العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم اللغة > جمهرة معاني الحرف وأسماء الأفعال والضمائر والظروف > جمهرة معاني الحروف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #2  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:40 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (أيضًا من جملة كتاب «وجوه النصب»:
تَفْسِيرُ الفَاءَاتِ
وهي سبع:
1- فاء النسق.
2- وفاء الاستئناف.
3- وفاء جواب المجازاة.
4- وفاء جواب الأشياء الستة.
5- وفاء العماد.
6- وفاء في موضع اللام.
7- وفاء السنخ). [المحلى: 294]

1- فاء النسق
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (ففاء النسق قولك: مررت بزيدٍ فعمروٍ، و: أكرمت بكرًا فقيسًا). [المحلى: 295]

2- فاء الاستئناف
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وفاء الاستئناف قولك: جربت، فصاحبُ زيدٍ خيرُ رجلٍ، ومثله: فنحن الليوث). [المحلى: 295]

3- فاء جواب المجازاة
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وفاء جواب المجازاة قولك: إن خرج زيدٌ فبكرٌ مقيمٌ، قال الله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه}.
ولابد للمجازاة من جواب، ولا يكون جوابه إلا الفعل والفاء). [المحلى: 295]

4- الفاء التي تكون جوابًا للأشياء الستة
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والفاء التي تكون جوابًا للأشياء الستة، وهي: الأمر والنهي والتمني والاستفهام والجحود والدعاء، ينصب بالفاء، فإذا خرج الفاء كان جزمًا، نحو قولك:
- لا تضرب زيدًا فتندم.
- و: أكرم بكرًا فيكرمك.
- و: هل زيدٌ خارجٌ فأخرج معه.
- و: ليت زيدًا حاضرٌ فأستفيد منه.
- وفي الجحد: ما زيدٌ أخانا فنعرف حقه.
- وفي الدعاء: يا زيدُ، رزقك الله مالًا فتفيض منه علينا.
- وفي النفي: لا مكانة لك فأكرمك). [المحلى: 296]

5- فاء العماد
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وفاء العماد: أما زيدٌ فخارجٌ، فالفاء عماد «أما»، وقد مضى). [المحلى: 296]

6- الفاء التي تكون في موضع اللام
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والفاء التي تكون في موضع اللام، قول الشاعر:
لنا هضبةٌ لا يدخل الدل وسطها = ويأوي إليها المستجير فيعصما
أي: ليعصما). [المحلى: 297]

7- فاء السنخ
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وفاء السنخ، نحو: فرقد وفتق). [المحلى: 297]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:43 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


الفاء
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ): (الفاء تكون عاطفة تدل على أن الثّاني بعد الأول ولا مهلة
وتكون جوابا للجزاء فيكون منقطعًا ممّا قبله في الإعراب
وتكون ناصبة للفعل في جواب الأمر والنّهي والتّمنّي والعرض والنّفي والاستفهام والدّعاء). [حروف المعاني والصفات: 39]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:44 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي




باب: مواضع الفاء
قال أبو الحسن علي بن محمد الهروي النحوي (ت: 415هـ): (باب: مواضع الفاء
اعلم أن للفاء عشرة مواضع:
تكون نسقًا: كقولك: «قام زيدٌ فعمروٌ».
وتكون جوابًا في الجزاء والأمر والنهي، وما أشبه ذلك.
وتكون استئنافًا، كقوله عز وجل: {فلا تكفر فيتعلمون}، رفع على معنى: فهم يتعلمون، ولم يجعل الثاني جوابًا للأول، لأنه لو كان كذلك لكان: «فلا تكفر فيتعلموا»؛ لأن جواب النهي بالفاء منصوب، ولكنه ابتدأ فقال: {فيتعلمون}، أي: فهم يتعلمون، ومثله: {كن فيكون}، فمن رفع فإنما هو على الاستئناف، يعني: فهو يكون.
وقال الفراء في قوله عز جل: {عالم الغيب والشهادة فتعالى الله عما يشركون}: إن الفاء في قوله: {فتعالى} للاستئناف، قال: والعرب قد تستأنف بالفاء كما تستأنف بالواو.
وقال الحطيئة: «يريد أن يعربه فيعجمه».
رفع «فيعجمه» على الاستئناف والقطع عن الأول، بمعنى: فإذا هو يعجمه، لأنه لا يريد الإعجام.
وتكون جواب «أما» كقولك: «أما زيدٌ فمنطلق».
وتكون مع «إذا» التي للمفاجأة: كقولك: «خرجت فإذا زيدٌ قائم».
وتكون جواب «إذا» التي بمعنى الجزاء، كقولك: «إذا قام زيدٌ فقم معه».
وتكون لجواب الجملة، كقولك: «زيدٌ قائم فقم إليه»، «وهذا أخوك فكلمه»، قال الشاعر:
وقائلةٍ: خولان، فانكح فتاتهم = وأكرومة الحيين خلو كما هيا
أراد: هذه خولان، فلذلك أدخل الفاء.
وتكون بمعنى رب: كما قال امرؤ القيس.
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعٍ = فألهيتها عن ذي تمائم محول
أي: رب مثلك.
وتكون نسقًا بمعنى «إلى» كقولك: «مُطرنا بين الكوفة فالقادسية»، المعنى: إلى القادسية.
ولا يجوز أن تقول: «داري من الكوفة فالقادسية»، لأن دارك لا تكون آخذة ما بين الكوفة إلى القادسية، كما يكون المطر آخذً ما بين الكوفة إلى القادسية، وإنما تصلح «إلى» إذا كان ما بين الكوفة والقادسية كله من دارك، وكذلك محال أن تقول: «جلست بين زيدٍ فعمرو»، إلا أن يكون مقعدك آخذًا للفضاء الذي بينهما، فأما قول امرئ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل = بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فإنما جاز بالفاء لأن الدخول أماكن، وهو جمع لا واحد، فكأنه قال: بين مواضع الدخول فأهل حومل، كما تقول: هو بين البيوت فالدور، والمال بين جيرانك فأصدقائك.
ولو جئت بالواو مكان الفاء فقلت: «داري بين الكوفة والمدينة»، و«ما بين الكوفة والمدينة»، و«جلست بين الكوفة والمدينة»، كان جائزًا حسنًا.
وكان الأصمعي يروي بيت امرئ القيس:
«بسقط اللوى بين الدخول وحومل».
ويقول: هذا كما يقال: «أنت بين زيدٍ وعمروٍ» ولا يقال: بين زيدٍ فعمروٍ.
وقال الأخفش: الفاء في قوله: «بين الدخول فحومل»، بمعنى الواو، يريد: وحومل.
فأما قوله عز وجل: {وكم من قريةٍ أهلكناها فجاءها بأسنا}، فقال قومٌ: إن الفاء ها هنا بمعنى الواو لأن البأس لم يأتها بعد الهلاك، وقال آخرون: معنى قوله: {أهلكناها}، أي: حكمنا عليها بالهلاك فجاءها بأسنا، فجيء البأس من قبل الهلاك.
وأما قوله عز وجل: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، فإن معناها إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير وضوءٍ فاغسلوا، كما قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله}، يعني: إذا أردت القراءة فالاستعاذة قبل القراءة، وكذلك الغسل قبل القيام.
والوجه العاشر: تكون الفاء زائدة للتوكيد في خبر كل شيءٍ يحتاج إلى صلة، كقولك: «الذي يقوم فله درهم»، و«أيهم يقوم فله درهم»، و«من يقوم فله درهم»، قال الله تعالى: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم}، {وما بكم من نعمة فمن الله}، {والذان يأتيانها منكم فآذوهما}، {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم}، فأدخل الفاء في خبر «الذين» للتوكيد.
وهذا قول أبي عمر الجرمي وكثير من النحويين، وقال بعضهم: إنما دخلت الفاء في خبر «الذي» لشبه الجزاء، ألا ترى أنك تقول: «الذي يقوم فله درهم»، فمعناه أن له درهمًا من أجل قيامه ولو لم يأت بالفاء لجاز أن يكون له درهمٌ لا من أجل قيامه، ولا يجوز أن تقول: «الذي أريد منك فدرهم»، لأنه ليس فيه معنى الجزاء، وكذلك ما أشبهه.
وقد يدخلون الفاء زائدة للتوكيد فيما لا يحتاج إلى صلةٍ، كما قال حاتم الطائي:
وحتى تركت العائدات يعدنه = يقلن: فلا يبعد، وقلت له: ابعد
فأدخل الفاء زائدة للتوكيد، ولو حذفت كان معنى الكلام صحيحًا.
وقال آخر:
لما اتقى بيدٍ عظيم] جرمها = فتركت ضاحي كفه يتذبذب
فأدخل الفاء للتوكيد، وقال آخر:
لا تجزعي إن منفسا أهلكته = وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
إحدى الفاءين زائدة، لأن «إذا» إنما تقتضي جوابًا واحدً ونصب منفسًا على تقدير: لا تجزعي إن أهلكت منفسا أهلكته، لأن الجزاء لا يكون إلا بالفعل). [الأزهية: 241 - 248]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:52 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال أحمد بن عبد النور المالقي (ت: 702هـ): (باب الفاء المفردة
اعلم أن الفاء المفردة لها في الكلام ثلاثةُ مواضع:
الموضع الأول: أن تكون حرف عطفٍ في المفردات والجمل.
فإذا كانت للعطفِ في المفردات فمعناها الترتيب لفظًا ومعنًى أو لفظًا دون معنى، والتعقيب، وقد يلازمهما التسبيب في بعض المواضع، وهي مشتركةٌ بين الاسمين والفعلين في اللفظ: من الرفع والنصب والخفض والجزم والاسمية والفعلية، وفي المعنى: من إثبات الفعلين أو نفيهما، أو إثبات الفعل للفاعلين أو ما أقيم مقامهما، أو نفيه عنهما، فتقول: قام زيدٌ فعمروٌ، ورأيت زيدًا فعمرًا، ومررت بزيدٍ فعمروٍ، وزيدٌ يقوم فيخرجُ، ولن يقوم فيخرج، ولم يقم فيخرج.
والربطُ والترتيب لا يفارقانها، وأما التسبيب معهما فيها فنحو قولك: ضربت زيدًا فبكى، وضربته فمات، فالبكاءُ سببه الضربُ، والموتُ سببه الضرب.
وزعم الكوفيون أن الترتيب لا يلزم فيها، واستدلوا بقوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا}، قالوا: فالبأس في الوجود واقعٌ قبل الإهلاك، وهو في الآية مؤخرٌ عنه، وهذا عند البصريين مؤول تقديره: وكم من قريةٍ أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا فهلكت، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا}، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وهو في الكلام كثيرٌ، فالفاء عندهم في الآية باقيةٌ على موضعها من الترتيب المعنوي.
وأما التي للترتيب اللفظي خاصة ففي قول الشاعر:
عفا ذو حسى من فرتنا فالفوارعُ = فجنبا أريكٍ فالتلاعُ الدوافعُ
فمجتمعُ الأشراج غير رسمها = مصاريف مرت بعدنا ومرابع
وقول الآخر:
غشيت ديار القوم بالبكرات = فعارمةٍ فبرقة العيرات
فغولٍ فحليتٍ فنفءٍ فمنعجٍ = إلى عاقلٍ فالجُبِّ ذي الأمرات
فمراد الشاعرين وقوع الفعل بتلك المواضع خاصة، ويترتب اللفظُ واحدًا بعد آخر بالفاء ترتيبًا لفظيًا.
وأما التي تكون عاطفةً في الجمل فمشتركة في الكلام خاصة، ويجوز أن يكون قبلها جملةٌ اسميةٌ وبعدها فعليةٌ، نحو: زيدٌ قائمٌ فضرب غلامه، وبالعكس، نحو: قام زيد فأبوه منطلق، وأن تكون قبلها جملة خبرية وبعدها طلبية، نحو قولك: قام زيد فاضرب عبده، وبالعكس، نحو: اضرب زيدًا فيقوم غلامه، والربط والترتيب لازم .... المعنى، وتكون معهما السببية تارة ولا تكونُ أخرى.
وإذا أردت الاستئناف بعدها من غير تشريكٍ بجملتين كانت حرف ابتداء إما للكلام وإما يأتي بعدها المبتدأ وخبره نحو: قام زيدٌ فهل قمت، وقام زيدٌ فعمروٌ منطلقٌ، وعليه:
ألم تسأل الربع القواء فينطقُ = .... .... .... ....
أي: فهو ينطق، وليست الفاء جوابًا، ولو كانت جوابًا لنصبت «ينطق» بها، وسنبينُ هذا في الموضع الثاني بعد، ومنه قوله تعالى {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، وقوله تعالى: {فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ}.
الموضع الثاني: أن تكون جوابًا لازمة للسببية، وفيها أيضًا الربط والترتيب كما ذكر في العاطفة، إلا أن المعنى الذي انفردت به في هذا الموضع الجوابية، فتنصبُ ما بعدها من الأفعال المستقبلة بإضمار «أن» وذلك إذا وقعت جوابًا لأحد عشرةِ أشياء، وهي: الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتحضيض والتمني والدعاء والنفي وفعل الشرط وفعل الجزاء.
ولا تنصبُ في غير ذلك إلا في الضرورة كقوله:
سأترك منزلي لنبي تميمٍ = وألحق بالحجاز فأستريحا
وأما قول الآخر:
لنا هضبةٌ لا ينزلُ الذل وسطها = ويأوي إليها المستجيرُ فيُعصما
فقيل: هو ضرورة مثل الأول، والصحيح أن فيها معنى جواب الشرط لقوله في البيت كأنه قال: إن يأو إليها المستجير يُعصم، وبهذا المعنى تنصب الفاء في جميع العشرة المواضع المذكورة، لكنه يقوى فيها ويضعف في غيرها.
وعلى هذا أيضًا يتخرج البيت الآخر في قوله: «فأستريحا» أي: إن الحق بالحجاز أسترح، فاعلمه، فلا تكون ضرورةٌ إلا من حيث لم يتقدم واحدٌ من العشرة في اللفظ خاصة، وأما المعنى فملحوظٌ ولذلك نصب الشاعران.
واعلم أن الفاء في المواضع العشرة المذكورة تشترك فيها فتكون تارة للعطف، وتارة للمخالفة فيما بعدها لما قبلها، فتنصبُ على الجواب بإضمار «أن» كما ذُكر، وتارة حرف استئنافٍ فتكون حرف ابتداءٍ، والمعنى في الأوجه التشريك، إما في اللفظ وإما في المعنى على بعدٍ، فلذلك يُدعى أنها لا تنصب بنفسها عند البصريين، بل بإضمار «أن» المقدرة، إذ لو نصبت بنفسها كما زعم الكوفيون لنصبت في كل موضع، إذ التشريك لا يزول منها.
فحيث كانت المخالفة .... الثاني بحكم الأول بمسوغٍ، وهو «أن»، ويكون راجعًا إلى العطف في الأسماء فيصيرُ ما بعدها مصدرًا بـ «أن» فيكونُ معطوفًا على مصدرٍ آخر مقدرٍ بما قبلها من الكلام الذي تأتي جوابه، فتفهمه.
فإذن لابد من بسط الكلام على مسائلها في المواضع العشرة وبيان أوجهها فيها موضعًا موضعًا، لتبيين ما ذكرت لك إن شاء الله، فإن باب الفاء بابٌ صعبٌ متداخلٌ يصعب تحصيله إلا بعد التهذيب، فنقول والله المستعان.
إن الفاء المذكورة إذا وقعت بعد الأمر فلا يخلو أن يكون فعله باللام أو لا يكون:
فإن كان باللام فيجوزُ فيما بعدها ثلاثة أوجه.
أحدها: العطف على الفعل المجزوم باللام.
والثاني: الرفعُ على الاستئناف.
والثالث: النصب على الجواب، نحو قولك: «لتكرم زيدًا فيحسن إليك»، بجزم «يحسن» ورفعه ونصبه، والمعنى في النصب: ليكن منك إكرامٌ فإحسانٌ منه، فهذا هو العطف المعنوي الذي تقدم ذكره.
وإن كان الفعل في الجملة المذكورة بغير لام فهو مبني عند البصريين فيجوز فيما بعد الفاء: الرفع على الاستئناف والنصب على الجواب على ما ذُكر، ولا يجوز العطفُ لأنه ليس له ما يُعطف عليه، وهو جائزٌ بالقياس، [و] من النصب على الجواب قول الشاعر:
يا ناق سيري عنقًا فسيحا = إلى سليمان فنستريحا
وعليه قراءة ابن عامر: «كُنْ فَيَكُونُ»، وعلى قراءة غيره: «كُنْ فَيَكُونُ» بالرفع على معنى فهو يكون.
وإذا وقعت بعد النهي [وفعله معرب بالجزم والنصب لا غير] فيجوز فيما بعد الفاء الثلاثة الأوجه الجائزة بعد الأمر باللام: العطفُ بالجزم، والنصب بإضمار «أن» على الجواب، والرفعُ على الاستئناف، نحو قولك: لا تدنُ من الأسد فيأكلك، بجزم «يأكل» ورفعه ونصبه على ما ذكرتُ، والعطف في النصب معنويٌّ كما كان في الأمر، لأن المعنى: «لا يكن منك دنو من الأسد فأكل لك»، ومن النصب على الجواب قوله تعالى:
{لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ}، وقوله تعالى: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ».
وإذا وقعت بعد الاستفهام: فإن كان فيه فعلٌ مضارع مرفوع جاز فيما بعد الفاء: الرفعُ على العطف والاستئناف، والنصب على الجواب بإضمار «أن»، ويرجعُ إلى العطف المعنوي كما ذُكر كقولك: هل يقوم زيد فأكرمه، برفع «أكرم» ونصبه على ما ذكرتُ لك.
وإن كان فيه فعل ماضٍ أو اسم مبتدأ، جاز فيما بعد الفاء الرفع على الاستئناف والنصب على الجواب، ولا يجوز العطف لأنه ليس قبله ما يُعطف عليه، نحو قولك: «هل قام فأكرمه»، و«هل زيد قائم فأكرمه»، ومن النصب قوله:
أأفاق صب من هوى فأفيقا = .... .... .... ....
والحكمُ فيها إذا وقعت بعد التحضيض والعرض كالحكم فيها إذا دخلت بعد الاستفهام سواء، نحو قولك في التحضيض: هلا تكرم زيدًا فأكرمه، بالرفع على العطف والاستئناف، والنصب على الجواب، و«هلا أكرمت زيدًا فأكرمه» بالرفع على الاستئناف والنصب على الجواب لا غير، ولا تقع جملةٌ اسمةٌ
في التحضيض ولا في العرض، ومن النصب في التحضيض قوله تعالى: {لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا}.
وكذلك الحكم في التمني – أعني مثل الاستفهام – في وقوع الفاء بعد المبتدأ والخبر والفعل الماضي، فيجوز فيما بعدها الرفع على الاستئناف والنصب على الجواب، نحو قولك: ليت زيدًا عندك فأكرمه، أو في وقوع المضارع قبلها، فيجوز الرفع على الوجهين المذكورين، والنصب على الجواب. ومن النصب بعد الاسم قوله تعالى: {يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} والعطفُ فيه معنوي، والمعنى: يا ليت لي كونًا معهم ففوزًا.
وحكمُ الدعاء كحكم الأمر سواءً في كونه فعله باللام، فيجوز فيما بعد الفاء الجزم والرفع والنصب على الأوجه المذكورة فيه، أو بغير اللام فيجوز: الرفع على الاستئناف والنصب على الجواب لا غير على مذهب البصريين، كقولك: اغفر لزيدٍ فيدخل الجنة، والله يغفر لك فتدخل الجنة، لأنه قد جاء الدعاء بالجملة الاسمية.
وإذا وقعت بعد النفي فلا يخلو أن تكون الجملة التي قبلها – أعني قبل الفاء – اسمية أو فعلية.
فإن كانت اسمية جاز فيما بعد الفاء: الرفعُ على الاستئناف والنصب على الجواب كقولك: ما زيدٌ قائمًا فتكرمه، ونصبه كما ذكرتُ لك، قال الشاعر:
وليس بذي رُمحٍ فيطعنني به = وليس بذي سيفٍ وليس بنبال
وإن كانت فعلية ماضية فكذلك، نحو قولك: ما قام زيد فتكرمه، على الوجهين المذكورين من الرفع على الاستئناف والنصب على الجواب.
وإن كانت فعلية مضارعة: فلا يخلو أن يكون الفعل مرفوعًا أو منصوبًا أو مجزومًا:
فإن كان مرفوعا جاز فيما بعد الفاء: الرفع على العطف والاستئناف على إضمار مبتدأ وكذلك في جميع ما يستأنف من المسائل المتقدمة، والنصب على الجواب كقولك: «ما تأتينا فتحدثنا»، الرفع على معنى: وما تحدثنا وهو معنى العطف، أو على الاستئناف أي: فأنت تحدثنا، والنصب على الجواب على إضمار «أن» بمعنيين، أي: ما تأتينا فكيف تحدثنا، أو ما تأتينا لأجل الحديث.
وإن كان الفعل منصوبًا جاز فيما بعد الفاء وجهان أيضًا: الرفع على الاستئناف لا غير، والنصب على العطف أو على الجواب كقولك: لن تأتينا فتحدثنا: بالرفع على معنى: فأنت تحدثنا، والنصب على معنى: «فلن تحدثنا» وهو معنى العطف، وعلى معنى: فكيف تحدثنا أو لأجل الحديث.
وإن كان مجزومًا جاز فيما بعد الفاء الجزم على العطف والرفع على الاستئناف والنصب على الجواب على المعاني المذكورة كقولك: لم تأتينا فتحدثنا، بجزم «تحدث» ورفعه ونصبه، ومن الاستئناف قوله:
ألم تسأل الرابع القواء فينطق = وهل تُخبرنك اليوم بيداء سملق
كأنه قال: فهو ينطق، وليس بجواب.
وإذا وقعت بعد فعل الشرط: فإن كان مضارعًا مجزومًا جاز فيما بعد الفاء وجهان: الجزمُ على العطف والنصب على الجواب بإضمار «أن» كما ذُكر على معنى لأجل، كقولك: إن تقم فأحسن إليك تحمدني، وإن كان الفعل ماضيًا فكذلك، لأن هذا الماضي في موضع المضارع أو مستقبلٌ معنى.
وإذا وقعت بعد الجزاء وهو جواب الشرط، وهو أيضًا مستقبلٌ معنًى، سواءٌ كان مضارعًا أو ماضيًا: جاز فيما بعد الفاء ثلاثة أوجه: الجزم على العطف، والرفع على الاستئناف، والنصب على الجواب بإضمار «أن» كقولك: إن تقم أحسن إليك فأعطيك درهمًا، الجزم على معنى: أحسن وأعط، الرفع على معنى فأنا أعطي، والنصب بإضمار «أن» على العطف المعنوي، كأن المعنى إن تقم يكن إحسانٌ فإعطاءٌ، وعلى الثلاثة الأوجه قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} برفع «يَغْفِرُ» و«يُعَذِّبُ» ونصبهما وجزمهما.
واعلم أن النصب على الجواب بالفاء إنما هو بعد الشرط والجزاء أصلًا، ولكن العرب نصبت بها في أجوبة غيرهما لمناسبة لهما في عدم الوقوع، مع أن الشرط
والجزاء يتقدران بعد غير الشرط والجزاء من جميع ما ذكرنا، وبذلك المعنى يتجزم ما دخلت عليه الفاءُ من الأفعال إذا لم تدخل عليه ووقع جوابًا لها، خلافًا للكوفيين، فإنهم يقولون: إن الجزم في الفعل بالجواب وذلك باطلٌ لوجوهٍ منها: أنه قد وُجد فعل الشرط والجواب ظاهرين مع كل واحدٍ منها، والثاني: أنه ليس بنفس اللفظ شيءٌ .... وقع الجواب ولكن بشرط الوقوع أو عدمه المقدر قبله، والثالث: أنه لا يلزم كل واحدٍ منها جوابٌ بل قد تقع في الكلام دونه فعلم بذلك أن الجواب إنما هو للشرط كما ذُكر، وكلها في ذلك سواءٌ إلا النفي فإنه لا يجزم جوابه بل يُرفع إن وقع.
ويجوز حذف الفاء وإثباتها في جميع ذلك إلا بعد النفي وبعد جواب الشرط فلا يصح ذلك إلا إذا وقعت الجملة حالًا، وحكمها في باب الشرط مذكورٌ في باب إن الشرطية.
الموضع الثالث: أن تكون زائدة دخولها كخروجها، أو لازمة بحسب الكلام، فمن الأول قول الشاعر:
وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم = وأكرومة الحيين خلو كما هيا
والفاء هنا في اللفظ عند الأخفش دخولها كخروجها وهي عند سيبويه دالة على معنى السببية كالداخلة في الأجوبة المذكورة لأن التقدير: هؤلاء خولان فانكح فتاتهم، والتنبيه في معنى الطلب الذي هو تنبيه فهي في جواب معنى الأمر.
ومن الثاني قولهم: خرجتُ فإذا الأسدُ، وهي هنا إلى العطف أقرب منها إلى الزيادة، لأن المعنى: خرجتُ ففاجأني الأسدُ.
وفي التحقيق هي في هذا الموضع راجعةٌ إلى أحد البابين، [و] لوقوعها في مواضع الزيادة تأويلٌ يخرجها عنه حيث وقعت، فلا ينبغي أن تجعل الزيادةُ معنًى خاصًا بها لاحتمال الداخل في مواضع وقوعها، فينبغي أن تُحمل على أحد الموضعين المتقدمين قبل هذا، ولكن جعلتُ لها مواضع الزيادة لذكر الناس لها، كذلك ولأجل الاحتمال له في بعض المواضع.
واعلم أن من النحويين من زاد للفاء موضعًا آخر سماها فيه فاء رُب، وهي التي يقع بعدها لخفضُ في مثل قول الشاعر:
فمثلك حُبلى قد طرقت ومرضعًا = فألهيتها عن ذي تمائم مُغيل
والفاء في الحقيقة هنا سببيةٌ عاطفةٌ جملةً على جملةٍ، و«رب» مضمرةٌ بعد الفاء كما أُضمرت بعد الواو فيما يُذكر في بابها، وبعد «بل» فيما تقدم في بابها، ودون ذلك في قوله:
رسم دارٍ وقفتُ في طلله = .... .... .... ....
فلا ينبغي أن تجعل فاء «رب» لأنها ليست بمعناها، فلا معنى لنسبيتها إليها، فاعلمه). [رصف المباني:376 - 387]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:55 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي




الفاء
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها (الفاء)، وتجر نائبةً عن (ربّ)، نحو
فمثلك حبلى.
على خلافٍ فيها). [التحفة الوفية: ؟؟]

الفاء
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (و(الفاء) للتعقيب، وقيل: تأتي لمطلق الجمع كالواو، وقيل بذلك في الأماكن، نحو: نزل المطر بمكان كذا فكذا، وقيل: إنّها تأتي بمعنى (حتّى)، كقوله تعالى: {فهم فيه شركاء}.
وقيل: إنّها تأتي زائدة، وقد يصحبها معنى السبب، نحو: زنى ماعزٌ – رضي الله عنه – فرجم).
[التحفة الوفية: ؟؟]


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:56 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال الحسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت: 749هـ): (الفاء
حرف مهمل، خلافاً لمن زعم أنها تجر إذا نابت عن رب، ولمن ذهب إلى أنها تنصب المضارع في الأجوبة. وسيأتي الكلام على ذلك. وأصول أقسام الفاء ثلاثة: عاطفة، وجوابية، وزائدة.
أما العاطفة فهي من الحروف التي تشرك في الإعراب والحكم، ومعناها التعقيب. فإذا قلت: قام زيد فعمرو، دلت على أن قيام عمرو بعد زيد، بلا مهلة. فتشارك ثم في إفادة الترتيب، وتفارقها في أنها تفيد الاتصال، وثم تفيد الانفصال. هذا مذهب البصريين، وما أوهم خلاف ذلك تأولوه.
وأورد السيرافي، على قولهم: إن الفاء للتعقيب، قولك: دخلت
البصرة فالكوفة. لأن أحد الدخولين لم يل الآخر. وأجاب بأنه بعد دخوله البصرة لم يشتغل بشيء، غير أسباب دخول الكوفة.
وقال بعضهم: تعقيب كل شيء بحسبه، فإذا قلت: دخلت مصر فمكة، أفادت التعقيب على الوجه الذي يمكن.
وذهب قوم، منهم ابن مالك، إلى أن الفاء قد تكون للمهلة بمعنى ثم. وجعل من ذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فتصبح الأرض مخضرة}. وتؤولت هذه الآية على أن فتصبح معطوف على محذوف، تقديره: أنبتنا به، فطال النبت، فتصبح. وقيل: بل هي للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه.
وذهب الفراء إلى أن ما بعد الفاء قد يكون سابقاً، إذا كان في الكلام ما يدل على ذلك. كقوله تعالى: {وكم، من قرية، أهلكناها فجاءها بأسنا}، والبأس في الوجود واقع قبل الإهلاك. وأجيب بأن معنى الآية: وكم من قرية أردنا إهلاكها، كقوله إذا أكلت فسم الله. وقيل الفاء في الآية عاطفة للمفصل على المجمل، كقوله تعالى: {إنا أنشأناهن إنشاء، فجعلناهن أبكاراً}. وهذا مما
انفردت به الفاء.
وذهب بعضهم إلى أن الفاء قد تأتي، لمطلق الجمع، كالواو. وقال به الجرمي في الأماكن والمطر خاصة. كقولهم: عفا مكان كذا فمكان كذا، وإن كان عفاؤهما في وقت واحد. ونزل المطر بمكان كذا فمكان كذا، وإن كان نزوله في وقت واحد. قال امرؤ القيس: بسقط اللوى، بين الدخول فحومل وقال النابغة:
عفا ذو حسى، من فرتنى، فالفوارع ... فجنبا أريك، فالتلاع، الدوافع
وقد اتضح، بما ذكرته من هذه الأقوال، أن ما نقله بعضهم، من الإجماع، على أن الفاء للتعقيب، غير صحيح.
وقال بعضهم: الترتيب بالفاء على ضربين: ترتيب في المعنى، وترتيب في الذكر. والمراد بالترتيب في المعنى أن يكون المعطوف بها لاحقاً متصلاً، بلا مهلة. كقوله تعالى: {الذي خلقك فسواك
فعد لك}. وأما الترتيب في الذكر فنوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل، هو في المعنى، كقولك: توضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ورجليه. ومنه قوله تعالى: {ونادى نوح ربه، فقال: رب} الآية. والثاني عطف، لمجرد المشاركة في الحكم، بحيث يحسن الواو. كقول امرئ القيس: بسقط اللوى، بين الدخول فحومل وسمى غيره هذا ترتيباً في اللفظ؛ قال: ومراد الشاعر وقوع الفعل بتلك المواضع، وترتيب اللفظ واحداً بعد آخر بالفاء ترتيباً لفظياً.
تنبيه لا يخلو المعطوف بالفاء من أن يكون مفرداً، أو جملة، والمفرد: صفة، وغير صفة. فالأقسام ثلاثة. فإن عطفت مفرداً غير صفة لم تدل على السببية. نحو: قام زيد فعمرو. وإن عطفت جملة، أو صفة، دلت على السببية غالباً. نحو {فوكزه موسى، فقضى عليه}.
ونحو {لآكلون من شجر، من زقوم، فمالئون منها البطون، فشاربون عليه من الحميم}. قال الزمخشري، في الكشاف فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على ترتب معانيها في الوجود. كقوله:
يا لهف زيابة، للحارث ال ... صابح، فالغانم، فالآيب
كأنه قال: الذي صبح، فغنم، فآب. وإما على ترتبها في التفاوت، من بعض الوجوه. كقولك: خذ الأكمل فالأفضل، واعمل الأحسن فالأجمل. وإما على ترتب موصوفاتها، في ذلك. كقولك: رحم الله المحلقين فالمقصرين.
فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات.
وللفاء العاطفة أحكام أخر، مذكورة في مواضعها، لا حاجة هنا إلى ذكرها.
وأما الفاء الجوابية: فمعناها الربط، وتلازمها السببية. قال بعضهم: والترتيب أيضاً، كما ذكر في العاطفة. ثم إن هذه الفاء تكون جواباً لأمرين: أحدهما الشرط ب إن وأخوتها. والثاني ما فيه معنى الشرط نحو أما.
فأما جواب الشرط ب إن وأخواتها فأصله أن يكون فعلاً صالحاً لجعله شرطاً. فإذا جاء على الأصل لم يحتج إلى فاء، وذلك إذا كان ماضياً متصرفاً عارياً من قد وغيرها، أو مضارعاً مجرداً، أو منفياً ب لا أو لم.
ومع كونه في ذلك غير محتاج إلى الفاء لا يمتنع اقترانه بها، على تفصيل أنا ذاكره: وهو أنه إن كان مضارعاً جاز اقترانه بها، ويجب رفعه حينئذ كقوله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه}، {ومن
يؤمن بربه فلا يخاف}. والتحقيق أنه حينئذ خبر مبتدأ محذوف. فيكون الجواب جملة اسمية.
وإن كان ماضياً متصرفاً مجرداً، فهو على ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو ما كان مستقبلاً، ولم يقصد به وعد أو وعيد. نحو: إن قام زيد قام عمرو.
وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو ما كان ماضياً لفظاً ومعنى. نحو {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت}، وقد معه مقدرة.
وضرب يجوز اقترانه بالفاء ولا يجب، وهو ما كان مستقبلاً، وقصد به وعد أو وعيد. كقوله تعالى: {فمن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار}.
وإذا كان الجواب لا يصلح لأن يجعل شرطاً وجب اقترانه بالفاء، ليعلم ارتباطه بأداة الشرط. وذلك إذا كان:
جملة أسمية، نحو: من يفعل الخير فالله يجزيه.
أو فعلية طلبية، نحو {قل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}.
أو فعلاً غير متصرف، نحو {إن ترني أنا أقل منك مالاً، وولداً، فعسى ربي}.
أو مقروناً بحرف تنفيس، نحو {من يرتد، منكم، عن دينه فسوف}.
أو ب قد، نحو {قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ، له، من قبل}.
أو منفياً ب ما أو لن أو أن، نحو: إن قام زيد فما يقوم عمرو، أو فلن يقوم، أو فإن يقوم.
أو قسماً، نحو: إن تكرمني فو الله لأكرمنك.
أو مقروناً ب رب، أو بنداء، كقول امرئ القيس:
فإن أمس مكروباً فيا رب قينة ... منعمة، أعملتها بكران
فهذه الأجوبة تلزمها الفاء، لأنها لا يصلح جعلها شرطاً.
وجاء حذف الفاء لضرورة الشعر كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها أي: فالله يشكرها.
وقال بعضهم: لا يجوز حذفها إلا في ضرورة، أو ندور. ومثل الندور بما في صحيح البخاري، من قوله صلى الله عليه وسلم، لأبي بن كعب، رضي الله عنه فإن جاء صاحبها، وإلا استمتع بها.
وعن الأخفش إجازة حذف الفاء، في الاختيار. واختلف النقل عن المبرد، فنقل عنه كمذهب الأخفش، ونقل عنه منع حذفها
مطلقاً. وزعم أن الرواية في البيت: من يفعل الخير فالرحمن يشكره واعلم أن إذا الفجائية قد تخلف الفاء في الجملة الاسمية، بشروط يأتي ذكرها عند ذكر إذا، إن شاء الله تعالى.
وأما الفاء الواقعة جواباً ل أما فالأليق تأخير ذكرها، لتذكر مع أما.
وأما الفاء الزائدة فهي ضربان: أحدهما الفاء الداخلة على خير المبتدأ، إذا تضمن معنى الشرط. نحو: الذي يأتي فله درهم. فهذه الفاء شبيهة بفاء جواب الشرط، لأنها دخلت لتفيد التنصيص على أن الخبر مستحق بالصلة المذكورة. ولو حذفت لاحتمل كون الخبر مستحقاً بغيرها.
فإن قلت: فكيف تجعلها زائدة، وهي تفيد هذا المعنى؟ قلت: إنما جعلتها زائدة، لأن الخبر مستغن عن رابط يربطه بالمبتدأ. ولكن المبتدأ لما شابه اسم الشرط دخلت الفاء في خبره، تشبيهاً له بالجواب.
وإفادتها هذا المعنى لا تمنع تسميتها زائدة. وبالجملة فهذه الفاء شبيهة بفاء جواب الشرط.
ولتضمن المبتدأ معنى الشرط صور، مذكورة في موضعها.
والثاني التي دخولها في الكلام كخروجها. وهذا القسم لا يقول به سيبويه، وقال به الأخفش، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد. واحتج بقول الشاعر:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو: كما هيا
وبقول عدي بن زيد:
أرواح، مودع، أم بكور ... أنت فانظر: لأي ذاك تصير؟
ولا حجة فيهما، لاحتمال كون خولان خبر مبتدأ محذوف، أي:
هؤلاء خولان. وكون أنت فاعل فعل مقدر، يفسره الظاهر، أي: فانظر أنت.
وقد أجاز الفراء وجماعة، منهم الأعلم، دخولها في خبر المبتدأ، إذا كان أمراً، أو نهياً.
وأجاز الزجاج في قوله تعالى: {هذا فليذوقوه} أن يكون هذا مبتدأ، وفليذوقوه خبره.
وقال ابن برهان: واعلم أن الفاء تكون زائدة عند أصحابنا جميعاً. نحو قول الشاعر: وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
مسألتان
الأولى: اختلف في الفاء الداخلة على إذا الفجائية، نحو: خرجت فإذا الأسد. فذهب المازني، ومن وافقه، إلى أنها زائدة لازمة. وإليه ذهب الفارسي. وذهب أبو بكر مبرمان إلى أنها فاء عاطفة، واختاره ابن جني. وذهب الزجاج إلى أنها فاء الجزاء، دخلت على حد دخولها في جواب الشرط.
الثانية: اختلف في الفاء الداخلة على الفعل المقدم معموله، في الأمر والنهي، نحو: زيداً فاضرب، وعمراً فلا تهن. فذهب قوم، منهم الفارسي، إلى أنها زائدة. وذهب قوم إلى أنها عاطفة، وقالوا: الأصل في نحو زيداً فاضرب: تنبه فاضرب زيداً. فالفاء عاطفة على تنبه، ثم حذف الفعل المعطوف عليه، فلزم تأخير الفاء، لئلا
تقع صدراً. فلذلك قدم المعمول عليها.
وقد ذكر للفاء أقسام أخر، ترجع عند التحقيق إلى الأقسام الثلاثة المتقدمة.
أحدها الناصبة للفعل في جواب الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والتحضيض، والعرض، والتمني، والنفي، والترجي. فهذه تسعة أجوبة.
وليس للترجي عند البصريين جواب منصوب، وتأولوا قراءة حفص {لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فأطلع} على أن لهل أشربت معنى ليت.
ومذهب بعض الكوفيين أن الفاء، في هذه الأجوبة، هي الناصبة للفعل بنفسها. وذهب بعضهم إلى أن انتصابه بالمخالفة، لأنه لما لم يصح عطفه على الأول، لمخالفته له في المعنى، نصب.
ومذهب البصريين أن هذه الفاء فاء عاطفة، والفعل منصوب ب أن مضمرة بعد الفاء. والفاء في ذلك عاطفة مصدراً مقدراً على مصدر متوهم. فإذا قلت: أكرمني فأحسن إليك، فالتقدير:
ليكن منك إكرام فإحسان مني.
وثانيها الجازة، وهي فاء رب، كقول امرئ القيس:
فمثلك، حبلى، قد طرقت، ومرضع ... فألهيتها، عن ذي تمائم، مغيل
وقول الهذلي:
فحور قد لهيت بهن، عين ... نواعم، في المروط، وفي الرياط
وليست هذه الفاء جارة، كما زعم هذا القائل. وإنما الجر ب رب المقدرة بعدها، والفاء في ذلك إما عاطفة، كالبيت الأول، وإما جواب شرط كالبيت الثاني، لأن قبله:
فإما تعرضن، أميم، عني ... وينزغك الوشاة، أولو النباط
وقد حكى ابن عصفور، وابن مالك، إجماع النحويين على أن الجر في ذلك ب رب المحذوفة، لا بالفاء.
وثالثها أن تكون للاستئناف. كقوله تعالى: {أنما إلهكم إله واحد. فهل أنتم مسلمون}. قال بعضهم: وإذا أردت الاستئناف بعدها، من غير تشريك للجملتين، كانت حرف ابتداء. نحو: قام زيد، فهل قمت. وقام زيد، فعمر قائم. وعليه قوله: ألم تسأل الربع القواء، فينطق أي: فهو ينطق. وجعل من ذلك قوله تعالى: {فأنتم فيه سواء} وهذه الفاء ترجع، عند التحقيق، للفاء العاطفة للجمل، لقصد الربط بينها.
ورابعها أن تكون بمعنى حتى ذكره بعضهم، قال: كقوله تعالى: {فهم فيه شركاء}.
وليس كما ذكر. بل هذه الفاء فاء العطف.
وخامسها أن تكون بمعنى إلى. ذكره بعض الكوفيين، ومثله بقوله: هو أحسن الناس ما بين قرن فقدم. أي: إلى قدم. وأجاز بعضهم في قولهم بين الدخول فحومل أن تكون الفاء بمعنى إلى.
وهذا ضعيف، والفاء في ذلك عاطفة.
وقد نظمت أقسام الفاء في هذه الأبيات:
معاني الفاء لا تعدو ثلاثاً ... فعاطفة، ترتب باتصال
وبعض قال: قد تأتي، كواو ... وبعض قال: تأتي، لانفصال
وفي جمل، وأوصاف، كثيراً ... جلت سببية، ضمن المقال
ورابطة الجواب، تدل فيه ... على سببية، في كل حال
وزائدة، كما قد قال قوم ... ويظهر ذاك، في صور المثال). [الجنى الداني:61 - 78]


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 06:59 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن هشام الأنصاري (ت: 761هـ): (حرف الفاء
الفاء المفردة
الفاء المفردة حرف مهمل خلافًا لبعض الكوفيّين في قولهم إنّها ناصبة في نحو ما تأتينا فتحدثنا وللمبرد في قوله إنّها خافضة في نحو
(فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع)
فيمن جر مثلا والمعطوف والصّحيح أن النصب بأن مضمرة كما سيأتي وأن الجرّ بربّ مضمرة كما مر
وترد على ثلاثة أوجه
أحدها أن تكون عاطفة وتفيد ثلاثة أمور
أحدها التّرتيب وهو نوعان معنوي كما في قام زيد فعمرو
وذكري وهو عطف مفصل على مجمل نحو {فأزلهما الشّيطان عنها فأخرجهما ممّا كانا فيه} ونحو {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} ونحو {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي} الآية ونحو توضّأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه
وقال الفراء إنّها لا تفيد التّرتيب مطلقًا وهذا مع قوله إن الواو تفيد التّرتيب غريب
واحتج بقوله تعالى {أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} وأجيب بأن المعنى أردنا إهلاكها أو بأنّها للتّرتيب الذكري
وقال الجرمي لا تفيد الفاء التّرتيب في البقاع ولا في الأمطار بدليل
قوله
( ... بين الدّخول فحومل)
وقولهم مطرنا مكان كذا فمكان كذا وإن كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد
الأمر الثّاني التعقيب وهو في كل شيء بحسبه ألا ترى أنه يقال
تزوج فلان فولد له إذا لم يكن بينهما إلّا مدّة الحمل وإن كانت متطاولة ودخلت البصرة فبغداد إذا لم تقم في البصرة ولا بين البلدين وقال الله تعالى {ألم تر أن الله أنزل من السّماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} وقيل الفاء في هذه الآية للسّببيّة وفاء السّببيّة لا
تستلزم التعقيب بدليل صحة قولك إن يسلم فهو يدخل الجنّة ومعلوم ما بينهما من المهلة
وقيل تقع الفاء تارة بمعنى ثمّ ومنه الآية وقوله تعالى {ثمّ خلقنا النّطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحمًا} فالفاءات في {فخلقنا العلقة} وفي {فخلقنا المضغة} وفي {فكسونا} بمعنى ثمّ لتراخي معطوفاتها وتارة بمعنى الواو كقوله
( ... بين الدّخول فحومل)
وزعم الأصمعي أن الصّواب روايته بالواو لأنّه لا يجوز جلست بين زيد فعمرو وأجيب بأن التّقدير بين مواضع الدّخول فمواضع حومل كما يجوز جلست بين العلماء فالزهاد وقال بعض البغداديين الأصل ما بين فحذف ما دون بين كما عكس ذلك من قال
(يا أحسن النّاس ما قرنا إلى قدم ... )
أصله ما بين قرن فحذف بين وأقام قرنا مقامها ومثله {ما بعوضة فما فوقها} قال والفاء نائبة عن إلى
ويحتاج على هذا القول إلى أن يقال وصحت إضافة بين إلى الدّخول لاشتماله على مواضع أو لأن التّقدير بين مواضع الدّخول
وكون الفاء للغاية بمنزلة إلى غريب وقد يستأنس له عندي بمجيء عكسه في نحو قوله
(وأنت الّتي حببت شغبا إلى بدا ... إليّ وأوطاني بلاد سواهما)
إذ المعنى شغبا فبدا وهما موضعان
ويدل على إرادة التّرتيب قوله بعده
(حللت بهذا حلّة ثمّ حلّة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما)
وهذا معنى غريب لـ إلى لم أر من ذكره
والأمر الثّالث السّببيّة وذلك غالب في العاطفة جملة أو صفة فالأول
نحو {فوكزه موسى فقضى عليه} ونحو {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}
والثّاني نحو {لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم}
وقد تجيء في ذلك لمجرّد التّرتيب نحو {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم} ونحو {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك}
ونحو {فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها} ونحو {فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا}
وقال الزّمخشريّ للفاء مع الصّفات ثلاثة أحوال
أحدها أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله
(يا لهف زيابة للحارث الصابح ... فالغانم فالآيب)
أي الّذي صبح فغنم فآب
والثّاني أن تدل على ترتيبها في التّفاوت من بعض الوجوه نحو قولك خذ الأكمل فالأفضل واعمل الأحسن فالأجمل
والثّالث أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك نحو رحم الله المحلقين فالمقصرين انتهى
والبيت لابن زيابة يقول يا لهف أمّي على الحارث إذ صبح قومي بالغارة فغنم فآب سليما ألا أكون لقيته فقتلته وذلك لأنّه يريد يا لهف نفسي
والثّاني من أوجه الفاء أن تكون رابطة للجواب وذلك حيث لا يصلح لأن يكون شرطا وهو منحصر في ستّ مسائل
إحداها أن يكون الجواب جملة اسمية نحو {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} ونحو {إن تعذبهم فإنّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنّك أنت العزيز الحكيم}
الثّانية أن تكون فعلية كالاسمية وهي الّتي فعلها جامد نحو {إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربّي أن يؤتين} {إن تبدوا الصّدقات فنعما هي} {ومن يكن الشّيطان له قرينا فساء قرينا} {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}
الثّالثة أن يكون فعلها إنشائيا نحو {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني
يحببكم الله} ونحو {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} ونحو {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين} فيه أمران الاسمية والإنشائية ونحو إن قام زيد فواللّه لأقومن ونحو إن لم يتب زيد فيا خسره رجلا
والرّابعة أن يكون فعلها ماضيا لفظا ومعنى إمّا
حقيقة نحو {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} ونحو {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصّادقين} وقد هنا مقدرة
وإمّا مجازًا نحو {ومن جاء بالسّيّئة فكبت وجوههم في النّار} نزل هذا
الفعل لتحقّق وقوعه منزلة ما وقع
والخامسة أن تقترن بحرف استقبال نحو {من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبّونه} ونحو {وما يفعلوا من خير فلن يكفروه}
السّادسة أن تقترن بحرف له الصّدر كقوله
(فإن أهلك فذي لهب لظاه ... عليّ تكاد تلتهب التهابا)
لما عرفت من أن رب مقدرة وأنّها لها الصّدر وإنّما دخلت في نحو {ومن عاد فينتقم الله منه} لتقدير الفعل خبرا لمحذوف فالجملة اسمية
وقد مر أن إذا الفجائية قد تنوب عن الفاء نحو {وإن تصبهم سيّئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون} وأن الفاء قد تحذف للضّرورة كقوله
(من يفعل الحسنات الله يشكرها ... )
وعن المبرد أنه منع ذلك حتّى في الشّعر وزعم أن الرّواية
(من يفعل الخير فالرحمن يشكره ... )
وعن الأخفش أن ذلك واقع في النثر الصّحيح وأن منه قوله تعالى {إن ترك خيرا الوصيّة للوالدين} وتقدم تأويله
وقال ابن مالك يجوز في النثر نادرا ومنه حديث اللّقطة فإن جاء صاحبها وإلّا استمتع بها
تنبيه
كما تربط الفاء الجواب بشرطه كذلك تربط شبه الجواب بشبه الشّرط وذلك في نحو الّذي يأتيني فله درهم وبدخولها فهم ما أراده المتكلّم من ترتّب لزوم الدّرهم على الإتيان ولو لم تدخل احتمل ذلك وغيره
وهذه الفاء بمنزلة لام التوطئة في نحو {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم}
في إيذانها بما أراده المتكلّم من معنى القسم وقد قرئ بالإثبات والحذف قوله تعالى {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم}
الثّالث أن تكون زائدة دخولها في الكلام كخروجها وهذا لا يثبته سيبويه وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقًا وحكى أخوك فوجد وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرا أو نهيا فالأمر كقوله
(وقائله خولان فانكح فتاتهم ... )
وقوله
(أرواح مودع أم بكور ... أنت فانظر لأي ذاك تصير)
وحمل عليه الزّجاج {هذا فليذوقوه حميم وغساق}
والنّهي نحو زيد فلا تضربه
وقل ابن برهان تزاد الفاء عند أصحابنا جميعًا كقوله
( ... فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي)
انتهى
وتأول المانعون قوله خولان فانكح على أن التّقدير هذه خولان وقوله أنت فانظر على أن التّقدير انظر فانظر ثمّ حذف انظر الأول وحده فبرز ضميره فقيل أنت فانظر والبيت الثّالث ضرورة وأما الآية فالخبر حميم وما بينهما معترض أو هذا منصوب بمحذوف يفسره فليذوقوه مثل {وإياي فارهبون} وعلى هذا فحميم
بتقدير هو حميم
ومن زيادتها قوله
(لما اتّقى بيد عظيم جرمها ... فتركت ضاحي جلدها يتذبذب)
لأن الفاء لا تدخل في جواب لما خلافًا لابن مالك وأما قوله تعالى {فلمّا نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد} فالجواب محذوف أي انقسموا قسمين فمنهم مقتصد ومنهم غير ذلك
وأما قوله تعالى {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به} فقيل جواب لما الأولى لما الثّانية وجوابها وهذا مردود لاقترانه بالفاء وقيل {كفروا به} جواب لهما لأن الثّانية تكرير للأولى وقيل جواب الأولى محذوف أي أنكروه
مسألة
الفاء في نحو {بل الله فاعبد} جواب لأما مقدرة عند بعضهم وفيه إجحاف وزائدة عند الفارسي وفيه بعد وعاطفة عند غيره
والأصل تنبه فاعبد الله ثمّ حذف تنبه وقدم المنصوب على الفاء إصلاحا للفظ كيلا تقع الفاء صدرا كما قال الجميع في الفاء في نحو أما زيدا فاضرب إذ الأصل مهما يكن من شيء فاضرب زيدا وقد مضى شرحه في حرف الهمزة
مسألة
الفاء في نحو خرجت فإذا الأسد زائدة لازمه عند الفارسي والمازني وجماعة وعاطفة عند مبرمان وأبي الفتح وللسببية المحضة كفاء الجواب عند أبي إسحاق
ويجب عندي أن يحمل على ذلك مثل {إنّا أعطيناك الكوثر فصل لربّك} ونحو ائتني فإنّي أكرمك إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر
ولا العكس ولا يحسن إسقاطها ليسهل دعوى زيادتها
مسألة
{أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} قدر أنهم قالوا بعد الاستفهام لا فقيل لهم فهذا كرهتموه يعني والغيبة مثله فاكرهوها ثمّ حذف المبتدأ وهو هذا
وقال الفارسي التّقدير فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة
وضعفه ابن الشجري بأن فيه حذف الموصول وهو ما المصدرية دون
صلتها وذلك رديء
وجملة {واتّقوا الله} عطف على {ولا يغتب بعضكم بعضًا} على التّقدير الأول وعلى فاكرهوا الغيبة على تقدير الفارسي
وبعد فعندي أن ابن الشجري لم يتأمّل كلام الفارسي فإنّه قال كأنّهم قالوا في الجواب لا فقيل لهم فكرهتموه فاكرهوا الغيبة واتّقوا الله فاتّقوا عطف على فاكرهوا وإن لم يذكر كما في {اضرب بعصاك الحجر فانفجرت} والمعنى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة وإن لم تكن كما مذكورة كما أن ما تأتينا فتحدثنا معناه فكيف تحدثنا وإن لم تكن كيف مذكورة انتهى
وهذا يقتضي أن كما ليست محذوفة بل أن المعنى يعطيها فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب
تنبيه
قيل الفاء تكون للاستئناف كقوله
(ألم تسأل الرّبع القواء فينطق ... )
أي فهو ينطق لأنّها لو كانت للعطف لجزم ما بعدها ولو كانت للسّببيّة لنصب
ومثله {فإنّما يقول له كن فيكون} بالرّفع أي فهو يكون حينئذٍ وقوله
(الشّعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الّذي لا يعلمه)
(زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه)
أي فهو يعجمه ولا يجوز نصبه بالعطف لأنّه لا يريد أن يعجمه
والتّحقيق أن الفاء في ذلك كله للعطف وأن المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل والمعطوف عليه في هذا الشّعر قوله يريد وإنّما يقدر النحويون كلمة هو ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف). [مغني اللبيب: 2 / 473 - 512]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 07:00 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


شرح علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ)

الباب الأول
ضبط حروف المعاني الأحادية
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (الباب الأول
من الأبواب الخمسة التي تذكر في ضبط حروف المعاني، وتذكر فيه الحروف الأحادية، وهي التي وردت على حرفٍ واحد فقط، وهو البسيط الحقيقي في هذه الصناعة، وقد يطلق على المفرد الغير المركب من لفظين: كان، وإذن، على رأي، وجملة ما ورد من حروف المعاني أحادية، ثلاثة عشر حرفًا، وهي قسمان؛ لأن الحرف إما أن يكون محضًا بمعنى أنه لا يقع إلا حرفًا، أو مشاركًا نوعًا آخر أي من الأفعال والأسماء أو كلتيهما، فانحصرت في قسمين:
محضة: وهي ستة أحرف: الهمزة، والباء، والسين، والفاء، واللام، والميم.
ومشاركة للاسم: وهي سبعة: الألف، والتاء، والكاف، والنون، والهاء، والواو، والياء.
فإن قيل: إن بعض النحاة قد عدوا الهمزة والفاء مما اشترك فيه الحرف والفعل، فإن كلًا منهما كما يكون حرفًا كهمزة الاستفهام وكالفاء العاطفة، كذلك يكون فعلًا، وقد عدوا اللام مع الحرف والفعل، ومع الاسم أخرى كما في المعرفة الموصولة نحو: الضارب والمضروب، فكيف عدتهن في الحروف المحضة.
فالجواب: أنا إنما نعتبر المشاركة بين الحرف وغيره من الأسماء والأفعال، أو بينهما معًا، إذا كان ذلك بحسب الوضع، وأما مشاركة الأحرف الثلاثة للفعل فإنما حصل بواسطة ما عرض لهن، ولذلك أنكر المحققون على من عد على مما اشترك فيه الأنواع الثلاثة أيضًا، وقالوا: إنه غلط؛ لأن على إذا كانت حرفًا واسمًا كانت ألفها أصلية، وإذا كانت فعلًا كانت الألف منقلبة عن واو، فلا مشاركة للفعل معهما أبدًا، وأما عدا اللام اسمًا فهو جهل، فإنما يراد به ال الموصولة، والتعبير عنها باللام غلط، بل قد أنكروا على من قال الألف واللام أيضًا، فكما لا يعبر عن هل الاستفهامية بالهاء واللام، فكذا لا يعبر عن الموصولة بالألف واللام، وكأنما عنى هذا القائل ما نقل عن سيبويه أن همزة ال للوصل، ولذلك تطرح درجًا فاطرحها لفظًا وهو سهو، فإن سيبويه سمى هذه الكلمة أل وعدها في الحروف الثنائية، ومذهب الخليل أنها همزة أصلية، وحذفها وصلًا لطلب التخفيف لكثرة الاستعمال وهو الأرجح، وبعضهم يجعل أل حرفًا في كل مواقعها ويمنع وقوعها اسمًا، وجعل أل الموصولة باسم الفاعل واسم المفعول حرفًا، كما سيأتي في فصله، فكيف يجوز مع هذا كلى الإطلاق على اللام وحدها، وهل هذا إلا غلطٌ صريح). [جواهر الأدب: 5 - 6]

الفصل الرابع: من النوع الأول من نوعي الحروف الأحادية المحضة حرف الفاء
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (الفصل الرابع: من النوع الأول من نوعي الحروف الأحادية المحضة.
حرف الفاء: وهي من الحروف الشفهية الثلاثة المذكورة عند الباء، وليست من حروف الزيادة العشرة، فلا تكون إلا مستقلة، فلا تعمل أبداء لدخولها الأسماء والأفعال، ولكن قد يحصل عند وجودها في بعض الأماكن أثر، فينسب إليها مجازًا، ويكون الأثر في الحقيقة لمحذوف يجوز حذفه عند وجودها، ويكون ذلك في النوعين أما الأسماء فذلك عند دخولها على نكرة موصوفة يجوز دخول رب عليها، كقول امرئ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع.
فالأكثر روايتها بالجر، وعند كثيرين جرها برب محذوفة؛ لأن المعنى عليه، وذهب جماعة إلى أن الجر بها نفسها، وساوى بينها وبين واو رب في أن الجر بهما لا برب محذوفة، ورجحه أبو حيان، قال: لأن البصريين لا يجوزون عمل حرف الجر محذوفًا، ويضعفه جر المقسم به لحرفه محذوفًا، كما قدم في فصل الهمزة، وفي قولهم: لا ها الله ذا بجر اسم الله، فإن قيل ذلك عند نيابة الهمزة، وها عن حرف القسم، قيل: وهنا عند نيابة الفاء عن رب، وطائفة ثالثة يفرقون بين الواو والفاء، فيجعلون المجرور بعد الفاء برب محذوفة لقلة وروده بعد الواو بمعنى رب بالواو، ولكثرة وجوده.
وأما الأفعال: فإن الفعل المضارع ينتصب بعد الفاء بشرطين:
أحدهما السببية، أي: بكون الأول سببًا للثاني.
وثانيهما: أن يكون قبلها أحد الأشياء السبعة، وهي الأمر نحو: قم فأكرمك، والنهي نحو: لا تنم فأضربك، والاستفهام نحو: {هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}، والتمني نحو: {ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا}، والعرض نحو: ألا تنزل فينا فنكرمك، والترجي نحو: {لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع} في قراءة من نصب فأطلع، والنفي نحو: { لا يقضى عليهم فيموتوا}، والجواب في: {ولا يخفف عنهم من عذابها}، محذوف للقرينة، أي: فيستريحوا؛ بدليل قوله: {كذلك نجزي كل كفور}، وهذه الفاء في الحقيقة هي الفاء العاطفة، وتعطف جملة تقديرًا على جملة تحقيقًا، فتقدر الكلام بقولك: إن يكن منك قيام فإكرام مني، فنصبها الفعل بتقدير أن، وكذا إذا عطفت مضارًعا على اسم، فإنها تنصبه بتقدير أن أيضًا، وأما الفاء في غير هذين الموضعين فهي عاملة مطلقًا، ولها مواقع:
أحدها: العاطفة، فتشرك الثاني في إعراب الأول، هذا في المفردات، وأما في عطف الجملة على الجمل فهي للاستئناف، وتعطف لاحقًا على سابق تقدمه مرتبًا بلا مهلة بينهما، والترتيب يكون حسًا، كقولك: توضأت فصليت، وقد يكون حكمًا نحو: دخلت مدينة كذا فكذا، وقيل: إنها لا ترتب بين المشتركات في المحل والمطر، فيقال: عفا مكان كذا فكذا، أو مطر مكان كذا فكان كذا، وإن كان المعطوفان وجدا معًا، واستمرار مدة حصول المترتب وطوله لا ينافي الترتيب ولا يخرج عنه، كقوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة}، فإن اخضرار الأرض مبتدأ بعد نزول المطر، وإنما يتم بمدة ومهلة، فجيء بالفاء نظرًا إلى أنه لا فصل بين نزول المطر وابتداء الاخضرار، ولو قيل: ثم تصبح الأرض مخضرة، نظرً إلى تمام الاخضرار لجاز، ويتضح من قوله تعالى: {جعلناه نطفة في قرارٍ مكين ثم خلقنا النطفة علقة}، نظرًا إلى تمام صيرورة النطفة علقة، ثم قال: {فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا} نظرًا إلى ابتداء كل طور، ثم قال: {ثم أنشأناه خلقًا آخر}، إمَّا نظرًا إلى تمام الطور الأخير، وإمَّا استبعاد لهذا الطور الذي فيه كمال الإنسانية بالنسبة إلى الأطوار المتقدمة، فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد يفقد الترتيب فيها فتفيد الجمعية فقط كالواو، كقوله:
بين الدخول فحومل.
ويقال: دخلت مدينة كذا فمدينة كذا، أي: أنه لم يشتغل بعد دخول الأولى بأمر الدخول إلى الثانية، والغالب كون المعطوف بها مسببًا، والمعطوف عليه سببًا له، كقوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} ولا تنافي بين السببية والعطف، فقد تفيد السببية، وهي مع ذلك عاطفة كالمثال المذكور، وقولهم: يقوم زيد فيغضب عمرو، ولكن لا تلازم السببية العطف نحو: إن لقيته فأكرمه، وقد يعطف بها مفصل على مجمل نحو: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه}، {وكم من قرية أهلكانا فجاءها بأسنا بياتًا}، وتقول: أجبته فقلت لبيك وناديته يا زيد.
وثانيها: الواقعة في جواب الشرط حيث لم تؤثر أداة الشرط فيه لا لفظًا ولا معنًى، لربطه به حينئذ، أما لو أثرت لفظًا كالجزم في المضارع أو معنى كقلب معنى الماضي إلى الزمن المستقبل، فلا يجوز الإتيان بالفاء، وحيث لم تؤثر أداة الشرط في الجواب فلابد من الفاء لتربطه بالشرط نحو: إن قام زيد فقم، أو فعمرو قائم، أو فقد قام عمرو، وكذلك التزمت مع أما بفتح الهمزة فتدخل على الخبر نحو: أما زيد فمنطلق، أو المبتدأ المفصول بينه وبين أما إمَّا بخبر نحو: أمَّا عندك فزيد، أو معمول الخبر نحو: أما عندك فزيد قائم، كما سيأتي.
وثالثها: الواقعة في خبر المبتدأ المتضمن معنى الشرط، وهو أن يكون موصولًا صلته فعل أو ظرف أو نكرة موصوفة بفعل أو ظرف أو اسمًا موصوفًا بموصول كذلك، كقولك: الذي يأتيني فله درهم، والذي في الدار فله درهم، أو كل رجل يأتيني، أو في الدار فله درهم، و: {قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم}.
ورابعها: الواقعة في جواب إذا المتضمنة معنى الشرط، نحو: إذا توضأت فصل؛ لأن إذا ليست من أدوات الشرط، ولكنها مفهمة معناه، وعند بعضهم أن الفاء الداخلة على إذا الفجائية هي الفاء الجزائية، وعند أبي الفتح هي عاطفة، وقال أبو علي هي زائدة.
وخامسها: الزائدة، وفائدة زيادتها التنبيه على لزوم ما بعدها لما قبلها لزوم الجزاء للشرط، وقد تزاد لغير ذلك كقوله:
لا تجزعي أن منفسًا أهلكته = فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
لأنه قد أدخل الفاء على عند مع قوله: فاجزعي، فلا بد من الحكم بزيادة إحداهما، وبعضهم ينسب أن القول بزيادتها هو مذهب الأخفش، هذا ما تقرر بين العلماء من مباحث الفاء، وأن فرع على ذلك غيره، ففي الحقيقة راجع إليه، والله أعلم). [جواهر الأدب: 23 - 26]


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 07:02 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي




باب الفاء وما أوله الفاء
الفاء
قال جمال الدين محمد بن علي الموزعي المعروف بابن نور الدين (ت: 825هـ): (باب الفاء وما أوله الفاء
أما الفاء فإنها تأتي على ثمانية أوجه:
الأول: تكون عاطفة، كقولك: قام زيد فعمرو، وتفيد ثلاثة أمور: التشريك والترتيب، والتعقيب.
فأما الترتيب فهو على أنواع: معنوي نحو: قام زيد فعمرو، وذكري: وهو عطف مفصل على مجمل نحو قوله تعالى: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه}، ونحو قوله تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة}، وقوله تعالى: {ونادى نوحٌ ربه فقال رب إن ابني من أهلي}، الآية، وإخباري نحو: مطرنا بمكان كذا ذكره جماعة، وخالف الأخفش في الترتيب وقال: الفاء تأتي بمعنى الواو؛ لأن «بين» إنما تقع معها الواو ولأنك إذا قلت: المال بين زيد وعمرو فقد احتويا عليه فهذا موضع الواو لأنها للاجتماع، فإن جئت بالفاء وقع التفريق وأنشد قول الشاعر:
= بسقط اللوى بين الدخول فحومل =
قال: ولولا أن الفاء بمعنى الواو لفسد المعنى؛ لأنه لا يريد أن يصيره بين الدخول أو لا، ثم بين حومل.
وأجيب بأن التقدير بين مواضع الدخول وبين مواضع حومل، ولم يرد بين الدخول وحومل، كما يجوز: جلست بين العلماء والزهاد، وقال بعض البغداديين: الأصل: ما بين، فحذف «ما» دون «بين» كما عكس ذلك من قال:
= يا أحسن الناس ما قرنًا إلى قدم =
أصله: ما بين، قرن إلى قدم، فحذف «بين» وأقام قرنًا مقامها، وقال: الفاء نائبة عن إلى، قال ابن هشام: ويحتاج على هذا القول إلى أن يقال: وصحت إضافة «بين» إلى الدخول لاشتماله على مواضع أو لأن التقدير: بين مواضع الدخول، وكون الفاء للغاية بمنزلة إلى غريب.
وزعم الأصمعي أن الصواب روايته بالواو؛ لأنه لا يجوز: جلست بين زيد فعمرو، وقال الجرمي: الفاء لا تفيد الترتيب لا في البقاع ولا في الأمطار؛ بدليل قوله:
= .... بين الدخول فحومل =
وقولهم: مطر بمكان كذا فمكان كذا، وإن كان وقوع المطر فيهما في وقت واحد.
وأجيب بأنه قد وقع ترتيب في الإخبار كما تقدم ذكره.
وأما التعقيب فهو في كل بحسبه فيقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت مدة متطاولة، ونحو قوله تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة}.
وقيل: إن الفاء تقع بمعنى ثم وإن منه قوله تعالى: {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر}، وقد تأتي لمجرد الترتيب نحو قوله تعالى: {فالزاجرات زجرًا فالتاليات ذكرًا}.
الوجه الثاني: تكون سببية عاطفة كقوله تعالى: {فوكزه موسى فقضى عليه}، وقوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه}.
الوجه الثالث: تكون للسبب المحض المجرد عن العطف، وذلك إذا نصبت بها في جواب الأشياء التي هي: الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض.
فجواب النفي والنهي كقول الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون} «فتطردهم» جواب النفي، و«فتكون» جواب النهي، وكقوله: ما تأتينا فتحدثنا، ولك فيه معنيان:
أحدهما: توجيه النفي إلى الإتيان، أي: ما تأتينا فكيف تحدثنا.
الثاني: وهو تفسير سيبويه رحمه الله تعالى توجبه النفي إلى التحديث أي: ما تأتينا أبدًا إلا وتمسك عن تحديثنا، فيكون منك إتيان كثير ولا يكون منك حديث، هذا إذا نصبت بالفاء.
وأما إذا رفعت «فتحدثنا» فيجوز أن تكون الفاء سببية عاطفة، كأنك قلت: ما تأتينا فما تحدثنا، كقوله تعالى: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون}.
ويجوز أن تكون الفاء استثنائية كأنك قلت: ما تأتينا فأنت تحدثنا على كل حال، كقول الشاعر:
= أما تسأل الربع القواء فينطق =
أي: فهو ينطق على كل حال، وكقوله تعالى: {ودوا لو تدهن فيدهنون} ومثال جواب الأمر قول الشاعر:
يا ناق سيري عنقًا فسيحًا = إلى سليمان فنستريحا
وجواب التمني: {يا ليتني كنت معهم فأفوز}.
وجواب الاستفهام كقوله تعالى: {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا}.
وجواب العرض كقولك: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا.
وجواب التحضيض: ألا تعبد إلا الله فتكون من المفلحين.
فإن رفعت الفعل بعد هذه الأشياء الستة فهي «فاء» الاستئناف، وسيأتي قريبًا بيانها إن شاء الله تعالى.
الوجه الرابع: تكون رابطة بين الشرط والجزاء، نحو قوله تعالى: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم}، وكذا شبه الشرط نحو قوله تعالى: {والذين كفروا فتعسًا لهم} لأنه جعل الكفر شرطًا فكأنه قال: فمن كفر فتعسًا له ففهم من ذلك أن مراد المتكلم ترتيب الذم على الكفر ولو لم يدخل الفاء احتمل ذلك واحتمل غيره، وهذه الفاء لازمة في الشرط وقد تحذف في الضرورة كقول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها = والشر بالشر عند الله مثلان
ومنع المبرد ذلك مطلقًا وزعم أن الرواية:
= من يفعل الحسنات فالرحمن يشكره =
وعن الأخفش جواز وقوعه في النثر الفصيح وأن منه قوله تعالى: {إن ترك خيرًا الوصية للوالدين}، وقال ابن مالك: يجوز في النثر نادرًا وإن منه حديث اللقطة: «فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها».
وأما في شبه الشرط: فهي غير لازمة بل يجوز إثباتها وحذفها وقد قرئ بهما قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم}.
قال الجرمي وغيره من النحويين: «الفاء التي في خبر الذي يشبه الجزاء زائدة، ورُدَّ عليهم: بأنها إنما جيء بها لما فيها من معنى الجزاء، ولهذا لا يجوز: أريد منك فدرهم وما ذاك إلا لخلوه عن معنى الجزاء».
ويظهر أن معنى هذه الفاء كمعنى السببية المحضة.
الوجه الخامس: تكون زائدة للتوكيد، قال الشاعر:
أراني إذا ما بت بت على هوى = فثم إذا أصبحت أصبحت عاديا
وقال آخر:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته = وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
وقال آخر:
لما اتقى بيد عظيم جرمها = فتركت ضاحي جلدها يتذبذب
وزعم الأخفش أن الفاء تستعمل زائدة في الخبر مطلقًا وحكي: «أبوك فوجد» أي: أبوك وجد، وقيد الفراء وجماعة الجواز بكون الخبر أمرًا أو نهيًا، فالأمر كقول الله تعالى: {قل أفغير الله تأمروني}.
وكقول الشاعر:
= وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم =
وحمل عليه الزجاج: {هذا فليذوقوه}، والنهي نحو: فلا تضربه ومنه قول حاتم:
وحتى تركت العائدات يعدنه = وقلن فلا تبعد، وقلت له ابعد
ومنع سيبويه زيادتها والتقدير عنده: هذه خولان فانكح، وأما الآية فالخبر «حميم» وما بينهما معترض، أو «هذا» منصوب لمحذوف يفسره «فليذوقوه».
وأما الفاء التي تصحب إذا الفجائية كقولك: خرجت فإذا الأسد، فقال الفارسي والمازني وجماعة: هي زائدة لازمة، وقال قوم: هي عاطفة، وقال بعضهم: هي سببية محضة كفاء الجواب، وحمل على هذا القول ابن هشام قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر فصل}.
وقال: إنه واجب متعين؛ إذ لا يعطف الإنشاء على الخبر ولا العكس ولا يحسن إسقاطها فتسهل دعوى زيادتها.
الوجه السادس: تكون بمعنى رب قال امرؤ القيس:
فمثلك حُبلى قد طرقتُ ومرضع = فألهيتها عن ذي تمائم محول
الوجه السابع: قال الفراء وغيره تكون للاستئناف كقول الشاعر:
= ألم تسأل الربع القواء فينطق =
إذ لا يجوز أن تكون عاطفة لعدم الجزم، ولا سببية لعدم النصب، وكقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون}، وكقوله تعالى: {إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون}، وكقوله تعالى: {كن فيكون} على قراءة الرفع، وكقول الحطيئة:
الشعرُ صعبٌ وطويلٌ سُلُّمُهْ = إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه = يريد أن يعربه فيعجمه
ولا يجوز نصب «فيعجمه» لأنه لا يريد الإعجام، قال ابن هشام: والتحقيق أن الفاء في ذلك كله للعطف وأن المعتمد بالعطف الجملة لا الفعل والمعطوف عليه في الشعر قوله «يريد» قال: وإنما يقدر النحويون «هو» ليبينوا أن الفعل ليس المعتمد بالعطف.
الثامن: تكون بمعنى إلى ذكره الهروي، كقولك: مطرنا بين الكوفة فالقادسية المعنى: إلى القادسية ولا يجوز أن تقولك: داري بين الكوفة فالقادسية كما تقول: المطر، وكذلك محال أن تقول: جلست بين زيد فعمرو، إلا أن يكون مقعده آخذًا للفضاء الذي بينهما وهذا المعنى استغربه ابن هشام، ولكنه ارتضاه وقرره وقد تقدم ذكره). [مصابيح المغاني: 303 - 314]


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 07:04 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال عبد الله بن محمد بن إسماعيل الكردي البيتوشي (ت: 1211هـ): (
اعلم بأن الفاء حرفٌ مهمل = أعني بذاك أنها لا تعمل
وإن تر النصب أو الجر فأن = ورب في الأرجح مُضمرٌ إذن
أما يزور منزلي فيبصرا = ما قد جرى علي من دمعي جرى
فمثله ومن لنا بمثله = رثى لصب مغرمٍ مُدلَّه
وقيل كالواو وثم وردا = ومن يقل وكإلى ما أبعدا
لم أنس عصرًا مر بالدخول = فحومل يجود بالمأمول
وفيت يا صبر ولي أعوام = فخنت لما بدت الخيام
فُزنا من المحبوب بالتقبيل = من خده الأسيل فالأسيل
وربما تحذف في اختيار = من الجزاء مثل الاضطرار
عودوا مريضًا مات فيكم توجروا = من يفعل الحسنى الإله يشكر). [كفاية المعاني: 248 - 249]


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 22 ذو الحجة 1438هـ/13-09-2017م, 07:05 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


شرح أحمد بن فارس الشدياق (ت: 1305هـ)

(حرف الفاء)
قال أحمد بن فارس الشدياق (ت: 1305هـ): ( (حرف الفاء)
الفاء المفردة ترد على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون عاطفة وتفيد ثلاثة أمور:
أحدها: الترتيب، كما في: قام زيد فعمرو، ونحو: توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه.
الثاني: التعقيب: وهو في كل شيء بحسبه، ألا ترى أنه يقال: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت مدة متطاولة ودخلت البصرة فبغداد إذا لم يقم بين البلدين، وقيل: تقع تارة بمعنى ثم، ومنه قوله تعالى: {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا}، فالفاء هنا بمعنى ثم لتراخي معطوفاتها.
وتارة بمعنى الواو، كقوله: بين الدخول فحومل.
وزعم الأصمعي أن الصواب روايته بالواو.
والثالث: السببية نحو: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}، ونحو: {فوكزه موسى فقضى عليه}، وقد تجيء في ذلك لمجرد الترتيب نحو: {فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم}، ونحو: {فالزاجرات زجرًا فالتاليات ذكرًا}.
الوجه الثاني من أوجه الفاء: أن تكون رابطة لجواب الشرط، وذلك منحصر في ستة مواضع:
أحدها: أن يكون الجواب جملة اسمية نحو: {وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير}.
والثاني: أن تكون كالاسمية، وهي التي فعلها جامد نحو: {إن ترني أنا أقل منك مالًا وولدًا فعسى ربي أن يؤتيني خيرًا}، {إن تبدوا الصدقات فنعما هي}، {ومن يكن الشيطان له قرينًا فساء قرينًا}، {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء}.
والثالث: أن يكون فعلها انشائيًا، نحو: {إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}، ونحو: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم}، ونحو: إن قام زيد فوالله لأقومن.
والرابع: أن يكون فعلها ماضيًا لفظًا ومعنى، نحو: {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}، ونحو: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} على تقدير فقد صدقت وقد كذبت.
والخامس: أن يقترن بحرف استقبال نحو: {من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم}، ونحو: {وما تفعلوا من خير فلن تكفروه}.
والسادس: أن يقترن بحرف له الصدر كقوله:
وإن أهلك فذي حنق لظاه = علي يكاد يلتهب التهابا
لما عرفت من أن رب مقدرة، وإن لها الصدر، وقد مر إن إذا الفجائية قد تنوب عن الفاء نحو: {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون}. وقد تحذف في الضرورة كقوله: من يفعل الحسنات الله يشكرها، وعن المبرد أنه منع ذلك حتى في الشعر، وزعم أن الرواية: من يفعل الخير فالرحمن يشكره، وعن الأخفش أن ذلك واقع في النثر الفصيح، وقال ابن مالك: يجوز في النثر نادرًا، ومنه حديث اللقمة: «فإن جاء صاحبها وإلا استمتع بها».
(تنبيه): كما تربط الفاء الجواب بشرطه، كذلك تربط شبه الجواب بشبه الشرط، وذلك في نحو: الذي يأتيني فله دهم، وبدخولها فهم ما أراده المتكلم من ترتب لزوم الدرهم على الإتيان ولو لم تدخل احتمل ذلك وغيره وفاء فقط تذكر في قط.
الوجه الثالث: أن تكون زائدة دخولها في الكلام كخروجه، وهذا لا يثبته سيبويه، وأجاز الأخفش زيادتها في الخبر مطلقًا، وحكى: أخوك فوجد، وقيد الفراء والأعلم وجماعة الجواز بكون الخبر أمرًا أو نهيًا، فالأمر كقوله: وقائلة خولان فانكح بناتهم.
وقوله: أنت فانظر لأي ذاك تصير، وحمل عليه الزجاج هذا {فليذوقوه}، والنهي نحو: زيد فلا تضربه.
وقال ابن برهان: تزاد الفاء عند أصحابنا جميعًا، ولا تدخل الفاء في جواب لما خلافًا لابن مالك، وفي شرح اللباب للمشهدي أنها قد تأتي في جواب لما الحينية، والفاء في نحو: خرجت فإذا الأسد، زائدة لازمة عند الفارسي والمازني وجماعة، وعاطفة عند مبرمان وأبي الفتح، وللسببية عند أبي إسحاق، وقيل: إنها تكون للاستئناف كقوله: ألم تسأل الربع القواء فينطق، أي: فهو ينطق؛ لأنها لو كانت للعطف لجزم ما بعدها، ولو كانت للسببية لنصب، ومثله: {فإنما يقول له كن فيكون} بالرفع، أي: فهو يكون، ومثله قوله: يريد أن يعربه فيعجمه.
أي: فهو يعجمه، ولا يجوز نصبه بالعطف؛ لأنه لا يريد أن يعجمه، قلت: قد مر في بين أن الفاء في قولهم: سرت ما بين ذبالة فالثعلبية، تكون بمعنى إلى.
وفي الروض الأنف: مطرنا بين مكة فالمدينة، الفاء فيه تعطي الاتصال بخلاف الواو؛ إذ لا يصل المطر من هذه إلى هذه.
قال العلامة الخفاجي: وهو معنى دقيق قلَّ من تنبَّه له.
وذكر العلامة الدسوقي عند قول المصنف في الخطبة: فدونك، أن الفاء فاء الفصيحة وهي المشعرة بشرط مقدر، أي: إذا كان الأمر كذلك فدونك، وقيل: هي المفيدة لمسبب قبلها.
فضلًا عن ذلك: من قولك: فضل عن المال كذا، إذا ذهب أكثره وبقي أقله، وهو مصدر فعل محذوف، أي: فضل فضلًا، ويستعمل في موضع يستبعد فيه الأدنى ويراد به استحالة ما فوقه، ولهذا يقع بين كلامين متغايرين معنى مثل لكن.
في: حرف جر له عشرة معان:
أحدها: الظرفية للمكان والزمان، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين}، وقد تكون مجازية نحو: {ولكم في القصاص حياة}، وأدخلت الخاتم في اصبعي والقلنسوة في رأسي، إلا أن فيهما قلبًا.
الثاني: المصاحبة نحو: {ادخلوا في أمم}، أي: مع أمم، ونحو: {فخرج على قومه في زينته}.
الثالث: التعليل، نحو: {فذلكن الذي لمتنني فيه}، وفي الحديث: «إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها».
الرابع: الاستعلاء نحو: {لأصلبنكم في جذوع النخل}.
الخامس: مرادفة الباء كقوله:
ويركب يوم الروع منا فوارس = بصيرون في طعن الأباهر والكلى.
السادس: مرادفة إلى نحو: {فردوا أيديهم في أفواههم}.
السابع: مرادفة من كقوله: ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال، وقيل: الأحوال هنا جمع حال لا حول، أي: في ثلاث حالات، وهي: نزول المطر، وتعاقب الرياح، ومرور الدهور، ومثل لها أبو البقاء بقوله تعالى: {ويوم نبعث في كل أمة شهيدًا}.
الثامن: المقايسة نحو: {فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل}، أي: بالنسبة إلى الآخرة.
التاسع: الزائدة للتعويض كقوله: ضربت فيمن رغبت، أصله: ضربت من رغبت فيه، أجازه ابن مالك وحده بالقياس على نحو قوله: فانظر بمن تثق.
العاشر: التوكيد وهي الزائدة لغير تعويض أجازه الفارسي في الضرورة، وأنشد:
أنا أبو سعد إذا الليل دجا = يخال في سواده يرندجا
وقال أبو البقاء: وتأتي في معنى عن، نحو: {فهو في الآخرة أعمى}، وبمعنى عند كما في قوله تعالى: {وجدها تغرب في عين حمئة}، قلت: قول اللغويين فم لغة في ثم الظاهر أن معناها الإنابة على قلة). [غنية الطالب: 199 - 202]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:38 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة