العودة   جمهرة العلوم > جمهرة علوم اللغة > جمهرة معاني الحرف وأسماء الأفعال والضمائر والظروف > جمهرة معاني الحروف

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17 ذو الحجة 1438هـ/8-09-2017م, 02:40 AM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي حرف الواو


عناصر الموضوع:

- شرح أبي بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ)
-شرح أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ)
- شرح أبي الحسن علي بن محمد الهروي النحوي (ت: 415هـ)
- شرح إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير (ت: 431هـ)
- شرح أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت:597هـ)
- شرح أحمد بن عبد النور المالقي(ت:702ه)
- شرح إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ)
- شرح الحسن بن قاسم المرادي(ت:749ه)
- شرح عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري(ت:761ه)
- شرح علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ)
- شرح ابن نور الدين الموزعي (ت: 825هـ)
- شرح عبد الله بن محمد البيتوشي(ت:1211ه)
- شرح أحمد بن فارس الشدياق (ت: 1305هـ)
- شرح محمد عبد الخالق عضيمة (ت: 1404هـ)


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:45 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (جُمَلُ الوَاوَاتِ
مضى تفسير جمل التاءات، وهذه جمل الواوات، وهي ثلاث عشرة:
1- واو السنخ.
2- وواو استئناف.
3- وواو عطف.
4- وواو في معنى «رب».
5- وواو قسم.
6- وواو النداء.
7- ووار إقحام.
8- وواو إعراب.
9- وواو ضمير.
10- وواو تتحول «أو».
11- وواو تتحول ياء.
12- وواو في موضع «بل».
13- وواو معلولة تقع في الأفعال والأسماء). [المحلى: 263]

1- واو السنخ
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (فأما واو السنخ فكل واو في اسم أو فعل يكون لازمًا في كل حال، فهي واو السنخ، مثل الواو في: وهب وورس، وأشباه ذلك). [المحلى: 264]

2- واو الاستئناف
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وواو الاستئناف، ومعناه الابتداء، مثل قولهم: خرجتُ وزيدٌ جالسٌ، وكل واو توردها في أول كلامك فهي واو استئناف، وإن شئت قلت «ابتداء»). [المحلى: 264]

3- واو العطف
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وواو العطف، وإن شئت قلت «واو النسق»، وكل واو تعطف بها آخر الاسم على الأول، وكذلك آخر الفعل على الأول، أو آخر الظرف على الأول، فهي واو العطف، مثل قولك: كلمت زيدًا ومحمدًا، و: رأيت عمرًا وبكرًا، نصبت «زيدًا» بإيقاع الفعل عليه، ونصبت «محمدًا» لأنك نسقته بالواو على «زيدًا»، وهو مفعول به.
تقول: لقيني زيدٌ ومحمدٌ، و: كلمني خالدٌ وبكرٌ، رفعت «زيدٌ» بفعله، ورفعت «محمدٌ» لأنك عطفته بالواو على «زيدٌ»، وهو الفاعل.
وتقول: مررت بعمروٍ وزيدٍ، خفضت «عمروٍ» بالياء الزائدة، وخفضت «زيد» لأنك عطفت بالواو على «عمروٍ»، وهو خفض بالباء الزائدة). [المحلى: 264 - 265]

4- الواو التي في معنى «رُب»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو التي في معنى «رُب» قولهم: قال الشاعر:
وعانيةٍ كالمسك طاب نسيمها = يلجلج منها حين يشربها الفضل
كأن الفتى يومًا وقد ذهبت به = مذاهبه يلفى وليس له أصل
معناه: ورب عانيةٍ، فأضمر «رُبَّ» واكتفى بالواو). [المحلى: 265]

5- واو القسم
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو في القسم قولهم: والله، وهي من حروف الخفض، كقول الله جل اسمه: {والشمس وضحاها}، {والليل إذا يغشى}، {والتين والزيتون}، فهذه واو القسم.
قال الشاعر:
ووالله ما أدري وإني لشاكرٌ = لكثرة ما أوليتني كيف أشكر). [المحلى: 266]

6- واو النداء
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وأما واو النداء في قولهم: يا زيدُ، وا زيد، ها زيدُ، ومنهم من يحذف حرف النداء ويكتفي، فيقول: زيدُ، قال الله تعالى: {يوسف أعرض عن هذا}، ومنهم من يثبت الألف، فيقول: أزيدُ، قال الشاعر:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل = وبين النقا أأنت أم أم سالم؟). [المحلى: 266]

7- واو الإقحام
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وواو الإقحام مثل قول الله عز وجل: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله}، معناه «يصدون»، والواو إقحام، ومثله: {ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياءً}، معناه: آتينا موسى وهرون الفرقان ضياءٌ، لا موضع للواو، إلا أنها أدخلت حشوًا، ومثله قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى = بنا بطن خبتٍ ذي قفافٍ عقنقل
معناه: انتحى، فأدخل الواو حشوًا وإقحامًا.
ومثله قول الله عز وجل: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا}، معناه: ناديناه، والواو حشو على ما ذكر سيبويه النحوي). [المحلى: 267]

8- واو الإعراب
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (واو الإعراب قولهم في حال الرفع: أخوك وأبوك، والمؤمنون). [المحلى: 268]

9- واو الضمير
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (وواو الضمير قولهم: يخرجون ويقومون، الواو إضمار جمع المذكر، فما كان من الأسماء فهو واو الإعراب، وما كان في الأفعال فهو واو الضمير). [المحلى: 268]

10- الواو التي تتحول «أو»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو التي تتحول «أو» مثل قول الله جل وعز {أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون}، معناه: وآباؤنا الأولون، ومثله: {ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا}، معناه: لا تطع منهم آثمًا أو كفورًا.
ومنه قول جرير:
نال الخلافة أو كانت له قدرًا = كما أتى ربه موسى على قدر
أي: وكانت.
وأما قول الله تعالى: {ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى}، وما كان من هذا النحو، فـ «أو» حرف من حروف النسق، وليس بمعنى الواو.
ومعنى الواو قول النابغة أيضًا:
قالت: فياليتما هذا الحمام لنا = إلى حمامتنا أو نصفه فقد
أي: ونصفه). [المحلى: 268 - 269]

11- الواو التي تتحول ياء
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو التي تتحول ياء، مثل: ميزان وميقات وميعاد، وأصله الواو لأنه: وزن ووقت ووعد، إلا أن كل واو إذا انكسر ما قبلها، قلبت ياء، والدليل على ذلك أنك إذا جمعت، قلت: موازين ومواعيد ومواقيت، فرددته إلى الواو، وقال الله جل اسمه: {ما قطعتم من لينةٍ}، وإنما هو من «لون».
قال الشاعر:
كأن قتودي فوقها عش طائر = على لينةٍ قرواء تهفو جنوبها
يريد لونًا من النخل.
وإذا كانت الواو فاء الفعل وانكسر ما بعدها وانفتح ما قبلها، حذفتها، لأن الواو لا تثبت مثل: وجد يجدُ، كان الأصل فيه: يوجدُ، فذهبت الواو لانكسار ما بعدها، ولو كانت مفتوحة لثبتت، ومثله: وزن يزنُ، ووعد يعد، قال الله عز وجل: {ألم يعدكم ربكم وعدًا حسنًا}.
وإذا كان الفعل على «فعل يفعل»، مما فاؤه واو، ففيه ثلاث لغات: لتميم لغة، ولقيس لغة، ولسائر العرب لغة، ولأهل الحجاز لغة، قالوا في مثل ذلك: وحد يوحد، ووجل يوجل، ووجع، يوجع هذه لغة أهل الحجاز، قال الله جل وعز: {قالوا لا توجل}.
قال الشاعر:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل = على أينا تغدو المنية أول
وتميم تقول: ييجع، بقلب الواو ياء.
قال متمم بن نويرة:
قعيدك ألا تسمعيه ملامة = ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
وقال آخر:
بانت أميمةُ بالطلاق = ونجوت من غل الوثاق
بانت فلم ييجع لها = قلبي ولم تدمع مآق
وتقول: أيجلُ ثم أوجل، ترده إلى أصله لانفتاح ما قبله، وقيس تقول: يا جل وتاجل.
فإذا اعتل عين الفعل – منه قولهم – قل -، كان الأصل فيه «أقول»، فاعتلت الواو، وهو عين الفعل، فاستثقلوا تحريكها، ردوها في الخلقة إلى «قول»، ثم حذفوا الواو لاجتماع الساكنين، فإذا ثنوا أو جمعوا ردوا الواو، لأن اللام قد تحركت بالضمة). [المحلى: 270 - 272]

12- الواو التي في موضع «بل»
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو التي في موضع «بل» قوله تبارك وتعالى: {وأرسلناه إلى مائة ألفٍ أو يزيدون}، معناه: بل يزيدون، ومثله: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}، معناه: بل أشد قسوة، فلهذا ارتفع «أشد» وليس بنسق على «الحجارة».
وقد تضع العرب «أم» في موضع «بل» كقول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسطٍ = غلس الظلام من الرباب خيالا
معناه: بل رأيت.
ومنه قول الله تبارك وتعالى: {أم أنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين}، بل أنا خيرٌ). [المحلى: 273]

13- الواو المعلولة
قال أبو بكر أحمد بن الحسن بن شقير النحوي البغدادي (ت: 317هـ): (والواو المعلولة تقع في الأسماء والأفعال، فإذا وجدتا اسمًا أو فعلًا وفيها واو أو ياء، فلم يثبت إذا رددت الاسم والفعل إلى «فعلت»، فذلك الاسم والفعل المعتل، مثل: أقولُ وأعوذُ وأكيلُ، و: تقولُ وتعودُ وتكيلُ، هذه أفعال معتلة، والدليل على ذلك أنك إذا رددتها إلى «فعلت»، لم تثبت الواو والياء للعلة التي أخبرتك، ألا ترى أنك إذا قلت «فعلت» من «تقول»، تقول: قلت، فينقص عن الأصل، لأن «فعلت» في الفعل الصحيح أربعة أحرف، و «قلت» ثلاثة أحرف.
والفعل الصحيح الذي لا يذهب عند «فعلت» منه شيء، ولا تنتقل حركته إلى حركة ولا سكون، بعضها إلى موضع بعض، مثل ما يتحرك في قولك: «تقول»، والتاء متحركة، والقاف متحركة، والواو ساكنة، و «يقول»: يفعل، انتقل سكون الواو إلى الفاء، وتحركت العين، وهي في موضع الواو من «يقول»، ولو كان الفعل صحيحًا لم يتغير، كقولك: يضرب وشتم ويخرج ويدخل، فهذا فعل مضمر، لأنك إذا قلت: ضربتُ وشتمتُ، لم يتغير منه شيء، وهو قياسه). [المحلى: 274]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:46 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


الواو
قال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجَّاجيُّ (ت: 340هـ): ( الواو تكون عطفا ولا دليل فيها على أن الأول قبل الثّاني
وتكون للحال بمنزلة إذ كقولك مررت بزيد وعمرو جالس معناه إذ عمرو جالس
قال الله تعالى {يغشى طآئفةً مّنكم وطآئفةٌ قد أهمتهم أنفسهم} معناه إذ طائفة في هذه الحال
وتكون بمعنى مع كقولك جاء البرد والطيالسة
وتكون علامة الرّفع
وتكون صرفا كقول الشّاعر
(لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم)
وتكون للندبة مع زيادة ألف
وتكون مبدلة من الياء نحو واو موقن وموسى
وتكون للإلحاق وهو أن تلحق بناء ببناء نحو واو كوثر وجدول ألحقت بناءه ببناء جعفر وسلهب
وتكون أصليّة فتكون فاء الفعل وعينه ولامه وفي الأسماء كذلك). [حروف المعاني والصفات: 36 - 39]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:48 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



باب: مواضع الواو
قال أبو الحسن علي بن محمد الهروي النحوي (ت: 415هـ):(باب: مواضع الواو
اعلم أن الواو اثني عشر موضعًا:
تكون نسقًا: كقولك: «قام زيدٌ وعمروٌ».
وتكون استئنافًا: أي: يستأنف بها ما بعدها، كقوله عز وجل: {ليبين لكم ونقر في الأرحام}، رفع {ونقر} على الاستئناف، أي: ونحن نقر، ومثله: {ثم قضى أجلًا وأجلٌ مسمًّى عنده}، وقوله: {وما كان لنفسٍ أن تؤمن إلا بإذن الله، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون}.
وتكون للقسم: كقولك: «والله لأفعلن كذا وكذا»، و«جاءني زيدٌ وعبد الله» كسرت الدال بواو القسم، ومثله: «أكلت الطعام والحجر الأسود».
وتكون بمعنى «رب» كما قال امرؤ القيس:
ومثلك بيضاء العوارض طفلةٍ = لعوبٍ تنسيني إذا قمت سربالي
أي ورب مثلك.
وتكون بمعنى مع: كقولك: «استوى الماء والخشبة»، و«جاء البرد والطيالسة»، و«ذهب زيدٌ وأخاك»، أي استوى الماء مع الخشبة، وذهب زيدٌ مع أخيك.
قال الشاعر:
فكان وإياها كحران لم يفق = عن الماء إذ لاقاه حتى تقددا
أي: كان معها.
وتكون بمعنى الباء، كقولك: «متى أنت وبلادك» والمعنى: متى عهدك ببلادك، وكقولهم: «بعت الشاء: شاة ودرهم»، والمعنى: شاة بدرهمٍ، إلا أنك لما عطفته على المرفوع ارتفع بالعطف عليه.
وتكون بمعنى «إذ» كقولك: «أتيتك، والسماء تمطر»، و«رأيتك وزيدٌ واقف»، والمعنى: إذ السماء تمطر، وإذ زيد واقفٌ، وتسمى أيضًا واو الحال وواو الابتداء، لأن ما بعدها مبتدأ، قال الله تعالى: {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم}، قال سيبويه: الواو ها هنا في موضع «إذ» أي إذ طائفةٌ د أهمتهم أنفسهم، أي: في هذه الحال.
وتكون بمعنى «أو» في التخيير: كقوله عز وجل: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}، المعنى أو ثلاث أو رباع.
وتكون للصرف عن جهة الأول: كقولك: «لا تأكل السمك وتشرب اللبن» بالنصب، أي: لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن، قال الشاعر:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله = عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
أراد: لا تجمع بين النهي عن خلقٍ وإتيان مثله.
وتكون مقحمة – أي زائدة في الكلام – لو لم تجئ بها لكان الكلام تامًا، كقوله عزل وجل: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه}، المعنى: أوحينا إليه، فتكون {أوحينا} جواب {فلما}، وكذلك قوله: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه}، المعنى: ناديناه، والواو فيه مقحمة، ومثله قوله: {حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها} المعنى: حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها، فتكون {فتحت} جواب {حتى}.
ومن ذلك قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى = بنا بطن خبتٍ ذي قفافٍ عقنقل
الواو مقحمة في قوله: «وانتحى»، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى بنا، فتكون «انتحى» جواب «فلما» وقال أبو عبيدة: الواو في قوله: «وانتحى» واو نسق، والجواب في قوله: «هصرت» لأنه يروى بعد بيت «وانتحى».
هصرت بفودي رأسها فتمايلت = علي هضيم الكئح ريا المخلخل
ومعنى «هصرت»: جذبت.
وقال آخر: أنشده الفراء:
حتى إذا قملت بطونكم = ورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا = إن اللئيم العاجز الخب
أراد: قلبتم، وهو جواب «حتى»، وقوله: «قملت»، أي: كثرت، وقوله: «قلبتم ظهر المجن»، أي: تغيرتم عمّا كنتم عليه.
واعلم أن الواو لا تقحم إلا مع «لما» و«حتى» ولا تقحم مع غيرها إلا في الشاذ، كقولهم: «ربنا ولك الحمد»، المعنى: ربنا لك الحمد، والواو مقحمة.
وقال قتادة: إن جواب الجزاء في قوله عز وجل: {إذا السماء انشقت}، قوله: {أذنت لربها وحقت}، يعني أن الواو في قوله: {وأذنت لربها} مقحمة، ومعنى المقحم أن يكون الحرف مذكورًا على نية السقوط.
وحروف الإقحام خمسة:
أحدها الواو، وقد ذكرناها.
والثاني: لام الإضافة في النفي والنداء، كقولك: «لا أبا لك»، و«لا غلامي لك»، و«يا بؤس للحرب»، اللام فيهما مقحمة، ولم يبطل معنى الإضافة.
والثالث هاء التأنيث، كقول النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب.
و «يا طلحة أقبل»، أراد: يا أميم، ويا طلح، فأقحم الهاء وأجراها مجرى ما قبلها في الحركة لأنه لم يعتد بإدخالها.
والرابع: تكرير الاسم، كقول جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم.
أراد: يا تيم عدي فأقحم الثاني.
والخامس: ذكر المضاف على طريقة التوكيد، كقول الأعشى:
كما شرقت صدر القناة من الدم
أراد: كما شرقت القناة، فأقحم «الصدر».
والموضع الحادي عشر: تكون الواو زائدة للتوكيد، كقولك: «ما رأيت أحدًا إلا وعليه ثياب حسنة» وإن شئت: «إلا عليه ثياب حسنة»، وفي القرآن: {وما أهلكنا من قريةٍ إلا ولها كتابٌ معلوم}، وفي موضع آخر: {وما أهلكنا من قريةٍ إلا لها منذرون}.
وقال الشاعر:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن = سراج لنا إلا ووجهك أنور
فجاء بالواو.
وقال آخر:
وما مس كفي من يدٍ طاب ريحها = من الناس إلا ريح كفيك أطيب
فجاء بغير الواو.
والموضع الثاني عشر: تكون الواو تنصب ما بعدها: بإضمار فعلٍ أو بإضمار «أن» فإضمار الفعل قولك: «ما أنت وزيدًا» و«مالك وزيدًا» تنصب «زيدًا» بإضمار فعل، كأنك قلت: ما أنت وملابسة زيد، أو ما لك تلابس زيدًا، وإضمار «أن» قولك: «لا يسعني شيءٌ ويضيق عنك» تنصب «ويضيق» بإضمار «أن» تقديره: لا يجتمع أن يسعني شيء ويضيق عنك). [الأزهية: 231 - 240]


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:49 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


باب الواو المفردة
قال إسماعيل بن أحمد الحيري الضرير (ت: 431هـ): (باب الواو المفردة على سبعة وعشرين وجها
أحدها: الاستئناف والابتداء، كقوله في براءة (الآية 15): {ويتوب اللّه على من يشاء}.
والثاني: واو العطف والنسق، كقوله: {والذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة}، إلى قوله: {وبالآخرة هم يوقنون} (البقرة 3).
والثالث: واو القسم، كقوله: {والنجم إذا هوى} (والنجم 1)، وقوله: {والسماء ذات البروج} (البروج 1)، وقوله: {والسماء والطارق} (الطارق 1)، {والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين} (التين 1-3).
والرابع: واو الصرف، كقوله في البقرة (الآية 42): {وتكتموا الحق}، وفي آل عمران (الآية 142): {ويعلم الصابرين}، وفي الأعراف (الآية 127): {ويذرك وآلهتك}.
والخامس: واو الحال، كقوله في البقرة (الآية 161): {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار}.
والسادس: الواو المقحمة والزيادة والصلة، كقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين} (الأنعام 75))
وقوله: {وأوحينا إليه لتنبأنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} (يوسف 15)، وقوله: {وناديناه أن يا إبراهيم} (الصافات 104).
والسابع: واو السر عن بعض العارفين، وهو قوله: {وناديناه أن يا إبراهيم} (الصافات 104). فقالوا: أسر نبي اللّه وخليله، فأراد أن لا يطلع عليه أحد من المخلوقين، فأشار إليه بالواو، فقال: {وناديناه أن يا إبراهيم} (الصافات 104).
والثامن: واو النعت، وهو الذي يدخل في النعوت، سقوطه وثبوته سواء، كقوله: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} (هود 24) معناه.
والتاسع: واو المضمر، كقوله: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير} (آل عمران146)، أي ومعه جمع كثير.
والعاشر: الواو المنقلبة من الهمزة، كقوله:
[{وإذا الرسل أقتت} (المرسلات 11)، بالهمزة وبغير الهمزة.
والحادي عشر: واو الغمور، كقوله: {التائبون العابدون الحامدون}، إلى قوله: {والناهون عن المنكر} (التوبة 112).
والثاني عشر: واو التحقيق، كقوله: {وثامنهم كلبهم} (الكهف 22)، أي حقق اللّه هذا العدد من غيره.
والثالث عشر: واو التمييز، كقوله: {ثيبات وأبكارا} (التحريم 5).
والرابع عشر: واو الثمانية، كقوله: {وفتحت أبوابها} (الزمر 73). وقيل هذه الواو واو الحال، كقوله: {جنات عدن مفتحة لهم الأبواب} (ص 50).
والخامس عشر: واو الأصل، كقوله: {فاغسلوا وجوهكم} (المائدة 6)، وقوله: {وجهت وجهي} (الأنعام 79).
والسادس عشر: واو الجمع، كقوله: {يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة} (البقرة 3).
والسابع عشر: واو يوجب التفريق، كقوله: {وسبعة إذا رجعتم} (البقرة 196).
والثامن عشر: واو يوجب الترتيب، كقوله: {فاغسلوا وجوهكم}، إلى قوله: {وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة 6).
والتاسع عشر: واو يوجب الجمع، كقوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} (الآية التوبة60)
والعشرون: واو المفعول، كقوله: {والظالمين أعد لهم عذابا أليما} (الإنسان 31). تدخل هذه الواو علامة لرجوعها إلى ما بعدها دون ما قبلها، وسمي واو المفعول.
والحادي والعشرون: الواو بمعنى أو كقوله: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} (فاطر 1)، ومعناه أو ثلاث أو رباع.
والثاني والعشرون: واو بمعنى حتى، كقوله في الأنعام (الآية 27): {ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}، بمعنى حتى، يكون على قراءة النصب، وكقوله في الفتح (الآية 16): {تقاتلونهم أو يسلمون}، ومعناه حتى يسلموا.
والثالث والعشرون: الواو بمعنى الفاء، كقوله: {سمعنا وأطعنا} (المائدة 7)، وكقوله: {ولا تعتدوا إن اللّه لا يحب المعتدين} (المائدة 87)، وكقوله: {فاضرب به ولا تحنث} (ص 44).
والرابع والعشرون: الواو بمعنى مع، كقوله: {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} (الأنبياء 83)، معناها مع ما أنت أرحم الراحمين.
والخامس والعشرون: بمعنى اللام، كقوله: {ونري فرعون وهامان وجنودهما} (القصص 6)، معناه لنري فرعون وهامان وجنودهما.
والسادس والعشرون: واو البناء، كقوله: {إنا أعطيناك الكوثر} (الكوثر 1)، فلحق بناء الثلاثي ببناء الرباعي، فهذه الواو (واو البناء).
والسابع والعشرون: الواو المقلوبة من الياء، كقوله: {وما كانت أمك بغيا} (مريم 28)، وكان أصله بغويا ). [وجوه القرآن: 548 - 551]


رد مع اقتباس
  #6  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:51 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


باب الواو
قال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي (ت:597هـ): (باب الواو
قال ابن فارس: " الواو " تكون للجمع وتكون للعطف وتكون بمعنى " الباء " في القسم، نحو: والله. وتكون بمعنى " مع " تقول: استوى الماء والخشبة، أي: مع الخشبة. وتقع " صلة " ولا تكون زائدة أولى. وقد تزاد ثانية، نحو: كوثر، وهو من الكثرة. وثالثة، نحو: جدول [وهو] من الجدل. ورابعة، نحو: قرنوة، وهو نبت يدبغ به الأديم. وخامسة، نحو: قمحدوة.
و" الواو " في القرآن على ستّة أوجه: -
أحدها: الجمع. ومنه قوله تعالى في المائدة: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق}.
والثّاني: بمعنى العطف كقوله [تعالى]: (إنّا لمبعوثون. أو آباؤنا الأولون}.
فهذه " واو عطف " دخلت عليها ألف الاستفهام.
والثّالث: بمعنى القسم كقوله (تعالى في الأنعام): {والله ربنا}.
والرّابع: صلة. [ومنه قوله تعالى في الحجر]: - { (وما أهلكنا من قرية} إلّا ولها كتاب معلوم}.
والخامس: بمعنى " إذ ". كقوله (تعالى في آل عمران): {وطائفة قد أهمتهم (أنفسهم} }، يريد إذ طائفة.
والسّادس: ان تكون مضمرة. كقوله [تعالى في براءة]: -
{ (ولا على الّذين} إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد [ما أحملكم] }، المعنى أتوك وقلت: لا أجد تولّوا
). [نزهة الأعين النواظر: 619 - 620]


رد مع اقتباس
  #7  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:52 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


باب الواو
باب الواو المفردة
قال أحمد بن عبد النور المالقي (ت: 702هـ): (باب الواو
اعلم أن الواو تكون في الكلام مفردةً ومركبةً مع غيرها من الحروف.
باب الواو المفردة
اعلم أنها تنقسمُ قسمين: قسمٌ أصلٌ وقسمٌ بدلٌ من أصلٍ.
فالقسم الأول التي تكون فيه أصلًا تنقسم قسمين: قسمٌ في أول اللفظ زائدةً، وقسمٌ موضوعة في نفس الكلمة.
فالقسمُ الأول التي تزيدُ على اللفظ أولًا لها ستةُ مواضع:
الموضع الأول: أن تكون للعطف وهي أم حروف العطف لكثرة استعمالها ودورها فيه، ومعناها الجمعُ والتشريك، ولا تخلو عن هذين المعنيين في عطف المفردات، لأنها لا تخلو أن تعطف مفردًا على مفرد أو جملة على جملة.
فإن عطفت مفردًا على مفردٍ فإنها تشرك بينهما في اللفظ والمعنى، أما اللفظ فهو الاسمية أو الفعلية والرفع والنصبُ والخفضُ والجزمُ، فيتبعُ الثاني الأول في اسمين من ستةٍ: في واحدٍ من الاسمية والفعلية، وفي واحدٍ من الرفع والنصب والخفض والجزم.
وأما المعنى فهو الجمعُ بين الاثنين في نفي الفعل أو إثباته نحو: قام زيدٌ وعمروٌ، ورأيتُ زيدًا وعمرًا، ومررتُ بزيدٍ وعمروٍ، وزيدٌ يقوم ويقعدُ، ولن يقوم ولن يقعد، ولم يقم ولم يقعُد، وما زيدٌ قائمٌ ولا عمروٌ، وما قام ولا قعد زيدٌ، ولا يقومُ ولا يقعدُ زيدٌ.
فإن جاءت عاطفةً اسمًا على فعلٍ كقوله:
فألفيته يومًا يُبير عدوه = وبحر عطاء يستخف المعابرا
أو فعلًا على اسمٍ كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} فعلى أن تصرف الفعل إلى الاسم، أو الاسم إلى الفعل في المعنى، فكأنه قال في البيت: فألفيته يومًا مبير عدوه، لأن مفعول «ألفيت» أصله أن يكون مفردًا، ويكون التقدير في الآية: «صافاتٍ وقابضات» لأن المعطوف على الحال حالٌ مثله، فحقه أن يكون اسمًا.
ولا تعطي الترتيب عند البصريين، فإنه قد يكون الثاني في العمل قبل الأول تارةً ومعه أخرى، فالذي قبله كقوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، فالركوع قبل السجود، والذي معه كقوله: اختصم زيدٌ وعمروٌ، فالاختصام لا يصح إلا من اثنين معًا، ومن الذي يقع قل الأول قول الشاعر:
أغلي السباء بكل أدكن عاتقٍ = أو جونةٍ قُدحت وفُض ختامها
ففض الختام قبل القدح وهو الغرف.
وعند الكوفيين أنها تعطي الترتيب كالفاء عند البصريين، واحتجوا بقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}، وبقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ}، ومعلومٌ أن إخراج الأثقال إنما هو بعد الزلزال، والسجود في الشرع لا يكون إلا بعد الركوع.
وليس في هذا رد على البصريين لأنهم لا يلزمون عدم الترتيب في الواو فيلزمهم الرد بهذا، ولكن الترتيب فيها يقع بحكم اللفظ من غير قصدٍ له في المعنى، ولو كانت للترتيب موضوعة لم تكن أبدًا إلا مرتبة، فظهور عدم الترتيب في بعض الكلام عاطفةً يشهد أنها ليست موضوعة له، ولكن المتكلم يقدم في كلمه الذي هو به أعني وببيانه أهم استحسانًا لا إيجابًا.
وحُكي عن أبي زيدٍ السهيلي أن جعلها بالموضع الأول مرتبة، فذلك الحقيقة فيها، إذ أصلُ اللفظ أن يكون موازيًا للمعنى في تقديمه وتأخيره، فإذا أُخر اللفظ بعد الواو – والمراد به التقديم – فذلك على طريقة المجاز، وهذا صحيحٌ لا يخالف فيه البصريون، وإنما المراد أن اللفظ يتأخرُ والمراد به التقديم بعد الواو، وهبه كان حقيقةً أو مجازًا، وبهذا خالفوا الكوفيين لأنهم يلزمون الترتيب لفظًا ومعنى، وهو ظاهرُ الفساد كما تقدم.
واعلم أن الواو المذكورة إذا عطفت اسمًا على اسم، فاختلف فيها: هل تنوب مناب العامل في الاسم الثاني أو لا تنوب منابه ولا يكون مقدرًا بعدها، أو تنوب مناب العامل في الثاني، ولا يصح أن يظهر بعدها إذا كان الفعلُ موضوعًا لاثنين فأزيد، نحو اختصم زيدٌ وعمروٌ، ولا تكونُ نائبةً منابه بل يُقدر بعدها فعل.
وذهب بعضهم إلى أنها تنوب مناب العامل، واحتج بأنه إذا فُرقت المنعوتات وجميع نعتها فإنه يتبعها نعتًا نحو: قام زيدٍ وعمرو وخالد العقلاءُ، فلولا أن الواو نائبة مناب العامل لم يجمع النعت لئلا يُفصل بين العامل والمعمول، ولو كان العامل مقدرًا لعمل عاملان في معمولٍ واحد.
وذهب بعضهم إلى أنها لا تنوبُ مناب العامل، ولكن يُقدر بعدها،
واحتج بظهوره في بعض المواضع نحو: قام زيد وقام عمرو، وأنشد قول الشاعر:
بل بنو النجار إن لنا = فيهمُ قتلى وإن يره
قال: فظهور العامل في التمثيل و«إن» دليل على أنها واسطة لا تنوبُ مناب عامل، وأنه يُضمر بعدها فيُقدر، ولا يجتمعُ النائب والمنوب عنه، فدل على دعوى النيابة المتقدمة الذكر.
وذهب بعضهم إلى أنه [إن] كان الفعل لاثنين فأزيد فهي تنوب مناب العامل نحو ما مثل به، وإلا فلا تنوبُ منابه، بل يكون مقدرًا بعدها.
وهذه الأقوال كلها عندي مدخولةٌ، والذي ينبغي أن يُقال وهو الصحيحُ إن شاء الله:
إن الواو في عطف المفردات واسطةٌ موصولةٌ عمل العامل قبلها إلى ما بعدها بها على معنى العطف والتشريك، كما أن الواو في «استوى الماء والخشبة» موصلة عمل العامل فيها قبلها إلى ما بعدها بواسطتها على معنى «مع» وكما أن الباء في «مررتُ بزيدٍ» موصلة عمل العامل فيما قبلها لما بعدها على معناه بحسبه من مرورٍ أو غيره، وكذلك «إلا» في الاستثناء وهذا أصل مريح في العربية من خلاف بعض المواضع المُشكلة فتدبره، وحكم الفاء وثم وحتى في ذلك حكم الواو مع المعاني التي اختصت بها.
ومن ذهب إلى أنها تنوبُ مناب العامل فيلزمه الفسادُ في جمع النعت في تفريق المنعوتات في نحو ما مثل بمثل ما أفسد به قول من يقول بتقديره بعدها، إذ النائب حكمه في العمل والفصل حكم العامل المنوب عنه.
ومن ذهب إلى أنه مقدرٌ بعدها فيلزمه من الفساد ما لزم صاحب المذهب
الأول كما ذُكر، وما احتج به من الظهور لا حجة فيه لأنه إذا ظهر صارت المسألة من باب عطف الجمل ولا كلام فيها، إذ لا خلاف في الواو في ذلك، فقوله: «وإن تره» أراد: «وإن لنا» فحذف «لنا» لدلالة الكلام عليه.
ومن ذهب إلى التفصيل فيلزمه في فعل الاثنين ما يلزم صاحب المذهب الأول من أن ما ينوب مناب العامل فهو في حكمه، وكأنه في معنى الظاهر، والفعل لا يصح إظهاره هناك لاحتياج الظاهر أو المقدر إلى فاعلين فأزيد، وأحرى بالفساد إذا قُدِّر بعدها على المذهب الثاني، ويلزمه فيما عدا ما يحتاج إلى فاعلين فأزيد ما لزم صاحب المذهب الثاني، ففسدت هذه المذاهب وصح ما قلنا.
والدليل عليه إجماع المعطوف والمعطوف عليه في التثنية للعامل الأول، وكذلك في الجمع، ولا اعتبار في العمل للواو، فتقول إن شئت: اختصم زيدٌ وعمروٌ، وإن شئت: قام الرجلان، وكذلك تقول في الجمع نحو: اختصم زيدٌ وعمروٌ وخالد، واختصم الرجال، وقام زيدٌ وعمروٌ وخالدٌ، وقام الرجال، فاعلم ذلك.
وعلى صحة هذا القول وفساد غيره يظهر الصحيح من القولين في جواز حذف هذه الواو أو عدم الجواز وهو الصحيح، لأنها موصلةٌ لمعنى العطف والتشريك، فإذا حُذفت زال هذا المعنى، فزالت فائدتها، فإن جاء من ذلك شيء فضرورة كقوله:
وكيف لا أبكي على علاتي = صبائحي غبائقي قيلاتي
وقوله:
كيف أصبحت كيف أمسيت مما = يزرع الوُدَّ في فُؤادِ الكريم
وكذلك يظهر على صحة الصحيح من القولين في جواز عطفها على عاملين أو عدمه، وهو ألا يُعطف لضعفها في الدلالة عليهما معًا، فلا تقول: «ضربتُ زيدًا في الدار والسوق عمرًا» على عطف المفردات، ولكن هذا من عطف الجمل، والعامل محذوف تقديره «وضربتُ» دل على حذفه الأول، فلا تكون المسألة من هذا الموضع فلا ينبغي أن تُبنى عليه.
فإن عطفت جملةً على جملةٍ لم يلزم تشريكٌ في اللفظ ولا في المعنى، ولكن في الكلام خاصة، ليُعلم أن الكلامين فأكثر في زمان واحد أو في قصد واحد، فلذلك جاز أن يُعطف بها إذ ذاك جملة خبريةٌ على مثلها وعلى طلبية، وجملة طلبية على مثلها وعلى خبرية، فتقول: قام زيد وقعد عمرو، وقام زيد واقعد، وعلى هذا يجوز: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله، فالواو عطف طلب – وهو الدعاء – على الخبر، وحُكي من كلام البديع: «ظفرنا بصيدٍ وحيَّاك الله أبا زيدٍ»، وتقول: قم وقعد زيدٌ وقم واقعد وقم ولا تقعد، ولا تقم واقعد، وكذلك حكمُ الجملة الابتدائية مع الفعلية نحو: قام زيدٌ وعمروٌ قائم، زيدٌ قائمٌ وقعد عمروٌ، وكل ذلك جائز بما ذكرتُ لك.
والمناسبة في الجملة هو الكثير، وربما يكونُ ظاهرُ الكلام عطف المفردات وهو عطف الجمل، ومنه العطفُ على عاملين ما ذُكر، ومنه قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ}، تقديره: وإن في تصريف الرياح آيات، ومنه في عطف النعوت ذا اختلف إعرابها، نحو: مررت بإخوتك الظرفاء العقلاءُ الكرام بخفض «الظرفاء» ورفع «العقلاء» ونصب «الكرام»، الأول تابعًا والثاني مرفوع على خبر ابتداءٍ مقدر، والثالث على إضمار فعل تقديره: أمدح أو أعني أو شبهُ ذلك، وعليه قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}، ومنه قوله تعالى: {وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}، ثم قال: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} ومنه قول الشاعر:
ويأوي إلى نسوةٍ عُطلٍ = وشُعثًا مراضيع مثل السعالي
وقوله:
لا يبعدن قومي الذين هُم = سمُّ العداة وآفةٌ الجزر
النازلين بكل مُعتركٍ = والطيبون معاقد الأُزر
الموضع الثاني: أن تكون حرف ابتداء، ومعنى ذلك أن تكون لابتداء الكلام، وسواء كان جملةً اسمية أو فعلية فلا يرتبطُ ما بعدها من الجمل بما قبلها في شيء مما ذكرنا في عاطفة المفردات أو الجمل، وذلك قولك: قام زيد وأنتم اخرجوا، وقام زيد وضرب عبدُ الله خالدًا، وهل قام زيد وإنك يا عمرو
لخارج، وقام زيد ومالي بخروج زيدٍ من علمٍ، قال الله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا}.
وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ}، وهو كثير، ومنه قول الشاعر:
وقد أغتدي ومعي القانصان = وكل بمربأةٍ مقتفر
وعلى ذلك ينبغي أن يُحمل قول الشاعر:
وبلدٍ قطعه عامرٌ = وجملٌ نحره في الطريق
وقوله:
وبلدةٍ ليس بها أنيس = إلا اليعافيرُ وإلا العيس
وما كان نحو هذا مما تقدر بعده «رب»، ولا تحمل الواو على أنها بمعنى «رب» كما ذهب بعضهم إليه، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب «رب» وباب «بل» والفاء فلا نعيده.
الموضع الثالث: أن تكون للحال ومعنى ذلك أن تجيء بعدها جملة تكون في موضع الحال من ذي حالٍ، نحو قولك: جاء زيد ويده على رأسه، وخرج
زيد وعبدُ الله جالس، وقام زيد وقد خرج غلامه، إلا أنها تتقدر تارةً بـ «إذ» الظرفية، وتارة بـ «في حال»، وهي في التقديرين للحال، فحيث لم يكن بعدها ضمير في الجملة الواقعة حالًا بها قُدرت بـ «إذ» نحو قولك: جاء زيد والشمس طالعة، أي: إذ الشمس طالعة، ومنه قوله تعالى: {يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، وقال الشاعر:
تبدو كواكبه والشمس طالعةٌ = لا النور نورٌ ولا الإظلامُ إظلامُ
وحيث كان في الجملة ضمير يعود على ذي الحال قدرت بـ «في حال»، نحو قولك: جاء زيد وقد ضرب عبده، أو: [و] هو يضرب عبده، أي زيد يضرب، أي: في حال ضربه عبده، ومنه قوله تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} وقوله تعالى: {لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ}.
ولابد مع ذلك كله من صرف الجملة إلى تقدير المفرد: إما من اللفظ، وإما من المعنى، لأنه أصل الحال فتقديره في نحو قولك: «والشمسُ طالعةٌ»: طالعة الشمسُ في حال قيامه، وفي قولك: «ويضربُ عبده»: ضاربًا عبده، وعلى هذا قياس الجمل الواقعة حالًا، فاعلمه.
ويشترط في الجملة الواقعة بعد الواو التي للحال أن تكون خبرية وهي التي تحتمل الصدق والكذب لصحة وقوعها، ولا تكون طلبية [لأن] «إذ» غير واقعة.
ثم لا تخلو أن تكون اسمية أو فعلية، فإن كانت اسمية فلا يخلو أن يكون فيها
ضمير يعود على ذي الحال أو لا يكون، فإن كان لم تلزم الواو فيها كقول الشاعر:
نصف النهار الماءُ غامره = ورفيقه بالغيب لا يدري
وإن لم يكن فيها ضميرٌ لزمت الواو نحو: جاء عمرو وزيد قائم، ومنه والشمسُ طالعةٌ، لأن الواو هي الرابطة للجملتين، فلولاها لم يقع ارتباطها بينهما.
وإن كانت فعليةً فلا يخلو أن يكون فعلًا ماضيًا أو مضارعًا، فإن كان ماضيًا لفظًا ومعن لزمته «قد»، ولا تدخل على الماضية معنًى، ولزمت الواو، وإن لم يكن فيها ضمير يعود على ذي الحال نحو: قام زيدٌ وقعد عمرو، أو لم يقعد عمروٌ.
وإن كان فيها ضميرٌ لم تلزم الواو أيضًا، نحو: قام زيدٌ قد خرج أبوه: وربما جاء هذا بغير «قد»، كقوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}، على أحد الإعرابين، وقول الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك هزةٌ = كما انتفض العُصفورُ بلله القطر
وكذلك تقول: قام زيد لم يقم أبوه، بالواو وبغيرها.
وإن كان مضارعًا فلا بد من المضمر معه في الجملة عائدًا على ذي الحال، فيجوز
إذ ذاك فيه إثبات الواو وحذفها، فلا تلزم، بل الكثير حذفها نحو قولك: جاء زيدٌ يصك عينه، وقد قالوا «ويصك» وكذلك قال الشاعر:
فلما خشيتُ أظافيره = نجوتُ وأرهنهم مالكا
وبعضهم يجعل الجملة في المثال والبيت اسمية، ويقدر المبتدأ قبل الفعل كأنه قال في المثال: «وهو يصك عينه» وفي البيت: «وأنا أرهنهم»، وإنما ذلك لكثرة وجود واو الحال مع الاسمية وقلتها مع الفعلية المضارع فعلها، وهو متكلفٌ لا ضرورة تدعو له.
الموضوع الرابع: أن تكون للقسم عوضًا من الباء نحو قولك: «والله لتخرجن» «والله لتقصدن زيدًا»، والأصل الباء لأنها حرف جرٍ في القسم وغيره، ويجوز إظهار فعل القسم معها وحذفه، ولا يجوز ذلك في غيرها من حروفه، فدلَّ على أصالتها ونوعية غيرها في الباب، قال الله تعالى: {وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ}، وقال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، وهو في القرآن كثير.
ولا تخفض في هذا الباب إلا الظاهر بخلاف الباء، فإنها تخفض الظاهر والمضمر كما تقدم في بابها وفي باب التاء، فدلَّ على أ صالة الباء وفرعيَّة الواو، وإنما دخلت في هذا الباب وخفضت لكونها تقرب من الباء في خروجها من الشفتين، وقد تقدم في باب التاء من الكلام ما فيه كفايةُ فأغنى إعادتها هنا.
الموضع الخامس: أن تكون بمعنى «مع» مشوبة بمعنى باء المفعول به، وإذا لم يكن فيها هذا الشوب كانت العاطفة المذكورة، فإذن يقع الاشتراك
بين الواوين في مسائل هذا الموضع وصورة ما بعدها كصورة المعطوف في الاسمية إلا أن المنصوب بعدها في معنى المفعول به، فإذا قلت: قام زيدٌ وعمروٌ، بمعنى أن القيام وقع منهما من غير معنى زائدٍ، فذلك هو العطفُ، وإذا أردت أنه وقع منهما على أن الثاني فعل به الأول فعلًا فذلك المفعول معه فيكون منصوبًا، فكأنك قلت: قام زيد بعمرو معه، وعلى هذا قالوا: «استوى الماء والخشبة» بنصب «الخشبة» وجاء البردُ والطيالسة أي: ساوى الماءُ الخشبة فاستوت معه، وساق البرد الطيالسة فكانت معه، فلهذا انتصب ما بعد الواو مفعولًا معه، ولوجهٍ آخر: وهو أن الواو مقدرةٌ بـ «مع» فلما نابت الواو المذكورة منابها رجع نصبها إلى ما كان مخفوضًا بعدها، كما انتصب المستثنى بعد «إلا» مع كونها حرفًا، لأنها في معنى «غير» وهو منصوبٌ، إذا قلت قام القوم غير زيد، إلا أن نصب «مع» نصب الظروف، ونصب ما بعد الواو على المفعول معه للعامل قبلها بوساطتها، كما عمل ما قبل «إلا» فيما بعدها النصب بوساطتها، وقد تقدم بيان ذلك في بابها.
ويجوز أن يكون العامل فيما بعد الواو المذكورة الفعل كما مثل قبل، ومعنى الفعل، نحو قولك: مالك وزيدًا، ومالك وقصعة من ثريدٍ، على تقدير الملابسة بعدها، وكذلك ما أنت وزيدًا، و«ما أنت وقصعةً من ثريد» على إضمار الملابسة أيضًا، ومنه قول الشاعر:
فما أنا والسير في مدلج = يبرح بالذكر الضابط
وقال آخر:
فما أنا والتلدد حول نجدٍ = وقد غصت تهامةُ بالرجال
وهذه الواو لا يصح أن تكون بعد مالك – فيما تقدم – عاطفةً، ويجوز في غير ذلك.
الموضع السادس: أن تكون ناصبة للفعل المضارع الواقع بعدها بإضمار «أن» فيتخلص للاستقبال، وذلك في بابين:
الأول: في جواب الأمر والنهي والاستفهام والعرض والتمني والتحضيض والدعاء والنفي والشرط والجزاء، كما نصبت الفاء في أجوبتها على ما ذُكر في بابها كقولك: قم وأكرمك، ولا تقم وأكرمك، وألا تقوم وأكرمك وليتك تقوم وأكرمك، وهلا تقومُ وأكرمك، واغفر لزيدٍ ويدخل، وما يقوم زيدٌ وأكرمه، وإن تقم وتخرج أكرمك، وإن تقم أكرمك وأحسن إليك، وأحكامها في العطف اللفظي والمعنوي والاستئناف وإضمار «أن» وصرف ما بعدها إلى المصدر كأحكام الفاء فقسمها عليها تصيب، إن شاء الله.
والثاني: باب المخالفة وهي نوعان:
الأول: في اللفظ وهو أن تعطف الفعل على الاسم المصدر نحو قولك أعجبني قيامُك وتقعد، وكلامك وتصمت، فتنصبُ ما بعدها بإضمار «أن» أيضًا ليقع الاتفاق في عطف مصدرٍ على مصدرٍ، فإذا قلت: «أعجبني قيامك وتقعد» فتقديره: وأن تقعد، ويصير إلى: أعجبني قيامك وقعودك. قال الشاعر:
للبس عباءةٍ وتقر عيني = أحب إلي من لبس الشفوف
أي: وأن تقر عيني، أي: وقر عيني، وقال آخر:
لقد كان في حولٍ ثواءٍ ثويته = تقضي لباناتٍ ويسأم سائم
على رواية من روى «تقضي» كأنه قال: وأن يسأم، أي: وسأمة، وإنما حكمنا أن النصب بعدها لأن ثلاثة أوجهٍ.
أحدها: عدمُ جواز العطف، عطف فعل على اسم، لأن من شرط الواو العاطفة أن تشرك في العطف بين المتفقي الحد لا المختلفيه كما ذكر في بابها.
والثاني: أنه قد سُمعت مظهرةً بعدها، قال الشاعر:
أبت الروادفُ والثدي لقمصها = مس البطون وأن تمس ظُهورا
والثالث: أنه لو كانت ناصبةً بنفسها لنصبت في كل موضعٍ يقع بعدها الفعل في العطف.
وهذه الواو في هذا الموضع- على اختلاف أنواعه عاطفةٌ في التحقيق لأنها كلها راجعةٌ إليه، ألا ترى أن المتقدمة الذكر في هذا الموضع ترجع إلى العاطفة،
لأنك إذا قلت: قم وأكرمتك، فالمعنى: ليكن منك قيامٌ وإكرامٌ مني، وكذلك سائرُ الأجوبة، وكذلك في هذا النوع لما ذُكر، وفي النوع الآتي الآن بعد.
النوع الثاني: المخالفة في المعنى لإرادة نفي الجمع بين الشيئين كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، المعنى: مع أن تشرب اللبن، أي: لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن لعاديتهما عليك، ومنه قول الشاعر:
لا تنه عن خُلقٍ وتأتي مثله = عارق عليك – إذا فعلت – عظيم
وهذه أيضًا عاطفة في المعنى لأنها تنصبُ بإضمار «أن»، و«أن» وما عملت فيه في موضع المصدر المعطوف على مصدر آخر مقدر مما قبلها، وهي بمعنى المصاحبة فهي كـ «مع».
فهذه جملة مواضع الواو الزائدة على اللفظ.
وزاد بعض النحويين مواضع أخر غير ما ذكرنا، وذلك: الواو التي بمعنى «رُب» وقد تقدم فساد دعوى ذلك في الفاء وبل، فلا نعيده، والواو الزائدة، وهي التي دخولها كخروجها، وواو الثمانية، أي التي تأتي
في ثامن الأسماء، والواو التي بمعنى «أو»، وهذه الواوات إذا حُققت رجعت لما ذكرنا في مواضعها.
وأما الزائدة فهي التي في قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}، ثم قال: {وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، قال زائدها: إن المعنى أذنت لأنه جواب «إذا» وكذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ}، قال: المعنى: تله للجبي، وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، قال: معناه فتحت أبوابها، وقول الشاعر:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى = .... .... .... ....
وقال الآخر:
حتى إذا امتلأت بطونكم = ورأيتم أولادكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا = إن الغدور لفاحشٌ خب
قال معناه: «قلبتم»، وهذا مذهبٌ كوفي، والبصريون يخرجون ذلك كله إلى معنى العطف والجواب مقدر وتقديره أبلغُ من ذكره، إلا قوله تعالى: {وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، فإن الواو فيه واو الحال، لأن الكرامة للواصلين
لدخولها أن يجدوا أبوابها مفتحةٌ لهم، فجواب {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} تقديره: ظهر الحق أو تبين الأمر أو نحو ذلك، وجواب: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} مننا عليه، أو صرفناه عن ذلك أو نحو ذلك، وجواب «فلما أجزنا» في البيت: نلتُ مقصودي أو بلغتُ مرادي، وجواب «حتى إذا» في البيتين: غدرتم، لدلالة «إن الغدور» عليه.
وأما واو الثمانية فهي التي في نحو قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، قال بعضهم: الواو هنا تدل على أن أبواب الجنة ثمانية، وقوله تعالى: {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} لأنها أتت في الثامن من الأسماء التي قبلها، وقوله تعالى: {وَأَبْكَارًا} أتت في الثامن بعد السبعة الأسماء قبلها، وقوله تعالى: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}، وهذه الواو وإن وقعت دالة على الثمانية أو في الثامن لا يخرجها ذلك عن معنى العطف أو واو الحال في مثل {وَفُتِحَتْ}، كما ذُكر، ووقعت في الثامن بالعرض لا بالقصد، فاعلمه.
وأما التي بمعنى «أو» في قوله تعالى: {أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} على قراءة من فتح الواو لأنه قد قرئ كذلك، وقرئ {أَوَآبَاؤُنَا} فبوقوع «أو» موقعها جعلها – هذا الذي زادها – بمعناها.
والصحيح أن الواو للعطف جامعة مشتركة في اللفظ بين ما بعدها وبين اسم «إن» الذي هو ضميرٌ في قوله: «إنا» إلا أن الهمزة للاستفهام دخلت عليها، وهي في التقدير داخلة على «إن» إلا أنها أُخرت لمعنى ليس هذا موضع ذكره، ولو عكس هذا القائل القول فقال: إن «أو» في الآية بمعنى الواو لكان أشبه لوجود معناها فيها كما هي في قول الشاعر:
.... .... .... .... = أو يسرحوه .... ....
أو قول الآخر:
.... .... .... .... = .... .... أو عليها فجورها
وقد ذُكر ذلك في باب «أو» فإذا سقطت هذه المواضع صح ما ذكرنا من مواضع الواو خاصة.
القسم الثاني: التي تكون موضوعة في اللفظ لها ثمانية مواضع.
الموضع الأول: أن تكون علامة للجمع المذكر السالم وهي نوعان: نوعٌ تكون دلالةً على من يعقل من المذكرين، ونوع تكون دلالة على أن الكملة حُذفت منها أو غيرت.
النوع الأول: يكون في الجامد والمشتق قياسًا، فأما الجامد فيشترط فيه – إن كان مكبرًا – خمسة شروط، وحينئذٍ يُجمع بها وهي: الذكورية والعملية والعقل وخلوه من هاء التأنيث وعدم التركيب نحو: زيدٌ وزيدون، وأحمد وأحمدون، فإن كان مؤنثًا نحو: هند فلا يجمع بها، وكذلك إن كان غير علم كالرجل، وهذا لم يجمع بها، فأما قولهم: اللذون واللاؤن في جمع الذي فليس واحدٌ منهما يُجمع حقيقةً، لأنه ليس [له] مفردٌ من لفظه وإنما هو اسمٌ جمع، وكذلك الأعدادُ والعقودُ من عشرين إلى تسعين، فيوقفُ في جمعها كذلك على السماع.
وإن كان غير عاقلٍ نحو جمل وفرس لم يجمع بها، وإن كان غير خالٍ من
هاء التأنيث كطلحة وورقاء لم يجمع بها، وإن كان مركبًا كبعلبك وحضرموت لم يجمع بها ولا بغيرها.
وإن كان مصغرًا اشترط فيه ثلاثة شروط من الخمسة المذكورة: الذكورية والعقل وخلوه من هاء التأنيث، نحو: رُجيل ورجيلون فإن نقص شرط منها لم يُجمع بها كعين وثمرة.
وأما المشتق فيشترط فيه أربعة شروط: الثلاثة المذكورة في المصغر، والرابع: ألا يمتنع مؤنثه من الجمع بالألف والتاء، وذلك قولهم في ضارب: ضاربون، وفي قائم: قائمون، فإن نقص شرطٌ منها لم يجمع كذلك، نحو: طالق ونابت وقائمة و..... وحمراء، فإن «طالق» مؤنثٌ، و«نابت» لا يعقل، و«قائمة» بتاء التأنيث، و«حمراء» لا يُجمع بالألف والتاء، فأحمر لا يُجمع بالألف والنون، وربما أجروا ما لا يعقل مجرى من يعقل لصحة وقوع فعله منه حقيقةً أو مجازًا، كقوله: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}.
واعلم أن الخلاف في هذا الواو هو الخلاف في ألف التثنية، وقد بينا حكميهما في موضعهما في باب الألف فلا نعيده هنا، وحكم الياء أيضًا في هذا الجمع كحكم الواو، فاعلمه.
النوع الثاني: أن تكون دلالة على أن الكلمة نقص حرفٌ منها أو غيرت، وذلك ثلاثة أنواع: نوعٌ حذف منه حرفُ لفظًا، ونوعٌ حُذف منه حرف توهمًا، ونوع غير توهمًا، ومنها ما هو جمعٌ حقيقة، ومنها ما هو اسم جمعٍ. وجملةٌ ما جاء من ذلك يُحفظ ولا يُقاس عليه.
النوع الأول: الذي حُذف منه حرفٌ لفظًا، قولهم: مئون في جمع مائة،
وثبون في جمع ثُبة، وظُبون في جمع ظُبة، ورئون في جمع رئة، وسنون في جمع سنة، وبُرون في جمع بُرة، وعضون في جمع عِضة، وقلون في جمع قُلة، وكرون في جميع كُرة، وعزون في جمع عزة، قال الشاعر:
.... .... .... .... = ثلاث مئينٍ والجدود العواثر
وقوله:
عن مُبرقاتٍ بالبرين وتبـ = دو بالأكف اللامعات سُور
وقال آخر:
فعظناهم حتى ثنى الوعظ منهم = قُلبوًا وأكبادًا لهم ورئينا
وقال الله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ}، وقال الله تعالى:
{الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ} أي: مثل أعضاءٍ متفرقة، وقال تعالى: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}، فهذه الألفاظ كلها لما حُذفت منها لامتها عوِّض منها الواو دلالة على ما حُذف منها وجُمع [جمعًا] مسلمًا لئلا يتغير البناء بالتكسير، فيخرجوا عما قصدوه من الدلالة على المحذوف، [و] لم يجمع بالألف والتاء لأنه يُشرك معه في ذلك ما لم يحذف منه كعائشاتٍ وفاطماتٍ، وهذه الواو إنما كانت في المؤنث، وأصلها أن تكون دلالةً على التذكير لاختصاصها بالدلالة على المحذوف لا غير.
ومن هذه الألفاظ ما لامه المحذوف واو، ومنها ما لامه ياء، ومنه ما لامه هاء، وبسطُ الكلام على تحقيق ذلك مُحكم في كتب التصريفين وليس حظنا هنا سوى الإعلام بحقيقة هذه الواو لا غير.
النوع الثاني: ما حُذف منه حرفٌ توهمًا، وذلك قولهم: أرضون في جمع أرض، ودهيدهون في جمع دهداه وهي القطعةُ من الإبل، وفتكرون في جمع فتكر، وأبيكرون في جمع أبيكر تصغير أبكر، والبرحون في جمع البرح، والأقورون في جمع أقور. وفتكر والبرح والأقور أسماء الدواهي.
قال الراجز:
قد وردت إلا دهيدهينا = قُليصات وأبيكرينا
فهذه الألفاظ جُمعت بالواو والنون دلالة على أنها قد حُذفت منها شيءٌ توهمًا وهو التاء التي تدل على التأنيث، فـ «أرض» مؤنثة فحقها أن تكون
بتاء التأنيث، قال الله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا}، {وَمَا طَحَاهَا}، فلما استعملت بغير تاءٍ بقيت التاء متوهمة فيها في التقدير فجعلت الواو تدل عليها.
وجرت التاء في ذلك مجرى اللام المحذوفة في النوع الأول، لأن بين تاء التأنيث ولام الكلمة مناسبةً من جهات:
منها: أن الاسم الذي تكون فيه بالتاء إذا كان رباعيًا يُصغر بغير هاء نحو: عٌقيرب في عقرب، وزيينب في زينب، ولا يقولون عقيربة ولا زيينبة، كما يقولون في قدرك قديرة وفي شمس: شُميسة، وإنما ذلك لأن الحرف الرابع كتاء التأنيث في المؤنث بها، فكما لا يدخلون على تاء التأنيث تاءً أخرى، كذلك لا يدخلونها على الحرف الرابع.
ومنها: أنهم قد عاقبوا بين التاء ولام الكلمة في بعض المواضع، فحيث ثبتت إحداهما سقطت الأخرى، وذلك قولهم ظبة وظبي، ولغة ولغى، وبرة وبُرى، فثبتت التاء في المفرد دون اللام وثبتت اللام في الجمع دون التاء، وإنما ذلك لتناسبها وأن التاء كلام الكلمة في اللزوم.
ومنها: أن الواو التي يجب قلبها ياء لوقوعها طرفًا كدلوٍ وأدلٍ وحقوٍ وأحقٍ ثبتت قبل تاء التأنيث فلا تحذف، لأنها إذ ذاك لم تقع طرفًا كما في أدلٍ وأحقٍ وذلك في نحو قمحدوة وعرقوة، لولا التاء لقلبت الواو ياءً فدل ذلك على أنها كحرف من الكلمة في نحو: عضرفوط ومنصور.
وأما «دهيدهون» فكأنه جمع دهيدهة تصغير دهداهة لأنها القطعة من الإبل، فحقها أن تكون مؤنثة بتاء التأنيث فروعي ذلك وجُعلت مقدرة، وجُعلت الواو دالة على حذفها.
وأما أبيكرون فجمع أبيكر تصغير أبكر، وكان حقه أن يكون «أبكرة» كأندية وأجرية جمع جروٍ فيؤنث على معنى القطعة، فلما توهم ذلك جُمع بالواو والنون دلالة على ذلك.
وأما «فتكرون» و«البرحون» و«والأقورون» فكل واحدٍ منهم جمع ما هو في معنى الداهية، والداهية مؤنثة، فكذلك ما في معناها، فلما توهموا ذلك جعلوا الجمع بالواو والنون دلالة على ذلك، وجمع ذلك كله على معنى التكثير في الأمر الداهي واختلاف أنواعه، فاعلمه.
ومما يجري ولم يُسمع له مفردٌ فهو جمعٌ غير حقيقي قولهم في البلاد: قنسرين وفلسطين وبيرين ونصيبين وصرفين وعاندين والسيلحون وعليون وياسمين، فكأن لفظ كل واحدس منهما مؤنثٌ على معنى البلدة أو البقعة أو القطعة، فلما رُوعي ذلك المتوهم جعل بالواو والياء دلالة على ذلك.
وأما العقود فإنها لما كانت جمع عشرة وثلاثة وأربعة وخمسة وستة وسبعة وثمانية وتسعة لم ينبغ أن تدخل في هذا الباب لأن تأنيثها ظاهر، وإنما ذلك
اسم جمعٍ لا جمع له، فهو مسموعٌ لا يتعلل لخروجه عن هذه الأبواب وإن كانت ملفقة التعليل.
النوع الثالث: ما غير توهمًا فدلت الواو على ذلك، نحو قولهم: «إوزون» في جمع إوزة، و«إحرون» في جمع أحرة و«حرون» في جمع حرة، قال الشاعر:
تلقى إلا وزون في أكناف دارتها = بيضًا وبين يديها التبن منثور
وقال آخر:
.... .... .... .... = لا خمس إلا جندل الإحرين
وقول آخر:
.... .... .... .... = فما حوت نقدةُ ذات الحرِّينْ
وكان الأصل: إوززة وإحررة، وحررة في معنى أحرة، فجرت مجراها فلما نُقلت حركة الزاي الأولى والراء الأولى إلى الواو والحاء لاجتماع المثلين سُكنتا فاندغمتا فيما بعدهما، فجعل الجمع بالواو والنون عوضًا من التغير المذكور، ولا
يُقاس على شيء من الثلاثة الأنواع غيرها فيما فيه الحذف والتغيير، وإنما علل من ذلك ما عُلل بعد السماع لأنه ليس بابًا يُبنى عليه.
واعلم أن ما الإعراب بالحركات في آخره من ذلك كقنسرين وفلسطين وإوزين وصرفين وياسمين لا كلام عليه لأنه مفرد، وإنما الكلام عليها إذا جرت مجرى زيدين وعمرين من الجموع، فافهمه والله المستعان.
الموضع الثاني: أن تكون علامة الجمع في الفعل الماضي والمضارع إذا تأخرت الأسماء عنها نحو: قاموا الزيدون ويضربون العمرون، ومن كلامهم: أكلوني البراغيث، ومنه عند بعضهم قوله تعالى: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا}، و{عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ}، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب الألف، وهذه اللغة شاذة قليلة الاستعمال.
فإذا تقدمت الأسماء على الفعلين المذكورين فهي ضمير اسم نحو: الزيدون قاموا، والعمرون يخرجون، وقد مضى الكلام على الخلاف فيه، والصحيح مما قيل في ذلك، والرد على المخالف في الباب المذكور فقس عليه.
الموضع الثالث: أن تكون دلالة على التذكير في موضع، والتذكير والجمع في موضع، فالدلالة على المفرد المذكر في الضمير نحو: ضربتهو وقتلتهو، كما دلت الألف على التأنيث في الضمير في نحو: ضربتها وقتلتها، والدالة على التذكير والجمع في نحو: ضربتمو وقتلتمو، كما كانت الألف دالة على التثنية فيه في نحو: ضربتما وقتلتما.
وربما حُذفت هذه الواو تخفيفًا فسكنت الميم، فقيل ضربتم وقتلتم، إذ الميمُ تدل على الجمع لما فيها من معنى الزيادة للتعظيم كما تقدم في باب الميم.
الموضع الرابع: أن تكون إشباعًا للضمة كما كانت الألف إشباعًا للفتحة وذلك نحو قولهم في أنظر: أنظور، وفي أشك: أشكور، ومنه قول الشاعر:
.... .... .... .... = .... حيثما سلكوا أدنو فأنظور
وقد ذُكر في باب الألف أيضًا.
الموضع الخامس: أن تكون إطلاقًا للقافية المطلقة لأجل الوزن، وذلك أن تأتي في موضع النون من آخر العروض السبعة التي هي: فعلون وفاعلن ومفاعيلن وفاعلانن ومستفعلن ومفاعلن ومتفاعلن، أو الألف من مفعولا، وكل ذلك من نفس وزن البيت، وتختص بتلك التسمية الواو إذا كانت زائدة على الكلمة لا احتياج إليها كقول الشاعر:
أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوصو = فتقصر عنها خطوةً وتبوصو
وقول الآخر:
أقفر من أهله ملحوبو = فالقطبيات فالذنوبو
وقوله:
عفا ذو حسى من فرتنا فالفوارعُ = فجنبا أريك فالتلاع الدوافع
وقد تسمى واوُ الضمير إطلاقًا كالزائدة، وذلك بالفرض لا بالحقيقة كقوله:
فأنت أنت وإن شطوا وإن زاروا = .... .... .... ....
وقد تسمى أيضًا الواو الأصلية إطلاقًا بالفرض نحو قوله:
سلا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو = .... .... .... ....
وقوله فيها:
وقد كنت من سلمى سنين ثمانيًا = على صير أمرٍ ما يمر ولا يحلو
وإنما سميت هذه الواو إطلاقًا لأنها أطلقت حرف الروي، وهو الحرف الذي التزمت عليه القافية إلى الحركة من عقال التقييد وهو السكون، فكل قافية كان رويها متحركًا فهي مطلقة، وكل قافيةٍ كان رويها ساكنها فهي مقيدة، فلذلك قيل لحروف المد الثلاثة: الواو والألف والياء حروف إطلاق، لأن ما قبلها لا يكون إلا متحركًا بالضم أو الفتح أو الكسر، والمقيد هو نحو قوله:
أصحوت اليوم أم شاقتك هر = ومن الحُب جنونق مستعرٌ
فالراءُ هو الروي، وهو مقيدٌ بالسكون كما ترى.
الموضع السادس: أن تكون للتذكر لما مضى، فتمدها إذا وقفت على الكلمة المتحركة بالضم نحو قولك في أضربُ زيدًا، إذا وقفت على «أضربُ» دون «زيدًا»: أضربو، وذلك دلالة على أن في الكلام محذوفًا بعد الكلمة هو مرادٌ، وحكمها في ذلك حكم الألف، وقد ذُكرت في بابها.
الموضع السابع: أن تكون للوقف وهو نوعان: نوعٌ في الاستثبات بـ «من» في باب الحكاية عن النكرة المرفوعة، نحو قولك في استثبات من قال جاء رجل: منو، وجاء رجلان: منو، وجاء رجالٌ: منو، وجاءت امرأة: منو، وجاءت امرأتان: منو، وجاءت نساء: منو، وإنما ذلك دلالةٌ على اسمٍ مرفوعٍ.
ومن العرب من يجعل لـ «من» علامات المفرد والمثنى والمجموع والمذكور والمؤنث، فيقول في جاء رجلٌ: منو، وجاء رجلان: منان، وجاء رجال: منون، وجاءت امرأة: منه بتحريك النون، وجاءت امرأتان: منتان بسكون النون، وجاء نساء: منات.
فإذا وصلت كلامك في اللغتين حذفت الواو والعلامات فقلت: من يا هذا، ولا يُقاس على قوله:
أتواناري فقلت: منون أنتم = فقالوا الجن قُلت عموا ظلاما
أو قال: صباحا، على اختلاف الروايتين لأنه شاذٌ من شعرٍ في جنى.
والنوع الثاني في غير ذلك من المنوات المرفوعة عند بعض العرب فيقولُ على على لغتهم في «جاء زيدٌ» في الوقف: جاء زيدو، وفي قام رجلٌ فيه: قام رجلو، وهي لغةٌ قليلةُ الاستعمال، وكأن الواو في الوقف عندهم في المرفوع عرضٌ من التنوين في الوصل، فلذلك أثبتوها دلالة عليه.
فإن كان الاسمُ مبنيًا لا يفعلون ذلك فيه، ولغة هؤلاء إثباتُ الألف في الوقف
في المنصوب، والياء في الخفض، المنونين، وهذه اللغة احدى اللغات السبع في الوقف على المعرب الصحيح، واللغة الكثيرة فيه الوقف على السكون في الرفع والخفض، وعلى الألف في النصب، فاعلمه.
الموضع الثامن: أن تكون في بنية الكلمة فلا تعلل لأنها مبدأ لغة، ولكن يوقف فيه مع السماع، فتكون [ثانية] في مثل كوثر، وثالثة في مثل: كنهور، وخامسة في مثل كنثأو، ولم تزد أولًا، لأنها لو زيدت أولًا لأشكل أمرها، لأنه لا يعلم هل هي همزة أو واو، وإذ يجوز فيها إذا كانت أولًا غير زائدةٍ وجهان: الهمز وعدمه نحو: أجوه ووجوه.
وأما «ورنتل» فالواو فيه أصلية، فوزنه فعنلل كعبنقس، زيدت في نفس الكلمة للمد نحو: عجوز وغضرفوط، ودلالة على المفعول نحو: مضروب ومقتول، وزيادتها لهذا المعنى في نفس الكلمة قياسٌ، فاعلمه.
القسم الثاني: التي هي بدلٌ من أصل، ونعني بالأصل ما كان قبل بدلها منه أصلًا بنفسه، لا أنه من نفس الكلمة ....، وهذه الواو على ثلاثة أقسام: قسم بدل من همزةٍ، وقسم بدل من ألف، وقسم بدلٌ من ياء.
فالقسم التي هي بدل من همزةٍ لها ثلاثة مواضع:
الموضع الأول: أن تكون بدلًا من همزة الاستفهام إذا كان بعدها ألف وهمزة مسهلة نحو قولك في أآليت: وآليت، وفي [أ] آمنتم: وآمنتم،
ومنه قراءة قنبل من رواية ابن كثير: «وآمنتم به قبل أن آذن لكم»، وإنما ذلك لكراهة اجتماع همزتين في الأصل وإن كان بينهما ألف.
الموضع الثاني: أن تكون بدلًا من همزة المضارعة في الفعل الرباعي إذا دخلت عليها همزة الاستفهام نحو قولك في أأكرم زيدًا: أو كرم زيدًا وفي أأنبئك بكذا: أؤنبئك، والأصل: أأكرم زيدًا وأأنبئك بكذا، وهذا من باب تسهيل الهمزة المضمومة بنسبة حركتها التي هي الضمة، وقرأ بعض القراء نحو قوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ}، و«أونزل عليه الذكر» و«أوشهدوا خلقهم»، و«أولقي الذكر»، وكذلك حكم المكسورة إذا كان قبلها ضمةٌ في همزةٍ أخرى قبلها من كلمة أخرى، [و] لأنها أصليةٌ فليست من الباب لأن كلامنا في الحروف التي لمعنى نحو: «السفهاءُ ولا» في: السفهاء إلى، و«الشهداء وذا» في: الشهداءُ إذا، وهو كثيرٌ.
الموضع الثالث: أن تكون بدلًا من همزة التأنيث في التثنية والجمع والنسب نحو قولك في حمراوان وحمراوات وحمراوي، وخنفساء وخنفساوان وخنفساوي، وحكم همزة الإلحاق في ذلك كحكم همزة التأنيث، نحو قولك في علباء وقرباء: علباوان وقرباوان، وعلباوات [وقرباوات] وعلباوي وقرباوي، ولا يلزم ذلك بل فيهما لغةٌ أخرى: البقاءُ على لفظ الهمزة في المواضع الثلاثة، والأولى أكثر.
القسم المبدلة من ألف لها موضعان:
الموضع الأول: أن تكون بدلًا من الألف الزائدة الثانية في بنية الكلمة في التصغير وجمع التكسير، وذلك قولك في تصغير ضارب، ضويرب، وقاتل، قويتل، وفي جمعها المكسر: ضوارب وقواتل وكذلك ما كان نحو ذلك.
وإنما انقلبت الألف في ذلك إلى الواو في التصغير لأن الاسم إذا صغر لزم ضم أوله، ولا يصح أن يكون ما قبل الألف إلا مفتوحًا فقلبت واوًا لأجل الضمة قبلها.
وأما قلبها في التكسير فالجمل على التصغير، إذ ليس لها قبلها ضمةٌ توجبُ قلبها واوًا، وإنما حُمل التكسير على التصغير لأنه يناسبه في أن ثالثه حرف علةٍ زائدة ثالث بعده مكسور إن كان أزيد من ثلاثة بغير علامة تأنيث، نحو ضويرب وضوارب، ولأجل ذلك يُحمل التصغير على التكسير في نحو قولهم في تصغير أسود: أسيود، بإظهار الواو، وكان القياس قلبها ياءً إلا أنه لما قيل في التكسير: أساود، حُمل التصغير عليه لأنهما من واو واحد كما ذكرتُ لك.
الموضع الثاني: أن تكون بدلًا من ألف الندبة التي في مثل قولك: وازيداه، واعمراه، وذلك إذا خيف التباسٌ بين التثنية والجمع في الضمير المضاف إليه نحو قولك في غلامهم وغلامكم: واغلامكموه واغلامهموه، لأنه لو بقيت الألف فقيل: واغلامهماه، واغلامكماه، لالتبس بالتثنية والجمع فقلبت الألفُ واوًا لأجل الضمة قبلهما في كونه جميعًا.
القسم المبدلة من الياء أيضًا لها موضعان.
الموضع الأول: أن تكون بدلًا من الياء الثانية والزائدة في بنية الكلمة إذا بُنيت لما لم يُسم فاعله نحو قولك في بيطر: بوطر، وفي هينم: هونم، وفي سيطر: سوطر، وكذلك تقول في تصغير الاسم .... فيه كذلك نحو قولك في صيرف: صويرف، وصيقل: صويقل، فتقلب الياء واوًا في الوجهين لأجل ضمة ما قبلها، لأن ما لم يُسم فاعله يلزم ضم أوله، وكذلك المصغر، وعلة ذلك فيهما مذكورةٌ في كتب النحويين، والضمة تناقض الياء، إذ هي بعض الواو التي تناقضها لعلو الواو وسفول الياء، فاستثقل اجتماعهما، فإذا قُلبت واوًا تناسبا فخف النطق بهما.
الموضع الثاني: أن تكون بدلًا من ياء بدل من ألف، وذلك [قولك] في مصدر فاعلتُ: ضيراب من ضاربت، وقيتال من قاتلتُ، فهذا النوع إذا صغرته لزم قلب تلك الياء واوًا لأجل الضمة أيضًا قبلها، فتقول: ضويريب وقويتيل، وينبغي أن تنقلب أيضًا واوًا في جمع التكسير فيقال: ضواريب وقواتيل، وليس ذلك تعليل إلا الحملُ على التصغير لأنهما من وادٍ واحدٍ كما ذُكر، فاعلمه). [رصف المباني:409 - 441]


رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:54 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


الواو
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها (الواو): وتجرّ في القسم الظاهر دون المضمر، ونائبة عن (ربّ) على خلافٍ فيها). [التحفة الوفية:

الباب الثاني: في تقسيم الحروف بحسب ألقابها
العطف، وحروفه:
(الواو)
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (الباب الثاني: في تقسيم الحروف بحسب ألقابها.
وتنتهي إلى خمسين، فمنها:
العطف، وحروفه:
(الواو): للجمع المطلق، لا للترتيب، خلافاً لبعض الكوفيّين). [التحفة الوفية: ؟؟]

حروف المعية

قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها المعيّة:
وحروفه: (الواو) في باب المفعول معه، و(إلى) بمعنى (مع) على قول، كقوله تعالى: {إلى المرافق}، و(مع) الساكنة العين على القول بحرفيّتها). [التحفة الوفية: ؟؟]

الإنكار
قال إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الصفاقسي (ت: 742هـ): (ومنها الإنكار: وحرفه: ألفٌ، أو واوٌ، أو ياءٌ مردفةٌ بهاء سكتٍ، نحو: عمراه، لمن قال: رأيت عمراً، و: عمروه، لمن قال: مررت بعمرٍو، و: أزيد نيه، لمن قال:
ويقولو، فإن كان آخره ساكناً، وهو حرف مدٍّ ولينٍ أشبع مدّه، نحو: القاضي، وإلا كسر، وألحق الحرف، نحو: زيدي، وقدي، والله أعلم). [التحفة الوفية: ؟؟]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:56 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال الحسن بن قاسم بن عبد الله بن عليّ المرادي المصري المالكي (ت: 749هـ): (الواو
حرف يكون عاملاً، وغير عامل. فالعامل قسمان: جار وناصب فالجار: واو القسم، وواو رب. والناصب: واو مع، تنصب المفعول معه، عند قوم. والواو، التي ينتصب الفعل المضارع بعدها،
هي الناصبة له، عند الكوفيين. فأقسام الواو العاملة أربعة. ولا يصح منها غير الأول. وسيأتي بيان ذلك.
فأما واو القسم فحرف يجر الظاهر، دون المضمر. وهو فرع الباء، لأن الباء فضلت بأربعة أوجه، تقدم بيانها. وذهب كثير من النحويين إلى أن الواو بدل من الباء؛ قالوا: لأنها تشابهها مخرجاً ومعنى، لأنهما من الشفتين، والباء للإلصاق والواو للجمع. واستدلوا على ذلك بأن المضمر لا تدخل عليه الواو، لأن الإضمار يرد الأشياء إلى أصولها.
وأما واو رب فذهب المبرد، والكوفيون، إلى أنها حرف جر، لنيابتها عن رب، وأن الجر لا ب رب المحذوفة. واستدل المبرد على ذلك بافتتاح القصائد بها، كقوله: وقاتم الأعماق، خاوي المخترق والصحيح أن الجر ب رب المحذوفة، لا بالواو.
ولأن الواو أسوة الفاء وبل، قال ابن مالك: ولم يختلفوا في أن الجر بعدهما ب رب المحذوفة، وقد تقدم ذكر ذلك في الفاء.
والواو المذكورة عاطفة. ولا حجة له، في افتتاح القصائد بها،
على أنها غير عاطفة، لإمكان إسقاط الراوي شيئاً من أولها، ولإمكان عطفها على بعض ما في نفسه.
وأما واو مع فذهب عبد القاهر إلى أنها ناصبة للمفعول معه، في نحو: استوى الماء والخشبة. وهو ضعيف، لأن الواو لو كانت عاملة لا تصل بها الضمير، في نحو: سرت وإياك. والصحيح أن المفعول معه منصوب بما قبل الواو، من فعل، أو شبهه، بواسطة الواو.
وذهب الزجاج إلى أن ناصبه مضمر بعد الواو، من فعل، أو شبهه. تقديره في ما صنعت وأباك: وتلابس أياك. وهو ضعيف، لأن فيه إحالة لباب المفعول معه، إذ المنصوب ب تلابس مفعول به.
وذهب الكوفيون إلى أن منصوب بالخلاف. وهو فاسد، لأن الخلاف معنى، والمعاني المجردة لم يثبت النصب بها.
وقال الأخفش: انتصابه انتصاب الظرف، وذلك لأن الأصل: سرت مع النيل. فلما جيء بالواو في موضع مع انتصب الاسم انتصاب مع. والواو مهيئة لانتصاب هذا الاسم انتصاب الظرف. ونظير ذلك إعراب ما بعد إلا بإعراب غير، إذا وقعت إلا صفه.
فإن قلت: فهل واو مع قسم برأسه، أو هي الواو العاطفة؟ قلت: بل هي غيرها. وقال قوم: إنها، في الأصل، هي العاطفة. ولذلك لا تدخل عليها واو العطف، ولو كانت غيرها لصح دخول واو العطف عليها، كما تدخل على واو القسم.
وأما الواو التي ينتصب المضارع بعدها فتكون في موضعين: الأول في الأجوبة الثمانية، التي تقدم ذكرها، للفاء الناصبة. كقول الشاعر:
لا تنه عن خلق، وتأتي مثله ... عار عليك، إذا فعلت، عظيم
والثاني: أن يعطف بها الفعل على المصدر، كقول القائلة:
للبس عباءة، وتقر عيني ... أحب إلي، من لبس الشفوف
وذهب بعض الكوفيين إلى أن الواو في ذلك هي الناصبة للفعل، بنفسها، وذهب بعضهم إلى أن الفعل منصوب بالمخالفة. والصحيح أن الواو في ذلك عاطفة، والفعل منصوب ب أن مضمرة بعد الوا. إلا أنها، في الأول، عاطفة مصدراً مقدراً على مصدر متوهم، وفي الثاني عاطفة مصدراً مقدراً على مصدر صريح. وإضمار أن بعدها
في الأول واجب، وفي الثاني جائز.
وأما الواو غير العاملة فقد ذكر بعضهم لها أقساماً كثيرة. وهي راجعة إلى ثمانية أقسام: الأول: العاطفة. وهذا أصل أقسامها وأكثرها. والوا أم باب حروف العطف، لكثرة مجالها فيه. وهي مشركة في الإعراب والحكم.
ومذهب جمهور النحويين أنها للجمع المطلق. فإذا قلت: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة أوجه: الأول أن يكونا قاما معاً، في وقت واحد. والثاني أن يكون المتقدم قام أولاً. والثالث أن يكون المتأخر قام أولاً. قال سيبويه: وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا بشيء بعد شيء.
وذهب قوم إلى أنها للترتيب. وهو منقول عن قطرب،
وثعلب، وأبي عمر الزاهد غلام ثعلب، والربعي، وهشام، وأبي جعفر الدينوري. ولكن قال هشام والدينوري: إن الواو لها معنيان: معنى اجتماع، فلا تبالي بأيتهما بدأت، نحو: اختصم زيد وعمرو، ورأيت زيداً وعمراً، إذا اتحد زمان رؤيتهما. ومعنى اقتران، بأن يختلف الزمان، فالمتقدم في الزمان يتقدم في اللفظ، ولا يجوز أن يتقدم المتأخر. وعن الفراء أنها للترتيب حيث يستحيل الجمع. وقد علم بذلك أن ما ذكره السيرافي والفارسي والسهيلي، من إجماع النحاة، بصريتهم وكوفيهم، على أن الواو لا ترتب، غير صحيح.
قال ابن الخباز: وذهب الشافعي، رضي الله عنه، إلى أنها
للترتيب. ويقال: نقله عن الفراء. وقال إمام الحرمين في البرهان: اشتهر، من مذهب أصحاب الشافعي، أنها للترتيب، وعند بعض الحنفية للمعية، وقد زل الفريقان.
وقال ابن مالك في التسهيل: تنفرد الواو بكون متبعها في الحكم محتملاً للمعية برجحان. وللتأخر بكثرة، وللتقدم بقلة. قيل: وهو مخالف، في ذلك، لكلام سيبويه وغيره.
وقال ابن كيسان: لما احتملت هذه الوجوه، ولم يكن فيها أكثر من جمع الأشياء، كان أغلب أحوالها أن يكون الكلام على الجمع، في كل حال، حتى يكون في الكلام ما يدل على التفرق.
تنبيهات
الأول: تنفرد الوا، في العطف، بأمور. منها باب المفاعلة والافتعال، نحو تخاصم زيد وعمرو، واختصم زيد وعمرو. وهذا أحد الأدلة على أنها لا ترتب.
الثاني: إذا عطف بالواو على منفي فإن قصدت المعية لم يؤت بلا بعد الواو، نحو: ما قام زيد وعمرو. وقد ترد زائدة، إن أمن اللبس، نحو: ما يستوي زيد ولا عمرو. لأن المعية هنا مفهومة من يستوي، وإن لم تقصد المعية جيء ب لا، نحو: ما قام زيد ولا عمرو، ليعلم بذلك أن الفعل منفي عنهما حال الاجتماع والافتراق. ومنه {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم، عندنا، زلفى}.
فإن قلت: إذا قيل: ما قام زيد ولا عمرو، فهل هو من عطف المفردات أو من عطف الجمل؟ قلت: بل من عطف المفردات، خلافاً لبعضهم.
الثالث: قال السهيلي: الواو قسمان: أحدهما أن تجمع الاسمين في عامل واحد، وتنوب مناب صيغه التثنية. فيكون قام زيد وعمرو بمنزلة: قام هذان. وإذا نفي الفعل قلت: ما قام زيد وعمرو. والثاني
أن تضمر بعد الواو، فترفع المعطوف بذلك المضمر، أو تنصب، فإذا نفيت، على هذا، قلت: ما قام زيد ولا عمرو. فالواو عاطفة جملة على جملة.
ويتركب على هذين الأصلين مسائل. منها: قامت هند وزيد، إذا أضمرت. وقام هند وزيد، إذا جعلها جامعة، لتغليب المذكر على المؤنث. وتقول: طلعت الشمس والقمر، على هذا. ولا تقول في جمع إلا: جمع الشمس والقمر. ومنها: زيد قام عمرو وأبوه، إن جعلتها جامعة جاز، أو أضمرت بعدها لم يجز. وكذلك في الصلة والصفة.
الرابع: قال بعض العلماء: الصواب أن يقال: الواو لمطلق الجمع، لا للجمع المطلق. لأن الجمع المطلق هو الجمع الموصوف بالإطلاق، لأنا نفرق بالضرورة بين الماهية بلا قيد، والماهية المقيدة، ولو بقيد لا. والجمع الموصوف بالإطلاق ليس له معنى هنا، بل المطلوب هو مطلق الجمع، بمعنى أي جمع كان، سواء كان مرتباً أو غير مرتب. ونظير ذلك قولهم: مطلق الماء، والماء المطلق.
الثاني من أقسام الواو: واو الاستئناف، ويقال: واو الابتداء. وهي الواو التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها، في المعنى، ولا مشاركة له في الإعراب. ويكون بعدها الجملتان: الاسمية والفعلية. فمن أمثلة الاسمية قوله تعالى: {ثم قضى أجلاً، وأجل مسمى عنده}. ومن أمثلة الفعلية {لتبين لكم، ونقر في الأرحام ما نشاء}، {هل تعلم له سمياً، ويقول الإنسان}. وهو كثير.
وذكر بعضهم أن هذه الواو قسم آخر، غير الواو العاطفة. والظاهر أنها الواو التي تعطف الجمل، التي لا محل لها من الإعراب، لمجرد الربط، وإنما سميت واو الاستئناف، لئلا يتوهم أن ما بعدها من المفردات، معطوف على ما قبلها.
وذكر بعض النحويين أن واو رب في نحو:
وبلدة ليس بها أنيس ينبغي أن تحمل على أنها واو الابتداء. وقد تقدم ذكرها.
الثالث: واو الحال: وقدرها النحويون ب إذ، من جهة أن الحال، في المعنى، ظرف للعامل فيها. وتدخل على الجملة الاسمية، نحو: جاء زيد ويده على رأسه، وعلى الفعلية، إذا تصدرت بماض. الأكثر اقترانه ب قد، نحو: جاء زيد وقد طلعت الشمس. وتدخل على المضارع المنفي، ولا تدخل على المثبت. وأما نحو قوله: نجوت، وأرهنهم مالكا فالصحيح أنه على إضمار مبتدأ بعد الواو.
واعلم أن اقتران الجملة الحالية بهذه الواو ثلاثة أقسام: واجب، وممتنع، وجائز. وقد أوضحته في غير هذا الموضع، فإن ذكره هنا يطول به الكتاب.
الرابع: الواو الزائدة: ذهب الكوفيون والأخفش، وتبعهم ابن
مالك، إلى أن الواو قد تكون زائدة. وأنشد الكوفيون، على ذلك، قول الشاعر:
حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أولادكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن، لنا ... إن اللئيم، الفاجر، الخب
أراد: قلبتم. وزاد الواو. وأنشد أبو الحسن:
فإذا وذلك، يا كبيشة، لم يكن ... إلا كلمة بارق، بخيال
قال ابن مالك: ومثله قول أبي كبير:
فإذا وذلك ليس إلا ذكره ... وإذا مضى شيء كأن لم يفعل
قلت: وذكروا زيادة الواو في آيات، منها قوله تعالى: {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها}. وقوله {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه}، قيل: واو وتله زائدة، وهو الجواب. وقيل: الزائدة واو وناديناه. ومذهب جمهور البصريين أن الواو لا تزاد، وتأولوا هذه الآيات ونحوها، على حذف الجواب.
الخامس: الواو التي بمعنى أو: ذهب قوم من النحويين إلى أن الواو قد ترد بمعنى أو، كقول الشاعر:
وننصر مولانا، ونعلم أنه ... كما الناس، مجروم عليه، وجارم
وأجاز بعضهم أن تكون الواو في قولهم الكلمة اسم وفعل وحرف بمعنى أو، لأنه قد يقال: اسم أو فعل أو حرف. قلت: العكس أقرب، لأن استعمال الواو في ذلك هو الأكثر. قال ابن مالك:
استعمال الواو فيما هو تقسيم أجود من استعمال أو.
السادس: واو الثمانية: ذهب قوم إلى إثبات هذه الواو، منهم ابن خالويه، والحريري، وجماعة من ضعفة النحويين. قالوا: من خصائص كلام العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، فيقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، إشعاراً بأن السبعة عندهم عدد كامل. واستدلوا بقوله تعالى: {التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الساجدون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر}، وبقوله تعالى: {وثامنهم كلبهم}، وبقوله تعالى: {ثيبات وأبكاراً، وبقوله تعالى: {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها}. قالوا: ألحقت الواو، لأن أبواب الجنة ثمانية، ولما ذكر جهنم قال فتحت
بلا واو، لأن أبوابها سبعة.
وذهب المحققون إلى أن الواو في ذلك إما عاطفة، وإما واو الحال. ولم يثبتوا واو الثمانية. وأنكر الفارسي واو الثمانية، لما ذكرها ابن خالويه في باب المناظرة.
ولنذكر ما قيل في هذه الآيات. أما قوله تعالى والناهون فالواو فيه عاطفة. وحكمة ذكرها في هذه الصفة، دون ما قبلها من الصفات، ما بين الأمر والنهي من التضاد. فجيء بالواو رابطة بينهما لتباينهما، وتنافيهما. وقال بعضهم: هي زائدة. وليس بشيء.
وأما قوله تعالى وثامنهم كلبهم فقيل: هي واو العطف، أي: يقولون سبعة، وثامنهم كلبهم. فهما جملتان. وقال الزمخشري: هي الواو، الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً عن المعرفة. قال: وفائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهي التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه
عن ثبات علم، وطمأنينه نفس، ولم يرجموا بالظن كغيرهم. وهو معترض من جهة أن دخول الواو على الصفة لم يقل به أحد، من النحويين.
وأما قوله تعالى وأبكاراً فليس من هذا الباب، لأن الواو فيه عاطفة، ولابد من ذكرها، لأنها بين وصفين لا يجتمعان في محل واحد.
وأما قوله تعالى وفتحت فقال أبو علي وغيره: هي واو الحال، والمعنى: حتى إذا جاؤوها، وقد فتحت. أي: جاؤوها، وهي مفتحة، لا يوقفون. وهذا قول المبرد أيضاً. وقيل: إن أبواب جهنم لا تفتح، إلا عند دخول أهلها، وأما أبواب الجنة فيتقدم فتحها، بدليل قوله تعالى: {جنات عدن، مفتحة لهم الأبواب}. وجواب إذا، على هذا القول، محذوف، تقديره بعد خالدين، أي: نالوا المنى، ونحو ذلك. حذف للتعظيم. وقيل بعد أبوابها، أي دخلوها. وقيل: الجواب قال لهم والواو مقحمة. وتقدم قول من جعل فتحت هو الجواب، والواو مقحمة. والله أعلم.
السابع: الواو التي هي علامة الجمع في لغة أكلوني البراغيث. وهي لغة ثابتة، خلافاً لمن أنكرها، وأصحاب هذه اللغة يلحقون الفعل المسند إلى ظاهر، مثنى أو مجموع، علامة كضميره. فيقولون: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وقمن الهندات. فالألف والواو والنون في ذلك حروف، لا ضمائر، لإسناد الفعل إلى الاسم الظاهر. فهذه الأحرف عندهم كتاء التأنيث في نحو: قامت هند.
ومن شواهد هذه اللغة، في الواو، قول الشاعر:
بني الأرض قد كانوا بني، فعزني ... عليهم، لإخلال المنايا، كتابها
أنشده ابن مالك. قال: وقد تكلم بهذه اللغة النبي، صلى الله عليه وسلم، قال يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار. وقال السهيلي: ألفيت، في كتب الحديث المروية الصحاح، ما يدل على كثرة هذه اللغة وجودتها. وذكر آثاراً منها: يتعاقبون فيكم ملائكة. ثم قال: لكني أقول في حديث مالك: إن الواو فيه علامة إضمار، لأنه
حديث مختصر. رواه البزار مطولاً مجرداً، فقال فيه: إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ...
قلت: ونسب بعض النحويين هذه اللغة إلى طيئ، وقال بعضهم: هي لغة أزد شنوءة. ومن أنكر هذه اللغة تأول ما ورد من ذلك. فبعضهم يجعل ذلك خبراً مقدماً ومبتدأ مؤخراً، وبعضهم يجعل ما اتصل بالفعل ضمائر، والأسماء الظاهرة أبدال منها. وهذان تأويلان صحيحان، لما سمع من ذلك، من غير أصحاب هذه اللغة، وأما من يحمل جميع ما ورد من ذلك على التأويل فغير صحيح، لأن المأخوذ عنهم هذا الشأن متفقون على أن ذلك لغة قوم مخصوصين من العرب.
وحمل بعضهم على هذه اللغة قوله تعالى: {ثم عموا وصموا كثير منهم}، {وأسروا النجوى}. قلت: ولا ينبغي ذلك لأن هذه اللغة ضعيفة، فلا يحمل القرآن إلا على اللغات الفصيحة. والتأويلان المذكوران، قيل: يجريان في الآيتين. وقيل في وأسروا النجوى أقوال أخر.
الثامن: واو الإنكار. نحو قولك أعمروه لمن قال: جاء عمرو. وحرف الإنكار تابع لحركة الآخر، ألفاً بعد الفتحة، وياء بعد الكسرة، وواواً بعد الضمة. ويردف بهاء السكت.
التاسع: واو التذكار. نحو قولك يقولو تعني: يقول زيد. وحرف التذكار أيضاً تابع لحركة الآخر، وإنما يكون ذلك في الوقف على الكلمة، لتذكر ما بعدها. فإن كان آخر الموقوف عليه ساكناً كسر وألحق الياء، ولا تلحق هاء السكت حرف التذكار، لأن الوصل منوي. وقد عدوا حرف الإنكار وحرف التذكار من حروف المعاني.
العاشر: أن يكون بدلاً من همزة الاستفهام، إذا كان بعدها همزة. كقراءة قنبل {قال فرعون: وآمنتم}، {وإليه النشور. وأمنتم}. فالواو في ذلك بدل من همزة الاستفهام. ذكر ذلك صاحب رصف المباني. ولا ينبغي ذكر مثل هذا، إذ لو فتح هذا الباب لعدت الواو من حروف الاستفهام. والإبدال في ذلك عارض، لاجتماع الهمزتين. والله أعلم.
فهذه جملة أقسام الواو، وهي أربعة عشر قسماً. وبقيت للواو أقسام أخر، ذكرها النحويون، ليست من حروف المعاني.
منها الواو التي هي ضمير الجمع، نحو: الزيدون قاموا. فهذه الواو اسم، خلافاً للمازني. فإنه قال: هي حرف، والفاعل مستكن في الفعل.
ومنها الواو التي هي علامة الرفع، نحو: جاء الزيدون.
ومنها واو الإشباع، وهي الزائدة للضرورة، ي نحو قول الشاعر:
وأنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيث ما سلكوا أدنو، فأنظور
أي: فأنظر. فأشبع الضمة لإقامة الوزن.
ومنها واو الإطلاق. وهي، في الحقيقة، واو الإشباع، لكنها قياسية، كالواو في قوله:
سقيت الغيث، أيتها الخيام ومنها واو الإبدال. وهي أقسام: بدل من همزة، نحو يومن. وبدل من ألف، نحو: خوصم زيد، لأن أصله خاصم. وبدل من ياء، نحو: موقن. فإنه من اليقين.
ومنها الواو الأصلية، كالواو في وعد.
وإنما ذكرت هذه الأقسام، مع أنها ليست من حروف المعاني، لأن بعض من صنف، في حروف المعاني، ذكر منها أقساماً، فأوهم كلامه أنها حروف معان.
وقد كنت نظمت للواو خمسة عشر معنى، في هذه الأبيات. وإليها يرجع جميع أقسامها:
الواو أقسامها تأتي ملخصة ... أصل، وعطف، والاستئناف، والقسم
والحال، والنصب، والإعراب، مضمرة ... علامة الجمع، والإشباع منتظم
وزائد، وبمعنى أو، ورب، ومع ... وواو الأبدال فيها العد يختتم). [الجنى الداني:153 - 174]


رد مع اقتباس
  #10  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:57 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قال عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن هشام الأنصاري (ت: 761هـ): (حرف الواو
الواو المفردة
الواو المفردة انتهى مجموع ما ذكر من أقسامها إلى خمسة عشر
1 - الأول العاطفة ومعناها مطلق الجمع فتعطف الشّيء على مصاحبة نحو {فأنجيناه وأصحاب السّفينة} وعلى سابقه نحو {ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم}
وعلى لاحقه نحو {كذلك يوحي إليك وإلى الّذين من قبلك}
وقد اجتمع هذان في {ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} فعلى هذا إذا قيل قام زيد وعمرو احتمل ثلاثة معان
قال ابن مالك وكونها للمعية راجح وللترتيب كثير
ولعكسه قليل انتهى
ويجوز أن يكون بين متعاطفيها تقارب أو تراخ نحو {إنّا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} فإن الرّد بعيد إلقائه في اليم والإرسال على رأس أربعين سنة
وقول بعضهم إن معناها الجمع المطلق غير سديد
لتقييد الجمع بقيد الإطلاق وإنّما هي للجمع لا بقيد
وقول السيرافي إن النّحويين واللغويين أجمعوا على أنّها لا تفيد التّرتيب مردود بل قال بإفادتها إيّاه قطرب والربعي والفراء وثعلب وأبو عمر الزّاهد وهشام والشّافعيّ
ونقل الإمام في البرهان عن بعض الحنفيّة أنّها للمعية
وتنفرد عن سائر أحرف العطف بـ عشر حكما
أحدها احتمال معطوفها للمعاني الثّلاثة السّابقة
والثّاني اقترانها بإما نحو {إمّا شاكرا وإمّا كفورا}
والثّالث اقترانها بـ لا إن سبقت بنفي ولم تقصد المعيّة نحو ما قام زيد ولا عمرو ولتفيد أن الفعل منفي عنهما في حالتي الاجتماع
والافتراق ومنه {وما أموالكم ولا أولادكم بالّتي تقربكم عندنا زلفى} والعطف حينئذٍ من عطف الجمل عند بعضهم على إضمار العامل والمشهور أنه من عطف المفردات وإذا فقد أحد الشّرطين امتنع دخولها فلا يجوز نحو قام زيد ولا عمرو وانما جاز {ولا الضّالّين} لأن في غير معنى النّفي وإنّما جاز قوله
(فاذهب فأي فتى في النّاس أحرزه ... من حتفه ظلم دعجٌ ولا حيل)
لأن المعنى لا فتى أحرزه مثل {فهل يهلك إلّا القوم الفاسقون} ولا يجوز ما اختصم زيد ولا عمرو لأنّه للمعية لا غير وأما {وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظّلمات ولا النّور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات}
فلا الثّانية والرّابعة والخامسة زوائد لأمن اللّبس
والرّابع اقترانها بلكن نحو {ولكن رسول الله}
والخامس عطف المفرد السّبي على الأجنبيّ عند الاحتياج إلى الرّبط كـ مررت برجل قائم زيد وأخوه ونحو زيد قائم عمرو وغلامه
وقولك في باب الاشتغال زيدا ضربت عمرا وأخاه
والسّادس عطف العقد على النيف نحو أحد وعشرون
والسّابع عطف الصّفات المفرقة مع اجتماع منعوتها كقوله
(بكيت وما بكا رجل حزين ... على ربعين مسلوب وبال)
والثّامن عطف ما حقه التّثنية أو الجمع نحو قول الفرزدق
(إن الرزية لا رزية مثلها ... فقدان مثل محمّد ومحمّد)
وقول أبي نواس
(أقمنا بها يومًا ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس)
وهذا البيت يتساءل عنه أهل الأدب فيقولون كم أقاموا والجواب ثمانية لأن يومًا الأخير رابع وقد وصف بأن يوم الترحل خامس له وحينئذٍ فيكون يوم الترحل هو الثّامن بالنّسبة إلى أول يوم
التّاسع عطف مالا يستغنى عنه كاختصم زيد وعمرو واشترك زيد وعمرو وهذا من أقوى الأدلّة على عدم إفادتها التّرتيب
ومن ذلك جلست بين زيد وعمرو ولهذا كان الأصمعي يقول الصّواب
( ... بين الدّخول وحومل)
لا فحومل
وأجيب بأن التّقدير بين نواحي الدّخول فهو كقولك جلست بين الزيدين فالعمرين أو بأن الدّخول مشتمل على أماكن
وتشاركها في هذا الحكم أم المتّصلة في نحو سواء عليّ أقمت أم
قعدت فإنّها عاطفة مالا يستغنى عنه
والعاشر والحادي عشر عطف العام على الخاص وبالعكس فالأول نحو {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} والثّاني نحو {وإذ أخذنا من النّبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح} الآية
ويشاركها في هذا الحكم الأخير حتّى كـ مات النّاس حتّى الأنبياء
وقدم الحاج حتّى المشاة فإنّها عاطفة خاصّا على عام
والثاني عشر عطف عامل حذف وبقي معموله على عامل آخر مذكور يجمعهما معنى واحد كقوله
( ... وزججن الحواجب والعيونا)
أي وكحلن العيون ولجامع بينهما التحسين
ولولا هذا التّقييد لورد اشتريته بدرهم فصاعدا إذ التّقدير فذهب الثّمن صاعدا
والثّالث عشر عطف الشّيء على مرادفه نحو {إنّما أشكو بثي وحزني إلى الله} ونحو {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ونحو {عوجا ولا أمتا} وقوله عليه الصّلاة والسّلام ليلني منكم ذوو الأحلام والنهى
وقول الشّاعر
( ... وألفى قولها كذبا ومينا)
وزعم بعضهم أن الرّواية كذبا مبينًا فلا عطف ولا تأكيد ولك أن تقدر الأحلام في الحديث جمع حلم بضمّتين فالمعنى ليلني البالغون العقلاء
وزعم ابن مالك أن ذلك قد يأتي في أو وأن منه
{ومن يكسب خطيئة أو إثمًا}
والرّابع عشر عطف المقدم على متبوعه للضّرورة كقوله
(ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام)
والخامس عشر عطف المخفوض على الجوار كقوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم} فيمن خفض الأرجل وفيه بحث سيأتي
تنبيه
زعم قوم أن الواو قد تخرج عن إفادة مطلق الجمع وذلك على أوجه
أحدها أن تستعمل بمعنى أو وذلك على ثلاثة أوجه
أحدها أن تكون بمعناها في التّقسيم كقولك الكلمة اسم وفعل وحرف وقوله
( ... كما النّاس مجروم عليه وجارم)
وممّن ذكر ذلك ابن مالك في التّحفة والصّواب أنّها في ذلك على معناها الأصليّ إذ الأنواع مجتمعة في الدّخول تحت الجنس ولو كانت أو هي الأصل في التّقسيم لكان استعمالها فيه أكثر من استعمال الواو
والثّاني أن تكون بمعناها في الإباحة
قاله الزّمخشريّ وزعم أنه يقال جالس الحسن وابن سيرين أي أحدهما وأنه لهذا قيل {تلك عشرة كاملة} بعد ذكر ثلاثة وسبعة لئلّا يتوهّم إرادة الإباحة
والمعروف من كلام النّحويين أنه لو قيل جالس الحسن وابن سيرين كان أمرا بمجالسة كل منهما وجعلوا ذلك فرقا بين العطف بالواو والعطف بأو
والثّالث أن تكون بمعناها في التّخيير قاله بعضهم في قوله
(وقالوا نأت فاختر لها الصّبر والبكا ... فقلت البكا أشفى إذن لغليلي)
قال معناه أو البكاء إذ لا يجتمع مع الصّبر
ونقول يحتمل أن الأصل فاختر من الصّبر والبكاء أي أحدهما ثمّ حذف من كما في {واختار موسى قومه} ويؤيّده أن أبا عليّ القالي رواه بمن
وقال الشاطبي رحمه الله في باب البسملة
( ... وصل واسكتا)
فقال شارحو كلامه المراد التّخيير ثمّ قال محققوهم ليس ذلك من قبل الواو بل من جهة أن المعنى وصل إن شئت واسكتن إن شئت وقال أبو شامة وزعم بعضهم أن الواو تأتي للتّخيير مجازًا
والثّاني أن تكون بمعنى باء الجرّ كقولهم أنت أعلم ومالك وبعت الشّاء شاة ودرهما قاله جماعة وهو ظاهر
والثّالث أن تكون بمعنى لام التّعليل قاله الخارزنجي وحمل عليه الواوات الدّاخلة على الأفعال المنصوبة في قوله تعالى {أو يوبقهن بما
كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الّذين} {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولما يعلم الله الّذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون} والصّواب أن الواو فيهنّ للمعية كما سيأتي
2 - و 3 والثّاني والثّالث من أقسام الواو واوان يرتفع ما بعدهما
إحداهما واو الاستئناف نحو {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء}
ونحو لا تأكل السّمك وتشرب اللّبن فيمن رفع ونحو {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم} فيمن رفع أيضا
ونحو {واتّقوا الله ويعلمكم الله}
إذ لو كانت واو العطف لا نتصب نقر ولا نتصب أو انجزم تشرب
ولجزم يذر كما قرأ الآخرون وللزم عطف الخبر على الأمر وقال الشّاعر
(على الحكم المأتي يومًا إذا قضى ... قضيته ألا يجور ويقصد)
وهذا متعيّن للاستئناف لأن العطف يجعله شريكا في النّفي فيلزم التّناقض
وكذلك قولهم دعني ولا أعود لأنّه لو نصب كان المعنى ليجتمع تركك لعقوبتي وتركي لما تنهاني عنه وهذا باطل لأن طلبه لترك العقوبة إنّما هو في الحال فإذا تقيد ترك المنهي عنه بالحال لم يحصل غرض المؤدب ولو جزم فإمّا بالعطف ولم يتقدّم جازم أو بـ لا على أن تقدر ناهية ويرده أن المقتضي لترك التّأديب إنّما هو الخبر عن نفي العود لا
نهيه نفسه عن العود إذ لا تناقض بين النّهي عن العود وبين العود بخلاف العود والإخبار بعدمه ويوضحه أنّك تقول أنا أنهاه وهو يفعل ولا تقول أنا لا أفعل وأنا أفعل معًا
والثّانية واو الحال الدّاخلة على الجملة الاسمية نحو جاء زيد والشّمس طالعة وتسمى واو الابتداء ويقدرها سيبويه والأقدمون بإذ ولا يريدون أنّها بمعناها إذ لا يرادف الحرف الاسم بل إنّها وما بعدها قيد للفعل السّابق كما أن إذ كذلك ولم يقدرها بإذا لأنّها لا تدخل على الجمل الاسمية
ووهم أبو البقاء في قوله تعالى {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} فقال الواو للحال وقيل بمعنى إذ وسبقه إلى ذلك مكي وزاد عليه فقال الواو للابتداء وقيل للحال وقيل بمعنى إذ انتهى والثّلاثة بمعنى واحد فإن أراد بالابتداء الاستئناف فقولهما سواء
ومن أمثلتها داخلة على الجملة الفعلية قوله
(بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلب)
ولو قدرت للعطف لانقلب المدح ذما
وإذا سبقت بجملة حالية احتملت عند من يجيز تعدد الحال العاطفة والابتدائية
نحو {اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر}
4 - و 5 الرّابع والخامس واوان ينتصب ما بعدهما وهما
واو المفعول معه كـ سرت والنيل وليس النصب بها خلافًا للجرجاني ولم يأت في التّنزيل بيقين
فأما قوله تعالى {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} في قراءة السّبعة {فأجمعوا} بقطع الهمزة و {شركاءكم} بالنّصب فتحتمل الواو فيه ذلك وأن تكون عاطفة مفردا على مفرد بتقدير مضاف أي وأمر شركائكم أو جملة على جملة بتقدير فعل أي واجمعوا شركاءكم بوصل الهمزة وموجب التّقدير في الوجهين أن أجمع لا يتعلّق بالذوات بل بالمعاني كقولك أجمعوا
على قوله كذا بخلاف جمع فإنّه مشترك بدليل {فجمع كيده} {الّذي جمع مالا وعدده} ويقرأ {فأجمعوا} بالوصل فلا إشكال ويقرأ برفع الشّركاء عطفا على الواو للفصل بالمفعول
والواو الدّاخلة على المضارع المنصوب لعطفه على اسم صريح أو مؤول فالأول كقوله
(ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إليّ من لبس الشفوف)
والثّاني شرطه أن يتقدّم الواو نفي أو طلب وسمى الكوفيّون هذا الواو واو الصّرف وليس النصب بها خلافًا لهم ومثالها {ولما يعلم الله الّذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}
وقوله
(لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... )
والحق أن هذه واو العطف كما سيأتي
6 - و 7 السّادس والسّابع واوان ينجر ما بعدهما
إحداهما واو القسم ولا تدخل إلّا على مظهر ولا تتعلّق إلّا بمحذوف نحو {والقرآن الحكيم}
فإن تلتها واو أخرى نحو {والتين والزّيتون} فالتالية واو العطف وإلّا لاحتاج كل من الاسمين إلى جواب
وواو رب كقوله
(وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي)
ولا تدخل إلّا على منكر ولا تتعلّق إلّا بمؤخر والصّحيح أنّها واو العطف وأن الجرّ بربّ محذوفة خلافًا للكوفيين والمبرد وحجتهم افتتاح القصائد بها كقول رؤبة
(وقاتم الأعمال خاوي المخترق)
وأجيب بجواز تقدير العطف على كل شيء في نفس المتكلّم ويوضح كونها عاطفة أن واو العطف لا تدخل عليها كما تدخل على واو القسم
قال
(حببت أبا مروان من أجر تمره ... وأعلم أن اليمن بالمرء أرفق)
(وواللّه لولا تمرة ما حببته ... )
8 - والثّامن واو دخولها كخروجها وهي الزّائدة أثبتها الكوفيّون والأخفش وجماعة وحمل على ذلك {حتّى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} بدليل الآية الأخرى
وقيل هي عاطفة والزائدة الواو في {وقال لهم خزنتها} وقيل هما عاطفتان والجواب محذوف أي كان كيت وكيت وكذا البحث في {فلمّا أسلما وتله للجبين وناديناه} الأولى أو الثّانية زائدة على القول الأول أو هما عاطفتان والجواب محذوف على القول الثّاني
والزّيادة ظاهرة في قوله
(فما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري)
وقوله
(ولقد رمقتك في المجالس كلها ... فإذا وأنت تعين من يبغيني)
9 - والتّاسع واو الثّمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النّحويين الضّعفاء كابن خالويه ومن المفسّرين كالثّعلبيّ وزعموا أن
العرب إذا عدوا قالوا ستّة سبعة وثمانية إيذانًا بأن السّبعة عدد تامّ وأن ما بعدها عدد مستأنف واستدلّوا على ذلك بآيات
إحداها {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} إلى قوله سبحانه {سبعة وثامنهم كلبهم} وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التّقدير هم سبعة ثمّ قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وإن هذا تصديق لهذه المقالة كما أن {رجما بالغيب} تكذيب لتلك المقالة ويؤيّده قول ابن عبّاس رضي الله
عنهما حين جاءت الواو انقطعت العدة أي لم يبق عدّة يلتفت إليها
فإن قلت إذا كان المراد التّصديق فما وجه مجيء {قل ربّي أعلم بعدّتهم ما يعلمهم إلّا قليل}
قلت وجه الجملة الأول توكيد صحة التّصديق بإثبات علم المصدق ووجه الثّانية الإشارة إلى أن القائلين تلك المقالة الصادقة قليل أو أن الّذي قالها منهم عن يقين قليل أو لما كان التّصديق في الآية خفيا لا يستخرجه إلّا مثل ابن عبّاس قيل ذلك ولهذا كان يقول أنا من ذلك القليل هم سبعة وثامنهم كلبهم
وقيل هي واو الحال وعلى هذا فيقدر المبتدأ اسم اشارة أي
هؤلاء سبعة ليكون في الكلام ما يعمل في الحال ويرد ذلك أن حذف عامل الحال إذا كان معنويا ممتنع ولهذا ردوا على المبرد قوله في بيت الفرزدق
( ... وإذا ما مثلهم بشر)
إن مثلهم حال ناصبها خبر محذوف أي وإذ ما في الوجود بشر مماثلا لهم
الثّانية آية الزمر إذ قيل {فتحت} في آية النّار لأن أبوابها سبعة {وفتحت} في آية الجنّة إذ أبوابها ثمانية
وأقول لو كان لواو الثّمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتّة وإنّما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثمّ الواو ليست داخلة عليه بل هي جملة هو فيها وقد مر أن الواو في {وفتحت} مقحمة عند قوم وعاطفة عند آخرين وقيل هي واو الحال أي جاؤوها مفتحة أبوابها كما صرح بمفتحة حالا في {جنّات عدن مفتحة لهم الأبواب}
وهذا قول المبرد والفارسي وجماعة قيل وإنّما فتحت لهم قبل مجيئهم إكراما لهم عن أن يقفوا حتّى تفتح لهم
الثّالثة {والناهون عن المنكر} فإنّه الوصف الثّامن والظّاهر أن العطف في هذا الوصف بخصوصه إنّما كان من جهة أن الأمر والنّهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان بخلاف بقيّة الصّفات أو لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكتفي فيه بما يحصل في ضمن الآخر
وذهب أبو البقاء على إمامته في هذه الآية مذهب الضّعفاء فقال إنّما دخلت الواو في الصّفة الثّامنة إيذانًا بأن السّبعة عندهم عدد تامّ ولذلك قالوا سبع في ثمانية أي سبع أذرع في ثمانية أشبار وإنّما
دخلت الواو على ذلك لأن وضعها على مغايرة ما بعدها لما قبلها
الرّابعة {وأبكارا} في آية التّحريم ذكرها القاضي الفاضل وتبجح باستخراجها وقد سبقه إلى ذكرها الثّعلبيّ
والصّواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصّفات السّابقة فلا يصح إسقاطها إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة وواو الثّمانية عند القبائل بها صالحة للسقوط
وأما قول الثّعلبيّ إن منها الواو في قوله تعالى {سبع ليال وثمانية أيّام حسوما} فسهو بين وإنّما هذه واو العطف وهي واجبة الذّكر ثمّ إن {أبكارًا} صفة تاسعة لا ثامنة إذ أول الصّفات {خيرا منكن} لا {مسلمات} فإن
أجاب بأن مسلمات وما بعده تفصيل لخيرا منكن فلهذا لم تعد قسيمة لها قلنا وكذلك {ثيبات وأبكارا} تفصيل للصفات السّابقة فلا نعدهما معهنّ
10 - والعاشر الواو الدّاخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها وإفادتها أن اتصافه بها أمر ثابت وهذه الواو أثبتها الزّمخشريّ ومن قلّده وحملوا على ذلك مواضع الواو فيها كلها واو الحال نحو {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} الآية {سبعة وثامنهم كلبهم}
{أو كالّذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} {وما أهلكنا من قرية إلّا ولها كتاب معلوم}
والمسوغ لمجيء الحال من النكرة في هذه الآية أمران أحدهما خاص بها وهو تقدم النّفي
والثّاني عام في بقيّة الآيات وهو امتناع الوصفية إذ الحال متى امتنع كونها صفة جاز مجيئها من النكرة ولهذا جاءت منها عند تقدمها عليها نحو في الدّار قائما رجل وعند جمودها نحو هذا خاتم حديدا ومررت بماء قعدة رجل
ومانع الوصفية في هذه الآية أمران أحدهما خاص بها وهو اقتران الجملة بإلا إذ لا يجوز التفريغ في الصّفات لا تقول ما مررت بأحد
إلّا قائم نص على ذلك أبو عليّ وغيره والثّاني عام في بقيّة الآيات وهو اقترانها بالواو
11 - والحادي عشر واو ضمير الذّكور نحو الرّجال قاموا وهي اسم وقال الأخفش والمازني حرف والفاعل مستتر
وقد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلوا منزلتهم نحو قوله تعالى {يا أيها النّمل ادخلوا مساكنكم} وذلك لتوجيه الخطاب إليهم وشذ قوله
(شربت بها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دانوا فتصوبوا)
والّذي جرأه على ذلك قوله بنو لا بنات والّذي سوغ ذلك أن ما فيه من تغيير نظم الواحد شبهه بجمع التكسير فسهل مجيئه لغير العاقل ولهذا جاز تأنيث فعله نحو {إلّا الّذي آمنت به بنو إسرائيل}
مع امتناع قامت الزيدون
12 - الثّاني عشر واو علامة المذكرين في لغة طيء أو أزد شنوءة أو بلحارث ومنه الحديث يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكه بالنّهار
وقوله
(يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي فكلهم ألوم)
وهي عند سيبويه حرف دال على الجماعة كما أن التّاء في قالت حرف دال على التّأنيث وقيل هي اسم مرفوع على الفاعلية ثمّ قيل إن ما
بعدها بدل منها وقيل مبتدأ والجملة خبر مقدم وكذا الخلاف في نحو قاما أخواك وقمن نسوتك
وقد تستعمل لغير العقلاء إذ نزلوا منزلتهم قال أبو سعيد نحو أكلوني البراغيث إذ وصفت بالأكل لا بالقرص وهذا سهو منه فإن الأكل من صفات الحيوانات عاقلة وغير عاقلة
وقال ابن الشجري عندي أن الأكل هنا بمعنى العدوان والظّلم كقوله
(أكلت بنيك أكل الضّب حتّى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل)
أي ظلمتهم وشبه الأكل المعنويّ بالحقيقي
والأحسن في الضّب في البيت ألا يكون في موضع نصب على حذف الفاعل أي مثل أكلك الضّب بل في موضع رفع على حذف المفعول أي مثل أكل الضّب أولاده لأن ذلك أدخل في التّشبيه وعلى هذا فيحتمل الأكل الثّاني أن يكون معنويا لأن الضّب ظالم لأولاده بأكله إيّاهم
وفي المثل أعق من ضب
وقد حمل بعضهم على هذه اللّغة {ثمّ عموا وصموا كثير منهم} {وأسروا النّجوى الّذين ظلموا} وحملهما على غيره هذه اللّغة أولى لضعفها
وقد جوز في {الّذين ظلموا} أن يكون بدلا من الواو في وأسروا أو
مبتدأ خبره إمّا وأسروا أو قول محذوف عامل في جملة الاستفهام أي يقولون هل هذا وأن يكون خبرا لمحذوف أي هم الّذين أو فاعلا بأسروا والواو علامة كما قدمنا
أو بيقول محذوفا أو بدلا من واو {استمعوه} وأن يكون
منصوبًا على البدل من مفعول يأتيهم أو على إضمار أذمّ أو أعني
وأن يكون مجرورا على البدل من النّاس في {اقترب للنّاس حسابهم} أو من الهاء والميم في {لاهية قلوبهم}
فهذه أحد عشر وجها
وأما الآية الأولى فإذا قدرت الواوان فيها علامتين فالعاملان قد تنازعا الظّاهر فيجب حينئذٍ أن تقدر في أحدهما ضميرا مستترا راجعا إليه وهذا من غرائب العربيّة أعني وجوب استتار الضّمير في فعل الغائبين
ويجوز كون كثير مبتدأ وما قبله خبرا وكونه بدلا من الواو الأولى مثل اللّهمّ صل عليه الرؤوف الرّحيم
فالواو الثّانية حينئذٍ عائدة على متقدم رتبة ولا يجوز العكس لأن الأولى حينئذٍ لا مفسّر لها
ومنع أبو حيّان أن يقال على هذه اللّغة جاؤوني من جاءك لأنّها لم تسمع إلّا مع ما لفظه جمع
وأقول إذا كان سبب دخولها بيان أن الفاعل الآتي جميع كان لحاقها هنا أولى لأن الجمعية خفية
وقد أوجب الجميع علامة التّأنيث في قامت هند كما أوجبوها في قامت امرأة وأجازوها في غلت القدر وانكسرت القوس كما أجازوها في طلعت الشّمس ونفعت الموعظة
وجوز الزّمخشريّ في {لا يملكون الشّفاعة إلّا من اتخذ عند الرّحمن عهدا} كون من فاعلا والواو علامة
وإذا قيل جاؤوا زيد وعمرو وبكر لم يجز عند ابن هشام أن يكون من هذه اللّغة وكذا تقول في جاءا زيد وعمرو وقول غيره أولى لما بينا من أن المراد بيان
المعنى وقد رد عليه بقوله
( ... وقد أسلماه مبعد وحميم)
وليس بشيء لأنّه إنّما يمنع التّخريج لا التّركيب ويجب القطع بامتناعها في نحو قام زيد أو عمرو لأن القائم واحد بخلاف قام أخواك أو غلاماك لأنّه اثنان
وكذلك تمتنع في قام أخواك أو زيد
وأما قوله تعالى {إمّا يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما}
فمن زعم أنه من ذلك فهو غالط بل الألف ضمير الوالدين في {وبالوالدين إحسانا} وأحدهما أو كلاهما بتقدير يبلغه أحدهما أو كلاهما أو أحدهما بدل بعض وما بعده بإضمار فعل ولا يكون معطوفًا لأن بدل الكل لا يعطف على بدل البعض لا تقول أعجبني زيد وجهه وأخوك على أن الأخ هو زيد لأنّك لا تعطف المبين على المخصّص
فإن قلت قام أخواك وزيد جاز قاموا بالواو إن قدرته من عطف المفردات وقاما بالألف إن قدرته من عطف الجمل كما قال السّهيلي في {لا تأخذه سنة ولا نوم} إن التّقدير ولا يأخذه نوم
13 - والثّالث عشر واو الإنكار نحو آلرجلوه بعد قول القائل قام الرجل والصّواب ألا تعد هذه لأنّها إشباع للحركة بدليل آلرجلاه في النصب
وآلرجليه في الجرّ ونظيرها الواو في منو في الحكاية وفي أنظور من قوله
( ... من حوثما سلكوا أدنو فأنظور)
وواو القوافي كقوله
( ... سقيت الغيث إيتها الخيامو)
14 - الرّابع عشر واو التّذكّر كقول من أراد أن يقول يقوم زيد فنسى زيد فأراد مد الصّوت ليتذكر إذ لم يرد قطع الكلام يقومو والصّواب أن هذه كالّتي قبلها
15 - الخامس عشر الواو المبدلة من همزة الاستفهام المضموم ما
قبلها كقراءة قنبل (وإليه النشور وأَمِنْتم) (قال فرعون وآمنتم به)
والصّواب ألا تعد هذه أيضا لأنّها مبدلة ولو صحّ عدها لصحّ عد الواو من أحرف الاستفهام). [مغني اللبيب: 4 / 349 - 420]


رد مع اقتباس
  #11  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 06:59 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


شرح علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ)

النوع الثاني: من الحروف الأحادية وهو الذي اشتركت فيه الحروف بالأسماء
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (النوع الثاني: من الحروف الأحادية وهو الذي اشتركت فيه الحروف بالأسماء ولا تشارك الأفعال شيئًا من الأحادية لما بينا أن الاشتراك يجب كونه وضعًا وشيء من الأفعال لا يوضع أحاديثًا، بل يجب أن لا يكون أقل من ثلاثة أحرف أصول، حرف يبتدأ به، وحرف يوقف عليه، وحرف يفصل بينهما لمنافاة الأول بحركته الآخر بسكونه، ولكونه لا يقتضي طبعًا لا الحركة ولا السكون، ثم ما قيل إنه إن سكن نافي الأول وإن حرك نافي الآخر فالمنافاة حاصلة، فإن اتفق فعل على أقل من ثلاثة فلذلك بطريق الحذف لعارض، كما تقرر في فنه، وأحرف هذا النوع سبعة:
وهي: الألف، والتاء، والكاف، والنون، والهاء، والواو، والياء، فلنذكر كل حرف منها في فصل، ونذكر فيه ما يخطر بالبال ذكره إن شاء الله، وليعلم أن هذه الأحرف السبعة مبنية في حالتي حرفيتها واسميتها، أما في حالة الحرفية فظاهر لعدم استحقاق الحرف الإعراب، وأما في حال اسميتها فاستيفاء لبيانها ولكون وضعها كوضع الحروف على حرف واحد فنبيت مطلقًا، والله تعالى أعلم). [جواهر الأدب: 42]

الفصل السادس: حرف الواو
قال علاء الدين بن عليّ بن بدر الدين الإربلي (ت: ق8هـ): (الفصل السادس: من النوع الثاني من الحروف الأحادية المشتركة بين الحروف والأسماء.
حرف الواو: وهو من الأحرف الشفهية الثلاثة، أعني: الباء، والواو، والميم، ويجب أن يعلم أن من الأصول المقررة في التصريف أن الألف لا تكون أصلية في كلمة متصرفة أبدًا لا فاء ولا عينًا ولا لامًا، بل تكون إمَّا زائدة كألف ضارب أو منقلبة عن أصل هو واو أو ياء، وإن أقل ما بني عليه المتصرف ثلاثة أصول: أما غير المتصرف كالحرف والاسم المبني بالأصالة نحو: بلى، وإذا، فقد تكون فيه أصيلة، وأما المتصرف فلا، فعلم بهذا أن ألف واو منقلبة عن أصل، واختلفوا في أنه واو أم ياء، فقال الأخفش عن واو لأن كون العين واوًا أكثر من كونه ياء، ولهذا قالوا في صاب: صوبت، حملًا على الغالب، وقال الفارسي عن ياء هربًا من اجتماع الأمثال إذ توالى ثلاث واوات في كلمة لا نظير له، قال بعض المتأخرين: وكون العين واللام واوًا لا نظير له أيضًا.
قلت: قد أجاز ذلك المازني فصار أولى بالقبول مما لم يجزه أحد، وحيث كانت من أحرف الزيادة أتت في بعض الكلمات بعضًا كالواو في اسم المفعول والجموع، نحو: منصور، وبدور، وفي الأسماء الستة وغير ذلك من قوافي الشعر نحو:
سقيت الغيث أيتها الخيامو
وقد يكون ذلك مع خروج كقوله:
ومهمه مغبرة ارجاؤه = كأن لون أرضه سماؤه
مما ليس ملحوظًا في هذا الموضع، فالنظر إليها في حال استقلالها كلمة وهي صنفان:
الصنف الأول: الحرفية، وينحصر أمرها في قسمين لأنها إمَّا عاملة وإمَّا هاملة.
فالعاملة: لا تكون إلا في الأسماء حقيقة، وإمَّا في الأفعال، فتقدير عامل بعدها، فلا بأس أن نذكر عملها فيها لأنه اشتهر في الإفادة، أما العاملة في الأسماء فقد تعمل نصبًا وجرًا.
فعاملة الجر: في موضعين: أولهما في القسم نحو: والله لزيد قائم، وقد تقدم أنه لا بد في جوابها من اللام، كالمثال، أو من أن، نحو: والله إن زيدًا قائم، وقد يجمع بينها إذا قصد زيادة التأكيد عند مشاهدة إنكار المخبر وجود المقسم عليه أو توهم، كما تقرر في علم المعاني، والمشهور بين النحاة أنها في القسم فرع الباء، وأقيمت مقامها لقربها بكونهما من مخرج واحد، وإن الباء للإلصاق، والواو للجمعية المقتضية له، ونقل المخزون أن بعض النحاة يزعم أنها أصل الباء، وأنكر على قائله، ومما يبطله عموم استعمال الباء فيه فإنها تستعمل في السؤال وغيره، ومع ظهور الفعل وحذفه، وتدخل على الأسماء الظاهرة والمضمرة بخلاف الواو، وفي الجميع، وقال بعض المتأخرين: إنها ليست بدلًا من الباء، فصارت المذاهب فيها ثلاثة، وأما كونها عاملة وكون عملها جرًا فلما ذكرناه في الباء، وثانيهما الواردة بمعنى رب، كقوله:
وبلدة ليس بها أنيس.
وقيل: إن الأصل فيها العطف، ولذلك لم يدخل عليها العطف، وضعف هذا بأن ملازمتها التصدر يبطله، وأنها لابد أن تكون جواب سؤال محقق أو مقدر، وأكثر النحاة على مذهب سيبويه أن العمل لرب محذوفة كما عملت بعد الفاء، وبل إجماعًا، وإنما عملت محذوفة لتقويتها بالحرف الدال عليها، وقال المبرد: العمل للواو نفسها لكثرة ورود استعمالها، ووافق أي الكوفيين، واستدلوا على مذهب سيبويه بجواز الجمع بينهما، وعدم جواز الجمع بين العوض والمعوض عنه، ويجوز منعه إذ لم يذكروا له شاهدًا وأنه تمسك بالأصل وبالقياس على جعل العمل بعد الفاء، وبل لها محذوفة، وهو مجمع عليه، ووافق عليه المبرد، وأنها عملت محذوفة دون الأحرف الثلاثة، فيستصحب العمل معهن، فيصير العمل بالأصالة، وبأنها لو لزم من إفادتها المعنى كونها عاملة للزم من كون الواو بمعنى مع، كونها عاملة أيضًا، وليس كذلك.
وعاملة النصب: هي في موضعين أيضًا:
أحدهما: الواقعة بمعنى مع ومدخولها هو المنصوب بأنه مفعول معه نحو: استوى الماء والخشبة، واختلفوا في كونه منصوبًا بالواو أو بغيرها على مذاهب أحدها للزجاج، وهو أن الناصب فعل محذوف بمعنى الملابسة لئلا يلزم الفصل بين الفعل والمفعول معه، وليست الواو المعدية لامتناع ضربت وزيدًا، ونصب الخشبة بأنها مفعول به.
قال في المطارحات: ولو كان كذلك لما بوب له على حده.
وثانيهما للأخفش أنه ينتصب انتصاب الظرف، قال في المطارحات: إن الأخفش يقول: أصله قمت مع زيد مثلًا، فمع: منصوبة، فلما حذفت وأتي بالواو ونصبت ما بعدها لوقوعها موقع مع المنصوبة.
وثالثها: للكوفيين أنه بالمخالفة من حيث أنه لا يجوز تقدير العامل مكررًا فيه؛ إذا لا يصح: استوى الماء واستوى الخشبة؛ إذ ليس المراد بالاستواء ضد الاعوجاج.
قال في الأغراب: فعلى هذا كان يجب أن يقال في اختصم زيد وعمرو: أن العامل المخالفة أيضًا؛ لأنه لا يجوز تقدير تكريره ونواقضه كثيرة.
ورابعها: مذهب سيبويه وتابعيه أن العامل هو الفعل أو شبهه أو معناه بتوسط الواو، كما في الاستثناء بتقوية إلا والمجرور بتقوية الجار، والفعل اللازم بهمزة التعدية ونظائره كثيرة، وهو الصحيح؛ لأن ا لواو لما كانت معدية كانت كالجزء، فلم يؤثر الفصل بها.
وثانيهما: الواو الدالة على الحال في نحو: فعلت كذا وزيد حاضر، فإن موضع الجملة نصب على الحالية والواو واقعة موقع إذ، أي: فعلت إذ زيد قائم، ولهذا كان شبه الحال بالمفعول فيه أكثر؛ بدليل عطف الظرف عليه في قوله تعالى: {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون}، وأما العاملة في الأفعال فهي التي تنصب الفعل المضارع في جواب الأشياء السبعة: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والتمني، والعرض، والتحضيض، وذكر بعضهم الدعاء نحو: اللهم أعطني مطلوبي وتغفر لي، فهذ عنده ثمانية، وهو داخل في الأمر، مثال الأمر: أكرمني فأكرمك، ومنه قوله:
فقلت ادعي وأعوان أندى = لصوت إن ينادي داعيان
فنصب ادعو ليدل على الجمعية، وهو المقصود بقوله: إن ينادي داعيان.
ومثال النهي: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، ويجوز في هذا الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة حال، أي: لا تأكل السمك وأنت تشرب اللبن.
والجزم على العطف، وهو يفيد النهي عنهما معًا مجتمعين ومفترقين، فلو فعل أحدهما لكان مخالفًا، والنصب على إضمار أن ليفيد النهي عن الجمع بينهما، والواو بمعنى مع، فلو تناول أحدهما لم يخالف، وأما قوله:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله = عار عليك إذا فعلت عظيم
فيجوز فيه النصب على النهي عن الجمع والرفع محلًا والياء ساكنة على القطع، ويمتنع الجزم لامتناع مسوغه، وهو العطف.
مثال الاستفهام: قوله:
ألم أك جارم ويكون بيني = وبينكم المودة والإخاء
فالمسؤول عنه اجتماع الأمرين الجوار والمودة.
ومثال النفي: ما تأتيني وتحدثني فالمنفي اجتماع الأمرين.
ومثال التمني: قوله تعالى: {يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}، قرئ في السبعة: {نكذب}، {ونكون} بالنصب فيهما، فالمتمنى اجتماع الأمرين الرد وانتفاء الكذب، ومثال العرض ألا تنزل عندنا وتصيب خيرًا، فالمعروض عليه النزول مع الإصابة.
ومثال التحضيض: هلا تأتيني وتكرمني، ويجوز الرفع بعد هذه الواو إمَّا على العطف إن أمكن نحو: ألا تزورنا وتحدثنا، وإمَّا على القطع والاستئناف إن لم يمكن نحو: أريد أن تعطيني وتمنعني، أو يكون للحال، وأما قوله:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي = ويغضب عني صاحبي ويقول
فيجوز في يغضب: الرفع والنصب.
إما الرفع: فيحتمل أمرين:
أحدهما: العطف على الصلة، أي: وما أنا للشيء الذي ليس ينفعني والذي يغضب منه صاحبي.
وثانيهما: الاستئناف، أي: وهو يغضب.
وإمَّا النصب فبالعطف على الشيء، ولابد من إضمار أن ليقدر الفعل بالمصدر لامتناع عطف الفعل على الاسم من غير تأويل، وأما قول الآخر:
على الحكم الماتي يومًا إذا قضى = قضيته أن لا يجورو بقصد
فإنه لا يجوز في يقصد إلا القطع؛ لأن المراد نفي الجور وإثبات القصد، فلو عطف على يجور للزم نفي الجور والقصد معًا، وهو محال، ولا يجوز أن تكون الواو للحال؛ لأن المراد نفي الجور مطلقًا، فلو قيد بالقصد لكان خلاف المراد، وليعلم أنه اختلف في أن الناصب ما هو، فالبصريون قالوا: هو أن مضمرة بعد الواو، والكوفيون: على أن الفعل منصوب على الصرف لا بأن مقدرة؛ لأنها لما صرفت ما بعدها عن عطفه على ما قبله إلى شيء آخر وهو العطف المعنوي كان النصب على الخلاف، والجرمي: على أنه منصوب بالواو نفسه، وكلاهما باطل.
أما الأول: فمن وجوه:
أحدها: أن المعطوف بلا ولكن مخالف للأول، ولم ينتصب على الخلاف.
وثانيها: أن الخلاف يحصل بنصب الأول كما يحصل بنصب الثاني، فاختصاص أحدهما به ترجيح بلا مرجح.
وثالثها: أنه لو كان الخلاف في المعنى مقتضيًا للنصب لما جاز: ضارب زيد عمرًا، لحصول الخلاف اللفظي، وامتناع الخلاف المعنوي.
وأما الثاني: فلما نذكر بعد هذا من أن حرف العطف لا يعمل لانتقاء أحد شرطي العمل وهو الاختصاص بأحد القبيلين.
وأما الواو الهاملة: فلها عدة مواضع:
منها العاطفة: وهي أكثر مواقعها وهي الأصل في باب العطف، والحروف العاطفة في المشهور عشرة وهي: الواو، والفاء، وثم، وحتى، واو، وأم، وأما، ولكن، وبل، ولا، وجعل الكوفيون ليس حرفًا عاطفًا، وضعفه أصحابنا، وجميعها مشتركة في أنها تدخل ما بعدها في إعراب ما قبلها، وأنها لا عمل لها؛ لأنها مشتركة في الدخول على الأسماء والأفعال، كقولك: قام وقعد زيد وعمرو، واتفقوا على أن الواو والفاء وثم وحتى تشترك بين المعطوفين لفظًا ومعنى، وأكثر النحاة على أن أو وأم مما يتبع لفظًا لا معنى، وقال صاحب التسهيل: إنهما أيضًا مما يتبع لفظًا ومعنى، وأما الواو فيجتمع ما بعدها مع ما قبلها في الحكم دون تعرض لترتيب بينهما بتقديم وتأخير، ولذلك اختصت بالعطف فيما لا يتم إلا بمشارك نحو: اصطلح زيد وعمرو، وكذا بعطف المتقدم على المتأخر، كقوله تعالى: {وعيسى وأيوب}، مع تقدم أيوب على عيسى عليهما السلام، وكقوله تعالى: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيى} أي: نحيى فيها ونموت بعد الحياة، ولا يتوهم أنهم أرادوا الحياة بعد موتهم، إما عند الحشر أو قبله في القبر؛ لأن المحكي عنهم هذا القول غير قائلين به، وقال الشاعر:
حتى إذا رج تولى وانقضى = وجماديان وجاء شهر مقبل
وهذا معنى قولهم: إنها لا تفيد الترتيب في المذكور بعدها، ويجوز أني قال: جاء زيد وعمرو، وقيله أو معه، ونسب القول بإفادتها الترتيب فيما لا دليل على خلافه إلى قطرب والربعي والكوفيين، وقال صاحب التسهيل وأئمة الكوفة: برءاء من هذا القول، لكنه مقول، وأما الفاء، وثم، وحتى، فإنها تفيد الترتيب، وقد نبهت على العطف بالفاء في فصلها، وأما البواقي فسيأتي ذكر كل واحدٍ منها في مكانه مفصلًا إن شاء الله تعالى.
ومنها: مدة الإنكار، وهي الواو المزيدة في لفظة من عند الاستفهام عن المنصوب منا، فيما لو قيل: رأيت رجلًا، وقد تقدم في فصل الألف، وسيأتي فيما يتلو هذا الفصل عند ذكر الياء أنه إذا قيل له: مرت برجل، فيجوز أن يقول المستفهم عن المجرور النكرة مني بالياء، فيلحق بمن في كل صورة حرفًا من حروف المد من جنس الحركة التي تستحقها النكرة المعربة المستفهم عنها، ومنها الواو المزيدة التي لو سقطت لما اختل المعنى، فتارة تكون مفيدة معنى من المعاني، وتارة لا تفيد شيئًا، فالتي لا تفيد شيئًا كالواو والتي تسمى واو الابتداء، وهي التي تدخل على الجملة الابتدائية مصدرًا بها لتوهم أنها عاطفة للجملة على شيء قبلها، كقولك: وزيدٌ قائمٌ غلامه، وهي مشابهة لواو رب في مصدرها، ولكنها تختص بالمعارف، وتلك بالنكرات والتي تكون مفيدة كالواو المزيدة في المندوب طلبًا لمد الصوت عند كونه مندوبًا في نحو قولك: واغلامكموه، فإن هذه الجملة مشتملة على خمس كلمات هن: كلمة وا وهو حرف ندبة، وغلام وهو المضاف إلى الضمير وهو المندوب، وضمير جماعة الذكور المخاطبين وهو لفظة كم، والواو المزيدة لتطويل الصوت، ولفظة الهاء للوقف، وكأن الأصل زيادة الألف؛ لأنها أدخلت ليمتد الصوت بها، ولكن عوضت عنها واو؛ لأنه لو قيل: واغلامكاه لصار ندبة غلام مضاف إلى المثنى المذكر بدل من المخاطبين فأبقى الميم المضموم وزيد عليه واو لتجانس حركته ويعلم أنه ضمير الجماعة لا ضمير المثنى، كما يقال: واغلامكيه عند ندبة غلام مضاف إلى كاف المخاطبة المؤنثة كما يأتي عقيب هذا إن شاء الله تعالى.
وكالواو: التي يسميها كثير من النحاة واو الثمانية، وأرادوا بها أنها تقع في الكلمة الثامنة من الصفات المسرودة لتدل على أن المعبر عنه بها ثامنًا أو عدده ثمانية، كقوله تعالى: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر} فأتى بالواو في الكلمة الثامنة، وكذلك قوله تعالى عند ذكر جهنم فقال: {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها}، وقال عند ذكر الجنة: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} أتي بالواو هنا دالة على أن أبوابها ثمانية، وقد نظروه بقوله تعالى: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم} فألحق الواو بالثامن من للدلالة على صحة عددهم بها، قال أبو صاعد الغزنوي في كتابه المسمى بالتفسير في التفسير عند قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم} هذه الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالًا من المعرفة، كقولك: جاءني رجل ومعه آخر، ومررت بزيدٍ وفي يده سيف، وفائدتها الدلالة على أن اتصاف الموصوف به أمر قطعي، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما حين تعقب الواو: انقطعت العدة، هذا نصه، ومن الزيادة غير القياسية قوله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين}، أي: تله للجبين، قالوا: وزائدة أيضًا عندهم.
الصنف الثاني: الواو المحكوم بإسميتها، ولا تكون كذلك إلا واو الضمير، وتختص بجماعة الذكور العاقلين فتلحق الفعل الماضي نحو: فعلوا، فإن كان آخر الفعل حرفًا صحيحًا ضم للواو إن كان معتلًا بالواو فتحذف نحو: غزوا وكذا الألف نحو: سمعوا، قال الله تعالى: {واخشوا يومًا لا يجزى والد عن ولده}، وإن كان ياء مكسورًا ما قبلها حذفت الياء والكسرة وضم ما قبل الواو، كقولك: القوم رموا، وإن كان مضارعًا فله صفتان: تفعلون يا رجال والرجال، أو هم يفعلون، قالوا: وضمير والنون للإعراب كما قدم في فصل النون، من أنها تثبت في الرفع وتسقط في النصب والجزم، وأما في فعل الأمر فتثبت مجردة عن النون، كقوله تعالى: {افعلوا ما شئتم}، و{اسعوا إلى ذكر الله}، وكقولك: ألقوا إليهم عهدهم، وإنما بنيت، والأصل في الأسماء الإعراب؛ لأنها وضعت على حرف واحدٍ وهو مختص بالحروف، فبنيت وكانت ساكنة جريًا على أصل البناء، ولأن الحركة على الواو ثقيلة مطلقًا.
فإن قيل: إنه قد استحسنت الفتحة عليه حتى في عامل النصب،
قلنا: تلك عارضة قد تزول بخلاف البناء لأنه لازم). [جواهر الأدب: 75 - 82]


رد مع اقتباس
  #12  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 07:00 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي



باب الواو وما أوله الواو
قال جمال الدين محمد بن علي الموزعي المعروف بابن نور الدين (ت: 825هـ): (باب الواو وما أوله الواو
الواو تنقسم إلى أحد عشر قسمًا:
الأولى: العاطفة، وهي لمطلق الجمع، ولا تدل على ترتيب ولا معية فإذا قلت جاء زيد وعمرو، احتمل أن يكون مجيء عمرو بعد زيد، ويحتمل أن يكون قبله، ويحتمل أن يكون معه، قال ابن مالك: وكونها للمعية راجح وللترتيب كثير ولعكسه قليل.
وقال الفراء، وقطرب، والربعي، وثعلب، وأبو عمر الزاهد، وهشام: تدل على الترتيب، ونسب ذلك إلى الشافعي.
وأكثر الناس على الأول، حتى ادعى السيرافي: أن النحويين واللغويين أجمعوا على أنها لا تفيد الترتيب.
قلت: ولم أعلم أحدًا من أهل اللسان والأصول قال: إنها للمعية إلا ما نقل عن إمام الحرمين في البرهان عن بعض الحنفية، نعم يحتمل الجمع والمعية في حال النفي، فإذا قلت: ما قام زيد وعمرو، احتمل نفي القيام عنها مطلقًا، واحتمل نفي القيام في حال اجتماعهما معًا، فإن أردت أن تخلصه للنفي أتيت بـ «لا» فقلت: ما قام زيد ولا عمرو، ومنه قوله تعالى: {وما أموالكم ولا أولادكم}.
وقولي: مطلق الجمع، أحسن من قول بعضهم: للجمع المطلق، فإنه قيد الجمع بالإطلاق وهو يخرج مثل قوله تعالى: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين}، فإن الواو لم تجمع بين الرج والرسالة جمعًا مطلقًا، ولو كان جمعًا مطلقًا لكانا معًا، بل بينهما أربعون سنة، وإنما أفادت مطلق الجمع.
وقد ترد العاطفة بعد ذلك لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن تكون بمعنى: مع، كقولك: استوى الماء والخشبة، وجاء البرد والطيالسة، قال الشاعر:
فكنتُ وإياها كحران لم يفق = عن الماء إذ لاقاه حتى تقددا
أي معها، ويلزم نصب الاسم المعطوف وحمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت والساعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والإبهام.
الثاني: أن تكون بمعنى أو، إمَّا في التخيير أو في التقسيم أو في الإباحة، فأما التخيير فقاله بعضهم، وحمل عليه قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}، المعنى: أو ثلاث أو رباع، وقال الشاعر:
= وقالوا نأت فاختر لها الصبر والبكا =
قال: معناه: أو البكا؛ إذ لا يجتمع مع الصبر، وأجاب من رده: بأنه يحتمل أن يكون الأصل: فاختر من الصبر والبكا أحدهما، ثم حذف «من» كما في: {واختار موسى قومه}، ويؤيده أن أبا علي القالي رواه: بـ «من».
وأما التقسيم، فممن ذكره ابن مالك في التحفة، كقولك: الكلمة: اسم وفعل وحرف، وكقوله:
= كما الناس مجروم عليه وجارم =
قال ابن هشام: والصواب أنها في ذلك على معناها الأصلي؛ إذ الأنواع مجتمعة في الدخول تحت الجنس.
وأما الإباحة، فقاله الزمخشري، وزعم أنه يقال: جالس الحسن وابن سيرين أي أحدهما، وأنه لهذا قيل: {تلك عشرة كاملة}، بعد ذكر ثلاثة وسبعة لئلا يتوهم متوهم إرادة التخيير}، وهذا فيه بعد.
الثالث: أن تكون بمعنى الباء، كقولهم: متى أنت وبلادي؟ والمعنى: متى عهدك ببلادك؟ وكقولك: بعت الشاء شاة ودرهم، والمعنى: شاة بدرهم إلا أنك لما عطفته على المرفوع ارتفع بالعطف عليه.
الثانية: واو الاستئناف، فيرتفع ما بعدها على الاستئناف، كقوله تعالى: {لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء}، وكقوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله}، ونحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، إذا رفعت: تشرب ومنه قول الشاعر:
على الحكم المأتي يومًا إذا قضى = قضيته ألا يجور ويقصدُ
الثالثة: واو الحال، ويرتفع ما بعدها على الابتداء، وبعضهم يسميها واو الابتداء؛ لأن ما بعدها مبتدأ، والأقدمون يقدرونها بـ «إذ».
قال ابن هشام: ولا يريدون أنها بمعنى إذ؛ لئلا يرادف الحرف الاسم، بل إنها وما بعدها قيد للفعل السابق، كما أن إذ كذلك.
قلت: ويدل له كلام سيبويه فإنه قال: الواو ها هنا في موضع إذ، ولم يكن في معنى إذ، وذلك كقوله تعالى: {وطائفةٌ قد أهمتهم أنفسهم}.
وقول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لم يشيموا سيوفهم = ولم تكثر القتلى بها حين سُلت
ولو قدرت عاطفة لانقلب المدح ذمًا.
ووهم مكي وأبو البقاء فقالا في الآية: الواو للحال، وقيل: بمعنى إذ.
وزاد مكي: وقيل للابتداء، والثلاثة كلها بمعنى واحد.
الرابعة: واو الصرف، وهي الناصبة للفعل المضارع المعطوف على اسم قبله، كقول الشاعر:
للبس عباءة وتقر عيني = أحب إلي من لبس الشفوف
وقوله تعالى: {ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}، وسماها الكوفيون واو الصرف: لصرفها المضارع عن جهة الأول.
والنصب بأن مضمرة بعدها لا بها عند البصريين خلافًا للكوفيين.
الخامسة: واو القسم، وينجر الاسم بعدها، كقوله تعالى: {والليل إذا يغشى}.
السادسة: وا ورب، وينجر الاسم بعدها أيضًا كقول امرئ القيس:
ومثلك حُبلى قد طرقت ومرضعا = فألهيتها عن ذم تمائم محول
السابعة: الزائدة المقحمة، كقوله تعالى: {فاضرب به ولا تحنث}، أي: اضرب به لا تحنث، وهو أجود من حمله على النهي، وكقوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث}.
أثبتها الكوفيون والأخفش وجماعة، قال الأصمعي: قلت لأبي عمرو: قولهم: ربنا ولك الحمد، فقال: يقول الرجل للرجل: بعني هذا الثوب فيقول: هو لك، وأظنه أراد: هو لك، انتهى.
وحمل على ذلك قوله تعالى: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} بدليل الآية الأخرى، وقيل: هي عاطفة، والزائدة الواو في {وقال لهم خزنتها}، وقيل: هما عاطفتان، والجواب محذوف، أي: كان كيت وكيت، وكذا البحث في قوله تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه} وقوله تعالى: {فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب}، ومن ذلك قول امرئ القيس:
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى = بنا بطن خبت ذي قفافٍ عقنقل
الواو مقحمة في قوله: وانتحى، والتقدير: فلما أجزنا ساحة الحي انتحى بنا فيكون جواب: فلما.
وكان أبو العباس محمد بن يزيد، ينكر أن يكون الشيء زائدًا مقحمًا لغير معنى في شيء من الكلام، ويقدر الجواب محذوفًا في الآيات وفي بيت امرئ القيس.
وقال أبو عبيدة: هو نسق، والجواب في قوله: هصرت، في البيت الثاني وهو:
هصرتُ بفودي رأسها فتمايلت = علي هضيم الكشح ريّا المخلخل
وأنشد الفراء:
حتى إذا امتلأت بطونكم = ورأيتم أبناءكم شبوا
وقلبتم ظهر المجن لنا = إن اللئيم الفاجر الخب
قلبتم: جواب حتى وأنشد الأخفش:
فإذا وذلك يا كبيشةُ لم يكن = إلا كلمة حالمٍ بخيال
والثامنة: واو الثمانية، قال ابن هشام: ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا: ستة، سبعة، وثمانية، إيذانًا بأن السبعة عدد تام وأن ما بعدها عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات من القرآن الكريم.
احداهن: قوله تعالى: {سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم} إلى قوله تعالى: {وثامنهم كلبهم}.
الثانية: قال في آية النار: {فُتحت}؛ لأن أبوابها سبعة، وفي الجنة: {وفتحت}؛ لأن أبوابها ثمانية.
الثالثة: قوله تعالى: {والناهون عن المنكر}؛ لأنه الوصف الثامن.
الرابعة: قوله تعالى: {وأبكارًا} في آية التحريم؛ لأنه الوصف الثامن.
ورد هذه وأنكرها وأجاب عن الآيات بجوابات جيدة.
أما الآية الأولى فقيل: الواو لعطف جملة على جملة؛ إذ التقدير: هم سبعة، ثم اختلف فقيل: الجميع كلامهم، وقيل: العطف من كلام الله تعالى، والمعنى: نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم، وأن هذا تصديق لهذه المقالة، كما أن {رجمًا بالغيب} تكذيب لتلك المقالة، ويؤيده قول ابن عباس رضي الله عنهما: «حين جاءت الواو انقطعت العدة» أي: لم تبق عدة يلتفت إليها.
وأما الآية الثانية: فلا دليل فيها؛ إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وإنما فيها ذكر الأبواب، وهي جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها، وقد مر أن الواو في: {وفتحت} مقحمة عند قوم وعاطفة عند آخرين، وقيل: هي واو الحال، أي: جاءوها مفتحة أبوابها كما جاء في {جنات عدنٍ مفتحةً لهم الأبواب}، وهذا قول المبرد والفارسي وجماعة.
ويحتمل عندي أنها الواو الزائدة المؤكدة للوصف الثابت كقوله تعالى: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم}، قيل: وإنما فتحت لهم قبل مجيئهم إكرامًا لهم عن أن يقفوا حتى تفتح.
وأما الثالثة: فالظاهر أن العطف في هذا الوصف لخصوصية إنما كان من جهة أن الأمر والنهي من حيث هما متقابلان بخلاف بقية الصفات، أو لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر، وهو ترك المعروف، والناهي عن المنكر آمر بالمعروف، فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكتفى فيه بما يحصل في ضمن الآخر لدلالة الواو على المغايرة.
وأما الرابعة: فالصواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة، فلا يصح إسقاطها؛ إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة، وواو الثمانية عند القائل بها صالحة للسقوط، ثم إن {أبكارًا} صفة تاسعة لا ثامنة؛ إذ أول الصفات: {خيرًا منكن} لا مسلمات.
فإن أجاب بأن مسلمات وما بعده تفصيل لـ {خيرًا منكن}، فلم تعد قسمة لها.
قلنا: وكذلك {ثيباتٍ وأبكارًا} تفصيل للصفات السابقة فلا نعدهما معهن.
التاسعة: الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها وإفادة أن اتصافه بها أمر ثابت.
وهذه الواو أثبتها أبو الحسن الهروي والزمخشري، كقولك: ما رأيت أحدًا إلا وعليه ثياب حسنة، وإن شئت قلت: إلا عليه ثياب حسنة، وكقول الله سبحانه: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم}.
وفي موضع آخر: {وما أهلكنا من قرية إلا ولها منذرون}، وقال الشاعر:
إذا ما ستور البيت أرخين لم يكن = سراجٌ لها إلا ووجهك أنور
فجاء بالواو، وقال آخر:
وما مس كفي من يدٍ طاب ريحها = من الناس إلا ريح كفك أطيب
فحذف الواو.
ورد هذا ابن هشام وزعم أنها واو الحال.
وليس كما زعم فبينهما فرق بيّن، فواو الحال لا يحسن سقوطها فلا تقول: جئتك الشمس طالعة ولا يجوز {يغشى طائفةً منكم وطائفة قد أهمتهم}، بخلاف هذه فإن لك أن تسقطها، والمعنى باقٍ مستقيم والله أعلم.
العاشرة: واو ضمير المذكور من الجمع السالم المرفوع، كالزيدون قاموا، وهي اسم، وقال المازني: حرف والفاعل مستتر، وتختص بجميع العقلاء، وقد تستعمل لغيرهم إذا نزلوا منزلتهم قول الله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات».
الحادية عشرة: واو علامة المذكورين في لغة طيء، أو أزد شنؤة، أو بلحارث، قال الشاعر:
= يلومونني في اشتراء النخيل أهلي وكلهم ألوم =
ومنه الحديث: «يتعاقبون فيكم ملائة بالليل وملائكة بالنهار».
وهي عند سيبويه: حرف دال على الجماعة، كما أن التاء في قامت حرف دال على التأنيث، وقيل: هي اسم مرفوع على الفاعلية، ثم قيل ما بعده بدل منه، وقيل: مبتدأ والجملة خبر مقدم.
وهذا أمر مردود بنقل الأئمة أن ذلك لغة لقوم معينين، والبدل وتقديم الخبر لا يختص بالقوم المعينين). [مصابيح المغاني: 519 - 534]


رد مع اقتباس
  #13  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 07:02 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


قال عبد الله بن محمد بن إسماعيل الكردي البيتوشي (ت: 1211هـ): (
والواو قد تأتي بمعنى البا و أو = كذلك التعليل فيها قد رأوا
قلبي ملكٌ لهم هم أعلمُ = وما لهم إن عذبوا أو أنعموا
قالوا الذي تهواه قد تناءى = فاختر عليه الصبر والبكاء
يا ليته بعد النوى يُرد = ونقضي الأوطار فيما بعدُ
وقد أتت في رأي بعض من سلف زائدةً واختاره بعض الخلف
حتى إذا خلبتني خلابا = وقلت لي لا تقربن البابا
ومنهم من عد واو ساروا = أحبتي فأين لي اصطبارُ
وعُدَّ واوٌ جاء للإنكار = منها كذلك الواو للتذكار). [كفاية المعاني: 253 - 254]


رد مع اقتباس
  #14  
قديم 26 ذو الحجة 1438هـ/17-09-2017م, 07:03 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي


شرح أحمد بن فارس الشدياق (ت: 1305هـ)

(حرف الواو)
قال أحمد بن فارس الشدياق (ت: 1305هـ): ( (حرف الواو)
الواو المفردة تنتهي أقسامها إلى أحد عشر:
الأول: العاطفة، ومعناها: مطلق الجمع، فتعطف الشيء على مصاحبه نحو: {فأنجيناه وأصحاب السفينة}، وعلى سابقه نحو: {ولقد أرسلنا نوحًا وإبراهيم}، وعلى لاحقه نحو: {وكذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك} فإذا قيل: قام زيد وعمرو، احتمل ثلاثة معان.
قال ابن مالك وكونها للمعية راجح، وللترتيب كثير، ولعكسه قليل، وتنفرد عن سائر أحرف العطف بأحكام.
أحدها: احتمال معطوفها للمعاني الثلاثة.
الثاني: اقترانها بإما نحو: {إما شاكرًا وإما كفورًا}.
والثالث: اقترانها بلا، إن سبقت بنفي، ولم تقصد المعية نحو: ما قام زيد ولا عمرو، ولا يجوز: قام زيد ولا عمرو، وإنما جاز: {ولا الضالين}؛ لأن في غير معنى النفي.
والرابع: اقترانها بلكن، نحو: {ولكن رسول الله}.
والخامس: عطف العقد على النيف نحو: أحد وعشرون.
والسادس: عطف ما لا يُستغنى عنه، كاختصم زيد وعمرو، واشترك زيد وعمرو، وهذا من أقوى الأدلة على عدم إفادتها الترتيب.
والسابع: عطف عامل حذف، وبقي معموله على عامل آخر، كقوله:
وزججن الحواجب والعيونا، أي: وكلحن العيون.
والثامن: عطف الشيء على مرادفه نحو: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}، وقول الشاعر.
وألفى قولها كذبًا ومينًا، وزعم بعضهم أن الرواية: كذبًا مبينًا، فلا عطف ولا تأكيد.
وزعم ابن مالك أن ذلك قد يأتي في أو، ومنه: {من يكسب خطيئة أو إثمًا}، وزعم بعضهم أن الواو تأتي بمعنى أو أيضًا في التقسيم، كقولك: الكلمة اسم وفعل وحرف، وفي الإباحة نحو: جالس الحسن وابن سيرين، قال أبو شامة: وزعم بعضهم أن الواو تأتي للتخيير مجازًا.
الوجه الثاني من أوجه الواو: أن تكون بمعنى باء الجر، كقولهم: بعت الشاء شاة ودرهمًا.
الوجه الثالث: واو الحال الداخلة على الاسمية، نحو: جاء زيد والشمس طالعة، ومن ورودها على الجملة الفعلية قوله:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم = ولم تكثر القتلى بها حين سلت
ولو قدرت للعطف لانقلب المدح ذمًا.
الرابع: واو المفعول معه كسرت والنيل، وليس النصب بها خلافًا للجرجاني.
الخامس: الواو الداخلة على المضارع فينتصب لعطفه على اسم صريح أو مؤول نحو: وليس عباءة وتقر عيني.
وقوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله، والحق أنها واو العطف.
السادس: واو القسم الجارة، ولا تدخل إلا على اسم مظهر نحو: {والقرآن الحكيم}، وواو رب، كقوله: وليل كموج البحر أرخى سدوله، هي أيضًا جارة، ولا تدخل إلا على نكرة، والصحيح أنها واو العطف، وأن الجر برب محذوفة خلافًا للكوفيين والمبرد.
السابع: واو زائدة دخولها كخروجها، أثبتها الكوفيون والأخفش وجماعة، وحملوا عليه: {حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها}، بدليل الآية الأخرى، وقيل: هي عاطفة، وإنما الزائدة الواو في: {وقال لهم خزنتها}.
الثامن: واو الثمانية، ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا: ستة سبعة وثمانية إيذانًا بأن السبعة عدد تام وأن ما بعده عدد مستأنف، واستدلوا على ذلك بآيات من جملتها: {وأبكارًا} في آية التحريم، ذكرها القاضي الفاضل، وتبجح باستخراجها، وقد سبقه إلى ذكرها الثعلبي، والصحيح أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما: تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة، فلا يصح اسقاطها، وواو الثمانية عند القائل بها صالحة للسقوط.
التاسع: ضمير المذكور نحو: الرجال قاموا، وهي اسم، وقال الأخفش والمازني: هي حرف والفاعل مستتر، وقد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلوا منزلتهم، نحو قوله تعالى: {يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم}، وذلك لتوجيه الخطاب إليهم، ومثل لها أبو سعيد: بأكلوني البراغيث إذا وصفت بالأكل أو القرص، وهذا سهو منه؛ لأن الأكل من صفات الحيوان العاقل وغير العاقل.
العاشر: واو علامة المذكرين في لغة طي، أو أزد شنؤة، أو بلحارث، ومنه الحديث: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»، وقوله: يلومنني في اشتراء النخيل قومي فكلهم ألوم، وهي عند سيبويه حرف دال على الجماعة، كما أن التاء في قامت حرف دال على التأنيث.
وقيل: اسم مرفوع على الفاعلية، ثم قيل: ما بعدها بدل منها، وقيل: إن الفعل خبر مقدم، وكذا الخلاف في: قاما أخواك، وقمن النساء، وقد حمل بعضهم على هذه اللغة: {ثم عموا وصموا كثيرٌ منهم}، {وأسروا النجوى الذين ظلموا}، وجوز الزمخشري في: {لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ} كون من فاعلًا والواو وعلامة.
الحادي عشر: واو الإشباع، وذلك كقوله: من حوثما سلكوا فانظور، أي: انظر، وحوثما لغة في حيثما، ومثلها واو القوافي، كقوله: سقيت الغيث أيتها الخيامو: والواو في منو للحكاية، وهي أن يقول أحد: جاءني رجل، فتقول: منو، وإن قال: رأيت رجلًا قلت: منا، وإن قال: مررت برجل، قلت: مني، وإن قال: جاءني رجلان، قلت: منان، وإن قال: مررت برجلين، قلت: منين، بتسكين النون فيهما.
قال أبو البقاء في الكليات: وقد اختلفت كلمتهم في الواو والوفاء وثم الواقعة بعد همزة الاستفهام، نحو قوله تعالى: {أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم}، فقيل: عطف على مذكور قبلها لا على مقدر بعدها، بدليل أنه لا يقع ذلك في أول الكلام قط، وقيل: بل بالعكس؛ لأن للاستفهام الصدارة، وعند سيبويه الهمزة والواو مقلوبتا المكان لصدارة الاستفهام، فالهمزة حينئذٍ داخلة على المذكور، وعند الزمخشري : هما ثابتان في مكانهما، وهي داخلة على مقدر مناسب لما عطف عليه الواو.
قال بعضهم: أصل، أو كالذي، أو رأيت مثل الذي، وهي وألم تر كلتاهما كلمة تعجب، إلا أن ما دخل عليه حرف التشبيه أبلغ في التعجب، كقولك: هل رأيت مثل هذا، فإنه أبلغ من: هل رأيت هذا، وقد تزاد الواو بعد إلا لتأكيد الحكم المطلوب إثباته إذا كان في محل الرد والإنكار، نحو: ما من أحد إلا وله حسد أو طمع.
وعن سيبويه أن الواو في قولهم: بعت الشاة ودرهمًا بمعنى الباء.
وعن ابن السيرافي أن الواو تجيء بمعنى: منه، ومنه لابد وأن يكون كذا، وقد تجيء الواو للاستئناف كما في قولهم في الخطب: وبعد.
وا: على وجهين:
أحدهما: أن تكون حرف نداء مختصًا بباب الندبة نحو: وازيداه، وأجاز بعضهم استعماله في النداء الحقيقي.
والثاني: أن تكون اسمًا لا عجب، كقوله:
وابابي أنت وفوك الأشنب = كأنما ذر عليه الزرنب
الزرنب نبت طيب الرائحة، وقد يقال: واها، كقوله: واها لسلمى، ثم واهًا واهًا.
وفي القاموس: واهاله، ويترك تنوينه كلمة تعجب من طيب شيء كلمة تلهف.
وي: هي بمعنى وا التي هي اسم فعل لا عجب، قال الشارح: وهو المشهور، وقيل: إن وي حرف تنبيه للردع والزجر على وقوع في محذور ومكروه، كما إذا وجد رجل يسب أحدًا أو يوقعه في مكروه أو يتلفه أو يأخذ ماله، فيقال للرجل: وي، ومعناه: تنبه وانزجر عن فعلك، وقد يليها كاف الخطاب، كقوله:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها = قيل الفوارس ويك عنتر أقدم
وقال الكسائي: أصل ويك ويلك، فالكاف ضمير مجرور، وأما ويك أن الله، قال أبو الحسن: وي اسم فعل، والكاف حرف خطاب، وأن على إضمار اللام، والمعنى: أعجب لأن الله، وقال الخليل: وي وحدها وكأن كلمة مستقلة للتحقيق للتنبيه، كما قال: وي كأن من يكن له نشب يحبب، ومن يفتقر يعش عيش ضر، كما قال:
كأنني حين أمسي لا تكلمني = متيم اشتهى ما ليس موجودًا.
ليس غرضه أن يشبه نفسه بمتيم موصوف بما ذكر، وإنما غرضه أن يخبر به عن حال امسائه غير مكلمة له متيم يشتهي أمرًا غير موجود، وذلك الأمر كلامها، فمن ثم جعلت كأن للتحقيق لا للتشبيه.
قال في القاموس: ويب كويل، تقول: ويبك، وويب لك، وويب لزيد، وويبًا له، ومعناه: ألزمه له، ويلا وويبا لهذا، أي: عجبًا.
وقال في فصل الحاء: ويح لزيد وويحًا له كلمة رحمة، ورفعه على الابتداء، ونصبه بإضمار فعل، وويح زيد وويحه نصبهما به أيضًا، وويحما زيد بمعناه، أو أصله: وي، فوصلت بحاء مرة، وبلام مرة، وبباء مرة، وبسين مرة، وفي الكليات ويها، إذا زجرته عن الشيء أو أغريته، وواها له إذا تعجبت منه). [غنية الطالب: 266 - 270]


رد مع اقتباس
  #15  
قديم 2 محرم 1439هـ/22-09-2017م, 06:13 PM
جمهرة علوم اللغة جمهرة علوم اللغة غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Apr 2017
المشاركات: 2,897
افتراضي

قسم معاني الحروف من دليل"دراسات في أساليب القرآن"
للأستاذ محمد عبد الخالق عضيمة



- [الواو]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:17 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة