {الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ}، بل الوقْفُ على أيديِهم وعلى الجلالةِ وقد كان بعضُ السلَفِ إذا قَرأَ ما أخْبرَ اللهُ به من مقالاتِ الكفارِ يَخفِضُ صوتَه بذلك حياءً من اللهِ عزَّ وجلَّ، أن يَتفوَّه بذلك بينَ يديْهِ، وهو أدبٌ حسَنٌ، ورُويَ أن رجلاً قالَ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أوصِني يا رسولَ اللهِ قالَ: "اسْتَحِ مِنَ اللهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ قَوْمِكَ" اللهم ارزقْنا التوفيقَ وتجاوَزْ عن تقصيرِنا. آمين).[الفوائد التجويدية:؟؟]


قال عبدُ الباسطِ بنُ حامدِ بنِ محمد هاشم:(المبحث الثاني عشر: في بيان الوقف والابتداء
وهو مبحث من أهم المباحث وأنفسها، قال العلماء: إن بيان الوقف والابتداء نصف علوم التجويد، وسئل الإمام علي عن قوله تبارك وتعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} فقال: هو تجويد الحروف، ومعرفة الوقوف. وقال الإمام الهذلي في (كامله): الوقف حلية التلاوة، وزينة القارئ، وبلاغ التالي، وفهم المستمع، وفخر العالم.
والأصل فيه ماروي عن القاسم بن عوف البكري قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما: يقول لقد عشنا برهة من دهرنا، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما أمره ولا زجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه.
قال النحاس: هذا دليل على أنهم كانوا يتعلمون الوقوف.
وقول ابن عمر: كنا، فيه دليل على أن ذلك إجماع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والوقف لغة: هو الكف عن الشيء مطلقاً.
واصطلاحاً: قطع الصوت على الكلمة زمناً يتنفس فيه بنية استئناف التلاوة، ويأتي في رؤوس الآيات ووسطها مع النفس ولابد، وأما السكت فلا تنفس فيه.
والقطع لغة: هو الإبانة والازالة، واصطلاحاً: هو قطع صوت القارئ عن القراءة بنية الانتهاء منها، ولا يكون إلا على ما تم معناه. وهناك جم غفير من العلماء لايفرقون بين الوقف والقطع، ويقولون هو بمعنى واحد. ولسنا من هؤلاء إذ كيف يتفق قطع القراءة والوقف بنية استئنافها؟‍ لايستويان. هذا والوقف بنية الواقف ينقسم إلى أربعة أقسام: -
أولاً: وقف اختياري، وهو ما يستحسنه القارئ فيقف عليه.
ثانياً: وقف اضطراري، وهو ما يضطر القارئ للوقوف عليه لنفس ضاق أو سعلة أو غير ذلك.
ثالثا ً: وقف انتظاري، وهو ما وقف القارئ عليه لعطف قراءة أو رواية أخرى إن كان يقرأ بالقراءات.
رابعاً: وقف اختباري، وهو ما يطلب الشيخ من تلميذه الوقف عليه بنية اختباره كيف يقف؟ وسمى العلماء هذا النوع بوقف الابتلاء. قال الإمام الداني: من لم يعلم وقف الابتلاء لم يكن يوماً من العلماء.
والابتلاء هو الاختبار.
والكلام في هذا الباب إن شاء الله في النوع الأول من هذه الأربعة، وهو الوقف الاختيارى.
وينقسم الوقف الاختياري عند الإمام ابن الجزري وأتباعه إلى أربعة أقسام:
تام، وكاف، وحسن، وقبيح. وإليك بيانها.
فالتام: مالا تعلق قبله ولا بعده معنى ولا لغة، فهو قائم بذاته، وقد بلغنا أن جبريل عليه السلام أوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عشر كلمات أثناء العرضة الأخيرة، وقالوا إن جميعها تامة فلننظر.
أولها: {ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات} بسورة البقرة، وفي رأيي أنه تام.
ثانياً: {قل صدق الله} وهو عندي ليس بتام؛ لفاء السببية بعده، والراجح أنه من الوقوف الكافية.
الثالث: {ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات} بسورة المائدة، وهو عندي تام.
الرابع: {قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ماليس لي بحق} وهو كاف ليس تاماً؛ لأن مقول القائل لم ينته.
خامساً: {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله} بسورة يوسف، وهو كاف ليس بتام؛ لأن الدعوة إلى الله لا تكون إلا على بصيرة.
سادساً: {كذلك يضرب الله الأمثال} بسورة الرعد، وهو تام لا شك فيه
سابعاً: {والأنعام خلقها} بسورة النحل وهو كاف ليس بتام؛ لتعلق ما بعده به معنى ولغة.
الثامن: {أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً}، وهو تام لا مرية فيه لانتهاء الاستفهام.
تاسعاً: {ثم أدبر يسعى فحشر}، بوصل يسعى بحشر، وهو تام عندي؛ لأن قوله {فنادى فقال أنا ربكم} غير السعي في حشر الناس ضد الدعوة.
عاشراً: قوله تعالى {ليلة القدر خير من ألف شهر}، وهو تام لا مرية فيه، ورأس آية.
هذا ومن علامات الوقف التام الابتداء بعده بالاستفهام ملفوظاً أو مقدَّراً، وأيضاً الابتداء بياء النداء {يا أيها الناس} {يا أيها الذين آمنوا} {يا أهل الكتاب}.
أو بفعل أمر مثل قوله: {ادخلوها بسلام} {اقتلوا يوسف} {ادفع بالتي هي أحسن}.
أو بالشرط مع جوابه كقوله تعالى: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه}.
أو بفصل بين آية رحمة وعذاب، أو بالعدول عن الإخبار إلى الحكاية، أو بانتهاء الاستثناء والقول، أو بابتداء بعده بنفي، أو ابتداء بعده بنهي أو فصل بين الصفتين المتضادتين.
ومن الوقف التام الوقف على ما قبل إن الإخبارية، إذا كانت من كلام الحق جل وعلا كقوله: {إن الله غفور رحيم} {إن الله عليم حكيم} {إن الشيطان لكم عدو} وما شابه ذلك.
ولفظ إن في القرآن الكريم على أربعة أنواع: -
أولاً: إن من مقول القائل مثل قوله: {وتب علينا إنك} {وهب لنا من لدنك رحمة إنك}، {ولا تخزنا يوم القيامة إنك}. والوقف على ما قبل هذه الأنواع من قبيل الحسن لامن الكافي ولا من التام.
النوع الثاني: إن السببية كقوله {فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان}، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم}، { لا تعبد الشيطان إن الشيطان}. والوقف على مثل هذا النوع من قبيل الحسن لامن الكافي ولا من التام.
النوع الثالث: ما قصد به تحقيق الاستفهام كقوله: {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور إن}، بسورة العاديات، والوقف على {حصل ما في الصدور} مع أنه رأس آية إلا أنه من قبيل الحسن لا التام ولا الكافي.
النوع الرابع: ما كان من كلام الحق لا يرتبط بماقبله معنى ولا لغة، فالوقف على ما قبله تام كقوله: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم} {واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما}، {إن الله كان عليكم رقيبا}، وقد سبق بيان ذلك.
ومن علامات الوقف التام أيضاً، الوقف على ماقبل حرف الإضراب وهو بل كقوله: {أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون }، {أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون}، وقوله: {ولا هم ينصرون} {بل تأتيهم بغتة} وقوله: {سبحان الله عما يصفون}، {بل أتيناهم بالحق}.
ومعنى الإضراب نفي ما زعموه، وتصديق ما كذبوه. فإن أتت لمضاعفة الذم كقوله: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل}، فلا يوقف على ما قبلها؛ لأنها ليست للإضراب.
وإن أتت لمقول القائل، كقوله:{فسيقولون بل تحسدوننا} فليست للإضراب، فلا يوقف على ما قبلها.
ومن الوقف التام: الوقف على بلى قبل إن مثل قوله تعالى: {بلى إن ربه كان به بصيرا}، فيوقف على بلى، ومثل قوله تعالى: {بلى إنه على كل شيء قدير} أما {بلى وهو الخلاق} فهو من قبيل الوقف الكافي، تلك علامات الوقف التام فلتعيها.
النوع الثاني: الوقف الكافي، هو الوقف على كلمة تعلق ما قبلها وما بعدها بها معنى لا لغة، كقولك: {الحمد لله رب العالمين} فهو كاف، لأن ما بعده متعلق به، وهو {الرحمن الرحيم} والوقف على {الرحمن الرحيم} كاف؛ لأن ما بعده متعلق به معنى، وهو {مالك يوم الدين}، وهذا تام، فـ{الرحمن الرحيم} نعت لـ{رب العالمين}، و{مالك يوم الدين} صفة لـ{لرحمن الرحيم}، وعند {مالك يوم الدين} تم المعنى.
ونحو ذلك {هدى للمتقين} فقوله: {الذين يؤمنون} نعت للمتقين. وقوله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} نعت أيضاً، فالوقف التام على قوله {وأولئك هم المفلحون} فمن قوله تعالى: {هدى للمتقين} إلى {المفلحون} كلها نعوت وصفات، والتام عند قوله: {وأولئك هم المفلحون}، ولا أعني بذلك منع الوقوف عليها فهي رؤوس آي وإنما أعني معرفة التام من الكافي.
وتارة يتفاضل الكافي فهناك كاف وهناك أكفى وهناك أكفى وأكفى، مثل قوله تعالى: {في قلوبهم مرض} هذا كاف، وأكفى منه {فزادهم الله مرضا}، وأكفى منهما {ولهم عذاب أليم}. والتام {بما كانوا يكذبون}.
النوع الثالث من الوقوف:
الوقف الحسن: وهو أقلها شأناً والأحب وصله إن طال النفس إلا في رؤوس الآي، ويعفى عنه أيضاً في القصص الطويل وتعريفه:
هو الوقف على لفظ تم معناه وتعلق ما قبله وما بعده به معنى ولغة، ولا يحسن الوقف عليه إلا في رؤوس الآي كما تقدم، وفيما طالت قصته، مثل قوله تبارك وتعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله}... إلى آخر الآية. ومثل قوله تعالى: {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا} إلى آخر الآية.
فإن اتسع النفس استحب وصله في غير رؤوس الآي، وإليك أمثلة من الوقف الحسن كقولك: {إياك نعبد} وتقف {الذين يؤمنون بالغيب} وتقف {ويقيمون الصلاة} وتقف {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} وتقف {وما أنزل من قبلك}، {أولئك على هدى من ربهم} وتقف، وهكذا...
كل هذا من قبيل الحسن، ووصله أفضل واجود.
ولنا هنا كلام في الوقوف ينبغي تفصيله والتنبيه عليه، فمثلاً الوقوف على رؤوس الآيات كقوله تعالى: {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}، ثم يبدأ {في الدنيا والآخرة}. إذا قلت له لم؟ قال لك الوقوف على رؤوس الآي سنة.
أقول: إن الوقوف على رؤوس الآي سنة، وتتحقق السنة بالوقوف على سبع آيات أو ثمان آيات في الربع، وعشر آيات في الجزء، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)). وكان رسول الله يقف على رؤس الآيات؛ ليبين رأس الآية. فإذا تعارض الوقف على رأس الآية مع المعنى قدم المعنى؛ لقول الله تبارك وتعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} وأنى لنا أن نتدبر مع اختلال المعنى ونقصه؟ لذا يفضل وصل الآية بقوله: {في الدنيا والآخرة} فتقول {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } وإلا فأنبئني إذا قلت: {أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة}. هل يستقيم المعنى؟ كلا والله، وكذلك قوله تبارك وتعالى: {وأنزل التوراة والإنجيل} وتبدأ: {من قبل هدى للناس}. أيليق أن أقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من قبل هدى للناس؟‍
هذا اختلال في المعنى، فإذا وصلنا مثل هذه الآيات المرتبطة معنى لانخل بسنة رسول الله أبدا فإن مراعاة المعنى في القرآن واجب، فاذا لم يختل المعنى سُن لنا أن نقف على رؤوس الآيات سنة مؤكدة، {وقيل لهم أين ما كنتم تشركون} وبعد (هذا) أبدأ وأقول: {من دون الله قالوا ضلوا عنا} ألذلك معنى؟‍
{أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة} وهل للشيطان سلطان علينا في الآخرة {من دون الله هل ينصرونكم أوينتصرون} ما معنى ذلك؟ ‍
فمثل هذه الآيات ينبغي وصلها، ولا أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسن ما يتعارض مع معاني القرآن وتدبره، فإن قلت أليست رؤوس آيات قلت للبيان لا لحتمية الوقف، وإنما يوقف على رؤوس الآيات إذا لم تخل بالمعنى، وإلا فقل لي بربك أتستطيع أن تقول: {بسم الله الرحمن الرحيم من دون الله قالوا ضلوا عنا } ما معنى هذا؟ وكأني بقائل يقول لي الوقوف على رؤوس الآي سنة متبعة. أقول: وتدبر كلام الله فرض وهو أقوى وأعظم من السنة.
ومن الوقوف التامة التي لم يشر إليها كتَّاب المصحف رحمهم الله قول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} فالوقف على سمعهم تام؛ لأن الواو عطف مغايرة بين ما يستحق الختم وما يستحق الغشاوة، وإلم يكن تاما فهو كاف، ومنه في سورة النحل: {وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر} وتقف ثم تبدأ {والنجومُ مسخرات}، على أنه عطف مغايرة، وإنما لايصلح الوقف عليه على قراءة من قرأ: {والنجومَ}. أما على قراءة من قرأ: {والنجومُ} وهو حفص، فالوقف على هذا كاف على الأقل على أن الشمس والقمر والليل والنهار نعَم كبرى والنجوم أقل منها شأوا، ومثال قوله تبارك وتعالى {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، ثم يبدأ القارئ فيقول: {فاذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة} أهذا كلام؟ أين جواب شرط {فإذا أمنتم}؟ لابد من الوقف على قوله: {فإذا أمنتم} أي فإذا أمنتم يا من أحصرتم ولم تتموا العمرة فأتموا العمرة، فجواب الشرط محذوف تقديره: فإذا أمنتم يا من لم تتموا العمرة وأحصرتم فأتموا، هذا جواب الشرط في {فإذا أمنتم}. {فمن تمتع} كلام أخر جوابه: {فما استيسر من الهدي }، وبذلك يستقيم المعنى.
ومن الوقوف الشائعة في سورة البقرة أيضاً. قول الله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} وأصبح هذا الوقف مثلا فكلما كلمت أحداً في نقصان العلم وزيادته قال لك: { واتقوا الله ويعلمكم الله} فكم من تقي ليس بعالم وكم من فاجر عالم، فالوقف الصحيح: {واتقوا الله } ثم نقول: {ويعلمكم الله} فقد يكون العالم غير تقي، وقد يكون التقي أفضل من العالم، كيف لا وقد...

الوجه الثاني
...قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان)) فأوضح صلى الله عليه وسلم أن من المنافقين علماء، ومن الممكن أن يكون حافظا للقرآن قارئا له ومنافق، من الذين قال فيهم رسول الله: ((يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم))، ومن الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم ((تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم)) يعني بهم الخوارج فالعالم شيء، والتقي شيء، وقد يكون العالم أفضل من التقي، وقد يكون التقي أفضل من العالم، فارتباط العلم بالتقوى لا يشترط. فالمطلوب الوقف على {فاتقوا الله} ثم نقف {ويعلمكم الله}.
هذا والوقف على ما قبل الاستدراك ممنوع، والاستدراك هو ولكن المشمولة بالواو، أما لكنّ يجوز الوقف على ما قبلها، لأن لكن بدون واو للفصل بين الشيء والشيء كقوله تبارك وتعالى: {لكن الذين اتقوا} فإن لكن هنا للفصل بين من مأواهم جهنم وبين المتقين، وكذلك { لكن الرسول والذين آمنوا } فإن لكن هنا للفصل بين من جاهد في سبيل الله وبين من لم يجاهد، وقوله { لكنا هو الله ربي} للفصل ما بين الكافر والمؤمن، فالمحذور الوقف على ما قبل ولكن المشمولة بالواو فهي للاستدراك.
وكذلك { ولكن ليبلوكم } لا يوقف على ما قبلها، { والله غالب على أمره ولكن }، {قال بلى ولكن }، { لكل ضعف ولكن } هذه أمثلة الاستدراك الذي لا يوقف على ما قبله.
ومن الوقوف التي لم يشر إليها راسمو المصحف قوله تعالى في سورة النساء: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } جميع القراء يصلونها، يقولون: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } فهل الخوف مرتبط بصلاة السفر؟ لنفرض أننا سافرنا بلا خوف هل نقصر الصلاة أم لا؟
الوقف الواجب هنا {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ونقف، فهذا جواب شرط إذا، وأما شرط {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } فجوابه محذوف، تقديره فاقصروا، فالوقف على { أن تقصروا من الصلاة }،والوقف أيضا على قوله: { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ليتم بيان الحكمين.
ومن الوقوف التامة التي غفل عنها كتَّاب المصحف قوله تبارك وتعالى: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم} لابد أن يوقف على {حرم ربكم} وألا توصل ولا يوقف بـ{عليكم}، لأننا لو وصلناها وقلنا {قل تعالوا أتل ماحرم ربكم عليكم ألا تشركوا } أو لو وقفنا على {حرم ربكم عليكم} لوقعنا في مأزق لغوي خطير، إذ أننا لو قلنا: {حرم ربكم عليكم } وقلنا { ألا تشركوا} (يبقى) حرم علينا ربنا ألا نشرك فماذا أحل لنا؟ أحل لنا أن نشرك {حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } وحرم علينا أن نحسن إلى والدينا، ولا تقتلوا وحرم علينا ألا نقتل، وأحل لنا أن نقتل،وهكذا، لذا فالوقف {حرم ربكم}، ثم نبدأ {عليكم ألا تشركوا به شيئا}، أي فرض عليكم، وكتب عليكم، وأوجب عليكم ألا تشركوا، وبذا يستقيم المعنى.
وقد غفل مصححوا المصحف عن هذا، فغفر الله لنا ولهم.
ومن قوله { عليكم ألا تشركوا به شيئا } إلى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } هذا هو الوقف التام، وما سوى ذلك فحسن، ومن الوقوف التامة قوله تعالى: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة } ونقف، ثم نبدأ { من الأرض إذا أنتم تخرجون }، باقي القراء وجميع القراء يقولون: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} ويقف {ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض } من الداعي؟ الله، فكيف نقول دعوة من الأرض، وهو منزه عن الحلول والجهه والاتصال الانفصال والسفة؟، فلو وصلنا دعوة بالأرض، فقد حوزنا ربنا وجعلنا له مكانا.
قال العلامة الكسائي في بيان الوقف والابتداء: من وصل دعوة بما بعدها بالروم، فقد جهل ربه، وإنما الحال أن تقوم السماء والأرض بأمره روحا، لقول الله تعالى: { قل الروح من أمر ربي ثم إذا دعاكم دعوة} تقومون أجسادا، حينما ينادي المنادي أيتها اللحوم المتناثرة، والشعور المتبعثرة، والعظام النخرة، إن الله يدعوكن لفصل القضاء، تقومون أجسادا، فبأمره أرواحا، وبدعوته أجسادا، ثم نبدأ: {من الأرض إذا أنتم تخرجون } فالوقف هكذا: { ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون } فتعالى صاحب الدعوة عن المكان والزمان.
وجميع المصاحف تجد الوقف على قوله بأمره، ويصلون ما سوى ذلك، وهذا من الخطأ بمكان.
كما يجب الوقف على قوله { ماكان لله أن يتخذ من ولد} بسورة مريم، {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا} بسورة الأنبياء، { وقالوا اتخذ الله ولدا} بالبقرة، فيجب الوقف على الولد في كل هذا، ولا توصل بسبحانه؛ لئلا يكون التسبيح للولد، فإنك لو قلت { ولدا سبحانه } أقررت لله باتخاذ الولد والعياذ بالله، وقليل بل أقل من القليل من المصاحف من ينبه على هذا.
ومما ينبغي الوقوف عليه قوله تعالى في سورة القتال: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم } ولا توصل أبدا بقوله: {وأملى لهم }؛ لأن الإملاء تأخير الآجال، وليس ذلك في يد الشيطان، وإنما معنى ذلك: الشيطان سول لهم وأخر الله آجالهم ليعظم ذنبهم. ولكن جميع القراء يقولون: { الشيطان سول لهم وأملى لهم } وهذا من الخطأ بمكان، وليس في جميع المصاحف الإشارة إلى هذا الوقف أبدا.
وكذلك في سورة الفتح في قوله تعالى: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } من المسبَّح هنا؟ هل الله أم رسوله؟ الواجب الوقف على قوله: { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعذروه وتوقروه } لنفصل بين ضمير رسول الله وضمير الحق جل وعلا، إذ لا يعقل أن يقول: مسلم سبحانك يا محمد. وقد غفلت المصاحف عن هذا الوقف، ولم ينبه أحد عليه.
والوقف على {مبشرا ونذيرا} ليس بتام، لوجود لام التعليل، ولكنه من قبيل الحسن، ولو وصل لكان أجود، نقول: { إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعذروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا }.
والوقف قبل لام التعليل ليس تاما، ولا كافيا، وإنما يتجاوز عنه لو كان رأس آية، فإن لم يكن رأس آية فلابد من وصله، مثال {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله} {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص } { وكف أيدي الناس عنكم ولتكون آية } وقس على ذلك.

وإذا طال المعنى في آية مثل قوله تعالى: { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله } هذا حسن، ولكنه معفو عنه، لطول القصة {قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا} هذا أيضا حسن، { قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } هذا هو الكافي.
فالأولين حسن والثالث كاف، وقد يعفى عن مثل ذلك لطول الكلام، لكن إذا طال النفس استحب الوصل، والوقف على{ تولوا إلا قليلا منهم } تام، وما ذكرته من الوقوف ليس على سبيل الحصر، وإنما لنقيس عليها ما شابهها، فليس المصحف مرجعا للوقوف، فليراعى ذلك.
ومما ينبغي التنبيه عليه الوقف على كلمة: كلا، وقد ذكرت في القرآن الكريم، في النصف التحتي منه ثلاتاً وثلاثين مرة، وخلا منها النصف الفوقي، وقد جوز معقل بن يسار وسيبويه الوقف على جميع: كلا. وفيه نظر، وقال أهل الأداء: الوقف على كلا نوعان:
_ نوع من قبيل الحسن والكافي.
_ ونوع من قبيل التام.
و لنبين ذلك جيدا فنقول: أما التام في كلا فخمس مواضع:
أولاً وثانيا: قوله تعالى:{ أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهداً كلا} في سورة مريم، وقوله: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا }.
الثالث والرابع: في سورة الشعراء { ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون قال كلا } , { قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا }.
والخامس: في سورة سبأ { قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا } فهذه خمس مواضع، الوقف عليها من الوقوف التامة لا محالة.
وثم تسع مواضع الوقف عليها إما حسن، وإما كاف، وهي أولا في سورة (المؤمنون) {قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا} الوقف عليه كاف.
الثاني والثالث: بسورة المعارج { ومن في الأرض جمعياً ثم ينجيه كلا } { أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم كلا } والوقف على هذين كاف.
الرابع والخامس: في سورة المدثر { ثم يطمع أن أزيد كلا } { أن يؤتى صحفا منشرة كلا } والوقف عليهما كاف.
السادس: { كلا لا وزر} بسورة القيامة، والوقف عليه حسن، وينبغي وصلها بـ{أين المفر كلا}. وكذلك كل أنواع كلا الموقوف عليها ينبغي وصلها بما قبلها.
السابع: { قال أساطير الأولين كلا } وتستأنف { بل ران } بالتطفيف، وهو من قبيل الحسن.
الثامن: { فيقول ربي أهانن كلا } بسورة الفجر، وهو حسن.
التاسع: في سورة الهمزة { يحسب أن ماله أخلده كلا } وهو حسن.
هذا ما أخبر به أهل الأداء في الوقف على كلا، وأما باقيها فلا وقف عليها، إلا في رأي سيبويه و معقل بن يسار، ولم يؤخذ به، واختلفوا في معنى كلا، فبعضهم قال: هي بمعنى نعم، وبعضهم قال: هي بمعنى لا، وبعضهم قال: هي بمعنى ألا للتنبيه، وبعضهم قال أنها بمعنى الردع... إلى غير ذلك، وقد نظمها بعض العلماء فقال:

ثلاثين كلا أتبعت بثلاثة = جميع الذي في الذكر منها تنزلا
ومجموعها في خمس عشرة سورة = ولا شيء منها جاء في النصف أولا

فخمس عليها قف تماما بمريم = وفي الشعرا اعدده وفي سبأ حلا
وفي تسعة خيِّر قد افلح سائل = ومدثر بدء وثالثه حلا
وأول حرف في القيامة قد أتى = ومطفف ثان وفي الفجر أولا
وفي عمد حرف ولا وقف عندهم = على ما سوى هذا لمن قد تأملا
وعند إمام النحو في فرقة سموا = عليها يكون الوقف فيما تحصلا
وليس لها معنى سوى الردع عندهم = وإن أوهمت شيئا سواه تؤولا
وقال سواهم إنما الردع غالب = وتأتي لمعنى غير ذاك محصلا
كحقا ومعنى سوف في ناجر أتت = ومثل نعم أيضا ومشبهة ألا
فقف إن أتت للردع وابدأ بها إذا = أتت لسوى هذا على ما تحصلا
ومهما عليه كان وقفك دائما = تجد سندا من سيبويه ومعقلا

يعني: إن وقفت على جميع كلا، فعندك رخصة من سيبويه و معقل بن يسار ومن تبعهما.
وخلاصة القول: أن الوقف لا حكم له في القرآن، وإنما هو ذوق عربي، ففقهك في اللغة يزيدك خبرة في الوقوف، فلا يحرم الوقف ولا يمنع، ولا يجب إلا بسنب لغوي، كما قال الناظم:
وليس في القرآن من وقف وجب = ولا حرام غير ما له سبب

وسنعود إلى الباب من قول الناظم معلقين عليه إن شاء الله. ولا يحرم الوقف أو يكره إلا بتغيير معنى، أو وقف على مضاف دون مضافه، أو على ظرف دون مظروفه، أو ما إلى ذلك من محظورات الوقوف التي تقدمت.
قال الناظم:
وبعد تجويدك للحروف = لابد من معرفة الوقوف

لذا جعلناه في آخر الأحكام، قال الناظم:

والابتدا وهي تقسم إذن = ثلاثة تام وكاف وحسن

أي لابد أن تعرف الوقف والابتداء. والوقف يقسم إلى ثلاثة أقسام:، تام، وكاف، وحسن.
وإنما قال: والابتداء؛ لأن من الناس من يحسنون الوقف، ولا يحسنون الابتداء، كأن يقول مثلا: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم } ويضيق نفسه، فيبدأ {وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم} فالابتداء قبيح، لذا لابد من معرفة الابتداء كما تُعرف الوقوف، ومثل قوله { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله }، ثم يبدأ { ولد الله وإنهم لكاذبون } فهذا ابتداء بقبيح، ومثل قوله: {ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } ثم يبدأ { إني كفرت بما أشركتمون }.
من أجل هذا قال الناظم:

(لابد من معرفة الوقوف)
(والابتداء ... )
قال الناظم:
وهو لما تم فإلم يوجد = تعلق....

وهو: أي الوقف التام، الذي لا يوجد تعلق له بما قبله، ولا بما بعده، لا معنى ولا لغة، وقوله: (أو كان معنى فابتدي، فالتام فالكاف)، يعني الأول هو التام، والذي تعلق بما قبله أو بما بعده معنى فالكافي.
وقوله: (ولفظا فامنعن)، أي الذي تعلق بما قبله وبما بعده لفظا ومعنى فامنع الوقوف عليه، إلا رؤوس الآي فقد جاز ذلك، ولفظا فامنعن إلا رؤوس الآي جوز، واسم هذا النوع الحسن، فما لا يتعلق، تام وما تعلق بمعنى، كاف وما تعلق بمعنى ولغة حسن، ولا يوقف عليه مع طول النفس إلا على رؤوس الآي، فإن ضاق النفس أبيح.

وقوله وغير ما تم قبيح وله = يوقف مضطرا ويبدأ قبله

كأن يقول: { يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة } أو أن يقول: { لهو القصص الحق وما من إله } أو أن يقول: { فويل للمصلين } أو أن يقول: { يعلم السر وأخفى الله } هذا معنى قوله: (وغير ما تم قبيح، وله يوقف مضطرا) فلا يوقف على مثل هذا إلا عند الاضطرار وضيق النفس، ولكن يبدأ قبل الوقف لتصحيح المعنى، ولذا قال: يوقف مضطرا، ويبدأ قبله.
ثم قال:

وليس في القرآن من وقف وجب = ولا حرام غير ما له سبب

يعني: أن الوقف ليس له حكم شرعي يمنعه، أو يحرمه، أو يحله إلا بسبب خطأ في اللغة أو فساد في المعنى، كما تقدم.
أما السكت فهو لغة: المنع، واصطلاحا: الوقف على آخر كلمة أو وسطها مقدار حركتين بلا تنفس بنية استئناف القراءة، ولحفص من روايتنا هذه أربع سكتات:
قوله تعالى { ولم يجعل له عوجا قيما } بسورة الكهف، فالسكت على عوجا مقدار حركتين مستأنفا قيما.
الثاني: { من بعثنا من مرقدنا } والسكت حركتين بلا تنفس، ثم يبدأ { هذا ما وعد الرحمن } بـ يس.
والثالث: { وقيل من } ثم يبدأ { راق } والسكت على {من} مقدار حركتين بلا تنفس بسورة القيامة.
والرابع: {كلا بل} والسكت على {بل} مقدار حركتين بلا تنفس، ثم يستأنف { ران على قلوبهم } بالتطفيف.
قال الإمام الشاطبي:

وسكتة حفص دون قطع لطيفة = على ألف التنوين في عوجا بَلى
وفي نون من راق ومرقدنا ولام بل = ران والباقون لا سكت موصلا

ويلحق بهذه المواضع، السكت ما بين الأنفال والتوبة، وقد ذكرناه في أحكام البسملة آنفا.
وثم موضع سادس، وهو في قوله { ما أغنى عني ماليه هلك} بسورة الحاقة، فلحفص وجهان هنا:
_ إما أن يقرأ { ماليه هلك } بإدغام الهاء في الهاء، ويسمى إدغام مثلين صغير.
_ وإما أن يسكت على {ماليه} مقدار حركتين بلا تنفس مستأنفا { هلك }، هكذا: {ما أغنى عني ماليه هلك}.
وقد نظم العلامة السمنودي في الوقف والقطع والسكت كلاما نفيسا قال: في كتابه لآلئ البيان:
الوقف تام حيث لا تعلقا = فيه وكاف حيث معنى علقا
قف وابتدأ وحيث لفظا فحسن = فقف ولا تبدأ وفي الآي يسن
وحيث لم يتم فالقبيح قف = ضرورة و ابدأ بما قبل عرف
ولم يجب وقف ولم يحرم عدا = ما يقتضي من سبب إن قصدا
والقطع كالوقف وفي الآيات جا = واسكت على مرقدنا وعوجا
بالكهف مع بل ران من راق ومر = خلف بماليه ففي الخمس انحصر
وأعتقد أني قد أطلت النفس بما فيه الكفاية في هذا الباب، وأسأل الله أن أكون قد رزقت توفيقا، والله تعالى أعلم).[شرح المقدمة الجزرية مفرغ]


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:05 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

تقسيم الأشموني

قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (
ويتنوع الوقف نظرًا للتعلق خمسة أقسام لأنه لا يخلو إما أن لا يتصل ما بعد الوقف بما قبله لا لفظًا ولا معنى فهو التام، أو يتصل ما بعده بما قبله لفظًا ومعنى وهو القبيح، أو يتصل ما بعده بما قبله معنى لا لفظًا وهو الكافي، أو لا يتصل ما بعده بما قبله معنى ويتصل لفظًا وهو الحسن، والخامس متردد بين هذه الأقسام فتارة يتصل بالأول وتارة بالثاني، على حسب اختلافهما قراءة وإعرابًا وتفسيرًا، لأنه قد يكون الوقف تامًا على تفسير وإعراب وقراءة غير تام على غير ذلك وأمثلة ذلك تأتي مفصلة في محلها.
وأشرت إلى مراتبه بتام وأتم وكاف وأكفى وحسن وأحسن وصالح وأصلح وقبيح وأقبح، فالكافي والحسن يتقاربان، والتام فوقهما، والصالح دونهما في الرتبة، فأعلاها: الأتم، ثم الأكفى، ثم الأحسن، ثم الأصلح ويعبر عنه بالجائز، وأما وقف البيان وهو أن يبين معنى لا يفهم بدونه كالوقف على قوله تعالى{ويوقروه} فرق بين الضميرين؛ فالضمير في {ويوقروه} للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي {ويسبحوه} لله تعالى، والوقف أظهر هذا المعنى المراد، والتام على قوله {وأصيلاً} وكالوقف على قوله {لا تثريب عليكم} ثم يبتدئ {اليوم يغفر الله لكم} بين الوقف على عليكم أن الظرف بعده متعلق بمحذوف وليس متعلقًا باسم لا لأن اسمها حينئذ شبيه بالمضاف فيجب نصبه وتنوينه).[منار الهدى: 10]

الوقف التام
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (قال في الإتقان فالتام سمى تامًا لتمام لفظه بعد تعلقه وهو ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده ولا يتعلق ما بعده بشيء مما قبله لا لفظًا ولا معنى وأكثر ما يوجد عند رؤوس الآي غالبًا، وقد يوجد قرب آخرها كقوله {وجعلوا أعزة أهلها أذلة} هنا التمام لأنه آخر كلام بلقيس، ثم قال تعالى: {وكذلك يفعلون} وهو أتم ورأس آية أيضًا، ولا يشترط في التام أن يكون آخر قصة كقوله {محمد رسول الله} فهو تام لأنه مبتدأ وخبر، وإن كانت الآيات إلى آخر السورة قصة واحدة ونحوه {لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} هنا التمام لأنه آخر كلام الظالم أبيّ بن خلف، ثم قال تعالى {وكان الشيطان للإنسان خذولاً} وهو أتم ورأس آية أيضًا، وقد يوجد بعد رأس الآية كقوله { مصبحين وبالليل} هنا التام لأنه معطوف على المعنى؛ أي تمرون عليهم بالصبح وبالليل فالوقف عليه تام، وليس رأس آية وإنما رأسها {مصبحين} و{أفلا تعقلون} أتم لأنه آخر القصة، ومثله {يتكؤن} {وزخرفًا} رأس الآية {يتكؤن} {وزخرفًا} هو التمام لأنه معطوف على سقفًا، ومن مقتضيات الوقف التام الابتداء بالاستفهام ملفوظًا به أو مقدرًا، ومنها: أن يكون آخر كل قصة وابتداء أخرى كل سورة والابتداء بيا النداء غالبًا أو الابتداء بفعل الأمر أو الابتداء بلام القسم أو الابتداء بالشرط لأن الابتداء به ابتداء كلام مؤتنف أو الفصل بين آية عذاب بآية رحمة أو العدول عن الأخبار إلى الحكاية أو الفصلين الصفتين المتضادتين أو تناهى الاستثناء أو تناهي القول أو الابتداء بالنفي أو النهي وقد يكون الوقف تامًا على تفسير وإعراب وقراءة غير تام على آخر نحو وما يعلم تأويله إلاَّ الله تام إن كان والراسخون مبتدأ خبره يقولون على أن الراسخين لم يعلموا تأويل المتشابه غير تام إن كان معطوفًا على الجلالة وإن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه كما سيأتي بأبسط من هذا في محله).[منار الهدى: 10]
الوقف الكافي
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): ((والكافي) ما يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده إلاَّ أن له به تعلقًا ما من جهة المعنى فهو منقطع لفظًا متصل معنى وسمي كافيًا لاكتفائه واستغنائه عما بعده واستغناء ما بعده عنه بأن لا يكون مقيدًا له وعود الضمير على ما قبل الوقف لا يمنع من الوقف لأن جنس التام والكافي جميعه كذلك والدليل عليه ما صح عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ عليّ فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل فقال إني أحب أن أسمعه من غيري قال فافتتحت سورة النساء فلما بلغت شهيدًا فقال لي حسبك ألا ترى أن الوقف على شهيدًا كاف وليس بتام والتام ولا يكتمون الله حديثًا لأنه آخر القصة وهو في الآية الثانية وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقف دون التام مع قربه فدل هذا دلالة واضحة على جواز الوقف على الكافي لأنَّ قوله يومئذ الخ ليس قيدًا لما قبله وفي الحديث نوع إشارة إلى أن ابن مسعود كان صيتًا قال عثمان النهدي صلى بنا ابن مسعود المغرب بقل هو الله أحد فوددنا أنه لو قرأ سورة البقرة من حسن صوته وترتيله وكان أبو موسى الأشعري كذلك ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوته وهو يقرأ القرآن فقال لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود كان داود عليه السلام إذا قرأ الزبور تدنو إليه الوحوش حتى تؤخذ بأعناقها والمراد بقوله وآتاه الله الملك هو الصوت الحسن قاله السمين وعلامته أن يكون ما بعده مبتدأ أو فعلاً مستأنفًا أو مفعولاً لفعل محذوف نحو وعد الله وسنة الله أو كان ما بعده نفيًا أو أن المكسورة أو استفهامًا أو بل أو ألاَّ المخففة أو السين أو سوف لأنها للوعيد ويتفاضل في الكفاية نحو في قلوبهم مرض صالح فزادهم الله مرضًا أصلح منه بما كانوا يكذبون أصلح منهما وقد يكون كافيًا على تفسير وإعراب وقراءة غير كاف على آخر نحو يعلمون الناس السحر كاف إن جعلت ما نافية حسن إن جعلتها موصولة وتأتي أمثلة ذلك مفصلة في محالها
).[منار الهدى: 10]
الوقف الحسن
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): ((والحسن) ما يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده إذ كثيرًا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بما بعدها ككونها استثناء والأخرى مستثنى منها إذ ما بعده مع ما قبله كلام واحد من جهة المعنى كما تقدم أو من حيث كونه نعتًا لما قبله أو بدلاً أو حالاً أو توكيدًا نحو الحمد لله حسن لأنه في نفسه مفيد يحسن الوقف عليه دون الابتداء بما بعده للتعلق اللفظي وإن رفع رب على إضمار مبتدأ أو نصب على المدح وبه قرئ وحكى سيبويه الحمد لله أهل الحمد برفع اللام ونصبها فلا يقبح الابتداء به كأن يكون رأس آية نحو رب العالمين يجوز الوقف عليه لأنه رأس آية وهو سنة وإن تعلق ما بعده بما قبله لما ثبت متصل الإسناد إلى أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ قطع قراءته يقول بسم الله الرحمن الرحيم ثم يقف ثم يقول الحمد لله رب العالمين ثم يقف ثم يقول الرحمن الرحيم ثم يقف وهذا أصل معتمد في الوقف على رؤوس الآي وإن كان ما بعد كل مرتبطًا بما قبله ارتباطًا معنويًا ويجوز الابتداء بما بعده لمجيئه عن النبي صلى الله عليه وسلم (وقد يكون) الوقف حسنًا على قراءة غير حسن على أخرى نحو الوقف على مترفيها فمن قرأ أمرنا بالقصر والتخفيف وهي قراءة العامة من الأمر أي أمرنا هم بالطاعة فخالفوا فلا يقف على مترفيها ومن قرأ آمرنا بالمد والتخفيف بمعنى كثرنا أو قرأ أمرنا بالقصر والتشديد من الإمارة بمعنى سلطنًا حسن الوقف على مترفيها وهما شاذتان لا تجوز القراءة بهما وقد يكون الوقف حسنًا والابتداء قبيحًا نحو يخرجون الرسول وإياكم الوقف حسن والابتداء بإياكم قبيح لفساد المعنى إذ يصير تحذيرًا عن الإيمان بالله تعالى ولا يكون الابتداء إلاَّ بكلام موف للمقصود).[منار الهدى: 12]


الوقف الجائز
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): ((والجائز) هو ما يجوز الوقف عليه وتركه نحو وما أنزل من قبلك فإنَّ واو العطف تقتضي عدم الوقف وتقديم المفعول على الفعل يقتضي الوقف فإن التقدير ويوقنون بالآخرة لأن الوقف عليه يفيد معنى وعلامته أن يكون فاصلاً بين كلامين من متكلمين وقد يكون الفصل من متكلم واحد كقوله لمن الملك اليوم الوقف جائز فلما لم يجبه أحد أجاب نفسه بقوله لله الواحد القهار وكقوله وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم هنا الوقف ثم يبتدئ رسول الله على أنه منصوب بفعل مقدر لأنَّ اليهود لم يقروا بأن عيسى رسول الله فلو وصلنا عيسى ابن مريم برسول الله لذهب فهم من لا مساس له اليهود لم يقروا بأن عيسى رسول الله فلو وصلنا عيسى ابن مريم برسول الله لذهب فهم من لا مساس له بالعلم أنه من تتمة كلام اليهود فيفهم من ذلك أنهم مقرون أنه رسول الله وليس الأمر كذلك وهذا التعليل يرقيه ويقتضي وجوب الوقف على ابن مريم ويرفعه إلى التام).[منار الهدى: 12]
الوقف القبيح
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): ((والقبيح) وهو ما اشتد تعلقه بما قبله لفظًا ومعنى ويكون بعضه أقبح من بعض نحو إن الله لا يستحيي فويل للمصلين فإنه يوهم غير ما أراده الله تعالى فإنه يوهم وصفًا لا يليق بالباري سبحانه وتعالى ويوهم أن الوعيد بالويل للفريقين وهو لطائفة مذكورين بعده ونحو لا تقربوا الصلاة يوهم إباحة ترك الصلاة بالكلية فإن رجع ووصل الكلام بعضه ببعض غير معتقد لمعناه فلا إثم عليه وإلاَّ أثم مطلقًا وقف أم لا ومما يوهم الوقف على الكلام المنفصل الخارج عن حكم ما وصل به نحو إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى لأن الموتى لا يسمعون ولا يستجيبون إنما أخبر الله عنهم أنهم يبعثون ومنه وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ونحو للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له ونحو من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل ونحو فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ونحو فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني وشبه ذلك من كل ما هو خارج عن حكم الأول من جهة المعنى لأنه سوى بالوقف بين حال من آمن ومن كفر وبين من ضل ومن اهتدى فهذا جليّ الفساد ويقع هذا كثيرًا ممن يقرأ تلاوته لحرصه على النفس فيقف على بعض الكلمة دون بعض ثم يبنى على صوت غيره ويترك ما فاته ومثل ذلك ما لو بنى كل واحد على قراءة نفسه إذ لابد أن يفوته ما قرأه بعضهم والسنة المدارسة وهو أن يقرأ شخص حزبًا ويقرأ آخر عين ما قرأه الأول وهكذا فهذه هي السنة التي كان يدارس جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بها في رمضان فكان جبريل يقرأ أولاً ثم يقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عين ما قرأه جبريل قال تعالى فإذا قرأناه أي على لسان جبريل فاتبع قرآنه ).[منار الهدى: 12]

الوقف الأقبح
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (وأما الأقبح فلا يخلوا ما أن يكون الوقف والابتداء قبيحين أو يكون حسنًا والابتداء قبيحًا فالأول كأن يقف بين القول والمقول نحو وقال اليهود ثم يبتدئ يد الله مغلولة أو لقد كفر الذين قالوا ثم يبتدئ إن الله ثالث ثلاثة وشبه ذلك من كل ما يوهم خلاف ما يعتقده المسلم). [منار الهدى: 13]


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:09 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

ما يتأكّد استحبابه من الوقوف

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (ثالثها: من الأوقاف ما يتأكد استحبابه لبيان المعنى المقصود وهو ما لو وصل طرفاه لأوهم معنى غير المراد وهذتا هو الذي اصطلح عليه السجاوندي لازم وعبر عنه لعضهم بالواجب وليس معناه الواجب عند الفقهاء يعاقب على تركه كما توهمه بعض الناس ويجيء هذا في قسم التام والكافي وربما يجيء في الحسن.
فمن التام الوقف على قوله (ولا يحزنك قولهم) والابتداء (إن العزة لله جميعا) لئلا يوهم أن ذلك من قولهم، وقوله (وما يعلم تأويله إلا الله) عند الجمهور، وعلى (الراسخون في العلم) مع وصله بما قبله عند الآخرين لما تقدم، وقوله (أليس في جهنم مثوى للكافرين)، والابتداء (والذي جاء بالصدق) لئلا يوهم العطف، ونحو قوله (أصحاب النار) والابتداء (الذين يحملون العرش) لئلا يوهم النعت، وقوله (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) والابتداء (وما يخفى على الله من شيء)لئلا يوهم وصل "ما" وعطفها.
ومن الكافي الوقف على نحو (وما هم بمؤمنين) والابتداء (يخادعون الله) لئلا يوهم الوصفية حالاً ونحو (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا) لئلا يوهم الظرفية بيسخرون، ونحو (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) لئلا يوهم التبعيض للمفضل عليهم، والصواب جعلها جملة مستأنفة فلا موضع لها من الإعراب ونحو (ثالث ثلاثة) والابتداء (وما من إله إلا إله واحد) لئلا يوهم أنه من مقولهم ونحو (وما كان لهم من دون الله من أولياء) والابتداء (يضاعف لهم العذاب) لئلا يوهم الحالية أو الوصفية ونحو (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة) والابتداء (ولا يستقدمون) أي ولا هم يستقدمون لئلا يوهم العطف على جواب الشرط ونحو (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا) والابتداء (لا يملكون الشفاعة) لئلا يوهم الحال ونحو (ولا تدع مع الله إلهاً آخر) والابتداء (لا إله إلا هو) لئلا يوهم الوصفية ونحو (خير من ألف شهر) والابتداء (تنزل الملائكة) مستأنفاً لئلا النعت ونحو (وقالوا اتخذ الله ولداً) والابتداء ( سبحانه) لئلا يوهم أنه من قولهم وقد منع السجاوندي الوقف دونه وعلله بتعجيل التنزيه وألزم بالوقف على (ثالث ثلاثة) لإيهام كونه من قولهم ولم يوصل لتعجيل التنزيه وقد كان أبو القاسم الشاطبي رحمه الله يختار الوقف على (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً) والابتداء (لا يستوون) أي لا يستوي المؤمن والفاسق.
ومن الحسن: الوقف على نحو قوله (من بني إسرائيل من بعد موسى)والابتداء إذ قالوا لنبي لهم) لئلا يوهم أن العامل فيه (ألم تر) ونحو (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) والابتداء (إذ قربا قرباناً) ونحو (واتل عليهم نبأ نوح)والابتداء (إذ قال لقومه) كل ذلك ألزم السجاوندي بالوقف عليه لئلا يوهم أن العامل في "إذ" الفعل المتقدم. وكذا ذكروا الوقف على (وتعزروه وتوقروه)ويبتدأ (وتسبحوه) لئلا يوهم اشتراك عود الضمائر على شيء واحد، فإن الضمير في الأولين عائد على الله عز وجل، وكذا ذكر بعضهم الوقف على (فأنزل الله سكينته عليه) والابتداء (وأيده بجنود) قيل لأن ضمير عليه لأبي بكر الصديق "وأيده" للنبي صلى الله عليه وسلم، ونقل عن سعيد بن المسيب، ومن ذلك اختار بعض الوقف على (وإن كان قميصه قدّ من دبر فكذبت) والابتداء (وهو من الصادقين) إشعاراً بأن يوسف عليه السلام من الصادقين في دعواه).
[النشر في القراءات العشر:؟؟]


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:09 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

الوقف الاضطراري
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): ((التنبيه الرابع) إذا اضطر القارئ ووقف على مالا ينبغي الوقف عليه حال الاختيار فليبتدئ بالكلمة الموقوف عليها إن كان ذلك لا يغير المعنى فإن غير فليبتدئ بما قبلها ليصح المعنى المراد فإن كان وقف على مضاف فليأت بالمضاف إليه أو وقف على المفسر فليأت بالمفسر أو على الأمر فليأت بجوابه أو على المترجم فليأت بالمترجم نحو أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين فلا يوقف عليه حتى يأتي بالمترجم).[منار الهدى : 1/17-18]


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:09 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

الوقف على الفواصل ورؤوس الآي

قالَ عَلَمُ الدِّينِ عليُّ بنُ محمَّدٍ السَّخَاوِيُّ (ت:643هـ): (وأجاز جماعة من القراء الوقف على رؤوس الآي عملا بالحديث، فيقولون {الحمد لله رب العالمين} ثم يقولون: {الرحمن الرحيم}، وهو مذهب يؤيده الحديث والمعنى: أما الحديث فقد ذكر، وأما المعنى فإن هذه الفواصل إنما أنزل القرآن بها ليوقف عليها، وتقابل أختها، وإلا فما المراد بها؟!
ألا ترى أن {بمصيطر} تقابل {إنما أنت مذكر}. وكذلك {الأكبر} تماثل {من تولى وكفر}.

إلا أن من الفواصل ما لا يحسن الوقف عليه كقوله عز وجل: {فويل للمصلين} لأن المراد: فويل للساهين عن صلاتهم المرائين فيها، فلا يتم هذا المعنى إلا بالوصل. وليس الوقف على قوله: {والضحى} كالوقف على ما جاء في الحديث، فاعلم هذا.
وعن أبي عمرو بن العلاء رحمه الله الوقف على نحو قوله عز وجل: {يؤمنون بالغيب} ويبتدئ {ويقيمون الصلاة} لأن الثاني منفصل عن الأول؛ لأن إقامة الصلاة معنى غير الإيمان بالغيب، وكذلك كل ما كان مثله). [جمال القراء: 2 / 553]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَهَادرَ الزَّرْكَشِيُّ (ت: 794هـ): (واعلم أن أكثر القراء يبتغون في الوقف المعنى وإن لم يكن رأس آية ونازعهم فيه بعض المتأخرين في ذلك وقال هذا خلاف السنة فإن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقف عند كل آية فيقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ويقف ثم يقول: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وهكذا روت أم سلمة أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقطع قراءته آية آية.
ومعنى هذا الوقف على رءوس الآي وأكثر أواخر الآي في القرآن تام أو كاف وأكثر ذلك في السور القصار الآي نحو الواقعة قال وهذا هو الأفضل أعني الوقف على رءوس الآي وإن تعلقت بما بعدها وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض والمقاصد والوقف عند رءوس انتهائها واتباع السنة أولى وممن ذكر ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب شعب الإيمان وغيره ورجح الوقف على رءوس الآي وإن تعلقت بما بعدها قلت وحكى النحاس عن الأخفش علي بن سليمان أنه يستحب الوقوف على قوله: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} لأنه رأس آية وإن كان متعلقا بما بعده). [البرهان في علوم القرآن: 1/349 -350]
قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (
(واختلفوا فيه) أيضًا فمنهم من يطلق الوقف على مقاطع الأنفاس على القول بجواز إطلاق السجع في القرآن، ونفيه منه أجدر لقوله صلى الله عليه وسلم ((أسجع كسجع الكهان)) فجعله مذمومًا،ولو كان فيه تحسين الكلام دون تصحيح المعنى وفرق بين أن يكون الكلام منتظمًا في نفسه بألفاظه التي تؤدي المعنى المقصود منه، وبين أن يكون منتظمًا دون اللفظ، لأن في القرآن اللفظ تابع للمعنى، وفي السجع المعنى تابع للفظ، ومنهم من يطلقه على رؤوس الآي وأن كل موضع منها يسمى وقفًا وإن لم يقف القارئ عليه لأنه ينفصل عنده الكلامان، والأعدل أن يكون في أواسط الآي وإن كان الأغلب في أواخرها كما في آيتي المواريث ففيهما ثلاثة عشر وقفًا ف{يوصيكم الله} وما عطف عليه فيه تعلق معنوي، لأن عطف الجمل وإن كان في اللفظ منفصلاً فهو في المعنى متصل، فآخر الآية الأولى {عليمًا حكيمًا} وآخر الثانية {تلك حدود الله} كما سيأتي مفصلاً في محله إن شاء الله تعالى، وليس آخر كل آية وقفًا بل المعتبر المعاني والوقف تابع لها، فكثيرًا ما تكون آية تامة وهي متعلقة بآية أخرى ككونها استثناء والأخرى مستثنى منها، أو حالاً مما قبلها، أو صفة، أو بدلاً كما يأتي التنبيه عليه في محله، وإذا تقاربت الوقوف بعضها من بعض لا يوقف عند كل واحد، إن ساعده النفس وإن لم يساعده وقف عند أحسنها، لأن ضيق النفس عن بلوغ التمام يسوغ الوقف، ولا يلزم الوقف على رؤوس الآي ،كذا جعل شيخ الإسلام طول الكلام مسوغًا للوقف، قال الكواشي: وليس هذا العذر بشيء بل يقف عند ضيق النفس ثم يبتدئ من أول الكلام حتى ينتهي الوقف المنصوص عليه، كما يأتي في سورة الرعد ليكون الكلام متصلاً بعضه ببعض وهذا هو الأحسن ولو كان في وسع القارئ أن يقرأ القرآن كله في نفس واحد ساغ له ذلك). [منار الهدى: 9]


رد مع اقتباس
  #14  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 02:44 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

وقف المراقبة [تعانق الوقف]

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) :( ثامنها: قد يجيزون الوقف على حرف، ويجيز آخرون الوقف على آخر ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد، فإذا وقف على أحدهما امتنع الوقف الآخر كمن أجاز الوقف على (لاريب) فإنه لا يجيزه على (فيه) والذي يجيزه على (فيه) لا يجيزه على (لا ريب) وكالوقف على (مثلا) يراقب الوقف على (ما) من قوله (مثلا ما بعوضة) وكالوقف على (ما إذا) يراقب (مثلا) وكالوقف على (ولا يأب كاتب أن يكتب) فإن بينه وبين (كما علمه الله) مراقبة وكالوقف على {وقود النار} فإن بينه وبين (كدأب آل فرعون) وكذا الوقف على (وما يعلم تأويله إلا الله) بينه وبين (والراسخون في العلم) مراقبة، وكالوقف على {محرمة عليهم} فإنه يراقب أربعين سنة وكذا الوقف على (من النادمين) يراقب (من أجل ذلك) وأول من نبه على المراقبة في الوقف الإمام الأستاذ أبو الفضل الرازي أخذه من المراقبة في العروض).[النشر في القراءات العشر:؟؟]

قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ): (الرابع: قد يجيزون الوقف على حرف ويجيز آخرون الوقف على آخر ويكون بين الوقفين مراقبة على التضاد فإذا وقف على أحدهما امتنع الوقف على الآخر كمن أجاز الوقف على {لا ريب} فإنه لا يجيزه على {فيه} والذي يجيزه على {فيه} لا يجيزه على {لا ريب} الآية [البقرة: 2].
وكالوقف على {ولا يأب كاتب أن يكتب} الآية [البقرة: 282]، فإن بينه وبين {كما علمه الله} الآية [البقرة: 282] مراقبة.
والوقف على {وما يعلم تأويله إلا الله} الآية [آل عمران: 7]، فإن بينه وبين {والراسخون في العلم} الآية [آل عمران: 7] مراقبة.
قال ابن الجزري: وأول من نبه على المراقبة في الوقف أبو الفضل الرازي أخذه من المراقبة في العروض). [الإتقان في علوم القرآن: 2/؟؟]


رد مع اقتباس
  #15  
قديم 4 محرم 1435هـ/7-11-2013م, 03:24 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

هل يأثم من وقف وقفاً قبيحاً؟

قال أحمدُ بنُ عبد الكريمِ بنِ محمَّدٍ الأَشْمُونِيُّ (ت:ق11هـ): (قال أبو العلاء الهمداني لا يخلو الواقف على تلك الوقوف إما أن يكون مضطرًا أو متعمدًا فإن وقف مضطرًا وابتدأ ما بعده غير متجانف لأثم ولا معتقد معناه لم يكن عليه وزر وقال شيخ الإسلام عليه وزر إن عرف المعنى لأنَّ الابتداء لا يكون إلاَّ اختياريًا وقال أبو بكر ابن الأنباري لا إثم عليه وإن عرف المعنى لأن نيته الحكاية عمن قاله وهو غير معتقد لمعناه وكذا لو جهل معناه ولا خلاف بين العلماء أن لا يحكم بكفره من غير تعمد واعتقاد لمعناه وأما لو اعتقد معناه فإنه يكفر مطلقًا وقف أم لا والوصل والوقف في المعتقد سواء إذا علمت هذا عرفت بطلان قول من قال لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقف على سبعة عشر موضعًا فإن وقف عليها وابتدأ ما بعدها فإنه يكفر ولم يفصل والمعتمد ما قاله العلامة النكزاوي أنه لا كراهة إن جمع بين القول والمقول لأنه تمام قول اليهود والنصارى. والواقف على ذلك كله غير معتقد لمعناه وإنما هو حكاية قول قائلها حكاها الله عنهم ووعيد ألحقه الله بالكفار والمدار في ذلك على القصد وعدمه وما نسب لابن الجزري من تكفير من وقف على تلك الوقوف ولم يفصل ففي ذلك نظر نعم إن صح عنه ذلك حمل على ما إذا وقف عليها معتقدًا معناها فإنه يكفر سواء وقف أم لا والقارئ والمستمع المعتقد إن ذلك سواء ولا يكفر المسلم إلاَّ إذا جحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة وما نسب لابن الجزري من قوله
مغلولة فلا تكن بواقف = فأنه حرام عند الواقف
ما لم يكن قد ضاق منك النفس = فإن تكن تصغي فأنت القبس
ولا على إنا نصارى قالوا = أيضًا حرام فاعرفن ما قالوا
ولا على المسيح ابن الله = فلا تقف واستعذن بالله
فإنه كفر لمن قد علما = قد قاله الجزري نصًا حسبما
وقس على الأحكام فيما قد بقى = فإنه الحق فعي وحقق
ولا تقل يجز على الحكاية = فإنه قول بلا دراية
مخالف للأئمة الإعلام وما جزاء من خالفهم إلاَّ أن يمحى اسمه من ديوان العقلاء فضلاً عن العقلاء وما علمت وجه تكفيره الواقف على قوله فلما أضاءت ما حوله وهو وقف جائز على أن جواب لما محذوف وعليه فلا كراهة في الابتداء بقوله ذهب الله بنورهم قال السمين قال ابن عصفور يجوز أن يكون الله قد أسند إلى نفسه ذهابًا يليق بجلاله كما أسند المجيء والإتيان على معنى يليق به تعالى فلعل تكفيره الواقف لاحظ أن الله لا يوصف بالذهاب ولا بالمجيء وكذلك لا وجه لتكفيره الواقف على قوله لفي خسر مع أنَ الهمداني والعبادي قالا إنه جائز والكتابة على بقية ما نسب لابن الجزري تطول أضربنا عنها تخفيفًا ويدخل الواقف على الوقوف المنهي عنها في عموم قوله صلى الله عليه وسلم في حق من لم يعمل بالقرآن رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه كأن يقرأه بالتطريب والتصنع فهذه تخل بالمروءة وتسقط العدالة قال التتائي ومما يرد الشهادة التغني بالقرآن أي بالألحان التي تفسد نص القرآن ومخارج حروفه بالتطريب وترجيع الصوت من لحن بالتشديد طرب وأما الترنم بحسن الصوت فهو حسن فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت عبد الله بن قيس المكنى بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن فقال لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود).[منار الهدى : 1/13 - 15]


رد مع اقتباس
  #16  
قديم 15 محرم 1435هـ/18-11-2013م, 02:06 AM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

ما يغتفر من الوقوف

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (خامسها: يعتفر في طول الفواصل والقصص والجمل المعترضة ونحو ذلك في حالة جمع القراءات وقراءة التحقيق والترتيل مالا يغتفر في غير ذلك فربما أجيز الوقف والابتداء لبعض ما ذكر، ولو كان لغير ذلك لم يبح، وهذا الذي يسميه السجاوندي المرخص ضرورة ومثله بقوله تعالى (والسماء بناء) والأحسن تمثيله بنحو (والنبيين) وبنحو (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) وبنحو (عاهدوا) ونحو كل من (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم) إلى آخره وهو إلى (ما ملكت أيمانكم) إلا أن الوقف على آخر الفاصلة قبله أكفى. ونحو كل فواصل (قد أفلح المؤمنون)إلى آخر القصة وهو (هم فيها خالدون) ونحو فواصل (صَ والقرآن ذي الذكر) إلى جواب القسم عند الأخفش والكوفيين والزجاج وهو (إن كل إلا كذب الرسل فحق العقاب) وقيل الجواب (كم أهلكنا) أي لكم وحذفت اللام. وقيل الجواب (صَ) على أن معناه صدق الله أو محمد. وقيل الجواب محذوف تقديره لقد جاءكم أو أنه لمعجز أو ما الأمر كما تزعمون إن إنك لمن المرسلين، ونحو ذلك الوقف على فواصل (والشمس وضحاها) إلى (قد أفلح من زكاها) ولذلك أجيز الوقف على (لا أعبد ما تعبدون) دون (يا أيها الكافرون) وعلى (الله الصمد) دون (هو الله أحد) وإن كان ذلك كله معمول"قل" ومن ثم كان المحققون يقدرون إعادة العامل أو عاملاً آخر أو نحو ذلك فيما طال). [النشر في القراءات العشر:؟؟]
قالَ جلالُ الدينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أبي بكرِ السيوطيُّ (ت: 911هـ):
(
الثالث: يغتفر في طول الفواصل والقصص والجمل المعترضة ونحو ذلك وفي حالة جمع القراءات وقراءة التحقيق والتنزيل ما لا يغتفر في غيرها فربما أجيز الوقف والابتداء لبعض ما ذكر ولو كان لغير ذلك لم يبح وهذا الذي سماه السجاوندي: المرخص ضرورة ومثله بقوله: {والسماء بناء} الآية [البقرة: 22].
قال ابن الجزري: والأحسن تمثيله بنحو: قبل المشرق والمغرب، وبنحو: النبيين، وبنحو: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة} الآية [البقرة: 177]، وبنحو: {عاهدوا} الآية [البقرة: 177]، وبنحو: كل من فواصل {قد أفلح المؤمنون} الآية [المؤمنون: 1] إلى آخر القصة.
وقال صاحب "المستوفى": النحويون يكرهون الوقف الناقص في التنزيل مع إمكان التام فإن طال الكلام ولم يوجد فيه وقف تام حسن الأخذ بالناقص كقوله: {قل أوحي} الآية [الجن: 1]، إلى قوله: {فلا تدعوا مع الله أحدا} الآية [الجن: 18]، إن كسرت بعده إن وإن فتحتها فإلى قوله: {كادوا يكونون عليه لبدا} الآية [الجن: 19].
قال: ويحسن الوقف الناقص أمور:
منها أن يكون لضرب من البيان كقوله: {ولم يجعل له عوجا} الآية [الكهف: 1]، فإن الوقف هنا يبين أن {قيما} الآية [الكهف: 2]، منفصل عنه وأنه حال في نية التقديم، وكقوله:
{وبنات الأخت} الآية [النساء: 23] ليفصل به بين التحريم النسبي والسببي.
ومنها أن يكون الكلام مبنيا على الوقف نحو: {يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه} الآية [الحاقة: 25-26].
قال ابن الجزري: وكما اغتفر الوقف لما ذكر قد لا يغتفر ولا يحسن فيما قصر من الجمل وإن لم يكن التعلق لفظيا نحو: {ولقد آتينا موسى الكتاب}،
{وآتينا عيسى بن مريم البينات} الآية [البقرة: 87]، لقرب الوقف على بالرسل وعلى القدس.
وكذا يراعى في الوقف الازدواج فيوصل ما يوقف على نظيره مما يوجد التمام عليه وانقطع تعلقه بما بعده لفظا وذلك من أجل ازدواجه نحو: {لها ما كسبت} مع: {ولكم ما كسبتم} الآية [البقرة: 134]، ونحو: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، مع {ومن تأخر فلا إثم عليه} الآية [البقرة: 203]، ونحو: {يولج الليل في النهار}، مع {ويولج النهار في الليل} الآية [فاطر: 13]، ونحو: {من عمل صالحا فلنفسه}، مع {ومن أساء فعليها} الآية [فصلت: 46]). [الإتقان في علوم القرآن: 2/؟؟]


رد مع اقتباس
  #17  
قديم 22 محرم 1435هـ/25-11-2013م, 11:00 PM
أم سهيلة أم سهيلة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 2,672
افتراضي

ما لا يغتفر من الوقوف أداءً

قال محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ محمَّدٍ ابنُ الجَزَرِيِّ (ت:833هـ) : (سادسها: كما اغتفر الوقف لما ذكر قد لا يغتفر ولا يحسن فيما قصر من الجمل وإن لم يكن التعلق لفظياً نحو (ولقد آتينا موسى الكتاب، وآتينا عيسى ابن مريم البينات) لقرب الوقف على: بالرسل، وعلى: القدس. ونحو (مالك الملك) لم يغتفروا القطع عليه لقربه من (تؤتي الملك من تشاء) وأكثرهم لم يذكر (تؤتي الملك من تشاء) لقربه من (وتنزع الملك ممن تشاء) وكذا لم يغتفر كثير منهم الوقف على (وتعز من تشاء) لقربه من (وتذل من تشاء) وبعضهم لم يرض الوقف على (وتذل من تشاء) لقربه من (بيدك الخير) وكذا لم يرضوا الوقف على (تولج الليل في النهار) وعلى (تخرج الحي من الميت) لقربه من (وتولج النهار في الليل) ومن (وتخرج الميت من الحي) وقد يغتفر ذلك في حالة الجمع وطول المد وزيادة التحقيق وقصد التعليم فيلحق بما قبل لما ذكرنا، بل قد يحسن كما أنه إذا عرض ما يقتضي الوقف من بيان معنى أو تنبيه على خفي وقف عليه وإن قصر بل ولو كان كلمة واحدة ابتدئ بها كما نصوا على الوقف على (بلى، وكلا) ونحوهما مع الابتداء بهما لقيام الكلمة مقام الجملة كما سنبينه).[النشر في القراءات العشر:؟؟]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:27 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة