العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأحزاب

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 7 جمادى الأولى 1434هـ/18-03-2013م, 12:14 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي تفسير سورة الأحزاب [ من الآية (9) إلى الآية (12) ]

تفسير سورة الأحزاب
[ من الآية (9) إلى الآية (12) ]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15 جمادى الأولى 1434هـ/26-03-2013م, 08:47 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) )
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). [الزهد لابن المبارك: 2/ 18]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها قال هي الملائكة). [تفسير عبد الرزاق: 2/113]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]

قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لّم تروها وكان اللّه بما تعملون بصيرًا}.
يقول تعالى ذكره: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم} الّتي أنعمها على جماعتكم وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أيّام الخندق {إذ جاءتكم جنودٌ} جنود الأحزاب: قريشٌ، وغطفان، ويهود بني النّضير، {فأرسلنا عليهم ريحًا} وهي فيما ذكر: ريح الصّبا.
- كما حدّثنا محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، قال: قالت الجنوب للشّمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالتٍ الشّمال: إنّ الحرّة لا تسري باللّيل، قال: فكانت الرّيح الّتي أرسلت عليهم الصّبا.
- حدّثنا ابن المثنّى، قال: حدّثنا أبو عامرٍ، قال: حدّثني الزّبير يعني ابن عبد اللّه، قال: حدّثني ربيح بن أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول اللّه، بلغت القلوب الحناجر فهل من شيءٍ نقوله؟ قال: نعم، قولوا: اللّهمّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، فضرب اللّه وجوه أعدائه بالرّيح، فهزمهم اللّه بالرّيح.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدّثني عبيد اللّه بن عمرٍو، عن نافعٍ، عن عبد اللّه، قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعونٍ ليلة الخندق في بردٍ شديدٍ وريحٍ إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعامٍ ولحافٍ، قال: فاستأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأذن لي وقال: من لقيت من أصحابي فمرهم يرجعوا، قال: فذهبت والرّيح تسفي كلّ شيءٍ، فجعلت لا ألقى أحدًا إلاّ أمرته بالرّجوع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فما يلوي أحدٌ منهم عنقه، قال: وكان معي ترسٌ لي فكانت الرّيح تضربه عليّ، وكان فيه حديدٌ، قال: فضربته الرّيح حتّى وقع بعض ذلك الحديد على كفّي، فأنفذها إلى الأرض.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة: قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن زيادٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، قال: قال فتًى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد اللّه، رأيتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: واللّه لقد كنّا نجهد، قال الفتى: واللّه لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعناقنا. قال حذيفة: يا ابن أخي، واللّه لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخندق وصلّى رسول اللّه هويًّا من اللّيل ثمّ التفت إلينا فقال: من رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ يشرط له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إن يرجع أدخله اللّه الجنّة، فما قام أحدٌ، ثمّ صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويًّا من اللّيل، ثمّ التفت إلينا فقال مثله، فما قام منّا رجلٌ، ثمّ صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويًّا من اللّيل، ثمّ التفت إلينا فقال: من رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثمّ يرجع، يشترط له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الرّجعة، أسأل اللّه أن يكون رفيقي في الجنّة، فما قام رجلٌ من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد، فلمّا لم يقم أحدٌ دعاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يكن لي بدٌّ من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئًا حتّى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم، والرّيح وجنود اللّه تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرًا، ولا نارًا، ولا بناءً؛ فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريشٍ، لينظر امرؤٌ من جليسه، فقال حذيفة: فأخذت بيد الرّجل الّذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلانٍ؛ ثمّ قال أبو سفيان: يا معشر قريشٍ، إنّكم واللّه ما أصبحتم بدار مقامٍ، ولقد هلك الكراع والخفّ، واخلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الّذي نكره، ولقينا من هذه الرّيح ما ترون، واللّه ما يطمئنّ لنا قدرٌ، ولا تقوم لنا نارٌ، ولا يستمسك لنا بناءٌ، فارتحلوا فإنّي مرتحلٌ. ثمّ قام إلى جمله وهو معقولٌ، فجلس عليه، ثمّ ضربه فوثب به على ثلاثٍ، فما أطلق عقاله إلاّ وهو قائمٌ. ولولا عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليّ أن لا تحدث شيئًا حتّى تأتيني، لو شئت لقتلته بسهمٍ؛ قال حذيفة: فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو قائمٌ يصلّي في مرطٍ لبعض نسائه، فلمّا رآني أدخلني بين رجليه وطرح عليّ طرف المرط، ثمّ ركع وسجد وإنّي لفيه؛ فلمّا سلّم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريشٌ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله {إذ جاءتكم جنودٌ} قال: الأحزاب: عيينة بن بدرٍ، وأبو سفيان، وقريظة.
وقوله: {فأرسلنا عليهم ريحًا} قال: ريح الصّبا، أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتّى كفّأت قدورهم على أفواهها، ونزعت فساطيطهم حتّى أظعنتهم.
وقوله: {وجنودًا لم تروها} قال: الملائكة ولم تقاتل يومئذٍ.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها} قال: يعني الملائكة، قال: نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شهرًا فخندق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأقبل أبو سفيان بقريشٍ ومن تبعه من النّاس، حتّى نزلوا بعقوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وأقبل عيينة بن حصنٍ أحد بني بدرٍ ومن تبعه من النّاس حتّى نزلوا بعقوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكاتبت اليهود أبا سفيان وظاهروه، فقال حيث يقول اللّه تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فبعث اللّه عليهم الرّعب والرّيح، فذكر لنا أنّهم كانوا كلّما أوقدوا نارًا أطفأها اللّه، حتّى لقد ذكر لنا أنّ سيّد كلّ حيٍّ يقول: يا بني فلانٍ، هلمّ إليّ، حتّى إذا اجتمعوا عنده فقال: النّجاء النّجاء، أتيتم، لما بعث اللّه عليهم من الرّعب.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم} الآية، قال: كان يوم أبي سفيان يوم الأحزاب.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن رومان، في قول اللّه {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها} والجنود قريشٌ وغطفان وبنو قريظة، وكانت الجنود الّتي أرسل اللّه عليهم مع الرّيح الملائكة.
وقوله: {وكان اللّه بما تعملون بصيرًا} يقول تعالى ذكره: وكان اللّه بأعمالكم يومئذٍ وذلك صبرهم على ما كانوا فيه من الجهد والشّدّة، وثباتهم لعدوّهم وغير ذلك من أعمالهم بصيرًا لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ، يحصيه عليهم ليجزيهم عليه). [جامع البيان: 19/25-29]

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن عاصم في قوله إذ جاءتكم جنود قال الأحزاب عيينة بن بدر وأبو سفيان بن حرب وقريظة). [تفسير مجاهد: 514]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله فأرسلنا عليهم ريحا قال يعني ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم وجنودا لم تروها يعني الملائكة قال ولم تقاتل الملائكة يومئذ). [تفسير مجاهد: 515]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال محمّد بن يحيى بن أبي عمر: ثنا المقرئ، ثنا المسعوديّ، عن القاسم، عن حذيفة- رضي اللّه عنه- قال: "لمّا كانت ليلة الأحزاب أصاب النّاس جهدٌ شديدٌ وأصابهم من البرد ما لم يصبهم مثله قطّ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قائمٌ يصلّي فصلّى ما شاء اللّه أن يصلّي، ثمّ قال: من يقوم إليّ الآن فيعلم لنا خبر القوم بيض الله وجهه يوم القيامة؟ قال: فو الله ما استطاع رجلٌ منهم أن يقوم لما بهم من الشّدّة، ثمّ صلّى ما شاء اللّه أن يصلّي ثمّ قال: من يقوم لي الآن فيعلم لنا خبر القوم جعله اللّه معي في الجنّة؟ قال: فواللّه ما استطاع أحدٌ منهم أن يقوم ممّا هم فيه من الشّدّة. ثمّ قال: يا فلان، قم. قال: والّذي أنزل عليك الكتاب لا أقوم إليك الآن. ثمّ قال: يا حذيفة، قم. قال حذيفة: فأردت أن أحلف كما حلف صاحبي فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّكم لحلفٌ. قال: فقمت إليه، فقال لي: انطلق فاعلم لنا خبر القوم، ولا تحدثنّ شيئًا حتّى ترجع إليّ. قال حذيفة: فدعا لي أن يحفظني اللّه من بين يديّ ومن خلفي حتّى أرجع إليه، فانطلقت وبيني وبينهم سبخة نشاشة فلم أنشب أن قطعتها فإذا هم في أمرٍ عظيمٍ وإذا أبو سفيان يصطلي على نارٍ لهم من البرد وإذا نويرةٌ لهم تضيء أحيانًا وتخبت أحيانًا، فإذا أضاءت رأيت من حولها، فقلت: ما أنتظر بهذا؟! عدوّ اللّه قد رأيت مكانه، فأخذت سهمًا من كنانتي فوضعته على كبد القوس ثمّ ذكرت قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لا تحدثن شيئا حتى ترجع إلي. ثم ذكرت حتى استثبته فقلت: ما أنتظر بهذا؟! عدوّ اللّه قد رأيت مكانه فأخذت سهمًا من كنانتي فوضعته على كبد القوس فأردت أن أنزع) ثمّ ذكرت قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تحدثنّ شيئًا حتى ترجع إليّ. فألقيته في الكنانة، ثمّ أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته بما هم فيه، فجعل يحمد اللّه- عزّ وجلّ- فلمّا أصبحوا أرسل اللّه عليهم الرّيح، وذكر هذه الآية: (يا أيها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنود ... ) إلى قوله: (وزلزلوا زلزالاً شديداً) .
رواه أبو بكر بن أبي شيبة وغيره.
تقدم هذا الحديث في غزوة الخندق وقريظة). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/254-255]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (حديث حذيفة رضي الله عنه في نزول قوله تعالى: {يا أيّها الّذين ءامنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ}، يأتي إن شاء اللّه تعالى في المغازي، في غزوة الخندق). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 15/120]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا.
أخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة قال لقد رأيتنا ليلة الاحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الاحزاب فوقنا وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويقولون {إن بيوتنا عورة وما هي بعورة} فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك اذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا رجلا حتى مر علي وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا قلت: حذيفة فتقاصرت إلى الأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقال: قم، فقمت فقال: انه كان في القوم خبر فاتني بخبر القوم قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا فخرجت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته قال: فو الله ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوف إلا خرج من جوفي فما أجد منه شيئا فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئا حتى تأتيني فخرجت حتى اذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، الرحيل، ثم دخل العسكر فاذا في الناس رجال من بني عامر يقولون: الرحيل، الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم واذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبرا فوالله أني لاسمع صوت الحجارة في رحالهم ومن بينهم الريح يضربهم بها ثم خرجت نحو النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك اذا أنا بنحو من عشرين فارسا متعممين فقالوا: اخبر صاحبك ان الله كفاه القوم فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي وكان اذا حز به أمر صلى فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} ). [الدر المنثور: 11/732-734]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن عساكر عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال رجل: لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحملته ولفعلت، فقال حذيفة: لقد رأيتني ليلة الاحزاب ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل في ليلة باردة ما قبله ولا بعده برد كان أشد منه فحانت مني التفاتة فقال ألا رجل يذهب إلى هؤلاء فيأتينا بخبرهم - جعله الله معي يوم القيامة - قال: فما قام منه انسان قال: فسكتوا ثم عاد، فسكتوا ثم قال: يا أبا بكر ثم قال: استغفر الله رسوله ثم قال: إن شئت ذهبت فقال: يا عمر فقال: استغفر الله رسوله ثم قال: يا حذيفة فقلت: لبيك، فقمت حتى أتيت وان جنبي ليضربان من البرد فمسح رأسي ووجهي ثم قال: أئت هؤلاء القوم حتى تأتينا بخبرهم ولا تحدث حدثا حتى ترجع ثم قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته حتى يرجع، قال فلان: يكون أرسلها كان أحب الي من الدنيا وما فيها، قال: فانطلقت فأخذت أمشي نحوهم كأني أمشي في حمام قال: فوجدتهم قد أرسل الله عليهم ريحا فقطعت أطنابهم وذهبت بخيولهم ولم تدع شيئا إلا أهلكته قال: وأبو سفيان قاعد يصطلي عند نار له قال فنظرت اليه فأخذت سهما فوضعته في كبد قوسي قال: - وكان حذيفة راميا - فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحدثن حدثا حتى ترجع قال: فرددت سهمي في كنانتي قال: فقال رجل من القو: إلا فيكم عين للقوم فأخذ كل بيد جليسه فأخذت بيده جليسي فقلت: من أنت قال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن فلان فاذا رجل من هوازن فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته الخبر فلما أخبرته فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل وذهب عني الدفء فأدناني رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنامني عند رجليه وألقى علي طرف ثوبه فان كنت لألزق بطني وصدري ببطن قدميه فلما أصبحوا هزم الله الأحزاب وهو قول {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} ). [الدر المنثور: 11/734-736]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} قال: كان يوم أبي سفيان يوم الاحزاب). [الدر المنثور: 11/736]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله هل من شيء نقول: فقد بلغت القلوب الحناجر قال: نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله بالريح). [الدر المنثور: 11/736]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن مجاهد {إذ جاءتكم جنود} قال: الاحزاب، عيينة بن بدر وأبو سفيان وقريظة {فأرسلنا عليهم ريحا} قال: يعني ريح الصبا أرسلت على الاحزاب يوم الخندق حتى كفأت قدورهم على أفواهها ونزعت فساطيطهم حتى اظعنتهم {وجنودا لم تروها} يعني الملائكة قال: ولم تقاتل الملائكة يومئذ). [الدر المنثور: 11/736-737]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم والحاكم في الكني، وابن مردويه وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت: انطلقي فانصري الله ورسوله فقالت الجنوب: ان الحرة لا تسري بالليل فغضب الله عليها وجعلها عقيما فأرسل الله عليهم الصبا فأطفأت نيرانهم وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور فذلك قوله {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} ). [الدر المنثور: 11/737]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البخاري ومسلم والنسائي، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح). [الدر المنثور: 11/737-738]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه عن ابن عباس قال: انزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} وكانت الجنود التي أتت المسلمين، أسد، وغطفان، وسليما، وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فكان الذين جاؤهم من فوقهم بني قريظة والذين جاؤهم من أسفل منهم قريشا وأسدا وغطفان فقال: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي} يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه {ولو دخلت عليهم من أقطارها} إلى {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الاحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة فاشتد عليهم البلاء فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} إلى {إن الله كان غفورا رحيما} قال: وذكر الله هزيمة المشركين وكفايته المؤمنين فقال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} ). [الدر المنثور: 11/739-740]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا: قال معتب بن قشير: كان محمدا يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن ان يذهب إلى الغائط، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة {إن بيوتنا عورة} وهي خارجة من المدينة: إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته اياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} فكانت الجنود قريشا وغطفان وبني قريظة وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة {إذ جاؤوكم من فوقكم} بنو قريظة {ومن أسفل منكم} قريش، وغطفان، إلى قوله {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} يقول: معتب بن قشير وأصحابه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يقول: أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه). [الدر المنثور: 11/740-741] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه عن البراء بن عازب قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ان نحفر الخندق عرض لنا في بعض الجبل عظيمة شديدة لا تدخل فيها المعاول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وألقى ثوبه وقال: بسم الله ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام والله اني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس والله اني لأبصر قصور المدائن البيض ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن والله اني لابصر أبواب صنعاء). [الدر المنثور: 11/741-742]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد عن سعيد بن جبير قال: كان يوم الخندق بالمدينة فجاء أبو سفيان بن حرب ومن تبعه من قريش ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان وطليحة ومن تبعه من بني أسد وأبو الأعور ومن تبعه من بني سليم وقريظة كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنقضوا ذلك وظاهروا المشركين فأنزل الله فيهم {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم} فأتى جبريل عليه السلام ومعه الريح فقال حين سرى جبريل عليه السلام: ألا أبشروا ثلاثا، فأرسل الله عليهم فهتكت القباب وكفأت القدور ودفنت الرجال وقطعت الاوتاد فانطلقوا لا يلوي أحد على أحد فأنزل الله {إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} ). [الدر المنثور: 12/17-18] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج البيهقي عن موسى بن عقبة رضي الله عنه قال: أنزل الله في قصة الخندق وبني قريظة تسعا وعشرين آية فاتختها {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود} والله تعالى أعلم). [الدر المنثور: 12/19]

تفسير قوله تعالى: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى وبلغت القلوب الحناجر قال شخصت من مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت). [تفسير عبد الرزاق: 2/113]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا يونس بن محمّدٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن عكرمة {وبلغت القلوب الحناجر} قال: إنّ القلوب لو تحرّكت، أو زالت خرجت نفسه، ولكن إنّما هو الفزع). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 437]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم}
- أخبرنا هارون بن إسحاق، عن عبدة، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشة {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} قالت: «ذلك يوم الخندق»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/216]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا (10) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدًا (11) وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مّرضٌ مّا وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا}.
يقول تعالى ذكره: وكان اللّه بما تعملون بصيرًا، إذ جاءتكم جنود الأحزاب من فوقكم ومن أسفل منكم. وقيل: إنّ الّذين أتوهم من أسفل منهم أبو سفيان في قريشٍ ومن معه.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، {إذ جاءوكم من فوقكم} قال: عيينة بن بدرٍ في أهل نجدٍ، ومن أسفل منكم، قال: أبو سفيان. قال: وواجهتهم قريظة.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ذكرت يوم الخندق وقرأت {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} قالت: هو يوم الخندق.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان مولى آل الزّبير، عن عروة بن الزّبير، وعمّن لا أتّهم، وعن عبيد اللّه بن كعب بن مالكٍ، وعن الزّهريّ، وعن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزمٍ، وعن محمّد بن كعبٍ القرظيّ، وعن غيرهم من علمائنا: أنّه كان من حديث الخندق أنّ نفرًا من اليهود منهم سلاّم بن أبي الحقيق النّضريّ، وحييّ بن أخطب النّضريّ، وكنانة بن الرّبيع بن أبي الحقيق النّضريّ، وهوذة بن قيسٍ الوائليّ، وأبو عمّارٍ الوائليّ في نفرٍ من بني النّضير ونفرٍ من بني وائلٍ، وهم الّذين حزّبوا الأحزاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خرجوا حتّى قدموا مكّة على قريشٍ فدعوهم إلى حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله. فقال لهم قريشٌ: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمّدٌ، أفديننا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منه، قال: فهم الّذين أنزل اللّه فيهم: {ألم تر إلى الّذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطّاغوت ويقولون للّذين كفروا هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلاً}، إلى قوله {وكفى بجهنّم سعيرًا}، فلمّا قالوا ذلك لقريشٍ سرّهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم له من حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فاجتمعوا لذلك واتّعدوا له. ثمّ خرج أولئك النّفر من اليهود حتّى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشًا قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا فيه، فأجابوهم فخرجت قريشٌ وقائدها أبو سفيان بن حربٍ، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدرٍ في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّيّ في بني مرّة، ومسعر بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد اللّه بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع، فلمّا سمع بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فلمّا فرغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الخندق، أقبلت قريشٌ حتّى نزلت بمجتمع الأسيال من رومةٍ بين الجرف والغابة في عشرة آلافً من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجدٍ، حتّى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحدٍ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمون حتّى جعلوا ظهورهم إلى سلعٍ في ثلاثة آلافٍ من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذّراري والنّساء فرفعوا في الآطام، وخرج عدوّ اللّه حييّ بن أخطب النّضريّ حتّى أتى كعب بن أسدٍ القرظيّ صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على قومه وعاهده على ذلك وعاقده، فلمّا سمع كعبٌ بحييّ بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حييٌّ: يا كعب، افتح لي، قال: ويحك يا حييّ، إنّك امرؤٌ مشئومٌ، إنّي قد عاهدت محمّدًا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلاّ وفاءً وصدقًا، قال: ويحك افتح لي أكلّمك، قال: ما أنا بفاعلٍ. قال: واللّه إن أغلقت دوني إلاّ تخوّفت على جشيشتك أن آكل معك منها، فأحفظ الرّجل، ففتح له، فقال: يا كعب جئتك بعزّ الدّهر وببحرٍ طمٍّ، جئتك بقريشٍ على قاداتها وساداتها، حتّى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قاداتها وساداتها حتّى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحدٍ، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتّى يستأصلوا محمّدًا ومن معه، فقال له كعب بن أسدٍ: جئتني واللّه بذلّ الدّهر وبجهامٍ قد هراق ماؤه يرعد ويبرق ليس فيه شيءٌ، فدعني ومحمّدًا وما أنا عليه، فلم أر من محمّدٍ إلاّ صدقًا ووفاءً، فلم يزل حييٌّ بكعبٍ يفتله في الذّروة والغارب حتّى سمح له على أن أعطاه عهدًا من اللّه وميثاقًا: لئن رجعت قريشٌ وغطفان ولم يصيبوا محمّدًا أن أدخل معك في حصنك حتّى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسدٍ عهده وبرئ ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ فلمّا انتهى إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخبر، وإلى المسلمين بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سعد بن معاذ بن النّعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذٍ سيّد الأوس، وسعد بن عبادة بن دليمٍ أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج، وهو يومئذٍ سيّد الخزرج، ومعهما عبد اللّه بن رواحة أخو بلحارث بن الخزرج، وخوّات بن جبيرٍ أخو بني عمرو بن عوفٍ، فقال: انطلقوا حتّى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد النّاس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للنّاس.
فخرجوا حتّى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، ونالوا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقالوا: لا عهد بيننا وبين محمّدٍ ولا عقد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدّةٌ، فقال له سعد بن معاذٍ: دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثمّ أقبل سعدٌ وسعدٌ ومن معهما إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسلّموا عليه، ثمّ قالوا: عضلٌ والقارة: أي كغدر عضلٍ والقارة بأصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحاب الرّجيع، خبيب بن عديٍّ وأصحابه، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّه أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين، وعظم عند ذلك البلاء، واشتدّ الخوف، وأتاهم عدوّهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتّى ظنّ المسلمون كلّ ظنٍّ ونجم النّفاق من بعض المنافقين، حتّى قال معتّب بن قشيرٍ أخو بني عمرو بن عوفٍ: كان محمّدٌ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، وحتّى قال أوس بن قيظيٍّ أحد بني حارثة بن الحارث: يا رسول اللّه، إنّ بيوتنا لعورةٌ من العدوّ، وذلك عن ملإٍ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى دارنا، وإنّها خارجةٌ من المدينة، فأقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بضعًا وعشرين ليلةً قريبًا من شهرٍ، ولم يكن بين القوم حربٌ إلاّ الرّمي بالنّبل والحصار.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن رومان، قوله {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فالّذين جاؤوهم من فوقهم: قريظة، والّذين جاؤوهم من أسفل منهم: قريشٌ وغطفان.
وقوله: {وإذ زاغت الأبصار} يقول: وحين عدلت الأبصار عن مقرّها، وشخصت طامحةً.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، {وإذ زاغت الأبصار} شخصت.
وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} يقول: نبت القلوب عن أماكنها من الرّعب والخوف فبلغت إلى الحناجر.
- كما حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا سويد بن عمرٍو، عن حمّاد بن زيدٍ، عن أيّوب، عن عكرمة، {وبلغت القلوب الحناجر} قال: من الفزع.
وقوله: {وتظنّون باللّه الظّنونا} يقول: وتظنّون باللّه الظّنون الكاذبة، وذلك كظنّ من ظنّ منهم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يغلب وأنّ ما وعده اللّه من النّصر أن لا يكون ونحو ذلك من ظنونهم الكاذبة الّتي ظنّها من ظنّ ممّن كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في عسكره.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا هوذة بن خليفة، قال: حدّثنا عوفٌ، عن الحسن، {وتظنّون باللّه الظّنونا} قال: ظنونًا مختلفةً: ظنّ المنافقون أنّ محمّدًا وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أنّ ما وعدّهم اللّه حقٌّ أنّه سيظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله {وتظنّون باللّه الظّنونا} فقرأ ذلك عامّة قرّاء المدينة، وبعض الكوفيّين {الظّنونا} بإثبات الألف وكذلك {وأطعنا الرّسولا}، و{فأضلّونا السّبيلا} في الوصل والوقف؛ وكان اعتلال المعتلّ في ذلك لهم أنّ ذلك في كلّ مصاحف المسلمين بإثبات الألف في هذه الأحرف كلّها. وكان بعض قرّاء الكوفة يثبت الألف فيهنّ في الوقف ويحذفهن في الوصل اعتلالاً بأنّ العرب تفعل ذلك في قوافي الشّعر ومصاريعه، فتلحق الألف في موضع الفتح للوقوف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فإنّ هذه الأحرف حسنٌ فيها إثبات الألفات لأنّهنّ رءوس الآي تمثيلاً لها بالقوافي.
وقرأ ذلك بعض قرّاء البصرة والكوفة بحذف الألف من جميعه في الوقف والوصل اعتلالاً بأنّ ذلك غير موجودٍ في كلام العرب إلاّ في قوافي الشّعر دون غيرها من كلامهم، وأنّها إنّما تفعل ذلك في القوافي طلبًا لإتمام وزن الشّعر، إذ لو لم تفعل ذلك فيها لم يصحّ الشّعر وليس ذلك كذلك في القرآن لأنّه لا شيء يضطرّهم إلى ذلك في القرآن، وقالوا: هنّ مع ذلك في مصحف عبد اللّه بغير ألفٍ.
وأولى القراءات في ذلك عندي بالصّواب قراءة من قرأه بحذف الألف في الوصل والوقف؛ لأنّ ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب مع شهرة القراءة بذلك في قرّاء المصرين: الكوفة والبصرة، ثمّ القراءة بإثبات الألف فيهنّ في حالة الوقف والوصل، لأنّ علّة من أثبت ذلك في حال الوقف أنّه كذلك في خطوطٍ مصاحف المسلمين. وإذا كانت العلّة في إثبات ذلك في بعض الأحوال كونه مثبتًا في مصاحف المسلمين فالواجب أن تكون القراءة في كلّ الأحوال ثابتةً لأنّه مثبتٌ في مصاحفهم. وغير جائزٍ أن تكون العلّة الّتي توجب قراءة ذلك على وجهٍ من الوجوه في بعض الأحوال موجودةً في حالٍ أخرى، والقراءة مختلفةٌ، وليس ذلك لقوافي الشّعر بنظيرٍ، لأنّ قوافي الشّعر إنّما تلحق فيها الألفات في مواضع الفتح والياء في مواضع الكسر، والواو في مواضع الضّمّ طلبًا لتتمّة الوزن وأنّ ذلك لو لم يفعل كذلك بطل أن يكون شعرًا لاستحالته عن وزنه، ولا شيء يضطرّ تالي القرآن إلى فعل ذلك في القرآن). [جامع البيان: 19/29-37]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد إذ جاؤوكم من فوقكم يعني عيينة بن بدر في أهل نجد ومن أسفل منكم أبو سفيان بن حرب مواجهتكم قريظة). [تفسير مجاهد: 515]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ م) عائشة - رضي الله عنها -: في قوله تعالى {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] قالت: كان ذلك يوم الخندق. أخرجه البخاري، ومسلم.
[شرح الغريب]
(زاغت الأبصار): مالت عن مكانها، وذلك كما يعرض للإنسان عند الخوف.
(الحناجر): جمع الحنجرة، وهي الحلقوم). [جامع الأصول: 2/306]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه والبخاري والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن عائشة في قوله {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قالت: كان ذلك يوم الخندق). [الدر المنثور: 11/738]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه عن ابن عباس قال: انزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} وكانت الجنود التي أتت المسلمين، أسد، وغطفان، وسليما، وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فكان الذين جاؤهم من فوقهم بني قريظة والذين جاؤهم من أسفل منهم قريشا وأسدا وغطفان فقال: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي} يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه {ولو دخلت عليهم من أقطارها} إلى {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الاحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة فاشتد عليهم البلاء فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} إلى {إن الله كان غفورا رحيما} قال: وذكر الله هزيمة المشركين وكفايته المؤمنين فقال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} ). [الدر المنثور: 11/739-740] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا: قال معتب بن قشير: كان محمدا يرى أن يأكل من كنز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن ان يذهب إلى الغائط، وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه من بني حارثة {إن بيوتنا عورة} وهي خارجة من المدينة: إئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته اياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} فكانت الجنود قريشا وغطفان وبني قريظة وكانت الجنود التي أرسل عليهم مع الريح الملائكة {إذ جاؤوكم من فوقكم} بنو قريظة {ومن أسفل منكم} قريش، وغطفان، إلى قوله {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} يقول: معتب بن قشير وأصحابه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب} يقول: أوس بن قيظي ومن كان معه على ذلك من قومه). [الدر المنثور: 11/740-741] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم} قال عيينة بن حصن {ومن أسفل منكم} قال: سفيان بن حرب). [الدر المنثور: 11/742]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه عن عائشة في قوله {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قال: كان ذلك يوم الخندق). [الدر المنثور: 11/742]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} قال: نزلت هذه الآية يوم الاحزاب وقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا فخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل أبو سفيان بقريش ومن معه من الناس حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عيينة بن حصن أخو بني بدر بغطفان ومن تبعه حتى نزلوا بعفوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكاتبت اليهود أبا سفيان فظاهروه فبعث الله عليهم الرعب والريح، فذكر أنهم كانوا كلما بنوا بناء قطع الله أطنابه وكلما ربطوا دابة قطع الله رباطها وكلما أوقدوا نارا أطفأها الله حتى لقد ذكر لنا أن سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي، حتى اذا اجتمعوا عنده قال: النجاة، النجاة، أتيتم لما بعث الله عليهم الرعب). [الدر المنثور: 11/742-743]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {إذ جاؤوكم من فوقكم} قال: عيينة بن حصن في أهل نجد {ومن أسفل منكم} قال: أبو سفيان بن حرب في أهل تهامة ومواجهتهم قريظة). [الدر المنثور: 11/743]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإذ زاغت الأبصار} قال: شخصت الأبصار). [الدر المنثور: 11/743]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وبلغت القلوب الحناجر} قال: شخصت من مكانها فلولا انه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت). [الدر المنثور: 11/743]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة في قوله {وبلغت القلوب الحناجر} قال: فزعها ولفظ ابن أبي شيبه قال: ان القلوب لو تحركت أو زالت خرجت نفسه ولكن إنما هو الفزع). [الدر المنثور: 11/743-744]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: ظنون مختلفة ظن المنافقون ان محمدا وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله ورسوله حق انه سيظهر على الدين كله). [الدر المنثور: 11/744]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: هم النافقون يظنون بالله ظنونا مختلفة، وفي قوله {هنالك ابتلي المؤمنون} قال: محصوا، وفي قوله {وإذ يقول المنافقون} تكلموا بما في أنفسهم من النفاق وتكلم المؤمنون بالحق والايمان {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} ). [الدر المنثور: 11/744]

تفسير قوله تعالى: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {هنالك ابتلي المؤمنون} يقول: عند ذلك اختبر إيمان المؤمنين، ومحّص القوم، وعرف المؤمن من المنافق.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله {هنالك ابتلي المؤمنون} قال: محّصوا.
وقوله: {وزلزلوا زلزالاً شديدًا} يقول: وحرّكوا بالفتنة تحريكًا شديدًا، وابتلوا وفتنوا). [جامع البيان: 19/37-38]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيمنا آدم ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد هنالك ابتلي المؤمنون قال محصوا). [تفسير مجاهد: 515-516]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن إسحاق، وابن مردويه عن ابن عباس قال: انزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها} وكانت الجنود التي أتت المسلمين، أسد، وغطفان، وسليما، وكانت الجنود التي بعث الله عليهم من الريح الملائكة فقال {إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} فكان الذين جاؤهم من فوقهم بني قريظة والذين جاؤهم من أسفل منهم قريشا وأسدا وغطفان فقال: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} يقول: معتب بن قشير ومن كان معه على رأيه {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي} يقول أوس بن قيظي ومن كان معه على مثل رأيه {ولو دخلت عليهم من أقطارها} إلى {وإذا لا تمتعون إلا قليلا} ثم ذكر يقين أهل الايمان حين أتاهم الاحزاب فحصروهم وظاهرهم بنو قريظة فاشتد عليهم البلاء فقال: {ولما رأى المؤمنون الأحزاب} إلى {إن الله كان غفورا رحيما} قال: وذكر الله هزيمة المشركين وكفايته المؤمنين فقال: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم} ). [الدر المنثور: 11/739-740] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: هم النافقون يظنون بالله ظنونا مختلفة، وفي قوله {هنالك ابتلي المؤمنون} قال: محصوا، وفي قوله {وإذ يقول المنافقون} تكلموا بما في أنفسهم من النفاق وتكلم المؤمنون بالحق والايمان {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} ). [الدر المنثور: 11/744] (م)

تفسير قوله تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (معمر عن قتادة في قوله تعالى ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا قال ناس من المنافقين يعدنا محمد أنا نفتتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا). [تفسير عبد الرزاق: 2/113-114]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (وقوله: {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ} شكٌّ في الإيمان، وضعفٌ في إعتقادهم إيّاه {ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا} وذلك فيما ذكر قول معتّب بن قشيرٍ.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يزيد بن رومان {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا} لقول معتّب بن قشيرٍ: إذ قال ما قال يوم الخندق.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، وحدّثني الحارث، قال: حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ} قال: تكلّمهم بالنّفاق يومئذٍ، وتكلّم المؤمنون بالحقّ والإيمان، قالوا: هذا ما وعدنا اللّه ورسوله.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا} قال: قال ذلك أناسٌ من المنافقين: قد كان محمّدٌ يعدنا فتح فارس والرّوم وقد حصرنا هاهنا، حتّى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، قال: قال رجلٌ يوم الأحزاب لرجلٍ من صحابة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: يا فلان، أرأيت إذ يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل اللّه فأين هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف؟ {ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا} فقال له: كذبت، لأخبرنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خبرك، قال: فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول اللّه، ما قلت شيئًا ما خرج هذا من في قطّ قال اللّه {يحلفون باللّه ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر} حتّى بلغ {وما لهم في الأرض من وليٍّ ولا نصيرٍ}، قال: فهذا قول اللّه {إن نعف عن طائفةٍ منكم نعذّب طائفةً}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن عثمة، قال: حدّثنا كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوفٍ المزنيّ، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: خطّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الخندق عام ذكرت الأحزاب من أجم الشّيخين طرف بني حارثة، حتّى بلغ المذاد، ثمّ جعل أربعين ذراعًا بين كلّ عشرةٍ، فاحتقّ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسيّ، وكان رجلاً قويًّا، فقال الأنصار: سلمان منّا، وقال المهاجرون: سلمان منّا، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: سلمان منّا أهل البيت.
قال عمرو بن عوفٍ: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنّعمان بن مقرّنٍ المزنيّ، وستّةٌ من الأنصار، في أربعين ذراعًا، فحفرنا تحت ذبابٍ حتّى بلغنا النّدى أخرج اللّه من بطن الخندق صخرةً بيضاء مروه، فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبره خبر هذه الصّخرة، فإمّا أن نعدل عنها، فإنّ المعدل قريبٌ، وإمّا أن يأمرنا فيها بأمره، فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّه، فرقي سلمان حتّى أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو ضاربٌ عليه قبّةً تركيّةً، فقال: يا رسول اللّه، بأبينا أنت وأمّنّا، خرجت صخرةٌ بيضاء من بطن الخندق مروه، فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، حتّى ما يحيك منها قليلٌ ولا كثيرٌ، فمرنا فيها بأمرك، فإنّا لا نحبّ أن نجاوز خطّك، فهبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التّسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المعول من سلمان، فضرب الصّخرة ضربةً صدعها، وبرقت منها برقةٌ أضاءت ما بين لابتيها، يعني: لابتي المدينة، حتّى لكأنّ مصباحًا في جوف بيتٍ مظلمٍ، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبير فتحٍ، وكبّر المسلمون. ثمّ ضربها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الثّانية، فصدعها وبرقت منها برقةٌ أضاءت ما بين لابتيها، حتّى لكأنّ مصباحًا في جوف بيتٍ مظلمٍ، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبير فتحٍ، وكبّر المسلمون، ثمّ ضربها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الثّالثة، فكسرها، وبرقت منها برقةٌ أضاءت ما بين لابتيها، حتّى لكأنّ مصباحًا في جوف بيتٍ مظلمٍ، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبير فتحٍ، ثمّ أخذ بيد سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه، لقد رأيت شيئًا ما رأيته قطّ، فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول اللّه، بأبينا أنت وأمّنّا وقد رأيناك تضرب فيخرج برقٌ كالموج فرأيناك تكبّر فنكبّر، ولا نرى شيئًا غير ذلك، قال: صدقتم، ضربت ضربتي الأولى فبرق الّذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنّها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرائيل عليه السّلام أنّ أمّتي ظاهرةٌ عليها، ثمّ ضربت ضربتي الثّانية، فبرق الّذي رأيتم، أضاء لي منه قصور الحمر من أرض الرّوم، كأنّها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل عليه السّلام أنّ أمّتي ظاهرةٌ عليها، ثمّ ضربت ضربتي الثّالثة وبرق منها الّذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء، كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل عليه السّلام أنّ أمّتي ظاهرةٌ عليها، فأبشروا، يبلّغهم النّصر، وأبشروا يبلّغهم النّصر، وأبشروا يبلّغهم النّصر. فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد للّه موعود صدقٍ، بأن وعدنا النّصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: {هذا ما وعدنا اللّه ورسوله} الآية، وقال المنافقون: ألا تعجبون؟ يحدّثكم ويمنّيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنّها تفتح لكم، وأنتم تحفرون الخندق من الفرق ولا تستطيعون أن تبرّزوا؟ وأنزل القرآن {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غرورًا} ). [جامع البيان: 19/38-42]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم نا آدم نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض تكلمهم بالنفاق يومئذ وتكلم المؤمنين بالحق والإيمان فقالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله). [تفسير مجاهد: 516]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب فخرجت لنا من الخندق صخرة بيضاء مدورة فكسرت حديدنا وشقت علينا فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخر ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لا بتي المدينه حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها فكبر وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فصدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لا بتيها وكبر وكبر المسلمون فسألناه فقال: أضاء لي في الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل ان أمتي ظاهرة عليها فابشروا بالنصر، فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر فطلعت الأحزاب فقال المسلمون {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} وقال المنافقون: إلا تعجبون يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل يخبر أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وانكم تحفرون الخندق ولا تستطيعون ان تبرزوا وأنزل القران مردويهن {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ). [الدر المنثور: 11/738-739] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وتظنون بالله الظنونا} قال: هم النافقون يظنون بالله ظنونا مختلفة، وفي قوله {هنالك ابتلي المؤمنون} قال: محصوا، وفي قوله {وإذ يقول المنافقون} تكلموا بما في أنفسهم من النفاق وتكلم المؤمنون بالحق والايمان {قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله} ). [الدر المنثور: 11/744] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي شيبه والبيهقي في الدلائل، عن جابر بن عبد الله قال: لما حفر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق وأصاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين جهد شديد فمكثوا ثلاثا لا يجدون طعاما حتى ربط النّبيّ صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع). [الدر المنثور: 11/744]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: قال المنافقون يوم الاحزاب حين رأوا الأحزاب قد اكتنفوهم من كل جانب فكانوا في شك وريبة من أمر الله قالوا: ان محمدا كان يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا حتى ما يستطيع يبرز أحدنا لحاجته، فأنزل الله {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} ). [الدر المنثور: 11/745]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: حفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق واجتمعت قريش وكنانه وغطفان فاستأجرهم أبو سفيان بلطيمة قريش فاقبلوا حتى نزلوا بفنائه فنزلت قريش أسفل الوادي ونزلت غطفان عن يمين ذلك وطليحة الأسدي في بني أسد يسار ذلك وظاهرهم بنو قريظة من اليهود على قتال النّبيّ صلى الله عليه وسلم فلما نزلوا بالنبي صلى الله عليه وسلم تحصن بالمدينة وحفر النّبيّ صلى الله عليه وسلم الخندق فبينما هو يضرب فيه بمعوله اذ وقع المعول في صفا فطارت منه كهيئة الشهاب من النار في السماء وضرب الثاني فخرج مثل ذلك فرأى ذلك سلمان رضي الله عنه فقال: يا رسول الله قد رأيت خرج من كل ضربة كهيئة الشهاب فسطع إلى السماء.
فقال لقد رأيت ذلك فقال نعم يا رسول الله قال تفتح لكم أبواب المدائن وقصور الروم ومدائن اليمن ففشا ذلك في أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فتحدثوا به فقال رجل من الأنصار يدعي قشير بن معتب يعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل هذا والله الغرور فأنزل الله تعالى في هذا {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}). [الدر المنثور: 11/745-746]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22 جمادى الأولى 1434هـ/2-04-2013م, 08:29 AM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,914
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قوله عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ} [الأحزاب: 9] يعني أبا سفيان وأصحابه، وهم الأحزاب.
المعلّى، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، قال: يوم الأحزاب تحازبوا على اللّه ورسوله، جاء عيينة بن حصنٍ الفزاريّ وطليحة بن خويلدٍ الأسديّ من فوق الوادي، وجاء أبو الأعور السّلميّ من أسفل الوادي، ونصب أبو سفيان قبل الخندق الّذي فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
قال: {فأرسلنا عليهم ريحًا} [الأحزاب: 9] قال مجاهدٌ: وهي الصّبا تكبّهم على وجوههم وتقطع فساطيطهم حتّى أظعنتهم، وهذا تفسير مجاهدٍ.
- حدّثني إبراهيم بن محمّدٍ، عن صالح بن كيسان، عن طاوسٍ، قال يحيى: وأخبرني صاحبٌ لي، عن الأعمش، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «نصرت بالصّبا وأهلكت عادٌ بالدّبور».
[تفسير القرآن العظيم: 2/703]
قال: {وجنودًا لم تروها} [الأحزاب: 9] الملائكة، في تفسير مجاهدٍ وقتادة). [تفسير القرآن العظيم: 2/704]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لّم تروها...}

يريد: وأرسلنا جنوداً لم تروها من الملائكة, وهذا يوم الخندق , وهو يوم الأحزاب.). [معاني القرآن: 2/336]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقوله: {وردّ اللّه الّذين كفروا بغيظهم...}
وقد كانوا طمعوا أن يصطلموا المسلمين لكثرتهم، فسلّط الله عليهم ريحاً باردةً، فمنعت أحدهم من أن يلجم دابّته, وجالت الخيل في العسكر، وتقطعت أطنابهم , فهزمهم الله بغير قتال، وضربتهم الملائكة.
فذلك قوله: {إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}: يعني :الملائكة.). [معاني القرآن: 2/340] (م)
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان اللّه بما تعملون بصيرا (9)}
هؤلاء الجنود هم الأحزاب، والجنود الذين كانوا: هم قريش مع أبي سفيان , وغطفان , وبنو قريظة، تحزّبوا , وتظاهروا على حرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم , فأرسل اللّه عليهم ريحا كفأت قدورهم، أي: قلبتها، وقلعت فساطيطهم , وأظعنتهم من مكانهم، والجنود التي لم يروها الملائكة.). [معاني القرآن: 4/217]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود}
قال مجاهد : (جاءهم أبو سفيان , وعيينة بن بدر , وبنو قريظة : وهم الأحزاب) .
ثم قال جل وعز: {فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها}
روى ابن أبي نجيح , عن مجاهد قال : (هي الصبا : كفأت قدورهم , ونزعت فساطيطهم حتى أظعنتهم) .
وروى ابن عباس , عن النبي صلى الله عليه وسلم : ((نصرت بالصبا , وأهلكت عاد بالدبور)).) [معاني القرآن: 5/327-328]

تفسير قوله تعالى:{إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) }
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قال: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} [الأحزاب: 10] جاءوا من وجهين من أسفل المدينة ومن أعلاها في تفسير الحسن.
أبو سفيان في تفسير مجاهدٍ.
وقال الكلبيّ: جاءوا من أعلى الوادي ومن أسفله، جاء من أعلاه عيينة ابن حصنٍ، ومن أسفله أبو الأعور السّلميّ، ونصب أبو سفيان إلى الخندق.
وقال السّدّيّ: {إذ جاءوكم} [الأحزاب: 10]، يعني: الأحزاب، أبا سفيان ومن معه.
{من فوقكم} [الأحزاب: 10]، يعني: من فوق الوادي، يعني: من أعلاه، من قبل المشرق، ومن حيث يجيء الصّبح، يعني: مالك بن عوفٍ من بني نضرٍ، وعيينة بن حصنٍ الفزاريّ ومعهما ألفٌ من غطفان، ومع طليحة بن خويلدٍ الثّقفيّين من بني أسدٍ، وحييّ بن أخطب اليهوديّ في يهودٍ من بني قريظة.
ثمّ قال: {ومن أسفل منكم} [الأحزاب: 10]، يعني: من أسفل من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من بطن الوادي ومن قبل المغرب، وجاء أبو سفيان على أهل مكّة ومعه يزيد بن جحشٍ على فرقتين، جاءوا من أسفل الوادي من قبل المغرب، وجاء أبو الأعور السّلميّ عمرو بن سفيان من قبل الخندق والّذين معه.
قال عزّ وجلّ: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] من شدّة الخوف.
{وتظنّون باللّه الظّنونا} [الأحزاب: 10]، يعني: التّهمة، تفسير السّدّيّ، يعني: المنافقين ظنّوا
[تفسير القرآن العظيم: 2/704]
أنّ محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم سيقتل، وأنّهم سيهلكون). [تفسير القرآن العظيم: 2/705]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {إذ جاءوكم مّن فوقكم...}

ممّا يلي مكّة , {ومن أسفل منكم} ممّا يلي المدينة., وقوله: {وإذ زاغت الأبصار}: زاغت عن كلّ شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوّها, وقوله: {وبلغت القلوب الحناجر} : ذكر أن الرجل منهم كانت تنتفخ رئته حتى ترفع قلبه إلى حنجرته من الفزع, وقوله: {وتظنّون باللّه الظّنونا} : ظنون المنافقين.). [معاني القرآن: 2/336]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وإذ زاغت الأبصار}:أي : حارت , وطمحت , وعدلت , وفي آية أخرى: { ما زاغ البصر }.). [مجاز القرآن: 2/134]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ({إذ جاءوكم مّن فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا}
وقال: {الظّنونا} , والعرب : تلحق الواو , والياء ,, والألف في آخر القواففي, فشبهوا رؤوس الآي بذلك.). [معاني القرآن: 3/30]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ({زاغت الأبصار}: طمحت وعدلت). [غريب القرآن وتفسيره: 302]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {وإذ زاغت الأبصار}:أي :عدلت .
{وبلغت القلوب الحناجر}:أي: كادت تبلغ الحلوق من الخوف.). [تفسير غريب القرآن: 348]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (ومن هذا الباب قول الله عز وجل: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ} [القلم: 51] يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقك من شدّته، أي يسقطك.
ومثله قول الشاعر:
يتقارضون إذا التقوا في موطن = نظرا يزيل مواطئ الأقدام
أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يزيل الأقدام عن مواطئها.
فتفهّم قول الله عز وجل: {وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ} أي: يقاربون أن يفعلوا ذلك، ولم يفعلوا.
وتفهّم قول الشاعر: (نظرا يزيل) ولم يقل: يكاد يزيل؛ لأنه نواها في نفسه.
وكذلك قول الله عز وجل: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} إعظاما لقولهم.
وقوله جل وعز: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ}.
إكبارا لمكرهم. وقرأها بعضهم: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ}.
وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق.
وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب). [تأويل مشكل القرآن: 171] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (قوله: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق.
وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب.
وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنّزو عند المخافة والذّعر.
قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء:
كأنّ قلوب أدلاَّئِها = معلَّقَةٌ بقرون الظّباء
وهذا مثل قوله امرئ القيس:
ولا مِثْلَ يوم في قُدَارٍ ظَلِلْتُهُ = كَأَنِّي وَأَصْحَابي عَلَى قَرْنِ أَعْفَرا
أي كأنّا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن.
وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفنّ). [تأويل مشكل القرآن: 171-172]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا (10)}
جاءت قريظة من فوقهم، وجاءت قريش وغطفان من ناحية مكة من أسفل منهم.
وقوله: {وتظنّون باللّه الظّنونا}: اختلف القراء فيها, فقرأ بعضهم بإثبات الألف في الوقف , والوصل , وقرأ بعضهم " الظنون " بغير ألف في الوصل، وبألف في الوقف.
وقرأ أبو عمرو : " الظّنون " بغير ألف، في الوصل والوقف.
والذي عليه حذّاق النحويين, ن المتبعون السّنّة من حذاقهم أن يقرأوا :{الظّنونا}.
ويقفون على الألف , ولا يصلون، وإنّما فعلوا ذلك لأن أواخر الآيات عندهم فواصل، ويثبتون في آخرها في الوقف ما قد يحذف مثله في الوصل.
وهؤلاء يتبعون المصحف , ويكرهون أن يصلوا ويثبتوا الألف؛ لأن الآخر لم يقفوا عليه , فيجروه مجرى الفواصل.
ومثل هذا من كلام العرب في القوافي:
= أقلّي اللوم عاذل والعتابا
فأثبت الألف , لأنّها في موضع فاصلة , وهي القافية.).[معاني القرآن: 4/218]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {وجنودا لم تروها}
قال مجاهد: (الملائكة , ولم تقاتل يومئذ يوم الأحزاب) .
وقوله جل وعز: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}
قال محمد بن إسحاق : (الذين جاءوهم من فوقهم بنو قريظة , والذين جاءوهم من أسفل منهم قريش وغطفان).
ثم قال جل وعز: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر}
روى حماد بن زيد, عن أيوب, عن عكرمة قال : (بلغ فزعها) .
وقال قتادة : (شخصت عن مواضعها , فلولا أن الحلوق ضاقت عنها , لخرجت, وقيل :كادت تبلغ) .
قال أبو جعفر , وأحسن هذه الأقوال: القول الأول , أي: بلغ وجيفها من شدة الفزع الحلوق, فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب.). [معاني القرآن: 5/328-329]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {زَاغَتْ}: مالت، عدلت.). [العمدة في غريب القرآن: 242]

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قال اللّه: {هنالك ابتلي المؤمنون} محّصوا في تفسير مجاهدٍ.
قال: {وزلزلوا زلزالا شديدًا} [الأحزاب: 11] كان اللّه أنزل في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يأتكم مثل الّذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضّرّاء وزلزلوا حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى نصر اللّه} [البقرة: 214] قال اللّه: {ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ} [البقرة: 214].
فلمّا نزلت هذه الآية قال أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: ما أصابنا هذا بعد، فلمّا كان يوم الأحزاب أنزل اللّه: {ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللّه ورسوله وصدق اللّه ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا} [الأحزاب: 22] وأنزل: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان اللّه بما
تعملون بصيرًا {9} إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا {10} هنالك ابتلي المؤمنون} [الأحزاب: 9-11] محصوا {وزلزلوا زلزالا شديدًا} [الأحزاب: 11] حرّكوا بالخوف، في تفسير مجاهدٍ، وأصابتهم الشّدّة). [تفسير القرآن العظيم: 2/705]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(ثم قال الله: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً}.

يقول: حرّكوا تحريكاً إلى الفتنة فعصموا.). [معاني القرآن: 2/336]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({ زلزلوا زلزالاً شديداً }: أي: ابتلوا , وفتنوا , ومنه الزلازل.).
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {وزلزلوا زلزالًا شديداً}: أي: شدّد عليهم , وهوّل, و«الزّلازل»: الشدائد, وأصلها من «التحريك».). [تفسير غريب القرآن: 348]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله عزّ وجلّ: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11)}
ويجوز زلزالا, بفتح الزاي، والمصدر من المضاعف , يجيء على ضربين فعلال , وفعلال نحو : قلقله قلقالا , وقلقالا , وزلزلزلته زلزالا , وزلزالا، والكسر أكثر , وأجود لأن غير المضاعف من هذا الباب مكسور الأول، نحو: دحرجته دحراجا , لا يجوز فيه غير الكسر.
ومعنى :{هنالك ابتلي المؤمنون}: أي : في تلك الحال اختبر المؤمنون.
ومعنى : {زلزلوا زلزالا شديدا}: أزعجوا إزعاجا شديدا , وحرّكوا). [معاني القرآن: 4/218-419]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا}
قال مجاهد : (أي : محصوا) .
ثم قال:{وزلزلوا زلزالا شديدا }:أي :أزعجوا, وحركوا.). [معاني القرآن: 5/329-330]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ({وَزُلْزِلُوا}: أي : شدد عليهم.).[تفسير المشكل من غريب القرآن: 193]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)}
قال يَحيى بن سلاَّم بن أبي ثعلبة البصري (ت: 200هـ): (قال: {وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ} [الأحزاب: 12] وهم المنافقون، والمرض في تفسير قتادة النّفاق.
وفي تفسير الحسن الشّرك، وصفهم بالوجهين جميعًا، والنّفاق أنّهم نافقوا بقلوبهم عن ما أظهروا بألسنتهم والمرض ما في قلوبهم.
{ما وعدنا اللّه ورسوله} [الأحزاب: 12] في ما يزعم أنّه رسوله.
{إلا غرورًا} [الأحزاب: 12] وذلك أنّه لمّا أنزل اللّه في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة} [البقرة: 214] إلى قوله: {ألا إنّ نصر اللّه قريبٌ} [البقرة: 214] فوعد اللّه المؤمنين أن ينصرهم كما نصر من قبلهم بعد أن يزلزلوا وهي الشّدّة، وأن يحرّكوا بالخوف كما قال النّبيّون حيث يقول اللّه: {حتّى يقول الرّسول والّذين آمنوا معه متى
[تفسير القرآن العظيم: 2/705]
نصر اللّه} [البقرة: 214] قال اللّه {ألا إنّ نصر
اللّه قريبٌ} [البقرة: 214] فقال المنافقون: وعدنا اللّه النّصر فلا نرانا ننصر، ونرانا نقتل ونهزم، ولم يكن في ما وعدهم اللّه ألا يقتل منهم أحدٌ، وألا يهزموا في بعض الأحايين، وقد قال في آيةٍ أخرى: {وتلك الأيّام نداولها بين النّاس} [آل عمران: 140]، وإنّما وعدهم النّصر في العاقبة). [تفسير القرآن العظيم: 2/706]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ):
(وقوله: {مّا وعدنا اللّه ورسوله إلاّ غروراً...}

وهذا قول معتّب بن قشير الأنصاري وحده, ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ معولاً من سلمان في صخرة اشتدّت عليهم، فضرب ثلاث ضربات، مع كل واحدة كلمع البرق. فقال سلمان: (والله يا رسول الله لقد رأيت فيهنّ عجباً .
قال فقال النبي عليه السّلام: ((لقد رأيت في الضربة الأولى أبيض المدائن، وفي الثانية قصور اليمن، وفي الثالثة بلاد فارس والرّوم, وليفتحنّ الله على أمّتى مبلغ مداهنّ. ))).
فقال معتّبٌ حين رأى الأحزاب: أيعدنا محمّد أن يفتح لنا فارس والرّوم , وأحدنا لا يقدر أن يضرب الخلاء فرقاً؟ , ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً.). [معاني القرآن: 2/336]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله:{وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض ما وعدنا اللّه ورسوله إلّا غرورا (12)}
موضع " إذ " نصب المعنى : اذكر إذ يقول المنافقون.
ومعنى الآية أن المنافقين قالوا: وعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن فارس والروم تفتحان علينا، ونحن بمكاننا هذا ما يقدر أحدنا أن يبرز لحاجته، فهذا وعد غرور.). [معاني القرآن: 4/219]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (ثم قال جل وعز: {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}
قال قتادة : (قال قوم من المنافقين , وعدنا محمد أن نفتح قصور الشام وفارس , وأحدنا لا يقدر أن يجاوز رحله , {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}.
ثم قال جل وعز: {وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا})
وقرأ أبو عبد الرحمن , والأعرج : (لا مقام) لكم بضم الميم .
قال أبو جعفر : المقام بالفتح : الموضع الذي يقام فيه , والمصدر من قام :يقوم , والمقام بالضم بمعنى : الإقامة , والموضع من أقام هو , وأقامه غيره.). [معاني القرآن: 5/330-331]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23 جمادى الأولى 1434هـ/3-04-2013م, 11:57 PM
أم حذيفة أم حذيفة غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: May 2011
المشاركات: 1,054
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) }

تفسير قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وسألته عن قوله جاء من أسفل يا فتى فقال هذا أفعل من كذا وكذا كما قال عز وجل: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم} ). [الكتاب: 3/291]

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) }

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 01:17 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 01:17 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري
...

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 05:29 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله}، إلى قوله تبارك وتعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك} نزلت في شأن غزوة الخندق وما اتصل بها من أمر بني قريظة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى بني النضير من موضعهم عند المدينة إلى خيبر، فاجتمعت جماعة منهم ومن غيرهم من اليهود وخرجوا إلى مكة مستنهضين قريشا إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجسروهم على ذلك، وأزمعت قريش السير إلى المدينة، ونهض اليهود إلى غطفان وبني أسد ومن أملهم من أهل نجد وتهامة، فاستنفروهم إلى ذلك، فتحزب الناس وساروا إلى المدينة، واتصل الخبر برسول الله صلى الله عليه وسلم فحفر الخندق حول ديار بالمدينة وحصنه، وكان أمرا لم تعهده العرب، وإنما كان من أعمال فارس والروم، وأشار به سلمان الفارسي رضي الله عنه، فورد الأحزاب، قريش وكنانة والأحابيش في نحو عشرة آلاف عليهم أبو سفيان بن حرب، ووردت غطفان وأهل نجد عليهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، ووردت بنو عامر وغيرهم عليهم عامر بن الطفيل إلى غير هؤلاء، فحصروا المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، على ما قال ابن إسحاق، وقال مالك: كانت سنة أربع، وكانت بنو قريظة قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الهدنة، وعاقدوه على أن لا يلحقه منهم ضرر، فلما تمكن هذا الحصار واثقهم بنو النضير، فغدروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقضوا العهد، وصاروا له حزبا مع الأحزاب، فضاق الحال على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وكثرت الظنون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر ويعد بالنصر.
ثم ألقى الله تعالى الرعب في قلوب المشركين، ويئسوا من الظفر بمنعة الخندق، وبما رأوا من جلد المؤمنين، وجاء رجل من قريش اسمه نوفل بن الحارث - وقيل غير هذا - فاقتحم الخندق بفرسه فقتل فيه، فكان ذلك حاجزا بينهم، ثم إن الله تعالى بعث الصبا لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم على الكفار، فطردتهم، وهددت بيوتهم، وأطفأت نيرانهم، وقطعت حبالهم، وأطفأت قدورهم، ولم يمكنهم معها قرار، وبعث الله مع الصبا ملائكة تشدد الريح، وتفعل نحو فعلها، وتلقي الرعب في قلوب الكفرة حتى أزمعوا الرحلة بعد بضع وعشرين ليلة للحصر، فانصرفوا خائبين، فهذه الجنود التي لم تر. وقرأ الحسن: "وجنودا" بفتح الجيم، وقرأ الجمهور: تعملون بالتاء، فكأن في الآية مقابلة لهم، أي: أنتم لم تروا جنوده وهو بصير بأعمالكم، فيتبين في هذا القدرة والسلطان، وقرأ أبو عمرو وحده: "يعملون" بالياء على معنى الوعيد للكفرة، وقرأ أبو عمرو أيضا بالتاء، وهما حسنتان، وروي عن أبي عمرة: "لم يروها" من تحت، قال أبو حاتم: قراءة العامة: "لم تروها" بالتاء من فوق، وروي عن الحسن، ونافع، والأعرج: "يعلمون" بالتاء). [المحرر الوجيز: 7/ 95-96]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا}
"إذ" هذه بدل من الأولى في قوله سبحانه: {إذ جاءتكم}، وقوله: {من فوقكم} يريد أهل نجد مع عيينة بن حصن، ومن أسفل منكم يريد مكة وسائر تهامة، قاله مجاهد، وقيل: {من فوقكم} أي: من أعلى الوادي من قبل مشرف غطفان، ومن أسفل منكم من أسفل الوادي منه قبل المغرب وقيل: إنما أراد ما يختص ببقعة المدينة، أي: نزلت طائفة في أعلى المدينة، وطائفة في أسفلها، وهذه عبارة عن الحصر.
و زاغت الأبصار معناه: مالت عن مواضعها، وذلك فعل الواله الفزع، وأدغم الأعمش "إذ زاغت"، وبين الذال الجمهور، وكل حسن.
وبلغت القلوب الحناجر عبارة عما يجده الهلع من ثوران نفسه وتفرقها شعاعا، ويجد كأن حشوته وقلبه يصعد علوا لينفصل، فليس بلوغ القلوب الحناجر حقيقة بالنقلة، بل يشير إلى ذلك، فيستعار لها بلوغ الحناجر، وروى أبو سعيد أن المؤمنين قالوا يوم الخندق: يا رسول الله، بلغت القلوب الحناجر، فهل من شيء نقوله؟ قال: نعم، قولوا: "اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا"، فقالوها فضرب الله تعالى وجوه الكفار بالريح فهزمهم.
وقوله تعالى: {وتظنون بالله الظنونا}، أي: تكادون تضطربون وتقولون: ما هذا الخلف للموعد؟ وهذه عبارة عن خواطر للمؤمنين لا يمكن للبشر دفعها، وأما المنافقون فجلحوا ونطقوا.
وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم، وأبو جعفر، وشيبة، والأعمش، وطلحة: "الظنونا" بألف في الوصل والوقف، وذلك اتباع لخط المصحف، وعلته تعديل رؤوس الآي، وطرد هذه العلة أن يلازم الوقف. وقد روي عن أبي عمرو أنه كان لا يصل، فكان لا يوافق خط المصحف وقياس الفواصل، وقرأ أبو عمرو أيضا، وحمزة في الوصل والوقف: "الظنون" بغير ألف، وهذا هو الأصل، وقرأ ابن كثير، والكسائي، وعاصم، وأبو عمرو بالألف في الوقف، وبحذفها في الوصل، وعللوا الوقف بتساوي رؤوس الآي، وبما يفعل العرب في القوافي من الزيادة والنقص). [المحرر الوجيز: 7/ 96-97]

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: "هنالك" ظرف زمان، والعامل فيه "ابتلي"، ومن قال: إن العامل فيه "وتظنون" فليس قوله بالقوي; لأن البداءة ليست بمتمكنة. و"ابتلي" معناه: اختبر وامتحن الصابر منهم من الجازع، "وزلزلوا" معناه: حركوا بعنف، وقرأ الجمهور: "زلزالا" بكسر الزاي، وقرأها "زلزالا" بالفتح: الجحدري، وكذلك "زلزالها" في إذا زلزلت). [المحرر الوجيز: 7/ 97]

تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12) }
قال عبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي (ت:546هـ) : (ثم ذكر تعالى قول المنافقين والمرضى القلوب، ونبه عليهم على جهة الذم لهم، وروي عن يزيد بن رومان أن معتب بن قشير قال: يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر ومكة ونحن الآن لا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط، ما يعدنا إلا غرورا، أي أمرا يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، وقال غيره من المنافقين نحو هذا فنزلت الآية فيهم، وقولهم: {ما وعدنا الله ورسوله} إنما هو على جهة الهزء، كأنهم يقولون: على زعم هذا الذي يدعي، أنه رسول، يدل على هذا أن من المحال أن يكون اعتقادهم أن ذلك الوعد هو من الله ومن رسوله ثم يصفونه بالغرور، بل معناه: على زعم هذا).[المحرر الوجيز: 7/ 97-98]

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 08:11 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري
...

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 29 محرم 1440هـ/9-10-2018م, 08:16 PM
جمهرة التفاسير جمهرة التفاسير غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2017
المشاركات: 2,953
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان اللّه بما تعملون بصيرًا (9) إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا (10)}
يقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم وهزمه إيّاهم عام تألّبوا عليهم وتحزّبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوّالٍ سنة خمسٍ من الهجرة على الصحيح المشهور.
وقال موسى بن عقبة وغيره كانت في سنة أربعٍ.
وكان سبب قدوم الأحزاب أنّ نفرًا من أشراف يهود بني النّضير، الّذين كانوا قد أجلاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة إلى خيبر، منهم: سلّام بن أبي الحقيق، وسلّام بن مشكم، وكنانة بن الرّبيع، خرجوا إلى مكّة واجتمعوا بأشراف قريشٍ، وألّبوهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ووعدوهم من أنفسهم النّصر والإعانة. فأجابوهم إلى ذلك، ثمّ خرجوا إلى غطفان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا. وخرجت قريشٌ في أحابيشها، ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حربٍ، وعلى غطفان عيينة بن حصن بن بدرٍ، والجميع قريبٌ من عشرة آلافٍ، فلمّا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة ممّا يلي الشّرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسيّ، فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التّراب وحفر، وكان في حفره ذلك آياتٌ بيّناتٌ ودلائل واضحاتٌ.
وجاء المشركون فنزلوا شرقيّ المدينة قريبًا من أحدٍ، ونزلت طائفةٌ منهم في أعالي أرض المدينة، كما قال اللّه تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم}، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلافٍ، وقيل: سبعمائةٍ، وأسندوا ظهورهم إلى سلع ووجوههم إلى نحو العدوّ، والخندق حفيرٌ ليس فيه ماءٌ بينهم وبينهم يحجب الرّجّالة والخيّالة أن تصل إليهم، وجعل النّساء والذّراريّ في آطام المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفةٌ من اليهود -لهم حصنٌ شرقيّ المدينة، ولهم عهدٌ من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وذمّةٌ، وهم قريبٌ من ثمانمائة مقاتلٍ فذهب إليهم حييّ بن أخطب النّضري [اليهوديّ]، فلم يزل بهم حتّى نقضوا العهد، ومالؤوا الأحزاب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فعظم الخطب واشتدّ الأمر، وضاق الحال، كما قال اللّه تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدًا}.
ومكثوا محاصرين للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه قريبًا من شهرٍ، إلّا أنّهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتالٌ، إلّا أنّ عمرو بن عبد ودٍّ العامريّ -وكان من الفرسان الشّجعان المشهورين في الجاهليّة- ركب ومعه فوارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين، فندب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحدٌ، فأمر عليًّا فخرج إليه، فتجاولا ساعةً، ثمّ قتله عليٌّ، رضي اللّه عنه، فكان علامةً على النّصر.
ثمّ أرسل اللّه عزّ، وجلّ، على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قويّةً، حتّى لم تبق لهم خيمةٌ ولا شيءٌ ولا توقد لهم نارٌ، ولا يقرّ لهم قرارٌ حتّى ارتحلوا خائبين خاسرين، كما قال اللّه تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا}.
قال مجاهدٌ: وهي الصّبا، ويؤيّده الحديث الآخر: "نصرت بالصّبا، وأهلكت عادٌ بالدّبور".
وقال ابن جريرٍ: حدّثني محمّد بن المثنّى، حدّثنا عبد الأعلى، حدّثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشّمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت الشّمال: إنّ الحرّة لا تسري باللّيل. قال: فكانت الرّيح الّتي أرسلت عليهم الصّبا.
ورواه ابن أبي حاتمٍ، عن أبي سعيدٍ الأشجّ، عن حفص بن غياثٍ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، فذكره.
وقال ابن جريرٍ أيضًا: حدّثنا يونس، حدّثنا ابن وهب، حدّثني عبيد اللّه بن عمر، عن نافعٍ، عن عبد اللّه بن عمر قال: أرسلني خالي عثمان بن مظعون ليلة الخندق في بردٍ شديدٍ وريحٍ إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعامٍ ولحافٍ. قال: فاستأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فأذن لي، وقال: "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا". قال: فذهبت والرّيح تسفي كلّ شيءٍ، فجعلت لا ألقى أحدًا إلّا أمرته بالرّجوع إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: فما يلوي أحدٌ منهم عنقه. قال: وكان معي ترسٌ لي، فكانت الرّيح تضربه عليّ، وكان فيه حديدٌ، قال: فضربته الرّيح حتّى وقع بعض ذلك الحديد على كفّي، فأنفدها إلى الأرض.
وقوله: {وجنودًا لم تروها} وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرّعب والخوف، فكان رئيس كلّ قبيلةٍ يقول: يا بني فلانٍ إليّ. فيجتمعون إليه فيقول: النّجاء، النّجاء. لما ألقى اللّه تعالى في قلوبهم من الرّعب.
وقال محمّد بن إسحاق، عن يزيد بن زيادٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ قال: قال فتًى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد اللّه، رأيتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: واللّه لقد كنّا نجهد. قال الفتى: واللّه لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة: يابن أخي، واللّه لو رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخندق وصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويّا من اللّيل، ثمّ التفت فقال: "من رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ -يشرط له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه يرجع -أدخله اللّه الجنّة". قال: فما قام رجلٌ. ثمّ صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويًّا من اللّيل ثمّ التفت إلينا، فقال مثله، فما قام منّا رجلٌ. ثمّ صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هويًّا من اللّيل ثمّ التفت إلينا فقال: "من رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثمّ يرجع -يشترط له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الرّجعة- أسأل اللّه أن يكون رفيقي في الجنّة". فما قام رجلٌ من القوم؛ من شدّة الخوف، وشدّة الجوع، وشدّة البرد. فلمّا لم يقم أحدٌ، دعاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فلم يكن لي بدٌّ من القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة، اذهب فادخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تحدثنّ شيئًا حتّى تأتينا". قال: فذهبت فدخلت [في القوم]، والرّيح وجنود اللّه، عزّ وجلّ، تفعل بهم ما تفعل، لا تقرّ لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريشٍ، لينظر امرؤٌ من جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرّجل الّذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلانٍ، ثمّ قال أبو سفيان: يا معشر قريشٍ، إنّكم واللّه ما أصبحتم بدار مقامٍ، لقد هلك الكراع والخفّ، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الّذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي ترون. والله ما تطمئنّ لنا قدرٌ، ولا تقوم لنا نارٌ، ولا يستمسك لنا بناءٌ، فارتحلوا، فإنّي مرتحل، ثمّ قام إلى جمله وهو معقولٌ، فجلس عليه، ثمّ ضربه، فوثب به على ثلاثٍ، فما أطلق عقاله إلّا وهو قائمٌ. ولولا عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إليّ: "ألّا تحدث شيئًا حتّى تأتيني" ثمّ شئت، لقتلته بسهمٍ.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائمٌ يصلّي في مرط لبعض نسائه مرحل، فلمّا رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليّ طرف المرط، ثمّ ركع، وسجد وإنّي لفيه، فلمّا سلّم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريشٌ، فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
وقد رواه مسلمٌ في صحيحه من حديث الأعمش، عن إبراهيم التّيميّ، عن أبيه قال: كنّا عند حذيفة بن اليمان، رضي اللّه عنه، فقال له رجلٌ: لو أدركت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قاتلت معه وأبليت. فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الأحزاب في ليلةٍ ذات ريحٍ شديدةٍ وقرّ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "ألا رجلٌ يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة؟ ". فلم يجبه منّا أحدٌ، ثمّ الثّانية، ثمّ الثّالثة مثله. ثمّ قال: "يا حذيفة، قم فأتنا بخبرٍ من القوم". فلم أجد بدّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: "ائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم عليّ". قال: فمضيت كأنّما أمشي في حمام حتّى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلى ظهره بالنّار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي، وأردت أن أرميه، ثمّ ذكرت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تذعرهم عليّ"، ولو رميته لأصبته. قال: فرجعت كأنّما أمشي في حمّام، فأتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ أصابني البرد حين فرغت وقررت فأخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وألبسني من فضلٍ عباءة كانت عليه يصلّي فيها، فلم أزل نائمًا حتّى الصّبح، فلمّا أن أصبحت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "قم يا نومان .
ورواه يونس بن بكير، عن هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم: أنّ رجلًا قال لحذيفة، رضي اللّه عنه: نشكو إلى اللّه صحبتكم لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؛ إنّكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. فقال حذيفة: ونحن نشكو إلى اللّه إيمانكم به ولم تروه، واللّه لا تدري يا بن أخي لو أدركته كيف كنت تكون. لقد رأيتنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة الخندق في ليلةٍ باردةٍ مطيرة = ثمّ ذكر نحو ما تقدّم مطوّلًا.
وروى بلال بن يحيى العبسي، عن حذيفة نحو ذلك أيضًا.
وقد أخرج الحاكم والبيهقيّ في "الدّلائل"، من حديث عكرمة بن عمّارٍ، عن محمّد بن عبد اللّه الدّؤليّ، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال جلساؤه: أما واللّه لو شهدنا ذلك لكنّا فعلنا وفعلنا. فقال حذيفة: لا تمنّوا ذلك. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافّون قعود، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منّا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا قطّ أشدّ ظلمةً ولا أشدّ ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصّواعق، وهي ظلمةٌ ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ويقولون: "إنّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورةٍ". فما يستأذنه أحدٌ منهم إلّا أذن له، ويأذن لهم فيتسلّلون، ونحن ثلاثمائةٍ ونحو ذلك، إذ استقبلنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا رجلًا حتّى أتى عليّ وما عليّ جنّة من العدو ولا من البرد إلّا مرط لامرأتي، ما يجاوز ركبتي. قال: فأتاني صلّى اللّه عليه وسلّم وأنا جاثٍ على ركبتي فقال: "من هذا؟ " فقلت: حذيفة. قال: "حذيفة". فتقاصرت بالأرض فقلت: بلى يا رسول اللّه، كراهية أن أقوم. [قال: قم]، فقمت، فقال: "إنّه كائنٌ في القوم خبرٌ فأتني بخبر القوم" -قال: وأنا من أشدّ [الناس] افزعًا، وأشدّهم قرًّا -قال: فخرجت، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "اللّهمّ، احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته". قال: فواللّه ما خلق اللّه فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلّا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئًا. قال: فلمّا ولّيت قال:"يا حذيفة، لا تحدثنّ في القوم شيئًا حتّى تأتيني". قال: فخرجت حتّى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نارٍ لهم توقّد، وإذا رجلٌ أدهم ضخمٌ يقول بيده على النّار، ويمسح خاصرته، ويقول: الرحيل الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الرّيش، فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النّار، فذكرت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لا تحدثنّ فيهم شيئًا حتّى تأتيني"، [فأمسكت] ورددت سهمي إلى كنانتي، ثمّ إنّي شجّعت نفسي حتّى دخلت العسكر، فإذا أدنى النّاس منّي بنو عامرٍ يقولون: يا آل عامرٍ، الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. وإذا الرّيح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فواللّه إنّي لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرستهم الرّيح تضربهم بها، ثمّ خرجت نحو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فلمّا انتصفت في الطّريق أو نحوًا من ذلك، إذا أنا بنحوٍ من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمّين، فقالوا: أخبر صاحبك أنّ اللّه تعالى كفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشتملٌ في شملةٍ يصلّي، فواللّه ما عدا أن رجعت راجعني القرّ وجعلت أقرقف، فأومأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [بيده] وهو يصلّي، فدنوت منه، فأسبل عليّ شملته. وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا حزبه أمرٌ صلّى، فأخبرته خبر القوم، وأخبرته أنّي تركتهم يترحّلون، وأنزل اللّه تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا اذكروا نعمة اللّه عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها وكان اللّه بما تعملون بصيرًا}.
وأخرج أبو داود في سننه منه: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: إذا حزبه أمرٌ، من حديث عكرمة بن عمار، به). [تفسير ابن كثير: 6/ 383-387]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {إذ جاءوكم من فوقكم} أي: الأحزاب {ومن أسفل منكم} تقدّم عن حذيفة أنّهم بنو قريظة، {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} أي: من شدّة الخوف والفزع، {وتظنّون باللّه الظّنونا}.
قال ابن جريرٍ: ظنّ بعض من كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ الدّائرة على المؤمنين، وأنّ اللّه سيفعل ذلك.
وقال محمّد بن إسحاق في قوله: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون باللّه الظّنونا}: ظنّ المؤمنون كلّ ظنٍّ، ونجم النّفاق حتّى قال معتّب بن قشيرٍ -أخو بني عمرو بن عوفٍ -: كان محمّدٌ يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله: {وتظنّون باللّه الظّنون}: ظنونٌ مختلفةٌ، ظنّ المنافقون أنّ محمّدًا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أنّ ما وعد اللّه ورسوله حقٌّ، وأنّه سيظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن عاصمٍ الأنصاريّ، حدّثنا أبو عامرٍ (ح) وحدّثنا أبي، حدّثنا أبو عامرٍ العقديّ، حدّثنا الزّبير -يعني: ابن عبد اللّه، مولى عثمان بن عفّان -عن رتيج بن عبد الرّحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول اللّه، هل من شيءٍ نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال صلّى اللّه عليه وسلّم: "نعم، قولوا: اللّهمّ استر عوراتنا، وآمن روعاتنا". قال: فضرب وجوه أعدائه بالرّيح، فهزمهم بالرّيح.
وكذا رواه الإمام أحمد بن حنبلٍ، عن أبي عامرٍ العقديّ). [تفسير ابن كثير: 6/ 388]

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)}
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا (11) وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا اللّه ورسوله إلّا غرورًا (12) وإذ قالت طائفةٌ منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريقٌ منهم النّبيّ يقولون إنّ بيوتنا عورةٌ وما هي بعورةٍ إن يريدون إلّا فرارًا (13)}
يقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال، حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضّيق، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أظهرهم: أنّهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا، فحينئذٍ ظهر النّفاق، وتكلّم الّذين في قلوبهم مرضٌ بما في أنفسهم.
{وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا اللّه ورسوله إلا غرورًا} أمّا المنافق، فنجم نفاقه، والّذي في قلبه شبهةٌ أو حسيكة، ضعف حاله فتنفّس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف إيمانه، وشدّة ما هو فيه من ضيق الحال.
وقومٌ آخرون قالوا كما قال اللّه: {وإذ قالت طائفةٌ منهم يا أهل يثرب} يعني: المدينة، كما جاء في الصّحيح: "أريت [في المنام] دار هجرتكم، أرضٌ بين حرّتين فذهب وهلي أنّها هجر، فإذا هي يثرب"،ش وفي لفظٍ: "المدينة".
فأمّا الحديث الّذي رواه الإمام أحمد: حدّثنا إبراهيم بن مهديٍّ، حدّثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زيادٍ، عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى، عن البراء، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: "من سمّى المدينة يثرب، فليستغفر اللّه، هي طابةٌ، هي طابةٌ".
تفرّد به الإمام أحمد، وفي إسناده ضعفٌ، واللّه أعلم.
ويقال: إنّما كان أصل تسميتها "يثرب" برجلٍ نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل بن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوحٍ. قاله السّهيليّ، قال: وروي عن بعضهم أنّه قال: إنّ لها [في التّوراة] أحد عشر اسمًا: المدينة، وطابة، وطيّبة، المسكينة، والجابرة، والمحبّة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.
وعن كعب الأحبار قال: إنّا نجد في التّوراة يقول اللّه للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ويا مسكينة [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى].
وقوله: {لا مقام لكم} أي: هاهنا، يعنون عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في مقام المرابطة، {فارجعوا} أي: إلى بيوتكم ومنازلكم. {ويستأذن فريقٌ منهم النّبيّ}: قال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف عليها السّرق. وكذا قال غير واحدٍ.
وذكر ابن إسحاق: أنّ القائل لذلك هو أوس بن قيظيّ، يعني: اعتذروا في الرّجوع إلى منازلهم بأنّها عورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدوّ، فهم يخشون عليها منهم. قال اللّه تعالى: {وما هي بعورةٍ} أي: ليست كما يزعمون، {إن يريدون إلا فرارًا} أي: هربًا من الزّحف).[تفسير ابن كثير: 6/ 388-389]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:33 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة