العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم اللغة > جمهرة معاني الحرف وأسماء الأفعال والضمائر والظروف > جمهرة معاني الحروف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17 ذو الحجة 1438هـ/8-09-2017م, 02:09 AM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي لا


عناصر الموضوع:
-شرح أبي بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ)
- شرح أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ)
- شرح أبي الحسن علي بن محمد الهروي النحوي (ت: 415
- شرح إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير (ت: 431هـ)
- شرح أبي عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني (ت: 478هـ)
- شرح أبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت:597هـ)
- شرح أحمد بن عبد النور المالقي(ت:702ه)
- شرح إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ)
- شرح الحسن بن قاسم المرادي(ت:749ه)
- شرح عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري(ت:761ه)
-شرح علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ)
- شرح ابن نور الدين الموزعي(ت: 825هـ)
- شرح عبد الله بن محمد البيتوشي(ت:1211ه)
-شرح محمد عبد الخالق عضيمة (ت: 1404هـ)


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 01:41 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



جُمَلُ اللّام أَلِفَاتِ

قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (جُمَلُ اللّام أَلِفَاتِ
مضى تفسير الواوات، وهذه تفسير اللام ألفات، وهي ثلاث عشرة:
1- «لا» نهي.
2- و «لا» جحد.
3- و «لا» استثناء.
4- و «لا» تحقيق.
5- و «لا» في موضع الواو.
6- و «لا» في موضع «غير».
7- و «لا» في حشو.
8- و «لا» صلة.
9- و «لا» نسق.
10- و «إلا» في معنى «لكن».
11- و «لا» للتبرئة.
12- و «لا» في موضع «لم».
13- و «لا» في موضع «ليس»). [المحلى: 275]

1- «لا» النهي
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (فالنهي: لا تخرج، لا تضرب، والنهي جزم أبدًا). [المحلى: 276]

2- «لا» الجحد
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» الجحد نحو قول الله تبارك وتعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت} رفع «يبعث» لأنه فعل مستقبل، وهو جحد، ومثله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، «يتخذ» رفع لأنه فعل مستقبل، و «لا» في معنى الجحد، ومن قرأ: {يتخذ المؤمنون الكافرين}، فإنه نهي، وهو جزم، وإنما كسر لاستقبال الألف واللام). [المحلى: 276]

6- «لا» بمعنى «غير»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» بمعنى «غير» قوله جل اسمه: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، أي: وغير الضالين.
ومثله: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل}، أي: غير ظليل.
وقال زهير:
حتى تناهى إلى لا فاحشٍ صخبٍ = ولا شحيح إذا ما صحبه غنموا
أي: إلى غير فاحشٍ). [المحلى: 281]

7- «لا» حشو
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» حشو مثل قول الله جل وعز: {منعك ألا تسجد}، معناه: أن تسجد.
وقال العجاج:
ولا ألوم البيض ألا تسخرا = من شمط الشيخ وألا تذعرا
معناه: أن تسخر وأن تذعر.
وقال آخر:
في بئر – لا – حورٍ سرى وما شعر
أي: في بئر حورٍ، و «لا» حشو). [المحلى: 282]

8- «لا» التي للصلة
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» التي للصلة قوله تعالى: {لا أقسم}، معناه: أقسم، و «لا» صلة، وكذلك قوله جل وعز: {لئلا يعلم أهل الكتاب}، أي: ليعلم، و «لا» صلة). [المحلى: 283]

9- «لا» النسق
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» النسق قولك: رأيت محمدًا لا خالدًا، و: مررت بمحمدٍ لا خالدٍ، و: هذا محمدٌ لا خالدٌ). [المحلى: 283]

11- «لا» التبرئة
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والتبرئة: لا مال لزيدٍ، و: لا عقل لعمروٍ، ومنه قول الله تبارك وتعالى: {لا ريب فيه}، و: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال}، و: {لا بيع فيه ولا خلال}، والمعنى: ليس.
و: {لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}، ومن قرأها بالتنوين والرفع، جعل «لا» في معنى: ليس بيعٌ وليس خلة وليس شفاعة). [المحلى: 284]

12- «لا» بمعنى «لم»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (و «لا» بمعنى «لم» قول الله تبارك وتعالى: {فلا صدق ولا صلى}، أي: لم يُصدقْ ولم يُصل.
قال الشاعر:
لا هُم إن الحارث بن جبله = زنى على والده وخذله
وكان في جاراته لا عهد له = وأي شيء سيء لا فعله
أي: لم يفعله). [المحلى: 285]

13- «لا» في موضع «ليس»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (....................... ). [المحلى: 285]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 01:42 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي




لا
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ): (لا لها أربعة مواضع تكون جحدا وعطفا ونهيا وحشوا وصلة
فالجحد لا رجل في الدّار
والعطف بمنزلة لم وذلك أنّ لم إنّما تقع على الأفعال المضارعة فكل ما جاز دخول لم عليه حسن دخول لا عليه فتقول أمّر بعبد الله لا بزيد ولو قلت مررت بعبد الله لا بزيد لم يجز لأنّك إنّما تنفي بها في المستقبل لا في الماضي وذلك أن الماضي يوجب وجود الفعل لأنّه قد كان ولا ينفى وجوده ولا يكون النّفي مع الوجود في حال
قال البصريون لا تعطف بنفسها وبالواو معها وإنّما كان ذلك فيها دون أخواتها لأن لا قد تكون للنّفي في قولك لا رجل عندك فلم تخلص في باب النسق فلذلك قويت بالواو فإنّما تنفي إذا كان قبلها مضارع كقولك أظن عبد الله قائما لا زيدا جالسا جيد ولو قلت ظننت عبد الله قائما لا زيدا جالسا لم يجز لأنّك لا تقول لا ظننت زيدا
وأما كونها صلة فقولك ما رأيت زيدا ولا عمرا وإنّما تريد زيدا وعمرا ونحو قوله
(ما كان يرضى رسول الله فعلهم ... والطّيّبان أبو بكر ولا عمر)
وقول آخر
(إذا أسرجوها لم يكد لا ينالها ... من القوم إلّا الشيظم المتطاول)
والنّهي قولك لا تركب وما أشبه ذلك). [حروف المعاني والصفات: 31 - 32]

لا
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ): (لا نفي للمستقبل والحال وقبيح دخولها على الماضي لئلّا تشبه الدّعاء ألا ترى أنّك لو قلت لا قام زيد جرت كأنّك دعوت عليه
وتزاد مع اليمين وتطرح كقوله تعالى {لا أقسم بيوم القيامة}
وقد تدخل على الماضي بمعنى لم كقوله تعالى {فلا صدّق ولا صلّى} معناه لم يصدق ولم يصل
وقال الشّاعر
(إن تغفر اللّهمّ تغفر جماً ... وأي عبد لك لا ألما) ). [حروف المعاني والصفات: 8]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 01:44 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



باب: مواضع لا
قال أبو الحسن علي بن محمد الهروي النحوي (ت: 415هـ): (باب: مواضع لا
اعلم أن «لا» لها ثلاثة عشر موضعًا.
تكون: نهيًا، وخبرًا، وعطفًا، وتبرئة، ودعاءً، وجوابًا للقسم، وردًا في الجواب، وتوكيدًا للجحد، وصلة، ويقال: زائدة، وبمعنى «لم» وبمعنى «غير» وبمعنى «ليس» ولتغيير الشيء عن حاله، وهي في كل ذلك حرف، إلا إذا كانت بمعنى «غير» فإنها اسم، لأن «غير» اسم.
فالنهي: «لا تقم»، و«لا تقعد»، و«لا يقم زيدٌ»، و«لا يخرج عمرو»، وما أشبه ذلك.
والخبر: يكون للفعل المستقبل نحو قولك: «لا أقوم ولا اذهب»، و«لا يقوم زيدٌ ولا يذهب»، و«لا تقوم ولا تذهب»، قال الله عز وجل: {لا يستأذنك الذين يؤمنون} بالرفع على الخبر، وقال: {سنقرئك فلا تنسى}، أي نزيل النسيان عنك، فلست تنسى على الخبر، وليس بنهي، ومثله قوله: {لا تنفذون إلا بسلطان}، رفع لأنه خبر وليس بنهي.
واعلم أن «لا» نفي للفعل المستقبل، و«ما» نفي لفعل الحال والاستقبال جميعًا، فإذا قال القائل: «هو يفعل» يعني في المستقبل، قلت: «لا يفعل»، وإذا قال: «هو يفعل» يعني أنه في حال الفعل، قلت: «ما يفعل»، ولا تقول: «لا يفعل» لأن «لا» موضوعة لنفي الفعل المستقبل لا غير.
والعطف: كقولك: «قام زيدٌ لا عمرو».
والتبرئة: كقولك: «لا مال لزيدٍ»، ولا تدخل إلا على الاسم النكرة.
والدعاء: كقولك: «لا قام زيد»، و«لا صنع الله لزيد»، و«لا يغفر الله لفلان»، و«لا يقطع ربي يدك»، فتجزم على الدعاء، وتقول: «لا نخرج معك أبدًا»، تريد: لا خرجنا معك أبدًا، وقال الفرزدق:
إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد = لها أبدًا ما دام في الجراضم
فجزم «فلا نعد» على الدعاء، أراد فلا عدنا، و«الجراضم»: العظيم البطن.
وجواب القسم كقولك: «والله لا أفعل كذا وكذا».
والرد في الجواب قولك: «لا» كما تقول: «نعم» و«بلى»، و«لا» في الجواب ضدهما.
وتوكيد الجحد إنما يكون مع واو النسق، كقولك: «ما قام زيدٌ ولا عمرو» فـ «لا» ها هنا توكيد للجحد، وليست بحرف عطف، إنما حرف العطف الواو وحدها، لأنه لا يجمع بين حرفي عطف، كما لا يجمع بين تأنيثين لأن أحدهما يغني عن الآخر.
والصلة كقوله عز وجل: {ما منعك أن لا تسجد}، معناه: ما منعك أن تسجد، و«لا» صلة زائدة، قال: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة}، معناه: لا تستوي الحسنة والسيئة، وقال: {لئلا يعلم أهل الكتاب}، معناه: لأن يعلم أهل الكتاب، و«لا» زائدة، وقال: {وحرام على قريةٍ أهلكناها أنهم لا يرجعون}، معناه أنهم يرجعون، و«لا» صلة، وقال: {وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون}.
المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، و«لا» زائدة، ومن قرأها بكسر «إن» فإنه يجعل الكلام تامًا عند قوله: {وما يشعركم} ثم يبتدئ، {إنها إذا جاءت لا يؤمنون}، وتكون «لا» جحدًا.
وأما قوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور}، فإن المعنى: ولا الظلمات والنور ولا الظل والحرور، وكذلك قوله: {وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء} المعنى: وما يستوي الأعمى والبصير، والذين آمنوا وعملوا الصالحات والمسيء، وقد قال بعض النحويين: إن «لا» في قوله عز وجل: {لا جرم أن لهم النار} زائدة و«جرم» فعل ماضٍ معناه ثبت لهم وحق لهم، ويقول المفسرون هو بمعنى حقًا أن لهم النار، وقال الفراء: معناه لا بد، ولا محالة أن لهم النار، و«جرم» اسم منصوب بـ «لا» على التبرئة، وقال أبو العباس المبرد: إذا قلت: «لا محالة أنك ذاهب»، و«لابد أنك ذاهب»، فـ «أن» في موضع رفع خبر الابتداء، كما تقول: «لا رجل أفضل من زيد».
فأما قوله عز وجل: {لا أقسم بيوم القيامة} و{لا أقسم بهذا البلد}، و{لا أقسم بالشفق}، {ولا أقسم برب المشارق والمغارب}، وما أشبه ذلك، فقال البصريون والكسائي وعامة المفسرين: إن معناه أقسم، و«لا» زائدة، وأنكر الفراء هذا القول وقال: لا تكون «لا» زائدة في أول الكلام، وقال: إن «لا» في قوله: {لا أقسم بيوم القيامة}، رد لكلام من المشركين متقدم، كأنهم أنكروا البعث فقيل لهم: لا، ليس الأمر كما تقولون، ثم قال: {أقسم بيوم القيامة}، قال أبو بكرٍ بن الأنباري: فعلى مذهبه يحسن الوقف على «لا».
واحتج من قال بالمذهب الأول بقول العجاج:
في بئرٍ لا حورٍ سرى وما شعر.
قال: معناه في بئر حورٍ، أي: في بئر هلاك، و«لا» صلة.
وقال آخر:
وما ألوم البيض أن لا نسخرا = وقد رأينا الشمط القفندرا
معناه: أن تسخر، و«لا» زائدة، و«القفندر» القبيح المنظر.
وقال آخر: وهو الأحوص:
مخافة أن لا يجمع الله بيننا = ولا بينها أخرى الليالي الغوابر
معناه: أن لا يجمع الله بيننا وبينها، و«لا» زائدة ملغاة.
وقال الأحوص:
ويلحينني في اللهو أن لا أحبه = وللهو داعٍ دائب غير غافل
معناه: أن أحبه، و«لا» زائدة، ومعنى «يلحينني» يلمنني، يقال: «لحاه يلحاه» إذا لامه، وقال الشماخ في مثله:
أعائش ما لأهلك لا أراهم = يضيعون الهجان مع المضيع
أراد: ما لأهلك أراهم يضيعون، و«لا» زائدة، ثم بينه بقوله:
وكيف يضيع صاحب مدفآت = على أثباجهن من الصقيع
لمال المرء يصلحه فيغني = مفاقره أعف من القنوع
وقد جاءت «لا» زائدة في الشعر كثيرًا.
وقد قرأ بعضهم: (لأقسم) فجعلها لامًا دخلت على «أقسم»، مثل: «لأحلف بالله ليكونن كذا وكذا».
وجواب القسم في (لأقسم) قوله: {إن علينا جمعه وقرآنه}.
وأما «لا» بمعنى «لم» فقوله عز وجل: {فلا صدق ولا صلى}، أي: لم يصدق ولم يصل، وكذلك قوله: {فلا اقتحم العقبة}، أي: لم يقتحم العقبة، ومن هذا قول القائل للنبي صلى الله عليه وسلم: «أرأيت من لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل»، اي: من لم يأكل ولم يشرب، يعني الجنين، ومنه قول زهيرٍ:
وكان طوى كشحًا على مستكنة = فلا هو أبداها ولم يتقدم
أراد فلم يبدها ولم يتقدم، وقال آخر:
وأي خميس لا أفأنا نهابه = وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
أي: لم نفئ نهابه.
قال أبو خراش الهذلي، وهو يطوف بالبيت:
إن تغفر اللهم تغفر جمًّا = وأي عبدٍ لك لا ألمَّا
أي: لم يلم بالذنوب.
وأما «لا» بمعنى ليس فقولك: «لا رجل في الدار»، بالرفع والتنوين، بمعنى: ليس رجل في الدار، ومنه قوله تعالى: {ولات حين مناص}، أي: ليس حين فرار، والتاء زائدة في «لات».
وأما «لا» بمعنى «غير» فقولك: «خرجت بلا زادٍ» أي بغير زادٍ، و«جئت بلا شيء»، و«غضبت من لا شيء»، و«أخذته بلا ذنب»، أي بغير ذنب، و«لا» ها هنا اسم لدخول حرف الخفض عليها، ومنه قوله تعالى: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر}، معناه: غير فارضٍ وغير بكرٍ، وكذلك قوله: {زيتونة لا شرقية ولا غربية}، معناه: غير شرقية وغير غربية، وكذلك قوله: {وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} معناه غير باردٍ وغير كريم}، وقال: {انطلقوا إلى ظلٍ ذي ثلاث شعب لا ظليل}، معناه: غير ظليل، وقال: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، معناه: وغير الضالين، وهي قراءة بعض الصحابة.
وقال الأسود بن يعفر:
تحية من لا قاطعٍ حبل واصلٍ = ولا صارمٍ قبل الفراق قرينا
أراد تحية إنسان غير قاطعٍ حبل من يصله.
وتقول: «زيد لا فارس ولا شجاع»، وتقول: «مررت برجلٍ لا فارسٍ ولا شجاعٍ»، و«لا فارس ولا شجاع» تريد غير فارس وغير شجاع، من خفضه جعله نعتًا لـ «رجل» والمعنى: غير فارسٍ وغير شجاعٍ، ومن رفع أضمر «هو» أراد لا هو فارسٌ ولا هو شجاع.
وتكون «لا» بمعنى «ليس» إذا رفعت.
واعلم أنه قبيح أن تقول: «مررت برجلٍ لا فارسٍ»، حتى تكرر «لا» فتقول: «لا فارسٍ ولا شجاعٍ» كذلك لا يحسن أن تقول: «زيدٌ لا فارسٌ» حتى تقول: «لا فارس ولا شجاع»، وقد يجوز على ضعفه في الشعر، قال الشاعر:
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا = حياتك لا نفع وموتك فاجع
وأما «لا» لتغيير الشيء عن حاله فقولك: «لو جئتني لأكرمتك» فيكون معناها إن الإكرام انتفى لانتفاء المجيء، فإن زدت عليها «لا» فقلت: «لولا زيد لأكرمتك» تغير المعنى الأول فصار معناها أن الإكرام انتفى لحضور زيدٍ). [الأزهية: 149 - 162]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 03:15 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



لا
قال إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير (ت: 431هـ): (باب لا على اثني عشر وجها
أحدها: التبرئة، كقوله: {لا ريب فيه} (البقرة 2)، {لا لغو فيها ولا تأثيم} (الطور 23)، {لا بيع فيه ولا خلال} (إبراهيم 31).
والثاني: النفي، كقوله: {ولكن لا يشعرون} (البقرة 12)، {لا يعلمون}، {لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (البقرة 170).
والثالث: بمعنى ليس، كقوله: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.
والرابع: النهي، كقوله: {ولا تشتروا} (البقرة 41)، {ولا تلبسوا} (البقرة 42)، {ولا تعضلوهن} (البقرة 232)، {ولا تقولوا على اللّه إلا الحق} (النساء 171).
والخامس: صورته نفي ومعناه نهي، كقوله: {فلا رفث ولا فسوق} (البقرة 197)، و{لا يمسه إلا المطهرون} (الواقعة 79).
والسادس: أن لا، كقوله: {وما لكم لا تقاتلون} (النساء 75)، {ما لكم لا ترجون للّه وقارا} (نوح 13).
والسابع: صلة، كقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} (الأنعام 151)، وقوله: {لا أقسم بيوم القيامة} (القيامة 1)، وقوله: {لا أقسم بهذا البلد} (البلد 1)، {فلا أقسم بما تبصرون * وما لا تبصرون} (الحاقة 38)، {فلا أقسم برب المشارق} (المعارج40)، {فلا أقسم بالشفق} (الانشقاق 16)، {فلا أقسم بالخنس} (التكوير 15).
والثامن: بمعنى أل، كقوله: {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان} (الأعراف 27)، {لا يحطمنكم سليمان وجنوده} (النمل 18). وقد قيل: إن لا في هذين الموضعين للتحذير.
والتاسع: لا للتحذير، كقوله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} (الأنفال 25).
والعاشر: بمعنى لأن كقوله: {ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون} (الأنفال 59).
والحادي عشر: بمعنى ما، كقوله في سبأ (الآية 3): {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر}.
والثاني عشر: بمعنى لم، كقوله في الحجرات (الآية 2): {وأنتم لا تشعرون}، وقوله: {فلا صدق ولا صلى} (القيامة 31) ). [وجوه القرآن: 475 - 478]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 07:54 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


لا
قال أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني (ت: 478هـ) :
(تفسير (لا) على ثمانية أوجه:
صلة في الكلام – نهى – على الخبر – غير – ليس – لكي – نفى – رخصة
فوجه منها: (لا) صلة في الكلام، قوله تعالى في سورة الواقعة {فلا أقسم} يعني: أقسم (ولا) زائدة, وكقوله تعالى {لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة} يعني: أقسم. وكل موضع في القرآن {لا أقسم} هذا تأويله, وكقوله تعالى في سورة الأعراف {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} يعني: أن تسجد، وكقوله تعالى في سورة الحديد {لئلا يعلم أهل الكتاب} يعني: ليعلم أهل الكتاب.
والوجه الثاني: (لا) بمعنى: النهي, قوله تعالى {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني: نهيا, وكقوله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم} وكقوله تعالى {ولا تأكلوها} على النهي ونحوه كثير.
والوجه الثالث: (لا) بمعنى: الخبر، قوله تعالى {ولا خلة ولا شفاعة} إخبارا عن أنه لا يكون كذلك {وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا} وكذلك قوله تعالى {سنقرئك فلا تنسى}.
والوجه الرابع: (لا) بمعنى: غير, قوله تعالى في سورة الحج {ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير} يعني: بغير هدى، وغير كتاب.
والوجه الخامس: (لا) بمعنى: ليس، كقوله تعالى في سورة البقرة {لا فارض ولا بكر} يعني: ليست بفارض، وليست ببكر, مثلها {لا ذلول تثير الأرض} يعني: ليست بذلول.
والوجه السدس: (لا) بمعنى لكي, كقوله تعالى في سورة البقرة {ولأتم نعمتي عليكم} يعني: لكي أتم نعمتي عليكم, وكقوله تعالى في سورة المائدة {وليتم نعمته عليكم} ونحوه كثير.
والوجه السابع: (لا) بمعنى: نفي، وكقوله تعالى {لا ريب فيه} وكقوله تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} ونحوه كثير.
والوجه الثامن: (لا) رخصة, قوله تعالى في سورة الأحزاب {لا جناح عليهن في آبائهن} وكقوله تعالى {ولا جناح عليكم} ونحوه كثير). [الوجوه والنظائر: 476 - 477]


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 07:55 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



لا
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت:597هـ): (باب " لا "
" لا " حرف موضوع للنّفي. وقد يكون بمعنى " لم " وأنشدوا من ذلك:
(إن تغفر اللّهمّ فاغفر جما... وأي عبد لك لا ألما)
أي: لم يلم.
وذكر بعض المفسّرين أن " لا " في القرآن على ثلاثة أوجه: -
أحدها: بمعنى النّفي. ومنه قوله تعالى في آل عمران: {لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم}.
وفي الأعلى: {سنقرئك فلا تنسى}، وله نظائر كثيرة.
والثّاني: بمعنى النّهي. ومنه قوله تعالى في البقرة: {ولا تقربا هذه الشّجرة}، وفيها: {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}.
وفي القصص: {ولا تنس نصيبك من الدّنيا}.
والثّالث: بمعنى " لم ". ومنه قوله تعالى: (في سورة القيامة): {فلا صدق ولا صلى}، أي: لم يصدق ولم يصل، قاله ابن قتيبة
). [نزهة الأعين النواظر: 631 - 632]


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 07:57 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


باب اللام المركبة
باب لا
قال أحمد بن عبد النور المالقي (ت: 702هـ): (باب اللام المركبة
اعلم أن اللام تتركب مع الألف: لا، ومع الألف والكاف والنون خفيفة: لكن، [و] شديدة: لكن، ومع الميم: لم، ومع الميم المشددة والألف لما، ومع النون: لن، ومع الواو: لو، ومعها ومع الميم [والألف]: لوما، ومع الألف واللام: لولا، ومع الياء والتاء: ليت، ومع الياء والسين: ليس، فجملة ذلك أحد عشر حرفًا.
باب لا
اعلم أن لها في كلام العرب أربعة مواضع:
الموضع الأول: أن تكون حرفًا نافيًا، وتنقسم في النفي قسمين: قسمٌ عاطفة وقسمٌ غير عاطفةٍ.
القسم العاطفة: هي التي ترد الاسم على الاسم، والفعل على الفعل، فتدخل بينهما مشركة في اللفظ من رفع ونصب وخفض وجزم، واسمية وفعلية، وتخالفُ بينهما في المعنى لأنها تُخرج ما بعدها من أن يدخل في حكم ما قبلها من إثبات الفعل، نحو: قام زيدٌ لا عمروٌ، ورأيت زيدًا لا عمرًا، ومررتُ بزيدٍ لا عمروٍ، وليقم زيدٌ لا يقعد، ويقومُ زيد لا يقعد، وأعجبني أن تقوم لا تقعد، قال الشاعر:
فإن تنأ عنها حِقبةً لا تُلاقها = فإنك مما أحدثت بالمجرب
ومن شرط هذه العاطفة: ألا يكون قبلها نفي لئلا يفسد معناها إذ هي للنفي، وألا تعطف ماضيًا من الأفعال على ماضٍ يلتبس الخبرُ بالطلب لا تقول: قام زيدٌ لا قعد.
القسم غير العاطفة: تنقسمُ قسمين: قسمٌ داخلٌ على الأفعال، وقسمٌ داخلٌ على الأسماء.
فأما القسمُ الداخلُ على الأفعال فلا تدخل عليها غالبًا إلا مضارعةً فتخلصها للاستقبال، نحو قولك: لا يقومُ زيدٌ ولا يقوم عمروٌ، وكأنها جوابٌ سيقوم أو سوف يقوم، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ}.
وتلزم في القسم جوابًا له، وربما حُذفت للدلالة في القسم، إذ جواب القسم في الإيجاب باللام والنون، فيقال: «تالله لا يقوم زيدٌ»، قال الله تعالى: {تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} أي: لا تفتأ، لأنه الأصل، قال الله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ}، وقال: {الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ}.
وقد تكرر «لا» هذه قبل القسم توطئة للجواب، كقول: «لا والله لا يقوم زيدٌ»، قال الشاعر:
فحالف فلا والله تهبط تعلة = من الأرض إلا أنت للذل عارف
و «لا» محذوفة من الجواب، أي: لا تهبط، لا على التقديم والتأخير كما زعم بعضهم، لأن التي للتوطئة ثانيةٌ مع التي للجواب، ألا ترى قول الشاعر:
فلا والله لا يُلغى لما بي = .... .... .... ....
وقد تدخل «لا» النافية على الماضي قليلًا، قال الله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى}؛ لأنه في معنى: فما صدَّق وما صلَّى، وقال: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}، أي: ما اقتحم، وقال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جمًا = وأي عبدٍ لك لا ألما
أي: ما ألما
وربما حذفت الجملة الفعلية بعدها في الجواب لدلالة السؤال عليها فتنوب مناب الجملة، فتكون كلامًا بذلك، كقولك في جواب هل قام زيدٌ؟ لا، أي: ما قام، وفي جواب هل يقوم زيد: لا، أي: لا يقوم، ومنه قولُ ذي الرمة:
فقلتُ لها: لا إن أهلي جيرةٌ = .... .... .... ....
وقد تقدم البيتان له في باب «أم»، و«لا» هذه في الجواب نقيضة نعم وستبين في بابها.
وربما نابت «لا» النافية مناب كلامٍ متقدمٍ عليها تقتضي نفيه مقدرًا، لدلالة ما بعده عليه: كقولك لا أقومُ، في جواب من قدر قد يقول لك: تقوم، فهي
جوابٌ ورد، ومن ذلك قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}، و{لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}، كأنها رد لمن قال: لا تجتمع عظام الإنسان ولا تخلق مرةً ثانية، ولمن قال: لا يُخلق الإنسان في كبد، وكأن المعنى: ليس كما تقولون، ثم أقسم بعد ذلك. وهو أولى من أن تجعل «لا» زائدةً في أول الكلام، إذ الزيادة مع التقديم متناقضان، إذ لا يُقدم لفظٌ بابه التأخير إلا اعتناء به واعتمادًا عليه، ولا خفاء بتناقض هذا مع إرادة زواله، فاعلم ذلك.
وأما القسم الداخل على الاسماء فمنه ما يدخل على المعارف ومنه ما يدخل على النكرات.
فأما ما يدخل على المعارف فلا تؤثر فيها لأنها غير مختصة بها ويلزم تكريرها نحو قولك: لا يزدٌ في الدار ولا عمروٌ، ولا عبدُ الله ذاهبٌ ولا أخوه خارجٌ، قال الله تعالى: {لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}.
وربما بنى الشاعر المعرفة معها لأنها في معنى النكرة، كقوله:
لا هيثم الليلة للمطي = .... .... .... ....
أي: لا رجل يتسمى بهيثم فهو في معنى النكرة، وأما قول الآخر:
أرى الحاجات عند أبي خُبيبٍ = نكدن ولا أميةَ للبلاد
فإن ما دخلت عليه «لا» محذوف للعلم به، وأقيم «أمية» مُقامه، كأنه: «ولا مثل أمية للبلاد»، ولا يُقاس على ذلك.
ومن العرب من ينصب المعرفة بعدها في قولهم: «لا نولك أن تفعل»، لأن ذلك في معنى: لا ينبغي لك أن تفعل، قال الشاعر:
فلم يك نولكم أن تقذعوني = ودوني غاربٌ وبلادُ حجر
أي: فلم يك ينبغي لكم، فكأنها دخلت على الفعل، ولا يُقاس على ذلك.
وقد جاءت المعرفة بعدها غير مكررةٍ ضرورةً، قال الشاعر:
بكت حزنًا فاسترجعت ثم آذنت = ركائبها ألا إلينا رجوعها
وأما ما يدخل على النكرات فلا يخلو أن تدخل على مضافٍ ومضافٍ إليه، أو مشبهٍ بهما، أو لا تدخل، فإن دخلت فالعربُ في الكلام فيها طائفتان: منهم من يشبهها بـ «إن» فينصب بها اسمًا ويرفع خبرًا، حملًا للنقيض على النقيض، إذ «إن» موجبة [و] «لا» نافيةٌ، فتقول: «لا غلام» رجلٍ
أفضل منك، و«لا خيرًا من زيدٍ خيرٌ منك»، كما تقول: إن غلام الرجل أفضلُ منك، وإن خيرًا منك خيرٌ من زيد.
ومنهم من يُشبهها بـ «ليس» فيرفع بعدها الاسم وينصب الخبر إذ هي مثلها، وداخلة على الجمل الاسمية مثلها، إلا أنهم لا يفعلون ذلك إلا بشرطين: أحدهما: أن لا يتقدم الخبر والآخر: أن لا تدخل عليه «إلا»، فإن كان واحدق من ذينك ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، وساغ الابتداءُ بالنكرة لتقدم حرف النفي، فتقول: لا غلام رجلٍ أفضل منك، ولا خيرٌ من زيدٍ خيرًا منك، كما تقول: «ليس غلامق زيدٍ أفضل منك وليس خيرٌ من زيدٍ خيرًا منك»، «فإن قلت»: لا أفضل منك غلام رجلٍ ولا خيرٌ منك خيرٌ من زيدٍ، ولا غلام رجل إلا أفضلُ منك ولا خيرٌ منك إلا خيرٌ من زيدٍ، رفعت لضعف التشبيه بـ «ليس» إذ هي فعلٌ و«لا» حرف.
وفي هذه اللغة تدخل التاء على «لا» فتقول: لات الحين من قيام كما قال تعالى: {وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ}، واسمها في الآية مضمرٌ دل عليه الخبر، كأنه قال: لات الحين، ويجوز أن ترفع الحين بعدها، وتحذف الخبر للدلالة أيضًا.
ومن العرب من يخفض بها الحين أو ما في معناه منبهة على الأصل من الخفض، إذ ما يختص باسمٍ ولا يكون كجزءٍ منه أصله أن يعمل فيه الجر، قال الشاعر:
طلبوا صُلحنا ولات أوانٍ = فأجبنا أن لات حين بقاء
وقال آخر:
فلما علمت أنني قد قتلته = ندمتُ عليه، لات ساعة مندم
قال أبو عبيدة: «لات» أصلها: «لا» وزيدت التاء للوقف، فقيل: لات، ثم أُجري الوقف مجرى الوصل فأثبتت وحكم لها بحكم هاء التأنيث، والصحيح أن التاء حرف تأنيثٍ للفظه، كمثلها في: رُبت ونُمت، وما ذكر أبو عبيدة متكلفٌ.
فإن دخلت على نكرةٍ غير مضافةٍ ولا مشبهةٍ بالمضاف فلا يخلو أن يُراد النفي الخاص أو النفي العام، فإن أريد النفي الخاصُّ ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر، نحو: لا رجلٌ في الدار ولا امرأةٌ، قال الله تعالى: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} على قراءة من رفع البيع والخلة والشفاعة، وكذلك قوله تعالى: {لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} على قراءة من رفع «اللغو والتأثيم».
فإن أريد النفي العام فلا يخلو أن يُفصل بين «لا» وما تدخل عليه أو لا يُفصل، فإن فُصل ارتفع بالابتداء والخبر ولزوم التكرار لها، كقولك: لا في الدار رجلٌ، ولا لك مالٌ، قال الله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ}.
وإن لم يُفصل فلا يخلو أن يكون لما بعدها عاملٌ مقدرٌ أو لا يكون
فإن كان بقي على عمله فيما عبدها، كقولك في غير معنى الدعاء: «لا أهلًا ولا رحبًا»، فإن [قصدت] معنى الدعاء خرجت عن الباب من النفي.
فإن لم يكن له عاملٌ مقدر بُني على الفتح، وجاز أن تكرر تارة، كقولك: لا رجل في الدار ولا امرأة، وعليه قوله تعالى: {لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ} و{لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} على قراءة من فتح ما بعد «لا»، وألا تُكرر أخرى، كقوله تعالى: {الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ}، وإنما بُني معها لأنه افتقر إلى «من» مقدرةٍ قبله، لأن النفي العام يكون بها، فالتقدير: لا من رجلٍ في الدار، لأنه كالجواب لمن قال: هل من رجل في الدار، فلما حُذفت «من» وتضمنها ما بعدها بُني لذلك، لأنه ما يتضمن معنى حرفٍ يُبنى، ما لم يمنعه من ذلك مانع، وبني ما بعدها على حركةٍ، لأن له أصلًا في التمكن، إذ هو مُعربٌ في الأصل، وكانت الحركة فتحةً إذ هي أخف الحركات، ومن يقول: إن هذا الاسم منصوبٌ بغير تنوينٍ فخارجٌ عن قوانين العربية.
وهذه الفتحة في هذا المبني تجري مجرى حركات الإعراب في الاطراد، ولذلك جاز أن يُتبع بمنصوبٍ، ألا ترى أنك تقول: كل نكرةٍ دخلت عليه «لا» على الشروط المذكورة فهو مفتوحٌ، كما تقول: كل مفعولٍ منصوبٌ، ومثل ذلك حركة المنادى المفرد، نحو: يا زيدُ، لأنك تقول: كُل منادى مفردٍ مبنيٌ على الضم، كما تقول: كل فاعلٍ مرفوعٌ، فلذلك أُتبع بمرفوع، نحو: يا زيدُ الظريف، وأما
الكسرة نحو: «هؤلاء» فلا تطردُ، إذ لا يُقال: كل كـ «ذا» مبنيٌ على الكسر، فلذلك لا تتبع بمخفوضٍ، فيقال: جاءني هؤلاء العقلاء.
ولك أن تقول في تبعية المبني مع «لا» بالنصب إنه على الموضع، إذ اسمُ «لا» منصوبٌ تشبيهًا له بـ «إن» كما تقدم في المضاف والمشبه به.
واعلم أنه إذا كان هذا الاسم المبني مع «لا» مثنى أو مجموعًا جمع سلامةٍ لمذكرٍ أو لمؤنثٍ، فإن لفظه كلفظ المنصوب في غير هذا الباب فتقول: لا غلامين لك ولا صالحين في الدار ولا صالحات في المسجد، ويجوز حذف النون في التثنية والجمع المذكر المذكور على تقدير الإضافة لما بعد لام الجر، كقولك: «لا غلامي لك ولا صالحي لزيد» على أن تكون اللام مقحمة، وقد تقدَّم ذلك في باب اللام.
واعلم أن الخبر في هذا الفصل إن كان ظرفًا أو مجرورًا فالعرب كلهم ينطقون به، وإن كان ظاهرًا اسمًا فلا ينطق به بنو تميم أصلًا، ويقدرونه مرفوعًا، فيقولون: لا بأس، وأهل الحجاز يظهرونه مرفوعًا، فيقولون: لا رجل أفضلُ منك، وعلى الحذف قوله:
.... .... .... .... = ولا كريم من الولدان مصبوح
ومن العرب من يُجري «لا» في هذا الاسم العام مجرى «ليس» فيرفع ما بعدها اسمًا، وينصب الثاني خبرًا للعلة المذكورة في المضاف والمشبه به، [و] عليه قوله:
من صد عن نيرانها = فأنا ابنُ قيسٍ لا براحُ
واعلم أن النحويين اضطربوا في هذا الاسم الذي بعد «لا» مبنيًا، فمنهم من يقول: هو مبنيٌ معها، ومنهم من يقول: هو مبتدأ، ومنهم من يقول: هو اسمها بغير تنوين، والصحيح أنه مبتدأ في الأصل غيرته «لا» إلى النصب، فصار اسمًا لها منصوبًا كاسم «إن» ثم بُني معها للعلة المذكورة، وصارت «لا» معه بمنزلة مبتدأ، كما أن الاسم الذي بعد «إن» مرفوعٌ في الأصل بالابتداء، ثم دخلت عليه «إن» فنصبته، ولم تكن لبنائه معها علةٌ، فيُبنى كالاسم بعد «لا» ثم إن «إن» صارت مع اسمها في موضع مبتدأ، فكما قالوا: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، وقال الله تعالى: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ}، وقال الشاعر:
.... .... .... .... = فإني وقيارٌ بها لغريبُ
فعطفوا على موضع الابتداء الذي هي واسمها محله، كذلك فعلوا في العطف على «لا» واسمها المنصوب المبني معها، لأنها معًا في موضع الابتداء، فرفعوا فقالوا: لا رجل في الدار ولا امرأةٌ، وقال الشاعر:
.... .... .... .... = لا أم لي إن كان ذاك ولا أبُ والنعتُ مثله كقوله:
.... .... .... .... = ولا كريم من الولدان مصبوحُ
فاعلمه وبالله التوفيق.
الموضع الثاني: أن تكون نهيًا، فيجزم الفعل المضارع بعدها بها، نحو: لا تقم ولا تقعد، قال الله تعالى: {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}، {فَلَا تُمَارِ
فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا}، و{لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، وهو كثير، قال الشاعر:
.... .... .... .... = يقولون: لا تهلك أسى وتجمل.
وقال آخر:
لا تلُمني إنها من نسوةٍ = رُقد الصيف مقاليت نُزر
وإنما جزمت في هذا الموضع لأنها اختصت بالفعل ولم تكن كجزءٍ منه نحو: السين وسوف، وكل ما اختص بالفعل ولم يكن كجزءٍ منه فبابه الجزء المختص بالفعل، كما أن ما اختص بالاسم، ولم يكن كجزءٍ منه كالألف واللام التي للتعريف فبابه الخفض المختص بالأسماء، وأما ما ينصبُ الأسماء والأفعال من الحروف فبالشبه لغيره، وقد ذُكر منه شيءٌ، وسيذكر منه شيءٌ بعد إن شاء الله.
و «لا» هذ تخلص الفعل المضارع للاستقبال لأنها نقيضةٌ لـ «تفعلُ» المخلصة للحال، فإن قلت: «لا تفعل الآن» فعلى معنى تقريب المستقبل إلى الحال، كما تقول: «لتفعل الآن» لذلك.
الموضع الثالث: أن تكون حرف دعاءٍ فيكون حكمها في الدخول على الفعل المضارع [في] تلخيصه للاستقبال وفي الجزم والتقدير تقدير «لتفعل»
في الدعاء واحدًا، كما كانت اللامُ في الدعاء أيضًا، على ما ذُكر في بابها، فتقول: لا تغفر لعمروٍ ولا تعاقب زيدًا، قال الله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}، {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، وقال الشاعر:
لا يُبعد الله جيرانا تركتهم = مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم
وقال آخر:
فلا يبعدن إن المنية منهلٌ = وكل امرئ يوما به الحال زائلُ
والفرق بين الدعاء والنهي أن الدعاء يكون من الأدنى إلى الأعلى، والنهي يكون من الأعلى إلى الأدنى، هذا تفصيل من تحذَّق، والصحيح أن الطلب يجمعهما وإلا فقد تكون صيغةُ «لا تفعل» من المثل إلى المثل، فلا يُقال فيه: إنه دعاء ولا نهي ولكنه طلب ترك الفعل، والترك على ما أحكمه الأصوليون، والنظر في المعاني لهم، وحظ النحوي النظر في الألفاظ، والتكلم في المعاني لهم بالانجرار، فينبغي أن يترك لهم يحققونه، وحظُّ النحوي من هذا الأكثر وهو الأمر في صيغة «افعل» والنهي في صيغة «لا تفعل» وإن تعرضوا لغير ذلك خرجوا من صناعتهم إلى صناعة غيرهم.
واعلم أن «لا» هذه التي للدعاء يجوز أن تدخل على الماضي، ويكون معناه إذ ذاك الاستقبال، فيقال: لا غفر الله لزيدٍ ولا رحمه، قال الشاعر:
ألا بارك الله في سهلٍ = .... .... .... ....
وقال الآخر:
لا بارك الله في الغواني هل = يصبحن إلا لهن مُطلب
وقال آخر:
لا بارك الرحمن في بني أسد = في قائمٍ منهم ولا في من قعد
= إلا الذي شدوا بأطراف المسد =
الموضع الرابع: أن تكون زائدةً وهي تنقسم قسمين: قسمٌ تكون باقيةً على [معناها] فلا تخرج من الكلام ولا يكون معناه بها كمعناه دونها، وقسمٌ يكون دخولها وخروجها واحدًا.
القسم الأول له موضعان:
الموضع الأول: أن تُزاد بمعنى «غير» بين الجار والمجرور، والمعطوف والمعطوف عليه، والنعت والمنعوت، ونحو ذلك مما يحتاج بعضه إلى بعض، فمن ذلك قولهم:
غضبت من لا شيء، وجئتُ بلا زادٍ، ومنه قول الشاعر:
حتى تأوى إلى لا فاحشٍ برمٍ = ولا شحيحٍ إذا أصحابه عدموا
وقالوا: مررتُ برجلٍ لا ضاحكٍ ولا باكٍ، قال الله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَب}، وتقول في المعطوف والمعطوف عليه: «ما رأيتُ زيدًا ولا عمرًا»، قال الله تعالى: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، والمعنى في ذلك كله: غير، وهي في جميع ما ذُكر زائدةٌ، إلا أنه لا يجوز إخراجها من الكلام لئلا يصير النفي إثباتًا، والمعنى على النفي، لكن يقال فيها زائدةٌ من حيث وصول عمل ما قبلها إلى ما بعدها، وهو اصطلاح النحويين في الزيادة، كما يقولون في الألف واللام من الذي والتي والآن واللات والعزى، وأن الزيادة فيها كائنةٌ، ولكن لا يُستغنى عنها، وأكثرهم يصطلح بالزيادة على دخولها كخروجها، وكل صحيح.
فإن قيل: هلا قلت في «لا» في المواضع التي أتيت بها قبلُ: إن «لا» فيها اسم، كما قيل في الكاف إذا دخل عليها حرف الجر، أو وقعت في موضع اسمٍ على ما ذكر في بابها، وما قلت في «عن» و«على» على ما نذكره في بابيهما، لأن كل واحدٍ من ذلك كله يصلحُ في موضعه الاسم كما يصلحُ ها هنا فلأي شيءٍ تدعي الزيادة فيها؟
فاعلم أن بين الموضعين فرقًا، وذلك أن الكاف وعن وعلى قد ثبتت الاسمية بوجوهٍ، منها: دخول حرف الجر عليها وتقديرها تقديرُ الأسماء ومن
حيث لم تثبت فيها الزيادة وهي مقدرةٌ بالأسماء في موضعٍ لا يُحكم عليها بالزيادة بخلاف «لا» هذه فإنها قد ثبتت لها الزيادة بين الناصب والمنصوب نحو: أمرتك ألا تخرج، ونحو قوله تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ}، قوله تعالى: {لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ}، ومواضع غير هذا، فلما دخلت بين العامل والمعمول، وما يحتاج بعضه إلى بعضٍ في الأفعال، [و] كذلك في الأسماء، وتقدير الأسماء في الحروف لا يخرجها إلى الاسمية، كما أن تقدير الفعل فيها لا يخرجها إلى الفعلية، ألا ترى أن «رب» بمعنى: أقلل، و«ليت» بمعنى أتمنى، و«كأن» بمعنى أشبه، و«لعل» بمعنى أترجى، ولا يخرجها تقديرها بالفعل إلى الفعلية، وكذلك إذا قدرت «لا» بـ «غير» في المعنى لا يخرجها ذلك إلى الاسمية، كما أنه إذا قدرتها في «أن لا تفعل» بـ «ليس» لا يخرجها ذلك إلى الفعلية ولكنها زائدةٌ من حيث اللفظ لوصول عمل ما قبلها إلى ما بعدها، ونافيةٌ من حيث المعنى، لا يجوزُ زوالها فاعلم ذلك.
الموضع الثاني: أن تزاد بين الناصب للفعل المضارع ومنصوبه، وبين جازمه ومجزومه، فتقول في الناصب والمنصوب: عجبتُ أن لا تقوم وتيقنت أن لا تخرج ، وضربتك حتى لا تقوم، وجئتك كي لا تكرم زيدًا، وجملةُ النواصب يجوز زيادة «لا» بينها وبين معمولاتها، إلا لام كي ولام الجحود و«أو» و«لن»، لعللٍ اختصت بها، قال الله تعالى: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وقال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، وقال تعالى: {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} على قراءة من حذف النون في الشاذ، وقال تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً}، و«لِكَيْلَا تَأْسَوْا» وتقول: هلا قمت فلا يكلمك أحدٌ، ولا يكلمك أحدٌ، بمعناه.
وكذلك تقول في الجازم والمجزوم: إلا تقم أكرمك، ومن لا يقم أضربه، وإن تقم لا أكرمك، ومن يقم لا أهنه، قال الله تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ}، وقال: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ}، وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، وقال الشاعر:
ومن لا يُصانع في أمورٍ كثيرةٍ = يُضرس بأنيابٍ ويوطأ بمنسم
والقول في الزيادة في «لا» ها هنا كالقول فيها في الموضع قبلها فاعلمه.
القسم الثاني: الذي يكون فيه دخولها وخروجها واحدًا، لها موضعان أيضًا:
الموضع الأول: أن تكون زائدةً لتأكيد النفي نحو قولك: ما قام زيدٌ ولا عمروٌ، وما قام زيدٌ ولا قعد [عمرو]، المعنى: ما قام زيدٌ وعمروٌ وما قام زيدٌ وقعد عمروٌ، لأن الواو تُشرك بين الاسمين والفعلين في النفي، كما تُشرك بين النوعين في الإثبات فلا يُحتاج إلى «لا» النافية، لكن زيدت لضربٍ من التأكيد، ومنه قوله تعالى: {لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ}، وقوله: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}، ومنه قول الشاعر:
ما كان يرضى رسول الله فعلمها = والطيبان أبو بكر ولا عُمر
فزيادة «لا» ها هنا بينةٌ لكون دخولها كخروجها وهي قياسٌ مطرد.
الموضع الثاني: أن تكون زائدةً شاذًا في مواضع يوقفُ فيها مع السماع وذلك قبل خبر «كاد» كقول الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابةٌ = وكاد ضميرُ القلب لا يتقطع
أي: يتقطع، وقال الآخر:
إذا أسرجوها لم يكد لا ينالها = من الناس إلا الشيظم المتطاول
أي: ينالها، وعليه حمل بعضهم قوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ}، قالوا: المعنى: ما منعك أن تسجد، أي: من السجود، وكان ينبغي أن تكون «لا» هذه من القسم قبل هذا، إلا أنها تقدمها المنع وهو الترك، فصارت «لا» زائدة لفظًا ومعنى، فما قالوا في زيادتها من الجهتين صحيحٌ لفظًا ومعنى، لا مدفع فيه فاعرفه، وبالله التوفيق). [رصف المباني:257 - 274]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 07:59 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


لا
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (وأمّا (لا) فشرطها أيضاً تنكير معمولها، نحو: لا رجلٌ قائماً، وقيل: لا يشترط، وشاهده:
وحلّت سواد القلب لا أنا باغياً
سواها ولا في حبّها متراخيا
ونفي الخبر، وعملها عمل (ليس) قليلٌ، بخلاف (إن)، حتّى أنكره بعضهم، وقال بعضهم: تعمل عمل (ليس) في رفع الاسم خاصّةً، لا في نصب الخبر؛ لضعفها، ودليل عملها فيهما قوله:
تعزّ فلا شيءٌ على الأرض باقياً
ولا وزرٌ مما قضى الله واقياً). [التحفة الوفية: ؟؟]

لا
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (و(لا) لإخراجٍ من حكم الأوّل.
وشرطها أن يتقدّمها إيجابٌ، أو أمرٌ، نحو: قام زيدٌ لا عمرٌو، واضرب زيداً لا عمراً.
وفي العطف بها بعد الماضي خلاف، وفي الصحيح جوازه؛ لوروده، نحو:
كأنّ دثاراً حلّقت بلبونه
عقاب تنوفى لا عقاب القواعل
وهذه الأربعة تشترك في الإعراب دون المعنى، وشرط العطف بها وقوع المفرد بعدها). [التحفة الوفية: ؟؟]

الدعاء
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها الدعاء: وحرفه (لا)، نحو: لا عذّب الله زيداً، وزاد بعضهم (لن)، نحو: لن يرحم الله زيداً). [التحفة الوفية: ؟؟]

حروف النهي
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها النهي: وحرفه: (لا) ). [التحفة الوفية: ؟؟]

الجازم لفعلٍ واحدٍ
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ):الجازم لفعلٍ واحدٍ: (لم): وقد جاءت غير جازمةٍ في الشّعر، كقوله:
لولا فوارس من نعمٍ وأسرتهم
يوم الصّليفاء لم يوفون بالجار
لنفي ماضٍ منقطعٍ.
و(لما): لنفي ماضٍ متّصلٍ بزمن الحال.
و(اللام): لأمرٍ، أو دعاءٍ.
و(لا): لنهيٍ، أو دعاءٍ). [التحفة الوفية: ؟؟]

الصنف الثاني: الذي يرفع المبتدأ، وينصب الخبر
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (الصنف الثاني: الذي يرفع المبتدأ، وينصب الخبر، وهو:
(ما)، و(لا)، و(لات)، و(إن)، و(ليس) عند من يقول بحرفيتها). [التحفة الوفية: ؟؟]


حروف النفي
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها النفي:
وحروفه: (ما)، و(لا)، و(لات)، و(إن)، و(لم)، و(لمّا)، و(لن)، و(ليس) على أنّها حرف). [التحفة الوفية: ؟؟]


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 08:01 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال الحسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت: 749هـ): (لا
حرف، يكون عاملاً وغير عامل، وأصول أقسامه ثلاثة: لا النافية، ولا الناهية، ولا الزائدة.
فأما لا النافية فلها ثلاثة أقسام: الأول: العاملة عمل إن. وهي لا النافية للجنس. ولا تعمل إلا في نكرة. فإن كان مفرداً بني معها على الفتح، تشبيهاً ب خمسة عشر، نحو {لا ريب فيه}. وذهب الزجاج،
والسيرافي، إلى أن فتحته فتحة إعراب، وأن تنوينه حذف تخفيفاً. وهو ضعيف. وإن كان مضافاً، أو شبيهاً به، نصب، ولم يبن، لئلا يلزم تركيب أكثر من شيئين. نحو: لا طالب علم محروم، ولا خيراً من زيد حاضر.
وذكر الشلوبين أنه لا خلاف في أن الخبر مرفوع ب لا، عند عدم تركيبها مع اسمها. وأما إذا بني الاسم معها فمذهب سيبويه أن الخبر مرفوع، بما كان مرفوعاً به قبل التركيب، ولا واسمها في موضع رفع بالابتداء. وذهب الأخفش، وكثير من النحويين، إلى أنها رفعت الخبر، مع التركيب، كما ترفعه مع عدم التركيب.
ويتعلق باسم لا هذه وخبرها أحكام، مذكورة في موضعها، من كتب النحو.
فإن قلت: قد تقدم أن الأصل، في الحروف، التي تدخل على الاسم تارة، وعلى الفعل تارة أخرى، أنها لا تعمل، ولا النافية من هذا القبيل، فكان حقها ألا تعمل! قلت: الجواب أن لا هذه لما قصد بها التنصيص على العموم اختصت بالاسم، لأن قصد
الاستغراق، على سبيل التنصيص، يستلزم وجود من لفظاً، أو معنى. ولا يليق ذلك إلا بالأسماء النكرات. فوجب ل لا عند ذلك القصد عمل فيما يليها.
فإن قلت: فلم عملت عمل إن؟ قلت: لمشابهتها لها، في التوكيد. فإن لا لتوكيد النفي وإن لتوكيد الإثبات. وقيل: إنما لم تعمل الجر، لئلا يعتقد أنه ب من المنوبة، فإنها في حكم الموجودة، لظهورها في بعض الأحيان. كقول الشاعر:
فقام، يذود الناس عنها، بسيفه ... وقال: ألا، لا من سبيل إلى هند
الثاني: العاملة عمل ليس. ولا تعمل أيضاً إلا في النكرة، كقول الشاعر:
تعز، فلا شيء، على الأرض باقيا ... ولا وزر، مما قضى الله، واقيا
وقول الآخر:
نصرتك، إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصناً، بالكماة، حصينا
ومنع المبرد، والأخفش، إعمال لا عمل ليس. وحكى ابن ولاد، عن الزجاج، أنها أجريت مجرى ليس، في رفع الاسم خاصى، ولا تعمل في الخبر شيئاً. والسماع المتقدم يرد عليهم.
تنبيه
أجاز ابن جني إعمال لا عمل ليس في المعرفة. ووافقه ابن مالك. وذكره ابن الشجري، في قول النابغة الجعدي:
وحلت سواد القلب، لا أنا باغياً ... سواها، ولا في حبها متراخيا
والبيت محتمل للتأويل. قال ابن مالك: وقد قاس عليه المتنبي، في قوله:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقياً
الثالث: النافية غير العاملة. ولها ثلاثة أنواع: عاطفة، وجوابية، وغيرهما.
فالعاطفة: تشرك في الإعراب، دون المعنى، وتعطف بعد الإيجاب، نحو: يقوم زيد لا عمرو. وبعد الأمر، نحو: اضرب زيداً لا عمراً. وبعد النداء، نحو: يا زيد لا عمرو. نص عليه سيبويه. وزعم ابن سعدان أن العطف ب لا على منادى ليس من كلام العرب، ولا يعطف بها بعد نفي، ولا نهي.
والمعطوف ب لا إما مفرد، وإما جملة لها محل من الإعراب، نحو: زيد يقوم لا يقعد. قال بعض النحويين: ولا يعطف بها فعل ماض على ماض، لئلا يلتبس الخبر بالطلب؛ لا تقول: قام زيد
لا قعد. وقال غيره: ما جاء من نفي لا للماضي قليل، يحفظ، ولا يقاس عليه. وأجاز بعض النحويين: قام زيد لا قعد، إذا قرنت به قرينة تدل على أنه إخبار لا دعاء. ومنع قوم العطف ب لا على معمول فعل ماض، نحو: قام زيد لا عمرو. والصحيح جوازه؛ قال امرؤ القيس:
كأن دثاراً حلقت، بلبونه ... عقاب تنوفى، لا عقاب القواعل
وإذا وقع بعد لا جملة ليس لها محل من الإعراب لم تكن عاطفة. ولذلك يجب تكرارها، في نحو: زيد قائم لا عمرو قائم ولا بشر، لأن الجملة مستأنفة. ولذلك يجوز الابتداء بها.
والجوابية: نقيضة نعم. كقولك لا في جواب: هل قام زيد؟ وهي نائبة مناب الجملة. وزعم ابن طلحة أن الكلمة الواحدة، وجوداً وتقديراً، تكون كلاماً، إذا نابت مناب الكلام. نحو نعم ولا في الجواب. وهو فاسد. وإنما الكلام هو الجملة المقدرة بعد نعم ولا.
وأما النافية، غير العاطفة والجوابية، فإنها تدخل على الأسماء، والأفعال. فإذا دخلت على الفعل فالغالب أن يكون مضارعاً. ونص الزمخشري، ومعظم المتأخرين، على أنها تخلصه للاستقبال. وهو ظاهر مذهب سيبويه. وذهب الأخفش، والمبرد، وتبعهما ابن مالك، إلى أن ذلك غير لازم، بل قد يكون المنفي بها للحال.
قال ابن مالك: وهو لازم لسيبويه، وغيره من القدماء، لإجماعهم على صحة قام القوم لا يكون زيداً بمعنى: إلا زيداً. ومعلوم أن المستثني للاستثناء، والإنشاء لابد من مقارنة معناه للفظه، والاستقبال يباينه. وأجمعوا على إيقاعها في موضع ينافي الاستقبال. نحو: أتظن
ذلك كائناً أم لا تظنه؟ وما لك لا تقبل وأراك لا تبالي، وما شأنك لا توافق؟ وغر الزمخشري وغيره من المتأخرين قول سيبويه إذا قال: هو يفعل، أي: هو في حال فعل، فإن نفيه: ما يفعل. وإذا قال: هو يفعل، ولم يكن الفعل واقعاً، فإن نفيه: لا يفعل. وإنما نبه على الأولى، في رأيه، والأكثر في الاستعمال.
وقد تدخل لا النافية على الماضي قليلاً. والأكثر حينئذ أن تكون مكررة، كقوله تعالى: {فلا صدق، ولا صلى}. وقد جاءت غير مكررة، في قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة}. وفي قول الشاعر: وأي شيء، منكر، لا فعله
وفي قوله: وأي عبد، لك، لا ألما قال الزمخشري: فإن قلت: قل ما تقع لا الداخلة على الماضي إلا مكررة - ونحو قوله: وأي أمر، سيئ، لا فعله لا يكاد يقع - فما بالها لم تكرر، في الكلام الأفصح. يعني قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة}؟ قلت: هي مكررة في المعنى، لأن معنى فلا اقتحم العقبة: فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكيناً؛ ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك. وقال الزجاج: قوله {ثم
كان من الذين آمنوا} يدل على معنى: فلا اقتحم العقبة، ولا آمن.
قلت: وذهب قوم إلى أن قوله تعالى فلا اقتحم تحضيض، بمعنى: فألا. ذكره ابن عطية. وقيل: هو دعاء، والمعنى أنه ممن يستحق أن يدعى عليه بأنه لا يفعل خيراً.
وإذا دخلت على الأسماء فيليها المبتدأ، نحو: لا زيد في الدار ولا عمرة، والخبر المقدم، نحو {لا فيها غول، ولا هم عنها ينزفون}. ويجب تكرارها في ذلك. وكذلك يجب تكرارها إذا وليها خبر، نحو: زيد لا قائم ولا قاعد، أو نعت، نحو {زيتونة لا شرقية، ولا غربية}، أو حال، نحو: جاء زيد لا باكياً ولا ضاحكاً. وربما أفردت في الشعر، كقول الشاعر:
قهرت العدا، لا مستعيناً بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع، والمكر
وأما لا الناهية فحرف، يجزم الفعل المضارع، ويخلصه للاستقبال، نحو {لا تخافي، ولا تحزني}. وترد للدعاء، نحو {لا تؤاخذنا، إن نسينا، أو أخطأنا}. ولذلك قال بعضهم: لا الطلبية، ليشمل النهي وغيره، كما تقدم في لام الأمر.
وزعم بعض النحويين أن أصل لا الطلبية لام الأمر، زيد عليها ألف، فانفتحت. وزعم السهيلي أنها لا النافية، والجزم بعدها بلام الأمر مضمرة قبلها. وحذفت كراهة اجتماع لامين في اللفظ. وهما زعمان ضعيفان.
وأما لا الزائدة فلها ثلاثة أقسام: الأول: أن تكون زائدة، من جهة اللفظ، فقط. كقولهم: جئت بلا زاد، وغضبت من لا شيء. ف لا في ذلك زائدة، من جهة اللفظ، لوصول عمل ما قبلها إلى ما بعدها. وليست زائدة، من جهة المعنى، لأنها تفيد النفي. ولكنهم أطلقوا عليها الزيادة لما
ذكرنا.
وروي عن بعض العرب: جئت بلا شيء، بالفتح على تركيب الاسم مع لا، وجعلها عاملة. وهو نادر، لما فيه من تعليق حرف الجر عن العمل.
وحكى بعضهم، عن الكوفيين، أن لا في قولهم: جئت بلا زاد، اسم بمعنى غير، لدخول حرف الجر عليها، كما جعلت عن وعلى اسمين، إذا دخل حرف الجر عليهما. ورد بأن عن وعلى لم تثبت لهما الزيادة، فلذلك حكم باسميتهما، بخلاف لا فإنها قد ثبتت لها الزيادة.
الثاني: أن تكون زائدة، لتوكيد النفي. نحو: ما يستوي زيد ولا عمرو. وقد تقدم ذكر ذلك في الكلام على الواو. ومنه قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم، ولا الضالين}، ف لا زائدة، لتوكيد النفي، قالوا: وتعين دخولها في الآية، لئلا يتوهم عطف الضالين على الذين.
الثالث: أن تكون زائدة، دخولها كخروجها. وهذا مما لا يقاس عليه. ومنه قول الشاعر:
تذكرت ليلى، فاعترتني صبابة ... وكاد ضمير القلب لا يتقطع
وأنشدوا، على ذلك، أبياتاً أخر. وأكثرها محتمل للتأويل. منها قول الشاعر:
أبى جوده لا البخل، واستعجلت به ... نعم من فتى، لا يمنع الجود قاتله
وقول الآخر:
ويلحينني، في اللهو، ألا أحبه ... وللهو داع، دائب، غير غافل
وقول الراجز:
ولا ألوم البيض، ألا تسخرا ... إذا رأين الشمط، المنورا
وتأول الزجاج قوله لا البخل، فقال: لا مفعولة، والبخل بدل
منها. وروى عن يونس، عن أبي عمرو، أن الرواية فيه لا البخل، بخفض اللام، لأن لا قد تتضمن جوداً، إذا قالها من أمر بمنع الحقوق والبخل عن الواجبات. وتأول قوله ألا أحبه على تقدير: إرادة ألا أحبه. قلت: وهو جار في البيت الثالث.
ومن زيادة لا قوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب}، أي: يعلم. نص على ذلك الأئمة. وجعل كثير منهم لا زائدة، في قوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد}، وفي قوله تعالى: {وحرام على قرية، أهلكناها، أنهم لا يرجعون}. وتأول ذلك بعض ال
معربين، وهو أولى من دعوى الزيادة. والله أعلم). [الجنى الداني:290 - 303]


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 08:02 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن هشام الأنصاري (ت: 761هـ): (لا
لا: على ثلاثة أوجه
أحدها أن تكون نافية وهذه على خمسة أوجه
أحدها أن تكون عاملة عمل إن وذلك إن أريد بها نفي الجنس على سبيل التّنصيص وتسمى حينئذٍ تبرئة وإنّما يظهر نصب اسمها إذا كان خافضًا نحو لا صاحب جود ممقوت وقول أبي الطّيب
(فلا ثوب مجد غير ثوب ابن أحمد ... على أحد إلّا بلؤم مرقع)
أو رافعا نحو لا حسنا فعله مذموم أو ناصبا نحو لا طالعا جبلا حاضر ومنه لا خيرا من زيد عندنا وقول أبي الطّيب
(قفا قليلا بها عليّ فلا ... أقل من نظرة أزودها)
ويجوز رفع أقل على أن تكون عاملة عمل ليس
وتحالف لا هذه إن من سبعة أوجه
أحدها أنّها لا تعمل إلّا في النكرات
الثّاني أن اسمها إذا لم يكن عاملا فإنّه يبنى قيل لتضمّنه معنى من الاستغراقية وقيل لتركيبه مع لا تركيب خمسة عشر وبناؤه على ما ينصب به لو كان معربا فيبنى على الفتح في نحو لا رجل ولا رجال
ومنه {لا تثريب عليكم اليوم} {قالوا لا ضير} {يا أهل يثرب لا مقام لكم} وعلى الياء في نحو لا رجلين ولا قائمين
وعن المبرد أن هذا معرب لبعده بالتثنية والجمع عن مشابهة الحرف ولو صحّ هذا للزم الإعراب في يا زيدان ويا زيدون ولا قائل به وعلى الكسرة في نحو لا مسلمات وكان القياس وجوبها ولكنه جاء بالفتح وهو الأرجح
لأنّها الحركة الّتي يستحقها المركب وفيه رد على السيرافي والزجاج إذ زعما أن اسم لا غير العامل معرب وأن ترك تنوينه تخفيف
ومثل لا رجل عند الفراء لا جرم نحو {لا جرم أن لهم النّار} والمعنى عنده لا بد من كذا أو لا محالة في كذا فحذفت من أو في
وقال قطرب لا رد لما قبلها أي ليس الأمر كما وصفوا ثمّ ابتدئ
ما بعده وجرم فعل لا اسم ومعناه وجب وما بعده فاعل وقال قوم لا زائدة وجرم وما بعدها فعل وفاعل كما قال قطرب ورده الفراء بأن لا لا تزاد في أول الكلام وسيأتي البحث في ذلك
والثّالث أن ارتفاع خبرها عند إفراد اسمها نحو لا رجل قائم بما كان مرفوعا به قبل دخولها لا بها وهذا القول لسيبويه وخالفه الأخفش
والأكثرون ولا خلاف بين البصريين في أن ارتفاعه بها إذا كان اسمها عاملا
الرّابع أن خبرها لا يتقدّم على اسمها ولو كان ظرفا أو مجرورا
الخامس أنه يجوز مراعاة محلها مع اسمها قبل مضيّ الخبر وبعده فيجوز رفع النّعت والمعطوف عليه نحو لا رجل ظريف فيها ولا رجل وامرأة فيها
السّادس أنه يجوز إلغاؤها إذا تكرّرت نحو
لا حول ولا قوّة إلّا باللّه
فلك فتح الاسمين ورفعهما والمغايرة بينهما بخلاف نحو قوله
(إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في السّفر إذ مضوا مهلا)
فلا محيد عن النصب
والسّابع أنه يكثر حذف خبرها إذا علم نحو {قالوا لا ضير} {فلا فوت} وتميم لا تذكره حينئذٍ
الثّاني أن تكون عاملة عمل ليس كقوله
(من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح)
وإنّما لم يقدروها مهملة والرّفع بالابتداء لأنّها حينئذٍ واجبة التّكرار وفيه نظر لجواز تركه في الشّعر
ولا هذه تخالف ليس من ثلاث جهات
إحداها أن عملها قليل حتّى ادعي أنه ليس بموجود
الثّانية أن ذكر خبرها قليل حتّى إن الزّجاج لم يظفر به فادّعى أنّها تعمل
في الاسم خاصّة وأن خبرها مرفوع ويرده قوله
(تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر ممّا قضى الله واقيا)
وأما قوله
(نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصنا بالكماة حصينا)
فلا دليل فيه كما توهم بعضهم لاحتمال أن يكون الخبر محذوفا وغير استثناء
الثّالثة أنّها لا تعمل إلّا في النكرات خلافًا لابن جني وابن الشجري وعلى ظاهر قولهما جاء قول النّابغة
(وحلت سواد القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبها متراخيا)
وعليه بنى المتنبي قوله
(إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا)
تنبيه
إذا قيل لا رجل في الدّار بالفتح تعين كونها نافية للجنس ويقال في توكيده بل امرأة وإن قيل بالرّفع تعين كونها عاملة عمل ليس وامتنع أن تكون مهملة وإلّا تكرّرت كما سيأتي واحتمل أن تكون لنفي الجنس وأن تكون لنفي الوحدة ويقال في توكيده على الأول بل امرأة وعلى الثّاني بل رجلان أو رجال
وغلط كثير من النّاس فرعموا أن العاملة عمل ليس لا تكون إلّا نافية للوحدة لا غير ويرد عليهم نحو قوله
(تعز فلا شيء على الأرض باقيا ... البيت)
وإذا قيل لا رجل ولا امرأة في الدّار برفعهما احتمل كون لا الأولى عاملة في الأصل عمل إن ثمّ ألغيت لتكرارها فيكون ما بعدها مرفوعا بالابتداء وأن تكون عاملة عمل ليس فيكون ما بعدها مرفوعا بها وعلى الوجهين فالظرف خبر عن الاسمين إن قدرت لا الثّانية تكرارا للأولى وما بعدها
معطوفًا فإن قدرت الأولى مهملة والثّانية عاملة عمل ليس أو بالعكس فالظرف خبر عن أحدهما وخبر الآخر محذوف كما في قولك زيد وعمرو قائم ولا يكون خبرا عنهما لئلّا يلزم محذوران كون الخبر الواحد مرفوعا ومنصوبا وتوارد عاملين على معمول واحد
وإذا قيل ما فيها من زيت ولا مصابيح بالفتح احتمل كون الفتحة بناء مثلها في لا رجال وكونها علامة للخفض بالعطف ولا مهملة فإن قلته بالرّفع احتمل كون لا عاملة ليس وكونها مهملة والرّفع بالعطف على المحل
وأما قوله تعالى {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السّماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} فظاهر الأمر جواز كون أصغر وأكبر معطوفين على لفظ مثقال أو على محله وجواز كون لا مع الفتح تبرئة ومع الرّفع مهملة أو عاملة عمل ليس
ويقوّي العطف أنه لم يقرأ في سورة سبأ في قوله سبحانه
{عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة} الآية إلّا بالرّفع لما لم يوجد الخفض في لفظ مثقال ولكن يشكل عليه أنه يفيد ثبوت العزوب عند ثبوت الكتاب كما أنّك إذا قلت ما مررت برجل إلّا في الدّار كان إخبارًا بثبوت مرورك برجل في الدّار وإذا امتنع هذا تعين أن الوقف على {في السّماء} وأن ما بعدها مستأنف
وإذا ثبت ذلك في سورة يونس قلنا به في سورة سبأ وأن الوقف على {الأرض} وأنه إنّما لم يجيء فيه الفتح اتباعا للنّقل وجوز بعضهم العطف
فيهما على ألا يكون معنى يعزب يخفى بل يخرج إلى الوجود
الوجه الثّالث أن تكون عاطفة ولها ثلاثة شروط
أحدها أن يتقدمها إثبات كجاء زيد لا عمرو أو أمر كاضرب زيدا لا عمرا
قال سيبويه أو نداء نحو يابن أخي لا ابن عمي وزعم ابن
سعدان أن هذا ليس من كلامهم
الثّاني ألا تقترن بعاطف فإذا قيل جاءني زيد لا بل عمرو فالعاطف بل ولا رد لما قبلها وليست عاطفة وإذا قلت ما جاءني زيد ولا عمرو فالعاطف الواو ولا توكيد للنّفي
وفي هذا المثال مانع آخر من العطف بلا وهو تقدم النّفي وقد اجتمعا أيضا في {ولا الضّالّين}
والثّالث أن يتعاند متعاطفاها فلا يجوز جاءني رجل لا زيد لأنّه يصدق على زيد اسم الرجل بخلاف جاءني رجل لا امرأة
ولا يمتنع العطف بها على معمول الفعل الماضي خلافًا للزجاجي أجاز يقوم زيد لا عمرو ومنع قام زيد لا عمرو
وما منعه مسموع فمنعه مدفوع قال امرؤ القيس
(كأن دثارا حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل)
دثار اسم راع وحلقت ذهبت اللّبون نوق ذوات لبن وتنوفى جبل عال والقواعل جبال صغار
وقوله إن العامل مقدّر بعد العاطف ولا يقال لا قام عمرو إلّا على الدّعاء مردود بأنّه لو توقفت صحة العطف على صحة تقدير العامل بعد العاطف لامتنع ليس زيد قائما ولا قاعدا
الوجه الرّابع أن تكون جوابا مناقضا لنعم وهذه تحذف الجمل بعدها
كثيرا يقال أجاءك زيد فتقول لا والأصل لا لم يجئ
والخامس أن تكون على غير ذلك فإن كان ما بعدها جملة اسمية صدرها معرفة أو نكرة ولم تعمل فيها أو فعلا ماضيا لفظا وتقديرا وجب تكرارها
مثال المعرفة {لا الشّمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النّهار} وإنّما لم تكرر في لا نولك أن تفعل لأنّه بمعنى لا
ينبغي لك فحملوه على ما هو بمعناه كما فتحوا في يذر حملا على يدع لأنّهما بمعنى ولولا أن الأصل في يذر الكسر لما حذفت الواو كما لم تحذف في يوجل
ومثال النكرة الّتي لم تعمل فيها لا {لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون} فالتكرار هنا واجب بخلافه في {لا لغو فيها ولا تأثيم}
ومثال الفعل الماضي {فلا صدق ولا صلى} وفي الحديث فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرا أبقى
وقول الهذليّ كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهلّ وإنّما ترك التّكرار في لا شكّ يداك ولا فض الله فاك
وقوله
( ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر)
وقوله
(لا بارك الله في الغواني هل ... يصبحن إلّا لهنّ مطلب)
لأن المراد الدّعاء فالفعل مستقبل في المعنى ومثله في عدم وجوب التّكرار بعدم قصد المضيّ إلّا أنه ليس دعاء قولك والله لا فعلت كذا
وقول الشّاعر
(حسب المحبين في الدّنيا عذابهم ... تالله لا عذبتهم بعدها سقر)
وشذ ترك التّكرار في قوله
(لا هم إن الحارث بن جبلة ... زنا على أبيه ثمّ قتله)
(وكان في جاراته لا عهد له ... وأي أمر سيء لا فعله)
زنا بتخفيف النّون
كذا رواه يعقوب وأصله زنا بالهمز بمعنى ضيق وروي بتشديدها والأصل زنى بامرأة أبيه فحذف المضاف وأناب على عن الباء وقال
أبو خراش الهذليّ وهو يطوف بالبيت
(إن تغفر اللّهمّ تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما)
وأما قوله سبحانه وتعالى {فلا اقتحم العقبة} فإن لا فيه مكررة في المعنى لأن المعنى فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا لأن ذلك تفسير للعقبة قاله الزّمخشريّ
وقال الزّجاج إنّما جاز لأن {ثمّ كان من الّذين آمنوا} معطوف عليه
وداخل في النّفي فكأنّه قيل فلا اقتحم ولا آمن انتهى ولو صحّ لجاز لا أكل زيد وشرب وقال بعضهم لا دعائية دعاء عليه ألا يفعل خيرا وقال آخر تحضيض والأصل فألا اقتحم
ثمّ حذفت الهمزة وهو ضعيف
وكذلك يجب تكرارها إذا دخلت على مفرد خبر أو صفة أو حال نحو زيد لا شاعر ولا كاتب وجاء زيد لا ضاحكا ولا باكيا ونحو {إنّها بقرة لا فارض ولا بكر} {وظل من يحموم لا بارد ولا كريم}
{وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة} {من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية}
وإن كان ما دخلت عليه فعلا مضارعا لم يجب تكرارها نحو {لا يحب الله الجهر بالسوء} {قل لا أسألكم عليه أجرا} وإذا لم يجب أن تكرر في لا نولك أن تفعل لكون الاسم المعرفة في تأويل المضارع فألا يجب في المضارع أحق
ويتخلص المضارع بها للاستقبال عند الأكثرين
وخالفهم ابن مالك لصحّة قولك جاء زيد لا يتكلّم بالاتّفاق مع الاتّفاق على أن الجملة الحالية لا تصدر بدليل استقبال
تنبيه
من أقسام لا النافية المعترضة بين الخافض والمخفوض نحو جئت بلا زاد وغضبت من لا شيء
وعن الكوفيّين أنّها اسم وأن الجار دخل عليها نفسها وأن ما بعدها خفض بالإضافة
وغيرهم يراها حرفا ويسميها زائدة كما يسمون كان في نحو زيد كان فاضل زائدة وإن كانت مفيدة لمعنى وهو المضيّ والانقطاع
فعلم أنهم قد يريدون بالزّائد المعترض بين شيئين متطالبين وإن لم يصح أصل
المعنى بإسقاطه كما في مسألة لا في نحو غضبت من لا شيء وكذلك إذا كان يفوت بفواته معنى كما مسألة كان وكذلك لا المقترنة بالعاطف في نحو ما جاءني زيد ولا عمرو ويسمونها زائدة وليست بزائدة البتّة ألا ترى أنه إذا قيل ما جاءني زيد وعمرو احتمل أن المراد نفي مجيء كل منهما على كل حال وأن يراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء فإذا جيء بلا صار الكلام نصا في المعنى الأول نعم هي في قوله سبحانه {وما يستوي الأحياء ولا الأموات}
لمجرّد التوكيد وكذا إذا قيل لا يستوي زيد ولا عمرو
تنبيه
اعتراض لا بين الجار والمجرور في نحو غضبت من لا شيء وبين الناصب والمنصوب في نحو {لئلّا يكون للنّاس} وبين الجازم والمجزوم في نحو {إلّا تفعلوه} وتقدم معمول ما بعدها عليها في نحو {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها} الآية دليل على أنّها ليس لها الصّدر بخلاف ما اللّهمّ إلّا أن تقع في جواب القسم فان الحروف الّتي
يتلقّى بها القسم كلها لها الصّدر ولهذا قال سيبويه في قوله
(آليت حب العراق الدّهر أطعمه ... )
إن التّقدير على حب العراق فحذف الخافض ونصب ما بعده بوصول الفعل إليه ولم يجعله من باب زيدا ضربته لأن التّقدير لا أطعمه وهذه الجملة جواب لآليت فإن معناه حلفت
وقيل لها الصّدر مطلقًا وقيل لا مطلقًا
والصّواب الأول
الثّاني من أوجه لا أن تكون موضوعة لطلب التّرك وتختص بالدّخول على المضارع وتقتضي جزمه واستقباله سواء كان المطلوب منه مخاطبا نحو {لا تتّخذوا عدوي وعدوكم أولياء} أو غائبا نحو {لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء}
أو متكلما نحو لا أرينك هاهنا
وقوله
(لا أعرفن ربربا حورا مدامعها ... )
وهذا النّوع ممّا أقيم فيه المسبّب مقام السّبب والاصل لا تكن ها هنا فأراك ومثله في الأمر {وليجدوا فيكم غلظة} أي وأغلظوا عليهم ليجدوا ذلك
وإنّما عدل إلى الأمر بالوجدان تنبيها على أنه المقصود لذاته وأما الإغلاظ فلم يقصد لذاته بل ليجدوه وعكسه {لا يفتننكم الشّيطان} أي لا تفتتنوا بفتنة الشّيطان
واختلف في لا من قوله تعالى {واتّقوا فتنة لا تصيبن الّذين ظلموا منكم خاصّة} على قولين
أحدهما أنّها ناهية فتكون من هذا والأصل لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم ثمّ عدل عن النّهي عن التّعرّض إلى النّهي عن الإصابة لأن الإصابة مسببة عن التّعرّض وأسند هذا المسبّب إلى فاعله وعلى هذا فالإصابة خاصّة بالمتعرضين
وتوكيد الفعل بالنّون واضح لاقترانه بحرف الطّلب مثل {ولا تحسبن الله غافلا} ولكن وقوع الطّلب صفة للنكرة ممتنع فوجب إضمار القول أي واتّقوا فتنة مقولا فيها ذلك كما قيل في قوله
(حتّى إذا جن الظلام واختلط ... جاؤوا بمذق هل رأيت الذّئب قطّ)
الثّاني أنّها نافية واختلف القائلون بذلك على قولين
أحدهما أن الجملة صفة لفتنة ولا حاجة إلى إضمار قول لأن الجملة خبرية وعلى هذا فيكون دخول النّون شاذا مثله في قوله
(فلا الجارة الدّنيا بها تلحينها ... )
بل هو في الآية أسهل لعدم الفصل وهو فيهما سماعي والّذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية وعلى هذا الوجه تكون الإصابة عامّة للظالم وغيره لا خاصّة بالظالمين كما ذكره الزّمخشريّ لأنّها قد وصفت بأنّها لا تصيب الظّالمين خاصّة فكيف تكون مع هذا خاصّة بهم
والثّاني أن الفعل جواب الأمر وعلى هذا فيكون التوكيد أيضا خارجا
عن القياس شاذا
وممّن ذكر هذا الوجه الزّمخشريّ وهو فاسد لأن المعنى حينئذٍ فإنّكم إن تتقوها لا تصيب الّذين ظلموا منكم خاصّة وقوله إن التّقدير إن أصابتكم لا
تصيب الظّالم خاصّة مردود لأن الشّرط إنّما يقدر من جنس الأمر لا من جنس الجواب ألا ترى أنّك تقدر في ائتني أكرمك إن تأتني أكرمك
نعم يصح الجواب في قوله تعالى {ادخلوا مساكنكم} الآية إذ يصح إن تدخلوا لا يحطمنكم ويصح أيضا النّهي على حد لا أرينك هاهنا
وأما الوصف فيأتي مكانه هنا أن تكون الجملة حالا أي ادخلوها غير محطومين والتوكيد بالنّون على هذا الوجه وعلى الوجه الأول سماعي وعلى النّهي قياسي
ولا فرق في اقتضاء لا الطلبية للجزم بين كونها مفيدة للنّهي سواء كان للتّحريم كما تقدم أو للتنزيه
نحو {ولا تنسوا الفضل بينكم} وكونها للدّعاء كقوله تعالى {ربنا لا تؤاخذنا} وقول الشّاعر
(يقولون لا تبعد وهم يدفنونني ... وأين مكان البعد إلّا مكانيا)
وقول الآخر
(فلا تشلل يد فتكت بعمرو ... فإنّك لن تذل ولن تضاما)
ويحتمل النّهي والدّعاء قول الفرزدق
(إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم)
أي العظيم البطن
وكونها للالتماس كقولك لنظيرك غير مستعل عليه لا تفعل كذا وكذا الحكم إذا خرجت عن الطّلب إلى غيره كالتهديد في قولك لولدك أو عبدك لا تطعني وليس أصل لا الّتي يجزم الفعل بعدها لام الأمر فزيدت
عليها ألف خلاف لبعضهم ولا هي النافية والجزم بلام أمر مقدرة خلاف للسّهيلي
والثّالث لا الزّائدة الدّاخلة في الكلام لمجرّد تقويته وتوكيده نحو {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن} {ما منعك ألا تسجد}
ويوضحه الآية الأخرى {ما منعك أن تسجد}
ومنه {لئلّا يعلم أهل الكتاب} أي ليعلموا وقوله
(ويلحينني في اللّهو أن لا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل)
وقوله
(أبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله)
وذلك في رواية من نصب البخل
فأما من خفض فـ لا حينئذٍ اسم مضاف لأنّه أريد به اللّفظ
وشرح هذا المعنى أن كلمة لا تكون للبخل وتكون للكرم وذلك أنّها إذا وقعت بعد قول القائل أعطني أو هل تعطيني كانت للبخل فإن وقعت بعد قوله أتمنعني عطاءك أو أتحرمني نوالك كانت للكرم وقيل هي غير زائدة أيضا في رواية النصب وذلك على أن تجعل اسما مفعولا والبخل بدلا منها قاله الزّجاج
وقال آخر لا مفعول به والبخل مفعول لأجله أي كراهية البخل
مثل: {يبين الله لكم أن تضلوا} أي كراهية أن تضلوا
وقال أبو عليّ في الحجّة قال أبو الحسن فسرته العرب أبى جوده البخل وجعلوا لا حشوًا انتهى
وكما اختلف في لا في هذا البيت أنافية أم زائدة كذلك اختلف فيها في مواضع من التّنزيل
أحدها قوله تعالى {لا أقسم بيوم القيامة} فقيل هي نافية واختلف هؤلاء في منفيها على قولين
أحدهما أنه شيء تقدم وهو ما حكي عنهم كثيرا من إنكار البعث فقيل لهم ليس الأمر كذلك ثمّ استؤنف القسم قالوا وإنّما صحّ ذلك لأن القرآن كله كالسورة الواحدة ولهذا يذكر الشّيء في سورة وجوابه في سورة أخرى نحو {وقالوا يا أيها الّذي نزل عليه الذّكر إنّك لمجنون} وجوابه {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}
والثّاني أن منفيها أقسم وذلك على أن يكون إخبارًا لا إنشاء واختاره الزّمخشريّ قال والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشّيء إلّا إعظاما له بدليل {فلا أقسم بمواقع النّجوم وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم} فكأنّه قيل إن إعظامه بالإقسام به كلا إعظام أي إنّه يستحق إعظاما فوق ذلك
وقيل هي زائدة واختلف هؤلاء في فائدتها على قولين
أحدهما أنّها زيدت توطئة وتمهيدا لنفي الجواب والتّقدير لا أقسم بيوم القيامة لا يتركون سدى ومثله {فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكّموك}
وقوله
(فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أنّي أفر)
ورد بقوله تعالى {لا أقسم بهذا البلد} الآيات فإن جوابه مثبت وهو {لقد خلقنا الإنسان في كبد} ومثله {فلا أقسم بمواقع النّجوم} الآية
والثّاني أنّها زيدت لمجرّد التوكيد وتقوية الكلام كما في {لئلّا يعلم أهل الكتاب}
ورد بأنّها لا تزاد لذلك صدرا بل حشوًا كما أن زيادة ما وكان كذلك نحو {فبما رحمة من الله} {أينما تكونوا يدرككم الموت} ونحو زيد كان فاضل وذلك لأن زيادة الشّيء تفيد اطراحه وكونه أول الكلام يفيد الاعتناء به قالوا ولهذا نقول بزيادتها في نحو {فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب} {فلا أقسم بمواقع النّجوم}
لوقوعها بين الفاء ومعطوفها بخلاف هذه وأجاب أبو عليّ بما تقدم من أن القرآن كالسورة الواحدة
الموضع الثّاني قوله تعالى {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} فقيل إن لا نافية وقيل ناهية وقيل زائدة والجميع محتمل
وحاصل القول في الآية أن ما خبرية بمعنى الّذي منصوبة بأتل و {حرم ربكم} صلة و {عليكم} متعلقة بحرم هذا هو الظّاهر وأجاز الزّجاج كون ما استفهامية منصوبة بحرم والجملة محكية بأتل لأنّه بمعنى أقول ويجوز أن يعلق {عليكم} بأتل ومن رجح إعمال أول المتنازعين وهم الكوفيّون رجحه على تعلقه بحرم
وفي أن وما بعدها أوجه
أحدها أن يكونا في موضع نصب بدلا من ما وذلك على أنّها موصولة
لا استفهامية إذ لم يقترن البدل بهزة الاستفهام
الثّاني أن يكونا في موضع رفع خبرا لـ هو محذوفا أجازهما بعض المعربين وعليهما فـ لا زائدة قاله ابن الشجري والصّواب أنّها نافية على الأول وزائدة على الثّاني
والثّالث أن يكون الأصل أبين لكم ذلك لئلّا تشركوا وذلك لأنهم إذا حرم عليهم رؤساؤهم ما أحله الله سبحانه وتعالى فأطاعوهم أشركوا لأنهم جعلوا غير الله بمنزلته
والرّابع أن الأصل أوصيكم بألا تشركوا بدليل أن {وبالوالدين إحسانا} معناه وأوصيكم بالوالدين وأن في آخر الاية {ذلكم وصّاكم به} وعلى هذين الوجهين فحذفت الجملة وحرف الجرّ
والخامس أن التّقدير أتل عليكم ألا تشركوا فحذف مدلولا عليه بما تقدم وأجاز هذه الأوجه الثّلاثة الزّجاج
والسّادس أن الكلام تمّ عند {حرم ربكم} ثمّ ابتدئ عليكم ألا تشركوا
وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا وألا تقتلوا ولا تقربوا فـ {عليكم} على هذا اسم فعل بمعنى الزموا وأن في الأوجه السّتّة مصدريّة ولا في الأوجه الأربعة الأخيرة نافية
والسّابع أن أن مفسرة بمعنى أي ولا ناهية والفعل مجزوم لا منصوب وكأنّه قيل أقول لكم لا تشركوا به شيئا وأحسنوا بالوالدين إحسانا وهذان الوجهان الأخيران أجازهما ابن الشجري
الموضع الثّالث قوله سبحانه وتعالى {وما يشعركم أنّها إذا جاءت لا يؤمنون} فيمن فتح الهمزة
فقال قوم منهم الخليل والفارسي لا زائدة وإلّا لكان عذرا للكفّار ورده الزّجاج بأنّها نافية في قراءة الكسر فيجب ذلك في قراءة الفتح
وقيل نافية واختلف القائلون بذلك فقال النّحاس حذف المعطوف أي أو أنهم يؤمنون وقال الخليل في قوله له آخر
أن بمعنى لعلّ مثل ائت السّوق أنّك تشتري لنا شيئا ورجحه الزّجاج وقال إنّهم أجمعوا عليه ورده الفارسي فقال التوقع الّذي في لعلّ ينافيه الحكم بعدم إيمانهم يعني في قراءة الكسر وهذا نظير ما رجح به الزّجاج كون لا غير زائدة
وقد انتصروا لقول الخليل بأن قالوا يؤيّده أن {يشعركم} ويدريكم بمعنى وكثيرًا ما تأتي لعلّ بعد فعل الدّراية نحو {وما يدريك لعلّه يزكّى} وأن في مصحف أبي (وما أدراكم لعلها}
وقال قوم أن مؤكدة والكلام فيمن حكم بكفرهم ويئس من إيمانهم والآية عذر للمؤمنين أي إنّكم معذورون لأنكم لا تعلمون ما سبق لهم به القضاء من أنهم لا يؤمنون حينئذٍ ونظيره {إن الّذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية}
وقيل التّقدير لأنهم واللّام متعلقة بمحذوف أي لأنهم لا يؤمنون امتنعنا من الإتيان بها ونظيره {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلّا أن كذب بها الأولون} واختاره الفارسي
واعلم أن مفعول {يشعركم} الثّاني على هذا القول وعلى القول بأنّها بمعنى
لعلّ محذوف أي إيمانهم وعلى بقيّة الأقوال أن وصلتها
الموضع الرّابع {وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون} فقيل لا زائدة والمعنى ممتنع على أهل قرية قدرنا إهلاكهم أنهم يرجعون عن الكفر إلى قيام السّاعة وعلى هذا فـ (حرام) خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها ومثله {وآية لهم أنا حملنا ذرّيتهم} لا مبتدأ وأن وصلتها فاعل أغنى عن الخبر كما جوز أبو البقاء
لأنّه ليس بوصف صريح ولأنّه لم يعتمد على نفي ولا استفهام
وقيل لا نافية والإعراب إمّا على ما تقدم والمعنى ممتنع عليهم أنهم لا يرجعون إلى الآخرة وإمّا على أن {حرام} مبتدأ حذف خبره أي قبول أعمالهم وابتدئ بالنكرة لتقييدها بالمعمول وإمّا على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي والعمل الصّالح حرام عليهم
وعلى الوجهين فـ {أنهم لا يرجعون} تعليل على إضمار اللّام والمعنى
لا يرجعون عمّا هم فيه ودليل المحذوف ما تقدم من قوله تعالى {فمن يعمل من الصّالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} ويؤيدهما تمام الكلام قبل مجيء إن في قراءة بعضهم بالكسر
الموضع الخامس {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثمّ يقول للنّاس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتّخذوا الملائكة والنبيين أربابًا}
قرئ في السّبع برفع {يأمركم} ونصبه فمن رفعه قطعه عمّا قبله وفاعله ضميره تعالى أو ضمير الرّسول ويؤيّد الاستئناف قراءة بعضهم (ولن يأمركم) ولا على هذه القراءة نافية لا غير
ومن نصبه فهو معطوف على {يؤتيه} كما أن {يقول} كذلك ولا على هذه زائدة مؤكدة لمعنى النّفي السّابق وقيل على {يقول} ولم يذكر الزّمخشريّ غيره ثمّ جوز في لا وجهين
أحدهما الزّيادة فالمعنى ما كان لبشر أن ينصبه الله للدّعاء إلى عبادته وترك الأنداد ثمّ يأمر النّاس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم أن تتّخذوا الملائكة والنبيين أربابًا
والثّاني أن تكون غير زائدة
ووجهه بأن النّبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى قريشًا عن عبادة الملائكة وأهل الكتاب عن عبادة عزير وعيسى فلمّا قالوا له أنتخذك ربًّا قيل لهم ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثمّ يأمر النّاس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء هذا ملخص كلامه
وإنّما فسر لا يأمر بينهى لأنّها حالته عليه الصّلاة والسّلام وإلّا فانتفاء الأمر أعم من النّهي
والسّكوت والمراد الأول وهي الحالة الّتي يكون بها البشر متناقضا لأن نهيه عن عبادتهم لكونهم مخلوقين لا يستحقّون أن يعبدوا وهو شريكهم في كونه مخلوقا فكيف يأمرهم بعبادته والخطاب في {ولا
يأمركم} على القراءتين التفات
تنبيه
قرأ جماعة {واتّقوا فتنة لا تصيبن الّذين ظلموا}
وخرجها أبو الفتح على حذف ألف لا تخفيفًا كما قالوا أم والله ولم يجمع بين القراءتين بأن تقدر لا في قراءة الجماعة زائدة لأن التوكيد بالنّون يأبى ذلك). [مغني اللبيب: 3 / 283 - 355]


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 08:05 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


شرح علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ)


الباب الثاني: في الحروف الثنائية
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (الباب الثاني: في الحروف الثنائية وهي التي كل واحدٍ منها على حرفين من حروف الهجاء بالوضع، واعلم أن جماعة لم تتعرض لها وهم أكثر النحاة ومنها طائفة لم يتعرضوا لها عند عدهم الحروف ونبهوا عليها في أماكن أخرى، ونحن نأتي إن شاء الله تعالى على عدّ جميعها ونذكر في كل واحد منها ما يليق ذكره بهذا التعليق، ونستمد من الله سبحانه حسن التوفيق، فنقول: إن جملة الحروف الثنائية التي اسقصينا حصرها ثلاثون حرفًا منها ما لم تجر عادتهم بذكره بين الحروف وهي ستة: النون الشديدة للتأكيد، والألف والنون في نحو: يفعلان الزيدان، وتفعلان المرأتان، والواو والنون في: يفعلون الزيدون إذا أسندت إلى الظاهر المرتفع بعدهما بالفاعلية على لغة أكلوني البراغيث، أي: قول من يجعل هذه العلامة للدلالة على نوعية الفاعل كتاء التأنيث الدالة على تأنيثه، ولفظة نا، وكم، وها، الملحقة بأيا ضمير النصب المنفصل على رأي سيبويه في جعل المردفات حروفًا دالة على التفريع فإذا طرحنا هذه الستة بقي جميع الحروف المتداولة بين النحاة أربعة وعشرون حرفًا، وهي على حالتين كما قدمناه، فإنها إمَّا أن تكون حروفًا محضة، أي: تقع في جملة مواقعها وقاطبة استعمالاتها إلا حروفًا، وإمَّا أن تكون مشتركة بين الاسمية والحرفية، ولا يجوز أن يشارك الحرف الثنائي شيئَا من الأفعال لما تقدم من أنه لم يوضع فعل على أقل من ثلاثة أحرف أصول، فلذلك وضعنا هذا الباب أيضًا على نوعين: ملازم لمحض الحرفية، وغير ملازم، والله الموفق). [جواهر الأدب: 85]

النوع الأول: الحروف المحضة التي لا تشارك شيئًا من القسمين الآخرين
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (النوع الأول: الحروف المحضة التي لا تشارك شيئًا من القسمين الآخرين وهي ثمانية عشر حرفًا، وذكرها على مقتضى الترتيب الطبيعي والاصطلاحي هو هكذا آ أو أم وإن وأن وأو وأي وإي وبل وفي وكي ولا ولم ولن ولو ومن وهل ووا وما ونحن نذكر كل واحدٍ من هذه الحرف في فصل مفرد على هذا الترتيب المذكور ونذكر في كل فصل منها ما نرى ذكره لائقًا بذلك الموضع مستمدين من الله سبحانه ولطفه حسن التوفيق ومتوكلين على كرمه في إصابة الحق بالتحقيق إن شاء الله تعالى). [جواهر الأدب: 85 - 86]

الفصل الحادي عشر: حرف «لا»
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (الفصل الحادي عشر: من النوع الأول من نوعي الحروف الثنائية المحضة هو حرف «لا» ونقل عن بعضهم أنها اسم بمعنى غير في قولهم: جاء بلا زاد، وغضب بلا سبب، فالجر عنده بالإضافة لا بحرف الجر، وقيل: إنه قول الكوفيين، فالصواب الذي عليه الجمهور أنها حرف موضوع للنفي، وأنواعها كثيرة وتنحصر في قسمين لأنها إمَّا عاملة أو هاملة، ثم العاملة تنقسم قسمين؛ لأنها إمَّا أن تعمل في الأسماء أو في الأفعال، فصارت الأقسام ثلاثة.
القسم الأول: العاملة في الأسماء وهي صنفان:
الصنف الأول: لا التبرئة، وهي التي يقال لها: إنها لنفي الجنس، وأصل وضعها لنفي الأجناس النكرات متضمنة معنى من نحو: لا رجل، فالمراد نفي ذلك الجنس، كأنك قلت: لا من رجل، وهذا يفيد استغراق الجنس؛ لأن من تفيد استغراق النفي في جنس مجرورها.
فإذا قلت: ما جاءني رجل، صح قولك، بل رجلان أو رجال، بخلاف قولك: ما جاءني من رجل، فإنه لا يصح الإضراب، فصحة الأول وامتناع الثاني دليل على أنها لتحقيق ذلك الجنس مطلقًا باستغراق إفراده، ولا هذه هي العاملة في الأسماء لاختصاصها بها، وليست منزلة كجزء من الاسم فوجب إعمالها كما قدم غير مرة، ولا يجوز الاقتصار على مجرد الاختصاص كما فعله جار الله؛ لأنه ينتقض بأداة التعريف والتنفيس وغير ذلك، وقال البكري: من أصحابنا أن لا لا عمل لها؛ إذ لو عملت لما بطل عملها بالفصل في قولنا: لا في الدار غلام رجل كان، فإنه يقال: إن في الدار زيدًا، ولا يبطل عملها عند من أعملها.
قلنا: هذا ضعيف جدًا؛ لأن الفصل قد ضعف عمل العامل كما النافية، وإنما لم يبطل عمل أن لأنها قوية الشبه بالفعل بخلاف لا، فإنها أشبهت أن، فحطت عن رتبتها كما في قولك: ما عندك زيد قائم.
فإن قيل: إن ما أشبهت ليس وهي حرف فهلا عوملت معاملة.
إن قلنا: مشابهة ما لليس من جهة المعنى فقط، وإن أشبهت الأفعال مطلقًا لفظًا ومعنى كما يأتي في فصلها فنقصت عن الأفعال بأن لا يتقدم منصوبها صريحًا على مرفوعها، ورجحت على ما، ولا لقوة الشبه كما تقرر، وإنما نصبت المسند إليه ورفعت المسند، فقيل: الخصوصية مشابهتها أن، وأثبتوا المشابهة بينهما من وجوه:
أحدها: أن إن لتحقيق الإثبات وتوكيده ولا لتحقيق النفي وتوكيده فهما نظير أن من جهة التحقيق والتوكيد، فيكون حملًا للنظير على النظير، وثانيها أن إن لتوكيد النسبة ولا لنفيها، فحملت عليها حملًا للنقيض على النقيض كما حملوا كم التي للتكثير على رب التي للتقليل، وجروا ما بعدها.
وثالثها: أن كلًا منهما مستحق للتصدر والدخول على الجملة الاسمية وصحة الوقوع في جواب القسم.
وقيل: إنها لو رفعت، أي: ارتفع ما بعدها لا وهم أنه بالابتداء، ولو جر لتوهم أنه بمن المقدرة كما توهم في الجار للمضاف إليه فتعين النصب.
وقيل: إن عامل الجر لا يستحق التصدر ولا يستقل كلام به وبمعموله ولا هذه بالعكس فيهما، ولو رفعت لتوهم أنها المشابهة لليس، فلا تفيد حينئذٍ إلا مجرد النفي فيفوت فهم التنصيص على العموم، وإنما رفعت المسند؛ لأنه حيث ثبت بهذه الأقوال نصب المسند إليه وهي تقتضي جزءً آخر يتم الكلام به، تعين رفعه لاستحالة خلو جملة عن مرفوع.
وقيل: إنه قد تدخل عليها همزة الاستفهام فتصير ثلاثية، وتستعمل للتمني نحو: ألا عصر الشباب يعود، فتشبه حينئذٍ ليت، فعملت عملها واطرد عملها في غير هذه الصورة تعميمًا للباب، ولم نبسط القول في تضعيف بعض هذه الأقوال دفعًا للإطالة.
تنبيه: اختلفت أقوال الكوفيين في المنصوب بها نحو: لا غلام رجل، فقال ثعلب: هو بفعل محذوف تقديره: لا أرى غلام رجل، وحذف الناصب كثير، وضعف بأنه لو قدر هنا لجاز تقديره في باب أن، وأنه يستلزم نصب المفرد أيضًا وأنه لو قدر كذا لم يحتج إلى وجود خبر بعده، وأنه يمنع من اتباع المفرد في الصفة والتأكيد بالرفع، وأنه لم يتوجه حذف تنوينه في صورة أصلًا وبطلان اللوازم عن ذلك يبطله.
وقال الكسائي: لما كان المبتدأ النكرة يستحق تقديم ظرف عليه وقد فقد هنا أريد المخالفة بينهما فنصب؛ لأن النصب أوسع أبواب الإعراب، وهذا معنى قول بعض المصنفين: إنه نصب على المخالفة، أو قيل: العامل في نصبه المخالفة.
وقال الفراء: نصب هنا بعد لا فرقا بينها وبين لا بمعنى غير، فيعود إلى النصب على المخالفة أيضًا، وضعفه ظاهر، وقد تقدم أن لا عند البصريين إنما عملت لمشابهة أن وأنها تنصب الاسم وترفع الخبر كان.
وقال الزجاج: إنها ترفع الاسم فقط، ولا تنصب خبرًا وتكون هي واسمها في موضع مبتدأ، وما بعدهما خبره، وضعفه لا يخفى مما قررناه.
مسألة: اشترط لإعمالها شروط ثلاثة:
الأول: التنكير، فلا تعمل في معرفة ليمكن تقدير من الاستغراقية بعدها طلبًا لعميم النفي في المدلول، وهي تختص بالنكرات، وقد ذكرها الشاعر في قوله:
وقال ألا لا من سبيل إلى هند
وإن وقع بعدها معرفة لم تعمل فيه ويجب رفعه على الابتداء، ويجب تكريرها ليتعدد المنفي بعدها، فيشابه النكرة من حيث تعدد الإفراد، فيقال: لا زيد في الدار ولا عمرو، وقيل: إنه مقدر جوابًا لسؤال من سأل هل في الدار زيد أو عمرو، فيجاب بأن يقال: لا زيد في الدار ولا عمرو.
وقال المبرد وتابعه ابن كيسان: لا يجب تكرير المعرفة بعدها؛ لأنه قد ورد في الأثر: «أعوذ بالله من قضية لا أبا حسن لها ولا نولك إن تفعل كذا» وهما معرفتان، ولا تكرير فيهما وأجيب بأن التقدير لا مثل أبي حسن فدخولها الحقيقة على نكرة؛ لأن مثلًا وغيرا وشبهًا لا تتعرف بالإضافة إلى المعرفة لتوغلها في الإبهام فتوصف بها النكرات، وتدخل عليها رب، كما في قوله:
يا رب مثلك في النساء عزيزة = بيضاء قد متعتها بطلاق
قال الزمخشري: اللهم إلا إذا شهر المضاف بمغايرة المضاف إليه كقوله عز وجل: {غير المغضوب عليهم} أو بمماثلته أو بأنه شاذ من الكلام لا يعتد به، وأما لا نولك، فمعناه: لا ينبغي لك، فمعناه معنى الفعل، فلا يجب تكريره حملًا على المعنى، وأما قوله: تعز فلا شيء على الأرض باقيًا.
وقوله: نصرتك إذ لا صاحب غير خاذل.
فتشبه بما.
الشرط الثاني: أن يكون مضافًا أو مشابهًا له، أما المضاف فنحو: لا غلام رجل ظريف في الدار، وأما المشابه له فكل كلمتين التأمتا، والثانية متممة للأولى، إمَّا لأنها معمولة لها بأنها اسم فاعل نحو: لا ضاربًا زيدًا، أو مفعول نحو: لا موجودًا أحدًا، وصفة مشبهة نحو: لا حسنًا وجهه ههنا، أو اسم تفضيل نحو: لا خيرًا من زيد، أو لأنها معطوف عليها الثانية، وكلاهما اسم لشيء واحد نحو: لا ثلاثة وثلاثين ظريف في الدار، والظاهر من مذهب سيبويه أنه لا فرق بين أن يكون علمًا أو غيره، وعند الأندلسي وابن يعيش يشترط كونه علمًا فيقال في غير العلم: لا ثلاثة والثلاثون، أو والثلاثون، كما هو حكم نعت الاسم المفرد، والصحيح الأول لوجود الارتباط والطول، وهذا أولى من تعريف بعضهم المضارع للمضاف بكل كلمتين التأمتا، والأولى عاملة لعدم شمول هذا سائر الأقسام المذكورة.
قالوا: وثبتت المشابهة بين هذه والمضاف من وجوه: كون الأول عاملًا في الثاني، وكون الثاني معمولًا له وتتمه ومخصصًا للأول ومكملًا لمعناه، ومن جهة طولهما، وهذا كله مما يقوي مذهب سيبويه، فإذا دخلت لا على نكرة مفردة نحو: لا رجل، فإنه بمني عند الأكثرين كحاله في نصبه بغير تنوين ي إن كان نصبه بالفتحة أو بالياء بني عليها نحو: لا رجل ولا رجلين ولا مسلمين، وفي الحديث: «يحشر الناس لا بنين ولا آباء» إلا جمع المؤنث السالم فإن بعضهم أوجب بناءه على الفتحة، والأكثرون جوزوا فتحه وكسره، والفتحة أجود، كقول الشاعر:
ولا لذات اللشيب.
قال الأخفش: بني لتضمنه من، وضعف بالتميز، فإنه تضمنها مع أنه معرب بإجماع، ونقل عن المبرد أنه يعرب المثنى الواقع بعد لا، وقال: لأن العرب تقول: أعجبني يوم زرتني، بالبناء؛ لإضافته إلى المبني، ويوز زرتني بالإعراب، حيث هو مفرد، ولا تقول في المثنى: إلا يومًا ذرتني، بالإعراب برفعه لا غير، فيعربونه ويحذفون نونه بالإضافة، فلولا أن التثنية مانعة من البناء وإلا لجوزوا فيها ما جوزوا في المفرد من البناء لكونه أصلها والإعراب؛ لأنه طال بالعلامة فأشبه المضاف، ويجوز أن يقال: إنه بالتثنية لكونها من خواص الاسم، فجذبته إلى أصله وهو الإعراب.
وذهب الكوفيون وتابعهم جماعة إلى أنه معرب، واحتجوا على إعرابه بوجوه.
الأول: أن لا تعمل الإعراب في المضاف وشبهه، فلا تقتضي ضده وهو البناء في المفردات لامتناع أن يؤثر العمل الإعراب تارة والبناء أخرى.
الثاني: أنها تقتضي إعراب الاسم للطول فيستصحب عملها الإعراب في المفرد أيضًا.
الثالث: أنه لو لم يكن معربًا لما اتبع بمعرب ولا أخبر عنه بمعرب.
قال والدي: ولا يخفى ضعف هذه الوجوه:
أما الأول: فلأن البناء يحصل بتركيب مصحوبها معها فيشابه بذلك المجموع الكلمة الواحدة، فيصير مصحوبها مشابهًا للحرف لا أنها هي المقتضية للبناء، وأما اتباعه بالمعرب فلا يدل على إعرابه، كما في باب النداء، وقولك: جاء هؤلاء الكرام، وأما استصحاب الإعراب فإنما يكون حيث لم يوجد ما يناقضه كالتركيب الموجب لحدوث مشابهته الحرف، لا يقال: إذا ركبت منع غيرها فيكف تعمل وقد صارت كجزء؛ لأنا نقول: الموضع الذي ركبت فيه لم تعمل فيه، وموضع عملها لا تركيب فيه فتباينا، وليعلم أن أظهر دليل على بناء المفرد المركب مع لا الجنسية امتناعه من التنوين دائمًا في حال الاختيار، مع أنه ليس ممنوعًا من الصرف، ولا فيه ما يعاقبه بحرفي الصفة إلا الإعراب، وإنما جوزوا تطرق البناء إلى الصفة الثانية مع أنهم يكرهون تركيب ثلاثة أشياء وجعلها كالشيء الواحد، إمَّا لأنه لما كانت الصفة والموصوف كالشيء الواحد لم يبعد تركيبها، أو لما قيل إنه ركب الموصوفان أولًا كخمسة عشر، ثم أدخلت لا عليهما، وذهب بعضهم إلى أن الصفة الثانية ليست مبنية بل منصوبة حذف تنوينها تبعًا لحذف تنوين موصوفها قياسًا على جعل كلا وكلتا عند الإضافة إلى المضمر على لفظ التثنية لأنها تبعت في هذا الموضع ما قبلها من المثنى، وكذلك العطف، أما على المعرب فكالمعرب، وأما على المبني فيجوز رفعه على المحل، كقوله: لا أم لي إن كان ذاك ولا أب.
ونصبه كقوله:
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه = إذا هويا لمجد ارتدا وتأزرا
وجوز الأخفش البناء نحو: لا رجل وامرأة، بلا مقدرة، هذا إذا كان المعطوف نكرة، وإلا فالرفع لا غير على المحل نحو: لا رجل، والعباس قال: أبو البقاء، وكذلك إن كررت نحو: لا رجل، ولا زيد، فإن الرفع متعين، وأما البدل فإن لم يصلح لمباشرة لا كالمعرفة والمستثنى، ولو مفرغًا نحو: لا أحد فيها إلا زيد، ولا إله إلا الله، فالرفع ليس إلا، وإن صلح نحو: لا أحد فيها رجل، جاز رفعه ونصبه، ولكن متى كان مرفوعًا وجب التكرار، فيقال: لا أحد فيها رجل ولا امرأة، والمبرد لا يوجبه، ويجوز: لا أحد فيها رجل دون تكرار.
تنبيه: قولهم: لا خير بخير بعده النار، فيه وجهان:
أحدهما: أن بخير خبر لا، وبعده صفة الخبر، والباء بمعنى في.
والثاني: أن بعده صفة اسم لا، وبخير خبر مقدم، والباء زائدة تقديره: لا خير بعده النار خير. صرح به أبو البقاء رحمه الله.
الثانية: قولهم: لا أبا لك ولا غلامي لك، بإثبات ألف النصب في الأول وحذف نون التثنية في الثاني فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب سيبويه، وهو أن الأب والغلامين مضافان إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة بين المضافين، وعليه قوله:
وأي كريم لا أبا لك يخلد.
وقوله:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم.
وقوله:
لا تبغين بما أسبابه عسرت = فلا يدي لامرء إلا ما قدرا
فعنده الإضافة محققة واللام زائدة، كما في قوله:
يا بؤس للحرب التي = وضعت أراهط فاستراحوا
تقديره: يا بؤس الحرب، شاهده: فتح السين للإضافة المقدرة.
قلت: ليكون جانب الإضافة مرعيًا مع إصلاح الاسم لدخول لا عليه، فاللام غير معتد بها من جهة الإضافة معتد بها لدخول لا، وإلى هذا أشار في المفصل بقوله: وأما قولهم: لا أبا لك ولا غلامي لك ولا ناصري عندك، فمشبه في الشذوذ بالملامح والمذ أكبر، ولدن غدوة وقصدهم فيه إلى الإضافة، وغثبات الألف وحذف النون لذلك، وإنما أقحمت اللام المضيفة توكيدًا للإضافة، ألا تراهم لا يقولون: لا أبا فيها ولا رقيبي عليها ولا مجيري منها، وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من صورة الانفصال.
وثانيها: مذهب من منع الإضافة وإلا لصارت معارف فلا تعمل لا فيها، ووجود الألف في أبا، وحذف النون إنما كان لشبهه بالمضاف لمشاركته له في أصل معناه لا أنه مضاف، واختاره ابن الحاجب.
وثالثها: الجاري على القياس كغيرها من النكرات، قال الشاعر:
أبي الإسلام لا أب لي سواه = إذا افتخر وا بقيس أو تميم
فيكون حذف الألف والنون الدالين على النصب دليلًا على بنائه.
الثالثة: قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، فيها خمسة أوجه:
أحدها: بناؤهما على الفتح وهما جملتان مستقلتان، كقوله تعالى: {لا بيع فيه ولا خلال}، فالخبر بعدها محذوف.
وثانيها فتح الأول بناء، ونصب الثاني عطفًا على لفظ حول المبني، كما قدمناه، وعليه قول الشاعر:
لا نسب اليوم ولا خلة = اتسع الخرق على الراقع
فلا الثانية زائدة لتأكيد النفي.
وثالثها: فتح الأول بناء ورفع الثاني عطفًا على المحل، كقوله: لا أم لي إن كان ذاك ولا أب.
فلا زائدة أيضًا كما في النصب، ويمكن جعل لا كليس والمرفوع اسمها.
ورابعها: رفعهما معًا إمَّا لمطابقة سؤال مقدر كأنه سئل هل من حول وقوة؟ فأجيب: لا حول ولا قوة، وإمَّا لئلا يتوهم تركب الكلمات كلها أو على أن الرافع في كليهما بمعنى ليس، والخبر محذوف، أو على أن الأولى بمعنى ليس، والثانية جنسية على قول من لا يوجب التكرير، ونسب إلى المبرد، أو بالعكس من ذلك.
وخامسها: رفع الأول إمَّا على مذهب من لا يوجب التكرير أو انها بمعنى ليس، وقد حذف الخبر وبناء الثاني وهو قوة مع لا ليكون مستقلًا، وهذا أضعفها وجاء عليه قوله:
فلا لغو ولا تأثيم فيها = وما فاهوا به أبدًا مقيم
وجعلها بعضهم ستة وهو سهو صريح.
الرابعة: قد تدخل همزة الاستفهام على لا هذه فتفيد التوبيخ والإنكار كثيرًا، وقل ما تخلو عنهما، كقوله:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلد.
وقد تذكر للعرض، قال ابن مالك فلا يليها إلا فعل ظاهر أو مقدر أو معمول فعل مؤخر عنها، وقد تجيء للتمني، وقد أشير إليه، وقال المازني والمبرد: هي كالمجردة ولا يغير عملها، وتكون كالاستفهام المطلق، أي: للإنكار، فيجوز رفع الصفة ونصبها، وسيبويه رحمه الله يجريها كذلك، إلا أنه لا يلغيها ولا يعتبر في تابع اسمها معنى الابتداء، فينزلها كليت، وينصب جوابها المقرن بالفاء كجواب التمني مطلقًا.
قلت: جعله من باب قولك: رحمه الله، في دلالة لفظه على شيء، ومعناه على آخر فلا يجوز رفع الصفة لكونها معمولة لمعنى التمني.
فائدة: إذا استثنيت بعد لا التبرئة رفعت المستثنى، كقولك: لا إله إلا الله؛ لأنه بدل من الموضع، وقد بطل عمل لا بالإثبات والتقدير: لا إله في الوجود إلا الله، أي: الله وحده الإله.
أبو البقاء: قال بعضهم: ولو قدرت في الإمكان كان منقطعًا.
الصنف الثاني: من صنفي لا العاملة في الأسماء هي المشابهة ليس ترفع الاسم وتنصب الخبر؛ لأنها إن دخلت على الجملة الاسمية وأفادت النفي كليس، أعملت عند الحجاز بين عملها، ولكن بثلاثة شروط:
أحدها: بقاء النفي عليها؛ لأنه به وجدت المشابهة، فلو انتقض بنحو إلا نحو: لا رجل إلا جاهل، بطل العمل.
وثانيها: أن لا يتقدم خبرها ولا ما يتعلق بالخبر عليها ولا على اسمها، أما الخبر فلأن ما أقوى شبهًا بليس منها، وإذا تقدم خبرها عليها أو على اسمها بطل عملها، فالأضعف أولى بذلك، وإنما كانت ما أقوى في الشبه بليس لدخولها على المعرفة والنكرة، ولا هذه تختص بالنكرات، وأجاز الكوفيون دخولها على المعارف محتجين، بقول الشاعر:
وحلت سواد القلب لا أنا مبتغ = سواها ولا عن حبها متراخيا
في الارتشاف أنه لنابغة الجعدي، وقال: هو مذهب ابن جني، وبقول الآخر: لا الدار دارًا ولا الجيران جيرانا.
وإما متعلق الخبر نحو: لا عندك رجل قائمًا فحط الرتبة الأضعف.
تنبيه: قد تلحق لا تاء التأنيث الساكنة فيقال: لات، كما دخلت ثم ورب فقيل: ثمت وربت، ولكنها في هاتين الكلمتين بنيت على سكونها لسكون الحرف الذي دخلته متحركًا، ولا فتحت لسكون الألف قبلها ساكنًا فحركت لالتقاء الساكنين وفتحت لخفتها، وكونها كافية وثقل كسرها أيضًا، وقيل: دخلتها التاء لتأنيث الكلمة أو لتقوية شبهها بليس، أو تقوية الشبه بالأفعال أو لنوع من التصرف، وقال أبو عبيدة: التاء داخلة على الحين وهي متصلة بلا، والصحيح الأول، فصارت حينئذٍ مشابهة لليس للتطابق أيضًا لكونها ثلاثية وسطها حرف علة ساكن، والختم فيهما حرفان متقاربان وهما التاء والسين، وقال بعضهم: هي ليس نفسها أبدلت سينها تاء، كما قرأوا (قل أعوذ برب النات ملك النات إله النات) فصارت ليت، فأبدلت الياء ألفًا فرارًا من التباسها بليت التي للتمني، فقيل: لات، وصارت حينئذٍ مختصة الأسماء، فوجب إعمالها للاختصاص وعدم الجزئية، وعملت العمل المذكور لقوة مشابهتها بليس، وقال في الارتشاف: ذكر الحسن أن لات فعل ماض بمعنى نقص، وقد نقل عن قطرب المستبين أن بعض النحاة، اعتقد كونها فعلًا.
وقال في التنويع: إن الأصل لا زيدت عليها هاء الوقف ثم وصلت فصارت تاء، وكل ما ذكر يوجب أن يكون شبهها بليس أقوى من شبه لا المجردة عن التاء بها، والأمر بخلافه؛ لأن الأكثر على أنها لا تعمل في سوى الحين، كقوله تعالى: {ولات حين مناص}، وذهب جماعة إلى أنها تعمل في الحين، فإن رفع بعدها فخبرها محذوف، وإن نصب فاسمها محذوف، ولم ينقل وجودهما معًا، وهذا قول الفراء، وهو ظاهر قول سيبويه، فإذا كان الظرف منصوبًا فهو الخبر، والاسم محذوف، ووقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعًا للمرسوم، وأجاز الكسائي الوقف عليها بالتاء والهاء، واختلفوا في أنها تعمل أم لا، فقال الأخفش: لا تعمل، وما وقع بعدها مرفوعًا إمَّا مبتدأ حذف خبره، أو خبر مبتدأ محذوف، وما نصب فبفعل مقدر، وبعضم يعملها.
وعن الأخفش: قول إنها تعمل عمل لا التي لنفي الجنس، والجمهور على أنها عملت عمل ليس، وقد قرئ قوله تعالى: {ولات حين مناص} برفع الحين، ونصبه وجره، فرفعه على أنه اسم لات، والخبر محذوف، ونصبه على العكس وجره غريب، فزعم الفراء أن لات تخفض أسماء الزمان، وعليه قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان.
وقوله:
ولتندمن ولات ساعة مندم.
وقوله: وذاك حين لات أوان حلم.
وقراءة الجر قراءة عيسى بن عمر شيخ الخليل رحمهما الله تعالى، وذهب الفارسي وجماعة إلى أنها تعمل في الحين، وما رادفه من ظروف الزمان، وتكون معرفة ونكرة، ومنه قول الشاعر:
حيث نوار ولات بينا حيت
وقوله:
ندم البغاة ولات ساعة مندم.
وشذ مجيء غير الظرف بعدها كقوله:
يبغي مجيرًا حين لات مجير.
وقيل: وجاءت لات مجردة عن لفظة الحين ومرادفة لما قبلها وما بعدها، كقول الأحوص:
وتولوا لات لا يغن الفرار
وهي عندي في مثله ظرف بمعنى حين.
القسم الثاني: لا العاملة في الفعل، وهي لا الناهية، وهي كلمة بسيطة يطلب بها ترك الفعل نهيًا أو دعاء، كقوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحًا}، وقوله تعالى: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}، وتسميتها طلبية أجود لشمولهما، وحيث أن الأمر هو طلب إدخال ماهية المأمور به في الوجود، فلا يستلزم تكرارًا ولا فورية، والنهي منع عن إدخالها في الوجود، فلابد فيه من الفورية وعموم الزمان، وقال بعضهم: هي لام الأمر، زيدت عليها الألف وفتحت له، وقال بعضهم: هي النافية، والمجزوم بعدها بلام الأمر مقدرة قبلها، التزم حذفها كراهة اجتماع لامين زائدتين أول الكلمة، وإنما عملت لأنها مختصة بالفعل غير صائرة كجزء منه، وكان جزمًا لأنه الأصل فيما يختص بالأفعال أو حملًا على لام الأمر لكونها تقتضيه أو لكونهما للطلب اللام لطلب الفعل، ولا لطلب الترك فهما نظير أن، وليعرف أنه متى صيغ الفعل للمفعول دخل عليه لا الطلبية سواء كان لمتكلم أو مخاطب أو غائب، وإذا كان الفعل للفاعل استعملت للمخاطب نحو: لا تفعل يا زيد، والغائب نحو: لا يقم زيد، وقلت: للمتكلم كقوله: لا أعفن ربربا حورا مدا معه.
ولا يجوز الفصل بينها وبين معمولها بأجنبي، وجوزوه يا الفضلة، كقولك: لا اليوم تضرب زيدًا، وبعضهم لا يجيزه إلا في الضرورة لقيام الوزن.
القسم الثالث: الهاملة، وهي التي لا عمل لها، وتأتي في عدة أماكن.
فمنها: العاطفة، وهي مع إشراكها الثاني في إعراب الأول كجملة الحروف العاطفة لنفي النسبة عن مفرد بعد ثبوتها للمتبوع نحو جاءني زيد لا عمرو، ويعلم من قولنا بعد ثبوتها أنها لا تجيء إلا بعد موجب فلا تجيء بعد الاستفهام والنهي والعرض والتمني والتحضيض، وتجيء بعد الأمر نحو: اضرب زيدًا لا عمرًا إلحاقًا له بالموجب، ومن قولنا عن مفرداتها لا تعطف الاسمية، وكذا الفعلية، فلا يقال: زيد قائم لا عمرو قاعد، ولا قام زيد لا قعد عمرو، لأنها وضعت لعطف المفردات إلا إذا كان الفعل مضارعًا على قلة، نحو: يقوم زيد لا يقعد، تشبيهًا بالمفرد كأنك قلت: زيد قائم لا قاعد، ولا يجوز تكرارها كسائر أخواتها، فلا يقال: جاء زيد لا عمر ولا بكر، فلو كررت التزم مجيء الواو للعطف، وتتمحض لتوكيد النفي، وقول بعضهم معناها إثبات النسبة لأول، ونفيها عن الثاني نحو: جاءني زيد لا عمر، وضعيف لثبوت النسبة في جاءني زيد قبل دخول لا، فهي لا تفيد إلا مجرد النفي.
ومنها: ما يأتي للدعاء، كقولك: لا جزاه الله خيرًا.
ومنها: الواقعة في جواب القسم، كقوله تعالى: {لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم}.
ومنها: الزائدة، قالوا: وبه صرح في الأغراب، وهي التي لو أسقطت لما اختل المعنى بحذفها وتقع بهذه الصفة في عدة أماكن.
أحدها: الزائدة للتنصيص على نفي الاحتمال، وهي التي تذكر بعد الواو العاطفة، وقد دخل المعطوف عليه حرف نفي عاطفًا كان أيضًا كما أشير إليه أولًا أو كان المعطوف عليه مجرورًا بإضافة غير إليه، كقولك: جاء زيد لا عمرو ولا بكر، وما قام زيد ولا عمرو، فإن هذا ممكن حمله على نفي القيام عنهما معًا، وأن يكون قد قاما منفردين، فإن زيدت لا انتفى القيام عنهما منفردين ومجتمعين، وكقولك ما قام غير زيد ولا عمرو، ومنه قوله تعالى: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.
وثانيها: المزيدة بعد أن الناصبة للمضارع بعد لام التعليل الداخلة على أن، كقوله تعالى: {لئلا يعلم أهل الكتاب}، أي: ليعلم.
وثالثها: بعد كي الناصبة بعد اللام أيضًا كقوله تعالى: {لكيلا تأسوا على ما فاتكم}.
ورابعها: قبل لفظة أقسم، كما في قوله تعالى: {لا أقسم بيوم القيامة}، أي: أقسم على أحد الوجوه فيها، وقول الشاعر:
ألا نادت أمامة باحتمال = لتخزيني فلا بك ما أبالي
وفائدتها: توكيد القسم، ولا تزاد هذه إلا وسط الكلام، ولهذا صرح الزمخشري بفساد ما أجابوا به من أن القرآن كله في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض ناقضًا لقولهم: ألا ترى إلى امرئ القيس كيف زادها في مستهل قصيدته، وقال: والوجه أن يقال هي للنفي والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، يدل عليه قوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم}، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له بإقسامي به كلا إعظام، يعني: أنه يستأهل فوق ذلك، وهذا كله يدل على وجوب وقوع لا هذه في وسط الكلام، كما قلناه، وفي الكشاف ايضًا.
وقيل: إن لا نفي لكلام ورد له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث، فقيل: لا، أي: ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: {أقسم بيوم القيامة}، وقرأ قنبل عن ابن كثير: (لأقسم) بلام التأكيد، وحذف ألفها وقد ضعفت لأنها مثبتة بالألف في الإمام، وقد خلا الفعل عن نون التوكيد وانفراد اللام دون توكيد شاذ؛ إذ الواجب أن يقال: لأقسمن، بالنون.
وخامسها: المزيدة بين المضافين كما في قوله: في بئر لا حور سرى وما شعر.
وسادسها: بعد أن الشرطية، كقوله تعالى: {وإن لا تصرف عني كيدهن أصب إليهن}، وقوله سبحانه وتعالى: {إن لا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه} تدغم لامها في نون أن هذه لتقاربهما، فتصير لفظًا كالا الاستثنائية، وربما ظن بعض الأغبياء أنها إياها). [جواهر الأدب: 112 - 124]


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 08:06 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



(فصل) لا، لات

قال جمال الدين محمد بن علي الموزعي المعروف بابن نور الدين (ت: 825هـ): ((فصل) لا، لات
اعلم أن منهم من يبلغ بأقسام «لا» إلى عشرة أوجه وهي ترجع إلى خمسة أوجه:
أحدها: العاطفة، كقولك: قام القوم لا أبوك.
الثانية: النافية، وتستعمل مفردة ومكررة.
فأما المفرد فلا تنفي من الأسماء إلا النكرة، وجوز بعضهم نفي المعرفة بها إذا أعملت إعمال ليس واستشهد بقول النابغة:
وحلَّت سواد القلب لا أنا باغيا = سواها ولا عن حبها متراخيا
وأما الأفعال فلا تنفي منها إلا المستقبل لفظًا أو معنى، كقولك: لا فض الله فاك، ولا شُلَّت يداك؛ لأنه دعاء والدعاء مستقبل في المعنى بخلاف ما النافية فإنها تنفي المستقبل والحال.
ولا تعمل «لا» في الفعل المستقبل شيئًا، قال الله تعالى: {لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله}، برفع «يستأذنك»، فإذا قال القائل: هو يفعل، يعني في المستقبل، قلت: لا يفعل، وإذا قال: هو يفعل في الحال، قلت: ما يفعل، ولا تقل: لا يفعل.
قال ابن هشام: وأما قول أبي خراش الهذلي.
إن تغفر اللهم تغفر جمًا = وأي عبدٍ لك لا ألما
فشاذ، وقال بعضهم: يجوز أن ينفي بها الماضي وتكون بمعنى لم، كقوله تعالى: {فلا صدَّق ولا صلى}، أي: لم يصدق ولم يصل، واستشهد ببيت الهذلي ويقول الشاعر:
وأي خميسٍ لا أفانا نهابه = وأسيافنا يقطرن من كبشه دما
ويقول الشاعر:
= وأي أمرٍ سيءٍ لا فعله =
ومنه قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة} ولكن الجمهور أجابوا عن الآية بأجوبة، فقال بعضهم: معناه الدعاء، دعا عليه ألا يفعل خيرًا، وقال آخر: هو تحضيض، والأصل: فألا، ثم حذفت الهمزة، وقيل: إنه من قسم لا المكررة الآتية بعد إن شاء الله تعالى، فلا مكررة في المعنى، والمعنى: فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينًا؛ لأن ذلك تفسير للعقبة، قاله الزمخشري، وقال الزجاج: إنما جاز ترك تكرارها لأن {ثم كان من الذين آمنوا} عطف عليه وادخل في النفي، فكأنه قيل: فلا اقتحم العقبة ولا آمن، وضعف بأنه لو صح جاز: لا أكل زيد وشرب عمرو.
ويندرج في النافية من أنواعها: العاملة عمل إن، التي أريد بها نفي الجنس على سبيل التنصيص، كقولك: لا صاحب جود ممقوت، ولا رجل في الدار، بالنصب في الأول والفتح في الثاني.
والعاملة عمل ليس، النافية للجنس والنافية للوحدة، كقول الشاعر:
من صدَّ عن نيرانها = فأنا ابن قيس لا براحُ
فإن قلت: فما الفرق بين التي لفني الجنس على سبيل التنصيص وبين التي لنفي الوحدة؟
قلنا: الفرق يظهر في تأكيد النفي فتقول في التي للتنصيص: لا رجل في الدار بل امرأة، ولا يجوز أن تقول: بل رجلان، لأنك نفيت جنس الرجال على سبيل التنصيص فكأنك شملت جميع أفرادهم بالذكر، وتقول في توكيد التي لنفي الوحدة لا رجلٌ في الدار بالرفع: بل رجلان، لأنك لم تنف إلا الرجل وحده دون غيره وهذه هي التي تعمل عمل ليس، لكنها لا تختص بهذا المعنى وإن اختص بها بل تكون لنفي الجنس أيضًا فتقول في تأكيدها إن أريد بها نفي الجنس مطلقًا: لا رجل في الدار بل رجلان، كأنك أردت ظاهر العموم ثم خصصته بعد ذلك.
وغلط بعض من الناس فزعموا أن العاملة عمل ليس لا تكون إلا لنفي الوحدة لا غير، وزعموا أنه يجب حذف خبرها ويرده قول الشاعر:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا = ولا وزر مما قضى الله واقيا
ويندرج أيضًا في النافية: العاطفة، كقولك: جاء زيد لا عمرو، والجوابية، كقولك: لا، في جواب من قال: أجاءك زيد، والأصل: لم يجيء، والتي بمعنى: غير، كقولك: خرجت بلا زاد وغضبت من لا شيء.
وأما المكررة: فتنفي النكرة والمعرفة والفعل الماضي.
فإن نفيت بها النكرة المتصلة بها كـ «لا حول ولا قوة إلا بالله» فلك في استعمالها أربعة أوجه:
إعمالها إعمال إنّ، وإعمالها إعمال ليس وإعمالها في الأول إعمال إنّ وفي الثاني إعمال ليس، وبالعكس.
ولا يجب تكرارها إلا إذا انفصلت عن النكرة كقوله تعالى: {لا فها غولٌ ولا هم عنها ينزفون}، فإنه يجب تكرارها خلافًا للمبرد، وابن كيسان، أو كانت بمعنى «غير» وفيها معنى الوصف فإنه يجب تكرارها، كقوله تعالى: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} وقوله تعالى: {وظل من يحمومٍ لا بارد ولا كريم}، وتقول: زيد لا فارس ولا شجاع، تريد غير فارس وغير شجاع.
ولا يجوز ترك التكرار إلا في الشعر كقول الشاعر:
وأنت امرؤ منا خُلقت لغيرنا = حياتك لا نفع وموتك فاجع
وإن نفيت بها المعرفة وجب إهمالها وتكرارها أيضًا، خلافًا للمبرد وابن كيسان أيضًا، كقوله تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار}.
وإن نفيت بها الفعل الماضي وجب تكرارها أيضًا، كقوله تعالى: {فلا صدَّق ولا صلى}، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»، وترك تكرارها شاذ كقول الشاعر:
لا هم إن الحارث بن جبله = زنا على أبيه ثم قتله
وكان في جاراته لا عهد له = وأي أمرٍ سيءٍ لا فعله
وكقول الهذلي:
إن تغفر اللهم تغفر جمًا = وأي عبدٍ لك لا ألما
ولا يخرج عليه قوله تعالى: {فلا اقتحم العقبة}، وفيه كلام قد سبق.
الثالثة: المنصصة على النفي، وبعضهم سماها توكيد النفي، كقولك: ما قام زيد ولا عمرو، فإنك إذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل نفي القيام عنها مطلقًا واحتمل نفي القيام عنها في حال الاجتماع دون الافتراق، فإذا أتيت بـ «لا» فقد نصيت على النفي مطلقًا؛ لأن من شروط العاطفة تقدم الإيجاب وعدم الاقتران بحرف عطف آخر فالعاطف هنا هو الواو.
الرابعة: الناهية، كقولك: لا تقم، وليس أصلها لا النافية والجزم بعدها بلام أمر مقدرة، خلافًا للسهيلي، ولا لام الأمر زيدت عليها ألف خلافًا لبعضهم.
وتختص بالدخول على الفعل المستقبل سواء كان للغائب أو للحاضر، استعملت في موضوعها الحقيقي وهو الطلب المنفي أم استعملت في غير موضوعها كالدعاء والتهديد وما أشبه ذلك من أنواع النهي.
واختلفوا في «لا» من قوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة}، فقيل: إنها ناهية والأصل: لا تتعرضوا للفتنة فتصيبكم، ثم عدل عن النهي عن التعرض إلى المنهي عن الإصابة؛ لأن الإصابة مسببة عن التعرض، وأقام المسبب مقام السبب، كقوله تعالى: {فلا ينازعنك في الأمر}، وكقوله تعالى: {وليجدوا فيكم غلظةً}، وعلى هذا فالإصابة خاصة بالمتعرضين، ودخول النون دليل على معنى الطلب، ولكن وقوع الطلب صفة للنكرة ممتنع فوجب إضمار القول، أي: واتقوا فتنة مقولًا فيها كما قيل في قول الشاعر:
= جاؤا بمذقٍ هل رأيت الذئب قط =
وقيل: إنها نافية، واختلف القائلون بذلك على قولين:
أحدهما: أن الجملة صفة لـ «فتنة» ولا حاجة إلى إضمار قول؛ لأن الجملة خبرية، وعلى هذا فيكون دخول النون شاذًا، والذي جوزه تشبيه لا النافية بلا الناهية.
قال ابن هشام: وعلى هذا تكون الإصابة عامة للظالم وغيره، لا خاصة بالظالمين، كما ذكره الزمخشري، لأنها قد وصفت بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، فكيف تكون مع هذا خاصة.
القول الثاني: أن الفعل جواب الأمر، وعلى هذا فيكون التوكيد أيضًا شاذًا خارجًا عن القياس، قال ابن هشام: وممن ذكر هذا الوجه الزمخشري وهو فاسد؛ لأن المعنى حينئذٍ: فإنكم إن تتقوها لا تصيب الظالم خاصة.
وقوله: إن التقدير: إن أصابتكم لا تصيب الظالم خاصة، مردود؛ لأن الشرط إنما يقدر من جنس الأمر لا من جنس الجواب، ألا ترى أنك تقدر في: ائتني أكرمك، إن تأتني أكرمك.
الخامسة: الزائدة للتوكيد، كقوله تعالى: {ما منعك ألا تسجد}، أي: أن تسجد؛ بدليل قوله تعالى في الآية الأخرى: {ما منعك أن تسجد}، وكقوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة}، قال الشاعر:
ويلحينني في اللهو أن لا أحبه = وللهو داعٍ دائبٌ غيرُ غافل
وقال أبو النجم:
وما ألوم البيض ألا تسخرا = وقد رأين الشمط القفندرا
وقال زهير:
ورث المجد لا يغتال همته = عن الرياسة لا عجزٌ ولا سأم
أي: لا يغتالها عجز، وقال العجاج:
= في بئر لا حورٍ سرى وما شعر =
أي في بئر حور وهلكه، وقال آخر:
بيوم جدودٍ لا فضحتم أباكم = وسالمتم والخيل تدمى نحورها
واختلف في رواية قول الشاعر:
أبى جوده لا البخل واستعجلت به = نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله
روي بنصب البخل على أن لا زائدة، قال أبو علي في الحجة: قال أبو الحسن: فسرته العرب: أبى جوده البخل وجعلوا لا حشوا، وذكر يونس أن أبا عمرو ابن العلاء كان يجر البخل ويجعل «لا» مضافة إليه؛ لأن «لا» قد تكون للجود والبخل، ألا ترى أنه لو قيل: امنع الحق كان «لا» جودًا منه، ومنهم من يتأول نصبه على البدل من «لا».
واختلفوا في «لا» من قوله سبحانه: {لا أقسم بيوم القيامة}، وما أشبهه، فقال البصريون والكسائي وعامة المفسرين: إن معناه: أقسم ولا زائدة وأنكر الفراء هذا وقال: لا تكون زائدة في أول الكلام، وقال: إن «لا» هنا: رد لكلام من المشركين متقدم، كأنهم أنكروا البعث فقيل لهم: لا، ليس الأمر كما تقولون، ثم أقسم، وجوز ذلك كون القرآن كله كالسورة الواحدة ولهذا يذكر الشيء في سورة، وجوابه في أخرى، كقوله تعالى: {وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}، جوابه: {ما أنت بنعمة ربك بمجنون}.
قلت: ولهم أن يقلبوا دليلهم ويقولوا: إنها إنما زيدت في أول الكلام لأن القرآن من فاتحته إلى خاتمته كالسورة الواحدة، فكأنها زيدت في وسط الكلام.
وقال غير هؤلاء: هي نافية، ومنفيها أقسم، على أن يكون معناه الإخبار لا الإنشاء، واختاره الزمخشري قال: والمعنى في ذلك: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له فكان إقسامه به كلا إقسام؛ لأنه يستحق إعظامًا فوق ذلك؛ بدليل قوله تعالى: {فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسمٌ لو تعلمون عظيم}.
(مسألة)
قولهم: خرجت بلا زادٍ، وغضبت من لا شيءٍ، وأخذته بلا ذنبٍ.
فالكوفيون يقولون: لا، اسم كغير حقيقة ومعنى، وهي مجرورة بالباء، وما بعدها مجرور بها، وبعضهم يراها حرفًا ويسميها زائدة، كما سمون كان في نحو: زيد كان فاضل، زائدة، وإن كانت جاءت لمعنى المضي والانقطاع، فعلم بهذا أنهم يريدون بالزائد، ما يقع بين شيئين متطالبين وإن لم يصح أصل المعنى بإسقاطه، أو صح ولكن فات بإسقاطه معنى آخر، وإن الزيادة على ضربين: زيادة معنوية كما تقدم، وزيادة لفظية كهذه؛ لأنه تخطى العامل من لا إلى ما بعدها فعمل فيه الجر والله أعلم).[مصابيح المغاني: 433 - 446]


رد مع اقتباس
  #14  
قديم 23 ذو الحجة 1438هـ/14-09-2017م, 08:08 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال عبد الله بن محمد بن إسماعيل الكردي البيتوشي (ت: 1211هـ): (
وقد أتى لا بين ماجر وما = يجره وذاك حرفًا عُلما
لا اسمًا مُضافًا مُعربًا محلًا = كقول أهل الكوفة الأجلا
ألفت شيَّ القلب من هويي = فربما أغضبتُ من لا شيِّ
وهو إذن يُحكم بالزيادة = عليه مع ما فيه من إفادة
وأكدوا النفي بها فقالوا = لا يستوي الهجر ولا الوصالُ
وما أتى وجوده كالعدم = فهو إلى السماع لا القيس نُمي
لما اعترتني في الهوى الكروب = كاد ضمير القلب لا يذوب
وقل بتأويل لئلا يعلما = أهل الكتاب مثل بعض العُلما
ونحو يا بدري لا بدر السما = بنص سيبويه عطفًا عُلما
ورد قومًا منعوا العطف بلا = على الذي الغابرُ فيه عملا
وربما ينفي بها الماضي ولا = تكرار لكن في القرآن أولا
جاء الرقيب لا الحبيب ما لي = لا جاءني أشكو إليه حالي). [كفاية المعاني: 265 - 266]


رد مع اقتباس
  #15  
قديم 2 محرم 1439هـ/22-09-2017م, 11:14 AM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قسم معاني الحروف من دليل"دراسات في أساليب القرآن"
للأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:10 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة