العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة النساء

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 11 ربيع الثاني 1434هـ/21-02-2013م, 11:17 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفسير سورة النساء [ من الآية (19) إلى الآية (21) ]

تفسير سورة النساء
[ من الآية (19) إلى الآية (21) ]


بسم الله الرحمن الرحيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 03:04 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) ).
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (- أخبرنا مسعر، قال: حدثني معن وعون، أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله ابن مسعودٍ، فقال: اعهد إلي؟ فقال: إذا سمعت الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا} فارعها سمعك، فإنها خيرٌ يأمر به، أو شرٌّ ينهى عنه). [الزهد لابن المبارك: 2/ 18]

قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (قال سعيد بن أبي هلال: وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ وعاشروهن بالمعروف}، فكان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد؛ وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاه؛ فنهى الله المؤمنين عن ذلك؛ وقال زيد: وأما قوله: {إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ}، فإنه كان في الزنا ثلاثة أنحاء، أما نحو قال الله: {لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة}، فلم ينته الناس، قال: ثم نزل: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعةً منكم فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفّاهنّ الموت أو يجعل الله لهن سبيلا}، كانت المرأة الثيب إذا زنت فشهد عليها أربعة عطلت فلم يتزوجها أحدٌ، فهي التي قال الله: {ولا تعضلوهن إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ}.
قال زيد: ثم نزلت: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما}، فهذان البكران اللذان إن لم يتزوجها وآذاهما أن يعرفا بذنبهما، فيقال: يا زان حتى ترى منهما توبةٌ، حتى نزل السبيل، قال: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما مائة جلدةٍ}، فهذا للبكرين.
قال زيد: وكان للثيب الرجم؛ وقال الله: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}، إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها وخاف الرجل ألا يؤدي حقها، فلا جناح في الفدية). [الجامع في علوم القرآن: 1/125-127]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (حدثني مالك بن أنس في هذه الآية: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}، قال: كان الرجل في الجاهلية يعضل امرأة أبيه حتى تموت فيرثها [ .... ]). [الجامع في علوم القرآن: 2/135]
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (ثم قال في سورة النساء: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينةٍ}؛ وقال: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}؛ كان الرجل يحالف الرجل يقول: ترثني أرثك؛
فنسخ ذلك في سورة الأنفال: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّه إن الله بكل شيءٍ عليمٌ}). [الجامع في علوم القرآن: 3/69-70]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري في قوله تعالى:{ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } قال «نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه فمسكها حتى تموت فيرثها فنزلت فيهم»). [تفسير عبد الرزاق: 1/151]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله:{ ولا تعضلوهن } «يقول لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك ضرارا حتى تفتدي منها»). [تفسير عبد الرزاق: 1/151].
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر قال أخبرني سماك بن الفضل عن ابن البيلماني قال « نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية والأخرى في الإسلام »). [تفسير عبد الرزاق: 1/152]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (عن معمر عن قتادة في قوله تعالى:{ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال «هو النشوز »). [تفسير عبد الرزاق: 1/152]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن عطاء الخراساني أن الرجل كان إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود). [تفسير عبد الرزاق: 1/152]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان الثوري عن التّيميّ عن أبي مجلزٍ: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرها } قال: «كانت الأنصار إذا مات الرّجل ألقى وليّه الثّوب على امرأته فيكون أحقّ بها من بين الناس »). [تفسير الثوري: 92]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرؤون في القرآن: {يا أيّها الّذين آمنوا} فإنّ موضعه في التّوراة: يا أيّها المساكين). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 318]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا، ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية ويذكر عن ابن عبّاسٍ: {لا تعضلوهنّ}: «لا تقهروهنّ» ، {حوبًا} : «إثمًا»، {تعولوا} : «تميلوا»، {نحلةً}:«النّحلة المهر»
- حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ، حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، حدّثنا الشّيبانيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال الشّيبانيّ: وذكره أبو الحسن السّوائيّ ولا أظنّه ذكره، إلّا عن ابن عبّاسٍ، {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا، ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قال: «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها فهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك»). [صحيح البخاري: 6/44]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله باب قوله:{ لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية)
سقط باب وما بعد كرهًا لغير أبي ذرٍّ وقوله كرهًا مصدرٌ في موضع الحال قرأها حمزة والكسائيّ بالضّمّ والباقون بالفتح قوله ويذكر عن بن عبّاسٍ « لا تعضلوهنّ لا تقهروهنّ » في رواية الكشميهنيّ تنتهروهنّ بنونٍ بعدها مثنّاةٌ من الانتهار وهي رواية القابسيّ أيضًا وهذه الرّواية وهمٌ والصّواب ما عند الجماعة وهذا الأثر وصله الطّبريّ وبن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ في قوله « لا تعضلوهنّ لا تقهروهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ يعني الرّجل تكون له المرأة وهو كارهٌ لصحبتها ولها عليه مهرٌ فيضرّها لتفتدي » وأسند عن السّدّيّ والضّحّاك نحوه وعن مجاهدٍ أنّ المخاطب بذلك أولياء المرأة كالعضل المذكور في سورة البقرة ثمّ ضعّف ذلك ورجّح الأول). [فتح الباري: 8/245-246]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرها} الآية).

أي: هذا باب فيه قوله تعالى: {لا يحل لكم} الآية، وهذا المقدار بلفظ: باب، في رواية أبي ذر، وفي رواية غيره هكذا: {لا يحل لكم أن ترثوا النّساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية. تمام الآية: {إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} وأول الآية: {يأيها الّذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا} وأن مصدريّة. قوله: (كرها) مصدر في موضع الحال، وقرأ حمزة والكسائيّ بضم الكاف، ومعنى العضل يأتي عن قريب. قوله: (بفاحشة) قال ابن مسعود وابن عبّاس: «هي الزّنى، يعني: إذا زنت فللزّوج أن يسترجع الصداق الّذي أعطاها ويضاجرها حتّى تترك له» ، وبه قال سعيد بن المسيب والشعبيّ والحسن البصريّ ومحمّد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضّحّاك وعطاء الخراساني وأبو قلابة والسّديّ وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال. وعن ابن عبّاس: «الفاحشة المبينة النّشوز والعصيان» ، وحكي ذلك أيضا عن الضّحّاك وعكرمة، واختار ابن جرير أنه أعم من الزّنى والنشوز وبذاء اللّسان وغير ذلك.
ويذكر عن ابن عبّاسٍ «لا تعضلوهنّ لا تقهروهنّ».
هذا وصله أبو محمّد الرّازيّ عن أبيه. حدثنا أبو صالح كاتب اللّيث حدثني معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس، وفي رواية الكشميهني «لا تعضلوهن لا تنهروهن من الانتهار» ، وهي رواية القابسيّ أيضا، وقال بعضهم: «هذه الرّواية وهم، والصّواب ما عند الجماعة ». قلت: لا يدري ما وجه الصّواب هنا ومعنى الانتهار لا يخلو عن معنى القهر على ما لا يخفى). [عمدة القاري: 18/167-168]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( [4579] قوله حدّثنا أسباط بن محمّدٍ هو بفتح الهمزة وسكون المهملة بعدها موحّدةٌ كوفيٌّ ثقةٌ ليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث وأورده في كتاب الإكراه عن حسين بن منصورٍ عنه أيضا وقد قال الدوري عن بن معينٍ كان يخطئ عن سفيان فذكره لأجل ذلك بن الجوزيّ في الضّعفاء لكن قال كان ثبتًا فيما يروي عن الشّيبانيّ ومطرّفٍ وذكره العقيليّ وقال ربّما وهم في الشّيء وقد أدركه البخاريّ بالسّنّ لأنّه مات في أوّل سنة مائتين قوله قال الشّيبانيّ سمّاه في كتاب الإكراه سليمان بن فيروزٍ قوله وذكره أبو الحسن السّوائيّ ولا أظنّه ذكره إلّا عن بن عبّاسٍ حاصله أنّ للشّيبانيّ فيه طريقين إحداهما موصولة وهي عكرمة عن بن عبّاسٍ والأخرى مشكوكٌ في وصلها وهي أبو الحسن السوائي عن بن عبّاسٍ والشّيبانيّ هو أبو إسحاق والسّوائيّ بضمّ المهملة وتخفيف الواو ثمّ ألفٍ ثمّ همزةٍ واسمه عطاءٌ ولم أقف له على ذكرٍ إلّا في هذا الحديث قوله كانوا إذا مات الرّجل في رواية السّدّيّ تقييد ذلك بالجاهلية وفي روايةالضحاك تخصيص ذلك بأهل المدينة وكذلك أورده الطّبريّ من طريق العوفيّ عن بن عبّاسٍ لكن لا يلزم من كونه في الجاهليّة أن لا يكون استمرّ في أوّل الإسلام إلى أن نزلت الآية فقد جزم الواحديّ أنّ ذلك كان في الجاهليّة وفي أوّل الإسلام وساق القصّة مطوّلةً وكأنّه نقله من تفسير الشّعبيّ ونقل عن تفسير مقاتلٍ نحوه إلّا أنه خالف في اسم بن أبي قيسٍ فالأوّل قال قيسٌ ومقاتلٌ قال حصين روى الطّبريّ من طريق بن جريجٍ عن عكرمة أنّها نزلت في قصّةٍ خاصّةٍ قال «نزلت في كبشة بنت معن بن عاصمٍ من الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفّي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت يا نبيّ اللّه لا أنا ورثت زوجي ولا تركت فأنكح » فنزلت هذه الآية وبإسنادٍ حسنٍ عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ عن أبيه قال « لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهليّة » فأنزل اللّه هذه الآية قوله «كان أولياؤه أحقّ بامرأته » في رواية أبي معاوية عن الشّيبانيّ عن عكرمة وحده عن بن عبّاسٍ في هذا الحديث « تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها قوله إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاءوا زوّجوها وإن شاءوا لم يزوّجوها وهم أحقّ بها من أهلها » في رواية أبي معاوية المذكورة «عصبته أن تنكح أحدًا حتّى تموت فيرثوها » قال الإسماعيليّ هذا مخالفٌ لرواية أسباطٍ قلت ويمكن ردّها إليها بأن يكون المراد أن تنكح إلّا منهم أو بإذنهم نعم هي مخالفةٌ لها في التّخصيص السّابق وقد روى الطّبريّ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ «كان الرّجل إذا مات وترك امرأةً ألقى عليها حميمه ثوبًا فمنعها من النّاس فإن كانت جميلةً تزوّجها وإن كانت دميمةً حبسها حتّى تموت ويرثها » .وروى الطّبريّ أيضً عا من طريق الحسن والسّدّيّ وغيرهما «كان الرّجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتّى تموت أو تردّ إليه الصّداق وزاد السّدّيّ إن سبق الوارث فألقىليها ثوبه كان أحقّ بها وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها»). [فتح الباري: 8/246-247]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه ويذكر عن ابن عبّاس{ لا تعضلوهن} « لا تقهروهن» { حوبا } «إثمًا» {تعولوا} «تميلوا » {نحلة } «النحلة المهر».
...
قال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا أبو صالح ثنا معاوية عن علّي عن ابن عبّاس في قوله:{ لا تعضلوهن} قال « لا تقهروهن»). [تغليق التعليق: 4/193-194]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ حدّثنا أسباط بن محمّدٍ حدّثنا الشّيبانيّ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قال الشّيبانيّ وذكره أبو الحسن السّوائيّ ولا أظنّه ذكره إلاّ عن ابن عبّاسٍ {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرها ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قال «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاؤا زوّجوها وإن شاؤا لم يزوّجوها فهم أحقّ بها من أهلها » فنزلت هذه الآية في ذلك.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. ومحمّد بن مقاتل أبو الحسن المروزي، وأسباط، بفتح الهمزة وسكون السّين المهملة وبالياء الموحدة: ابن محمّد بن عبد الرّحمن القرشي الكوفي قال الواقديّ: « مات في أول سنة مائتين وأدركه البخاريّ بالسّنّ وعن ابن معين». كان يخطىء عن سفيان فلذلك ذكره ابن البرقي في الضّعفاء، ولكن قال: كان ثبتا فيما يروي عن الشيبانيّ ومطرف، وقال العقيليّ، ربما وهم في الشّيء وليس له في البخاريّ سوى هذا الحديث، والشيباني، بالشين المعجمة وهو سليمان بن فيروز، وأبو الحسن اسمه عطاء. وقال الكرماني: «اسمه مهاجر، مر في باب الإيراد بالظّهر ». (قلت):قال البخاريّ في باب الإيراد بالظّهر: حدثنا محمّد بن بشار حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة عن مهاجر أبي الحسن سمع زيد بن وهب الحديث. وظن الكرماني أنّهما واحد وليس كذلك لأن المذكور في: باب الإيراد بالظّهر التّيميّ، والمذكور هنا السوائي، بضم السّين المهملة وتخفيف الواو الممدودة وكسر الهمزة. نسبة إلى بني سواه بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بطن كبير.
والحديث أخرجه البخاريّ أيضا في الإكراه عن الحسين بن منصور. وأخرجه أبو داود في النّكاح عن أحمد بن منيع وأخرجه النّسائيّ في التّفسير عن أحمد بن حرب.
قوله: (أخبرنا أسباط) ، وفي بعض النّسخ: حدثنا. قوله: (وذكره) ، أي: الحديث. قوله: (ولا أظنه) ، أي: ولا أحسبه وأشار بهذا إلى أن للشيباني طريقين. (أحدهما):موصول، وهو: عن عكرمة عن ابن عبّاس (والآخر):مشكوك في وصله وهو عن أبي الحسن السوائي عن ابن عبّاس. قوله: (قال: كانوا) أي: قال ابن عبّاس: «كانوا أي: الجاهليّة». قاله السّديّ: وقال الضّحّاك: أي: أهل المدينة. قوله: (فهم) ويروى: وهم بالواو، وقوله: (فنزلت هذه الآية) ، يعني: الآية المذكورة وهي قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النّساء كرها}). [عمدة القاري: 18/168-169]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية، ويذكر عن ابن عبّاسٍ {لا تعضلوهنّ} : «لا تقهروهنّ». {حوبًا} : «إثمًا ».{تعولوا}: « تميلوا ». {نحلةً}: «النّحلة المهر».
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا} أن ترثوا في موضع رفع على الفاعلية بيحل أي لا يحل لكم إرث النساء والنساء مفعول به إما على حذف مضاف أي أن ترثوا أموال النساء والخطاب للأزواج لأنه روي أن الرجل كان إذا لم يكن له في المرأة غرض أمسكها حتى تموت فيرثها أو تفتدي بمالها إن لم تمت، وإما من غير حذف على معنى أن يكن بمعنى الشيء الموروث إن كان الخطاب للأولياء أو لأقرباء الميت كما يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى، وكرها في موضع نصب على الحال من النساء أي ترثوهن كارهات أو مكرهات{ولا تعضلوهن} جزم بلا الناهية أو نصب عطف على أن ترثوا ولا لتأكيد النفي وفي الكلام حذف أي لا تعضلوهن من النكاح إن كان الخطاب للأولياء أو لا تعضلوهن من الطلاق إن كان للأزواج {لتذهبوا ببعض} اللام متعلقة بتعضلوهن والباء للتعدية المرادفة لهمزتها أو للمصاحبة فالجار في محل نصب على الحال ويتعلق بمحذوف أي لتذهبوا مصحوبين ببعض {ما آتيتموهن} (الآية) وما: موصولة بمعنى الذي أو نكرة موصوفة وعلى التقديرين فالعائد محذوف وسقط ولا تعضلوهن إلى آتيتموهن لغير أبي ذر وقالوا الآية.
(ويذكر عن ابن عباس) مما وصله الطبري وابن أبي حاتم {لا تعضلوهن} أي «لا تقهروهن » بالقاف، ولأبي ذر عن الكشميهني: «لا تنتهروهن بالنون). [إرشاد الساري: 7/78]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (حدّثنا محمّد بن مقاتلٍ حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، حدّثنا الشّيبانيّ، عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ قال الشّيبانيّ، وذكره أبو الحسن السّوائيّ ولا أظنّه ذكره إلاّ عن ابن عبّاسٍ {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قال: «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها وإن شاءوا زوّجوها وإن شاءوا لم يزوّجوها فهم أحقّ بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك». [الحديث 4579 - طرفه في: 6948].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (أسباط بن محمد) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وبالموحدة القرشي الكوفي قال: (حدّثنا الشيباني) أبو إسحاق سليمان بن فيروز (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (قال الشيباني): سليمان (وذكره) أي الحديث (أبو الحسن) اسمه عطاء (السوائي) بضم السين وتخفيف الواو ممدودًا وليس هو مهاجرًا المذكور في باب الإبراد بالظهر لأن ذاك تيمي لا سوائي (ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيه أن الشيباني له فيه طريقان إحداهما موصولة وهي عكرمة عن ابن عباس، والثانية مشكوك في وصلها وهي أبو الحسن السوائي عن ابن عباس في قوله تعالى:{يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال: «كانوا أي أهل الجاهلية »كما قاله السدي أو أهل المدينة كما قاله الضحاك وقال الواحدي في الجاهلية وأول الإسلام «إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوّجها إن كانت جميلة بصداقها الأول وإن شاؤوا زوّجوها لمن أرادوا وأخذوا صداقها وإن شاؤوا لم يزوّجوها بل يحبسونها حتى تموت فيرثونها أو تفتدي نفسها » (فهم) بالفاء، ولأبي ذر: وهم (أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك).
وفي رواية أبي معاوية عن الشيباني عن عكرمة وحده عن ابن عباس في هذا الحديث «تخصيص ذلك بمن مات زوجها قبل أن يدخل بها ». وعند الطبراني من طريق ابن جريج عن عكرمة أنها نزلت في قضية خاصة قال: «نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس وكانت تحت أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح » فنزلت الآية.
وبإسناد حسن عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: «لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته وكان ذلك لهم في الجاهلية» فنزلت هذه الآية.
وقال زيد بن أسلم: «كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وإن يعضلها حتى يرثها أو يزوّجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى الله تعالى المؤمنين عن ذلك». رواه ابن أبي حاتم.
وعن ابن عباس: «كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها لجاء رجل فألقى عليها ثوبه كان أحق بها »، وعنه من طريق السدّي: «إن سبق الوارث فألقى عليها ثوبه كان أحق بها وإن سبقت هي إلى أهلها فهي أحق بنفسها».
وحديث الباب أخرجه المؤلّف أيضًا في الإكراه وأبو داود في النكاح والنسائي في التفسير). [إرشاد الساري: 7/79-80]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عز وجل: {يا أيها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً} قال: «كان إذا توفّي الرّجل كان ابنه أحقّ بامرأته ينكحها إن شاء أخاه أو ابن أخيه»). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 80]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
- أخبرنا أحمد بن حربٍ، عن أسباطٍ، عن الشّيبانيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قال أبو إسحاق: وذكر عطاءٌ أبو الحسن، عن ابن عبّاسٍ، في هذه الآية: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قالوا: «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاء زوّجوها، فهم أحقّ بها من أهلها »، فنزلت هذه الآية في ذلك .
- أخبرنا عليّ بن المنذر، عن ابن فضيلٍ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن محمّد بن أبي أمامة، عن أبيه، قال: « لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته من بعده، فكان ذلك لهم في الجاهليّة، فأنزل الله عزّ وجلّ {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/60-61]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا}.
يعني تبارك وتعالى بقوله: {يا أيّها الّذين آمنوا} يا أيّها الّذين صدقوا اللّه ورسوله {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} يقول: «لا يحلّ لكم أن ترثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كرهًا ».
فإن قال قائلٌ: كيف كانوا يرثونهنّ؟ وما وجه تحريم وراثتهنّ، فقد علمت أنّ النّساء مورّثاتٌ كما الرّجال مورّثون؟
قيل إنّ ذلك ليس من معنى وراثتهنّ إذا هنّ متن فتركن مالاً، وإنّما ذلك أنّهنّ في الجاهليّة كانت إحداهنّ إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يتزوّجها حتّى تموت، فحرّم اللّه تعالى ذلك على عباده، وحظر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عضلهنّ عن النّكاح.
وبنحو القول الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، قال: حدّثنا أبو إسحاق يعني الشّيبانيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قال: «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، وهم أحقّ بها من أهلها »، فنزلت هذه الآية في ذلك.
- وحدّثني أحمد بن محمّدٍ الطّوسيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن صالحٍ، قال: حدّثني محمّد بن فضيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمّد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه، قال: «لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهليّة فأنزل اللّه: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين بن واقدٍ، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، والحسن البصريّ، قالا في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} وذلك أنّ الرّجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتّى تموت أو تردّ إليه صداقها، فأحكم اللّه عن ذلك، يعني أنّ اللّه نهاكم عن ذلك.
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن سليمان التّيميّ، عن أبي مجلزٍ في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كانت الأنصار تفعل ذلك كان الرّجل إذا مات حميمه، ورث حميمه امرأته، فيكون أولى بها من وليّ نفسها ».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيّ، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} الآية، قال: «كان الرّجل إذا مات أبوه أو حميمه، فهو أحقّ بامرأته، إن شاء أمسكها أو يحبسها حتّى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها ».
قال ابن جريجٍ: فأخبرني عطاء بن أبي رباحٍ «أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا هلك الرّجل فترك امرأةً حبسها أهله على الصّبيّ يكون فيهم فنزلت: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}» الآية.
قال ابن جريجٍ، وقال مجاهدٌ: «كان الرّجل إذا توفّي أبوه كان أحقّ بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه ».
قال ابن جريجٍ: وقال عكرمة: «نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصمٍ من الأوس، توفّي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت: يا نبيّ اللّه، لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح » فنزلت هذه الآية.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كان إذا توفّي الرّجل كان ابنه الأكبر هو أحقّ بامرأته ينكحها إذا شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه ».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ، مثل قول مجاهدٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، قال: سمعت عمرو بن دينارٍ يقول مثل ذلك.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}،
«
فإنّ الرّجل في الجاهليّة كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميّت فألقى عليها ثوبه فهو أحقّ بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها فهم أحقّ بنفسها
».
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان الباهليّ، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} « كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرّجل وترك امرأةً، ألقى الرّجل عليها ثوبه، فورث نكاحها، وكان أحقّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحًا، فإن شاء أمسكها حتّى تفتدي منه، وكان هذا في الشّرك».
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة هاهنا، فكان الرّجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه، كما يرث أمّه لا يستطيع أن يمنع، فإن أحبّ أن يتّخذها اتّخذها كما كان أبوه يتّخذها، وإن كره فارقها، وإن كان صغيرًا حبست عليه حتّى يكبر، فإن شاء أصابها وإن شاء فارقها » فذلك قول اللّه تبارك وتعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
- حدّثنا محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ في قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} «وذلك أنّ رجالاً من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، فلم ينكحها أحدٌ غيره، وحبسها عنده حتّى تفتدي منه بفديةٍ » فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
- حدّثني ابن وكيعٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سفيان، عن عليّ بن بذيمة، عن مقسمٍ قال: «كانت المرأة في الجاهليّة إذا مات زوجها، فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه كان أحقّ النّاس بها »قال: فنزلت هذه الآية: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
فتأويل الآية على هذا التّأويل: يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كرهًا، فترك ذكر الآباء والأقارب والنّكاح، ووجه الكلام إلى النّهي عن وراثة النّساء، اكتفاءً بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم.
وقال آخرون: «بل معنى ذلك: لا يحلّ لكم أيّها النّاس أن ترثوا النّساء تركاتهنّ كرهًا، قال: وإنّما قيل ذلك لأنّهم كانوا يعضلون أياماهنّ وهنّ كارهاتٌ للعضل حتّى يمتن فيرثوهنّ أموالهنّ ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كان الرّجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من النّاس، فإن كانت جميلةً تزوّجها، وإن كانت ذميمه ً حبسها حتّى تموت، فيرثها ».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال:
«
نزلت في ناسٍ من الأنصار كانوا إذا مات الرّجل منهم فأملك النّاس بامرأته وليّه، فيمسكها حتّى تموت فيرثها، فنزلت فيهم
».
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويل الآية القول الّذي ذكرناه عمّن قال معناه: لا يحلّ لكم أن ترثوا نساء أقاربكم؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه قد بيّن مواريث أهل المواريث، فذلك لأهله كره وراثتهم إيّاه الموروث ذلك عنه من الرّجال أو النّساء أو رضى.
فقد علم بذلك أنّه جلّ ثناؤه لم يحظر على عباده أن يرثوا النّساء ما جعله لهم ميراثًا عنهنّ وأنّه إنّما حظر أن يكرهن مورّوثاتٍ بمعنى حظر وراثة نكاحهنّ إذا كان ميّتهم الّذي ورثوه قد كان مالكًا عليهنّ أمرهنّ في النّكاح ملك الرّجل منفعة ما استأجر من الدّور والأرضين وسائر ما له منافع.
فأبان اللّه جلّ ثناؤه لعباده أنّ الّذي يملكه الرّجل منهم من بضع زوجته، معناه غير معنى ما يملك أحدهم من منافع سائر المملوكات الّتي تجوز إجارتها، بمعنى الإجارة فإنّ المالك بضع زوجته إذا هو مات لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنّكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء الّتي كان يملكها بشراءٍ أو هبةٍ أو إجارةٍ بعد موته بميراثه ذلك عنه.
وأمّا قوله تعالى: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} فإنّ أهل التّأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: {ولا تعضلوهنّ} أي ولا تحبسوا يا معشر ورثة من مات من الرّجال أزواجهم عن نكاح من أردن نكاحه من الرّجال كيما يمتن فتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ؛ أي فتأخذوا من أموالهم إذا متن ما كان موتاكم الّذين ورثتموهنّ ساقوا إليهنّ من صدقاتهنّ. وممّن قال ذلك جماعةٌ قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عبّاسٍ، والحسن البصريّ، وعكرمة.
وقال آخرون: «بل معنى ذلك: ولا تعضلوا أيّها النّاس نساءكم فتحبسوهنّ ضرارًا، ولا حاجة لكم إليهنّ فتضرّوا بهنّ ليفتدين منكم بما آتيتموهنّ من صدقاتهنّ ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ولا تعضلوهنّ} يقول: «لا تقهروهنّ » {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} يعني الرّجل تكون له المرأة وهو كارهٌ لصحبتها، ولها عليه مهرٌ، فيضرّ بها لتفتدي.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {ولا تعضلوهنّ} يقول: «لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتّى تفتدي منك ».
قال: أخبرنا معمرٌ، قال: وأخبرني سماك بن الفضل عن ابن البيلمانيّ، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهليّة، والأخرى في أمر الإسلام.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا سويد بن نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، قال: أخبرنا سماك بن الفضل، عن عبد الرّحمن بن البيلمانيّ، في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ}، قال: «نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في الجاهليّة، والأخرى في أمر الإسلام قال عبد اللّه: لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء في الجاهليّة، ولا تعضلوهنّ في الإسلام».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: {ولا تعضلوهنّ} قال: «لا تحبسوهنّ».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} أمّا تعضلوهنّ، فيقول: «تضارّوهنّ ليفتدين منكم».
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {ولا تعضلوهنّ} قال: « العضل: أن يكره الرّجل امرأته، فيضرّ بها حتّى تفتدي منه » قال اللّه تبارك وتعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ}.
وقال آخرون: «المعنيّ بالنّهي عن عضل النّساء في هذه الآية أولياؤهنّ ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ، في قوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} أن ينكحن أزواجهنّ كالعضل في سورة البقرة.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: «بل المنهيّ عن ذلك زوج المرأة بعد فراقه إيّاها، وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهليّة، فنهوا عنه في الإسلام ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: «كان العضل في قريشٍ بمكّة، ينكح الرّجل المرأة الشّريفة فلعلّها لا توافقه، فيفارقها على أن لا تتزوّج إلاّ بإذنه، فيأتي بالشّهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها خاطبٌ، فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلاّ عضلها » قال: فهذا قول اللّه: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية.
قال أبو جعفرٍ: قد بيّنّا فيما مضى معنى العضل وما أصله بشواهد ذلك من الأدلّة. وأولى هذه الأقوال الّتي ذكرناها بالصّحّة في تأويل قوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} قول من قال: نهى اللّه جلّ ثناؤه زوج المرأة عن التّضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كارهٌ، ولفراقها محبٌّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصّداق.
وإنّما قلنا ذلك أولى بالصّحّة؛ لأنّه لا سبيل لأحدٍ إلى عضل امرأةٍ، إلاّ لأحد رجلين: إمّا لزوجها بالتّضييق عليها وحبسها على نفسه، وهو لها كارهٌ، مضارّةً منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك، أو لوليّها الّذي إليها إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليّ معلومًا أنّه ليس ممّن أتاها شيئًا، فيقال: إن عضلها عن النّكاح عضلها ليذهب ببعض ما آتاها، كان معلومًا أنّ الّذي عنى اللّه تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها هو زوجها الّذي له السّبيل إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه.
وإذا صحّ ذلك، وكان معلومًا أنّ اللّه تعالى ذكره لم يجعل لأحدٍ السّبيل على زوجته بعد فراقه إيّاها وبينونتها منه، فيكون له إلى عضلها سبيلٌ لتفتدي منه من عضله إيّاها، أتت بفاحشةٍ أم لم تأت بها، وكان اللّه جلّ ثناؤه قد أباح للأزواج عضلهنّ إذا أتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ، حتّى يفتدين منه، كان بيّنًا بذلك خطأ التّأويل الّذي تأوّله ابن زيدٍ، وتأويل من قال: عنى بالنّهي عن العضل في هذه الآية أولياء الأيامى، وصحّة ما قلنا فيه.
{ولا تعضلوهنّ} في موضع نصبٍ عطفًا على قوله: {أن ترثوا النّساء كرهًا} ومعناه: لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا، ولا تعضلوهنّ، وكذلك هي فيما ذكر في حرف ابن مسعودٍ
ولو قيل: هو في موضع جزمٍ على وجه النّهي لم يكن خطأً). [جامع البيان: 6/520-531]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} يعني بذلك جلّ ثناؤه: لا يحلّ لكم أيّها المؤمنون أن تعضلوا نساءكم ضرارًا منكم لهنّ، وأنتم لصحبتهنّ كارهون، وهنّ لكم طائعاتٌ، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من صدقاتهنّ، إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ، فيحلّ لكم حينئذٍ الضّرار بهنّ ليفتدين منكم.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في معنى الفاحشة الّتي ذكرها اللّه جلّ ثناؤه في هذا الموضع، فقال بعضهم: «معناها: الزّنا، وقال إذا زنت امرأة الرّجل حلّ له عضلها والضّرار بها لتفتدي منه بما آتاها من صداقها ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعث، عن الحسن «في البكر تفجر، قال: تضرب مائةً، وتنفى سنةً، وتردّ إلى زوجها ما أخذت منه » وتأوّل هذه الآية: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن عطاءٍ الخراسانيّ: «في الرّجل إذا أصابت امرأته فاحشةً: أخذ ما ساق إليها وأخرجها؛ فنسخ ذلك الحدود ».
- حدّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، قال: أخبرنا معمرٌ، عن أيّوب، عن أبي قلابة، قال: « إذا رأى الرّجل من امرأته فاحشةً، فلا بأس أن يضارّها، ويشقّ عليها حتّى تختلع منه ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرني معمرٌ، عن أيّوب، عن أبي قلابة: «في الرّجل يطّلع من امرأته على فاحشةٍ فذكر نحوه».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} وهو الزّنا، فإذا فعلن ذلك فخذوا مهورهنّ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم، أنّه سمع الحسن البصريّ: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ} قال: الزّنا.قال: وسمعت الحسن، وأبا الشّعثاء يقولان: فإن فعلت حلّ لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع لتفتدي.
وقال آخرون: الفاحشة المبيّنة في هذا الموضع: النّشوز.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} وهو البغض والنّشوز، فإذا فعلت ذلك، فقد حلّ له منها الفدية.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، قال: حدّثنا عنبسة، عن عليّ بن بذيمة، عن مقسمٍ في قوله: ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يفحشن في قراءة ابن مسعودٍ قال: إذا عصتك وآذتك فقد حلّ لك أخذ ما أخذت منك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن مطرّف بن طريفٍ، عن خالدٍ، عن الضّحّاك بن مزاحمٍ: {إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنةٍ} قال: «الفاحشة هاهنا النّشوز، فإذا نشزت حلّ له أن يأخذ خلعها منها ».
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، في قوله: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} قال: «هو النّشوز».
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عطاء بن أبي رباحٍ: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} فإن فعلن إن شئتم أمسكتموهنّ وإن شئتم أرسلتموهنّ.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقول: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ، يقول في قوله: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} قال: عدل ربّنا تبارك وتعالى في القضاء فرجع إلى النّساء فقال: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} والفاحشة: العصيان والنّشوز؛ فإذا كان ذلك من قبلها، فإنّ اللّه أمره أن يضربها، وأمره بالهجر، فإن لم تدع العصيان والنّشوز فلا جناح عليه بعد ذلك أن يأخذ منها الفدية.
قال أبو جعفرٍ: وأولى ما قيل في تأويل قوله: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} أنّه معنيّ به كلّ فاحشةٍ من بذاءةٍ باللّسان على زوجها، وأذًى له وزنًا بفرجها. وذلك أنّ اللّه جلّ ثناؤه عمّ بقوله: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} كلّ فاحشةٍ مبيّنةٍ ظاهرةٍ، فكلّ زوج امرأةٍ أتت بفاحشةٍ من الفواحش الّتي هي زنًا أو نشوزٌ، فله عضلها على ما بيّن اللّه في كتابه، والتّضييق عليها حتّى تفتدي منه بأيّ معاني فواحش أتت بعد أن تكون ظاهرةً مبيّنةٍ بظاهر كتاب اللّه تبارك وتعالى، وصحّة الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
- كالّذي: حدّثني يوسف بن سلمان البصريّ، قال: حدّثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدّثنا جعفر بن محمّدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «اتّقوا اللّه في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مبرّحٍ ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف».
- حدّثنا موسى بن عبد الرّحمن المسروقيّ، قال: حدّثنا زيد بن الحباب، قال: حدّثنا موسى بن عبيدة الرّبذيّ، قال: حدّثنا صدقة بن يسارٍ، عن ابن عمر، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أيّها النّاس إنّ النّساء عندكم عوانٍ، أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، ولكم عليهنّ حقٌّ، ولهنّ عليكم حقٌّ، ومن حقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا ولا يعصينكم في معروفٍ، فإذا فعلن ذلك فلهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف ».
فأخبر صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ من حقّ الزّوج على المرأة أن لا توطئ فراشه أحدًا، وأن لا تعصيه في معروفٍ وأنّ الّذي يجب لها من الرّزق والكسوة عليه، وإنّما هو واجبٌ عليه، إذا أدّت هي إليه ما يجب عليها من الحقّ بتركها إيطاء فراشه غيره، وتركها معصيته في معروفٍ، ومعلومٌ أنّ معنى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: من حقّكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدًا إنّما هو أن لا يمكّنّ أنفسهنّ من أحدٍ سواكم، وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فبيّنٌ أنّ لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه أنّ له منعها من الكسوة والرّزق بالمعروف، مثل الّذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له فمعلومٌ أنّه غير مانعٍ لها بمنعه إيّاها ماله منعها حقًّا لها واجبًا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبيّنٌ أنّها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها فأخذ منها زوجها ما أعطته أنّه لم يأخذ ذلك عن عضل منهيٍّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عضل له مباحٍ، وإذ كان ذلك كذلك كان بيّنًا أنّه داخلٌ في استثناء اللّه تبارك وتعالى الّذي استثناه من العاضلين بقوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} وإذ صحّ ذلك، فبيّنٌ فساد قول من قال: {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} منسوخٌ بالحدود؛ لأنّ الحدّ حقّ اللّه تعالى على من أتى بالفاحشة الّتي هي زنًا، وأمّا العضل لتفتدي المرأة من الزّوج بما آتاها أو ببعضه فحقٌّ لزوجها كما عضله إيّاها وتضييقه عليها إذا هي نشزت عليه لتفتدي منه حقٌّ له، وليس حكم أحدهما يبطل حكم الآخر.
فمعنى الآية: ولا يحلّ لكم أيّها الّذين آمنوا أن تعضلوا نساءكم، فتضيّقوا عليهنّ، وتمنعوهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من صدقاتكم، {إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ} من زنًا أو بذاءٍ عليكم، وخلاف لكم فيما يجب عليهنّ لكم مبيّنةٍ ظاهرةٍ، فيحلّ لكم حينئذٍ عضلهنّ، والتّضييق عليهنّ، لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من صداقٍ، إن هنّ افتدين منكم به.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {مبيّنةٍ} فقرأه بعضهم: (مبيّنةٍ) بفتح الياء، بمعنى أنّها قد بيّنت لكم وأعلنت وأظهرت
وقرأه بعضهم {مبيّنةٍ} بكسر الياء، بمعنى أنّها ظاهرةٌ بيّنةٌ للنّاس أنّها فاحشةٌ
وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة أمصار الإسلام، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ في قراءته الصّواب؛ لأنّ الفاحشة إذا أظهرها صاحبها فهي طاهرةٌ بيّنةٌ، وإذا ظهرت فبإظهار صاحبها إيّاها ظهرت، فلا تكون ظاهرةً بيّنةً إلاّ وهي مبيّنةٌ ولا مبيّنةً إلاّ وهى مبيّنةٌ. فلذلك رأيت القراءة بأيّهما قرأ القارئ صوابًا). [جامع البيان: 6/532-537]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى. {وعاشروهنّ بالمعروف}.
يعني جلّ ثناؤه بقوله، {وعاشروهنّ بالمعروف} وخالقوا أيّها الرّجال نساءكم، وصاحبوهنّ بالمعروف، يعني بما أمرتم به من المصاحبة، وذلك إمساكهنّ بأداء حقوقهنّ الّتي فرض اللّه جلّ ثناؤه لهنّ عليكم إليهنّ، أو تسريحٍ منكم لهنّ بإحسانٍ.
- كما: حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال، حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وعاشروهنّ بالمعروف} يقول: وخالطوهنّ كذا قال محمّد بن الحسين، وإنّما هو خالقوهنّ من العشرة وهي المصاحبة). [جامع البيان: 6/537-538]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} يعني بذلك تعالى ذكره: لا تعضلوا نساءكم لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ من غير ريبةٍ، ولا نشوزٍ، كان منهنّ، ولكن عاشروهنّ بالمعروف وإن كرهتموهنّ، فلعلّكم أن تكرهوهنّ، فتمسكوهنّ، فيجعل اللّه لكم في إمساككم إيّاهنّ على كرهٍ منكم لهنّ خيرًا كثيرًا من ولدٍ يرزقكم منهنّ، أو عطفكم عليهنّ بعد كراهتكم إيّاهنّ.
- كما: حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} يقال: فعسى اللّه أن يجعل في الكراهة خيرًا كثيرًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثني أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، في قوله: {ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} قال: «الولد».
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال، حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: {ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} والخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق الرّجل ولدها، ويجعل اللّه في ولدها خيرًا كثيرًا
والهاء في قوله: {ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} على قول مجاهدٍ الّذي ذكرناه كنايةٌ عن مصدر تكرهوا، كأنّ معنى الكلام عنده: فإن كرهتموهنّ، فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا. ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه في ذلك الشّيء الّذي تكرهونه خيرًا كثيرًا، كان جائزًا صحيحًا). [جامع البيان: 6/538-539]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلّا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا (19) }.
قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا}.
- حدّثنا زيد بن إسماعيل الصّائغ، حدّثني معاوية يعني: ابن هشامٍ، عن عيسى بن راشدٍ، عن عليّ بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: «ما في القرآن آية: يا أيّها الّذين آمنوا إلا كان على سيّدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب محمّدٍ إلا قد عوتب في القرآن إلا عليّ بن أبي طالبٍ فإنّه لم يعاتب في شيءٍ منه».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن خيثمة قال: «ما تقرأون في القرآن: يا أيّها الّذين آمنوا فإنّه في التّوراة: يا أيّها المساكين ».
- حدّثنا أبي، ثنا نعيم بن حمّادٍ، ثنا عبد اللّه بن المبارك، أنبأ مسعرٌ، ثنا معنٌ وعونٌ أو أحدهما أنّ رجلاً أتى عبد اللّه بن مسعودٍ فقال: اعهد إليّ، فقال: إذا سمعت اللّه تعالى يقول: يا أيّها الّذين آمنوا فأرعها سمعك فهو خيرٌ يأمر به أو شرٌّ ينهى عنه.
قوله تعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله:{يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرها } قال: «كان الرّجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حميمة ثوبه، فمنعها، فإن كانت جميلةً تزوّجها، وإن كانت ذميمةً حبسها حتّى تموت فيرثها».
- حدّثنا عمّار بن خالدٍ، ثنا أسباطٌ، عن الشّيبانيّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، وقال أبو إسحاق، وذكره عطاءٌ أبو الحسن السّوائيّ، ولا أظنّه إلا ذكره عن ابن عبّاسٍ في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً} قال: «كان الرّجل إذا مات كان أولياؤه أحقّ بإمائه من وليّ نفسها، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها»، فنزلت هذه الآية في ذلك- وروي عن أبي مجلزٍ، نحو ذلك.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن فضيلٍ، ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن محمّد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه قال: « لمّا توفّي أبو قيسٍ الأسلت، أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهليّة، فأنزل اللّه تعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً}».
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، عن عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قال: «كانت المرأة في الجاهليّة إذا مات زوجها جاء وليّه، فألقى عليها ثوباً، فإن كان له ابن صغيرا أو أخٌ- حبسها حتّى تشيب أو تموت، فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوباً نجت »، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً}.
- حدّثنا الحسين بن السّكن البصريّ، ثنا أبو زيدٍ يعني النّحويّ، ثنا قيسٌ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ {لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرها} : «فإن الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوّجها أو يتزوّجها ابنه» - قال أبو محمّدٍ: وروي عن الشّعبيّ، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبي مجلزٍ، والضّحّاك، والزّهريّ، وعطاءٍ الخراسانيّ، ومقاتل بن حيّان نحو ما روّينا عنهم.
- قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني اللّيث بن سعدٍ، عن سعيد بن أبي هلالٍ قال زيد بن أسلم في هذه الآية: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا } «كان أهل يثرب إذا مات الرّجل منهم في الجاهليّة ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتّى يتزوّجها، أو يزوّجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرّجل صحبة المرأة حتّى يطلّقها، ويشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها »، فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك.
قوله تعالى: {ولا تعضلوهن}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث التّميميّ، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ولا تعضلوهنّ} قال: «يقول: لا تمنعوهنّ، تحبسوهنّ» - وروي عن سعيد بن جبيرٍ نحو ذلك.
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله:{ ولا تعضلوهنّ} يعني: «لا تقهروهنّ ».
[الوجه الثّالث]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن السّدّيّ: عن أبي مالكٍ في قوله: {ولا تعضلوهنّ } قال: «لا تضرّ بامرأتك لتفتدي منك » وروي عن السّدّيّ والضّحّاك نحو ذلك.
قوله تعالى: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: «لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ قال: يعني الرّجل تكون له المرأة، وهو كارهٌ لصحبتها، ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي ».
قوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى وأبو نعيمٍ، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ، عن ابن عبّاسٍ{ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ } قال: «الزّنا » - وروي عن ابن مسعودٍ وسعيد بن المسيّب والحسن والشّعبيّ وعكرمة في إحدى الرّوايات، والضّحّاك في إحدى الرّوايات، وسعيد بن جبيرٍ ومجاهدٍ، ومحمّد بن سيرين وأبي قلابة، وعطاءٍ الخراسانيّ، وأبي صالحٍ والسّدّيّ وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلالٍ نحو ذلك.
[الوجه الثّاني]: هو أحد أقوال ابن عبّاسٍ:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن صالحٍ الوحاظيّ، ثنا سليمان يعني: ابن بلالٍ، عن عمرو بن أبي عمرٍو، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: في قوله: {إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ } قال: «الفاحشة المبيّنة: أن تفحش المرأة على أهل الرّجل وتؤذيهم » - وروي عن أبيّ بن كعبٍ، وأحد قولي عكرمة نحو ذلك.
[الوجه الثّالث]: وهو أحد أقوال ابن عبّاسٍ:
- حدّثنا أبي، ثنا نعيم بن حمّادٍ وأبو زيادٍ القطّان قالا: ثنا زياد بن الرّبيع، ثنا صالحٌ الدّهّان، عن جابر بن زيدٍ، أنّ ابن عبّاسٍ كان يقول في هذه الآية: {إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} قال: «الفاحشة المبيّنة: النّشوز وسوء الخلق، كان يقول: إذا نشزت وساء خلقها أخرجها» - وروي عن ابن عمر، وأحد قولي الضّحّاك وقتادة ومقاتل بن حيّان نحو ذلك.
قوله تعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف}.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: « وعاشروهنّ بالمعروف أمّا عاشروهنّ فيقول: خالطوهنّ ».
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، أنبأ محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: «وعاشروهنّ بالمعروف يعني: صحبتهن بالمعروف».
قوله تعالى: {فإن كرهتموهن} الآية.
وبه عن مقاتل بن حيّان قوله: «فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً فيطلّقها فتتزوّج من بعده رجلا، فيجعل اللّه له منها ولداً ».
قوله تعالى: {فعسى أن تكرهوا شيئاً}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: {فعسى} قال: «عسى من اللّه واجبٌ ».
قوله تعالى: {ويجعل الله فيه}.
[الوجه الأول]:
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني عمّي الحسين، عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً } قال: «ويجعل اللّه في ولدها خيراً كثيراً ».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:{ ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً}: «فعسى اللّه أن يجعل في الكراهة خيراً ».
[الوجه الثّالث]:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، أنبأ محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: {ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً }: «ويجعل اللّه في تزويجها خيراً كثيراً ».
قوله تعالى: {خيراً كثيراً}.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، حدّثني عمّي، حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ قوله:{ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً} «والخير الكثير: أن يعطف الرّجل عليها فيرزق الرّجل ولدها ».
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن مفضّلٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: «ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً وأمّا خيراً كثيراً فهو الولد»). [تفسير القرآن العظيم: 3/901-905]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله :{لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال «كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته فيقول لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها »).[تفسير مجاهد: 150]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ د) ابن عباس - رضي الله عنهما - {يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ}قال: «كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاءوا لم يزوّجوها، فهم أحقّ بها من أهلها»، فنزلت هذه الآية في ذلك. أخرجه البخاري وأبو داود.
وفي أخرى لأبي داود، قال: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} « وذلك أنّ الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتّى تموت، أو تردّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، ونهى عن ذلك».
[شرح الغريب]
(تعضلوهن) العضل: قد مرّ في سورة البقرة). [جامع الأصول: 2/85-86]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج البخاري وأبو داود والنسائي والبيهقي في "سننه"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله :{يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} قال: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها وإن شاؤوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها»، فنزلت هذه الآية في ذلك
وأخرج أبو داود من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: «كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله عن ذلك»، أي نهى عن ذلك.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في هذه الآية قال: «كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها»، وهي قوله: {ولا تعضلوهن} يعني «لا تقهروهن» {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} «يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضر بها لتفتدي».
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: «كان الرجل إذا مات أبوه أو حميمه كان أحق بامرأة الميت إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدي منه بصداقها أو تموت فيذهب بمالها »، قال عطاء بن أبي رباح: « وكان أهل الجاهلية إذا هلك الرجل فترك امرأة يحبسها أهله على الصبي تكون فيهم » فنزلت {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}.
وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: «لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته».
- وكان لهم ذلك في الجاهلية - فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}.

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: « نزلت هذه الآية في كبشة ابنة معن بن عاصم أبي الأوس كانت عند أبي قيس بن الأسلت فتوفي عنها فجنح عليها ابنه فجاءت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح»، فنزلت هذه الآية.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس « أن رجالا من أهل المدينة كان إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته فورث نكاحها فلم ينكحها أحد غيره وحبسها عنده لتفتدي منه بفدية »، فأنزل الله {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: «كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبا فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها عليه حتى يشب أو تموت فيرثها فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبا نجت »، فأنزل الله {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}.
وأخرج عبد الرزاق، وابن سعد، وابن جرير عن الزهري في الآية قال: «نزلت في ناس من الأنصار كانوا إذا مات الرجل منهم فأملك الناس بامرأته وليه فيمسكها حتى تموت فيرثها، فنزلت فيهم ».
وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: «كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك».
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن عبد الرحمن بن السلماني في قوله: {لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن} قال: «نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية والأخرى في أمر الإسلام قال ابن المبارك {أن ترثوا النساء كرها} في الجاهلية {ولا تعضلوهن} في الإسلام».
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {ولا تعضلوهن} قال: « لا تضر بامرأتك لتفتدي منك».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد {ولا تعضلوهن} يعني أن ينكحن أزواجهن كالعضل في سورة البقرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: «كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد فإذا خطبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها ».
وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس في قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال: «البغض والنشوز، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ».
وأخرج ابن جرير عن مقسم ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يفحشن في قراءة ابن مسعود وقال: « إذا آذتك فقد حل لك أخذ ما أخذت منك ».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} يقول: « إلا أن ينشزن » ، وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب إلا أن يفحشن.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: «الفاحشة هنا النشوز ».
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن عطاء الخراساني في الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ ما ساق إليها وأخرجها فنسخ ذلك الحدود.
وأخرج ابن جرير عن الحسن {إلا أن يأتين بفاحشة} قال: « الزنا، فإذا فعلت حل لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع ».
وأخرج ابن المنذر عن أبي أمامة قلابة، وابن سيرين قالا: «لا يحل الخلع حتى يوجد رجل على بطنها » لأن الله يقول {إلا أن يأتين بفاحشة}.
وأخرج ابن جرير، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف».
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا أيها الناس إن النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن حق ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا ولا يعصينكم في معروف وإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في قوله :{وعاشروهن} قال: «خالطوهن »، قال ابن جرير: صحفه بعض الرواة، وإنما هو خالقوهن.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: «حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف ».
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل {وعاشروهن بالمعروف} يعني صحبتهن بالمعروف {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا} فيطلقها فتتزوج من بعده رجلا فيجعل الله له منها ولدا ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} قال: «الخير الكثير، أن يعطف عليها فيرزق الرجل ولدها ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا ».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: «فعسى الله أن يجعل في الكراهية خيرا كثيرا».
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي {ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} قال: « الولد ».
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: «إذا وقع بين الرجل وبين امرأته كلام فلا يعجل بطلاقها وليتأن بها وليصبر فلعل الله سيريه منها ما يحب».
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: «عسى أن يمسكها وهو لها كاره فيجعل الله فيها خيرا كثيرا قال: وكان الحسن يقول: عسى أن يطلقها فتتزوج غيره فيجعل الله له فيها خيرا كثيرا»). [الدر المنثور: 4/286-293]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) ).
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ):
( قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا}
.
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا فضيل بن عياضٍ، عن ليث، عن مجاهدٍ قال:
« القنطار سبعون ألف دينار».
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا خالد بن عبد اللّه، عن عوفٍ، عن الحسن قال: «القنطار: دية الحرّ»). [سنن سعيد بن منصور: 3/1206-1207]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عزّ وجلّ: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ} يطلّق امرأةً وينكح أخرى فلا يحلّ له من مال المطلّقة وإن كثر شيءٌ إلى قوله: {بهتاناً وإثماً مبيناً}).[جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 81]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى. {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا} يعني جلّ ثناؤه بقوله، {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ} وإن أردتم أيّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكان امرأةٍ لكم تطلّقونها {وآتيتم إحداهنّ} يقول: وقد أعطيتم الّتي تريدون طلاقها من المهر قنطارًا والقنطار: المال الكثير. وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التّأويل في مبلغه والصّواب من القول في ذلك عندنا.
{فلا تأخذوا منه شيئًا} يقول: «فلا تضرّوا بهنّ إذا أردتم طلاقهنّ ليفتدين منكم بما آتيتموهنّ ».
- كما: حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ} طلاق امرأةٍ مكان أخرى فلا يحلّ له من مال المطلّقة شيءٌ وإن كثر.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثله). [جامع البيان: 6/539-540]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا} يعني بقوله تعالى: {أتأخذونه} أتأخذون ما آتيتموهنّ من مهورهنّ {بهتانًا} يقول، ظلمًا بغير حقٍّ، {وإثمًا مبينًا}يعني: وإثمًا قد أبان أمر آخذه أنّه بأخذه إيّاه لمن أخذه منه ظالمٌ). [جامع البيان: 6/540]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا (20) }.
قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ}.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ } قال: «إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها ، فطلّقت هذه وتزوّجت تلك »وروي عن مجاهدٍ ومقاتل بن حيّان نحو ذلك.
قوله تعالى: {وآتيتم إحداهنّ قنطاراً}.
- وبه عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: وآتيتم إحداهنّ قنطاراً قال: «إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها، فطلّقت هذه وتزوّجت تلك، فأعط هذه مهرها وإن كان قنطاراً ».
قوله تعالى: {قنطارا}.
[الوجه الأول]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عبيدة، عن محمد ابن إبراهيم التّيميّ عن يحنّس، عن أمّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: « من قرأ الخمسين آية في ليلة أصبح له قنطارا من الأجر، والقنطار مثل التّلّ العظيم».
[الوجه الثّاني]:
- حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن بن البرقيّ، ثنا عمرٌو يعني: ابن أبي سلمة، أنبأ زهيرٌ يعني: ابن محمّدٍ، ثنا حميدٌ الطّويل ورجلٌ آخر سمّاه، عن أنسٍ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: « في قول اللّه تعالى: {وآتيتم إحداهنّ قنطارا } يعني: ألفا دينارٍ».
[الوجه الثّالث]:
- حدّثنا أبي، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا العلاء بن خالد بن وردان، ثنا يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « القنطار ألف دينارٍ ».
[الوجه الرّابع]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو بكرٍ، عن عيّاشٍ، ثنا أبو حصينٍ، عن سالم بن أبي الجعد، عن معاذٍ قال: «القنطار: ألفٌ ومائتا أوقيّةٍ »
- وروي عن أبي الدّرداء وأبى هريرة نحو ذلك.

[الوجه الخامس]:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا مسدّدٌ، ثنا يحيى بن سعيدٍ وعن التّيميّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب قال: «القنطار: ثمانون ألفًا».
[الوجه السّادس]:
- حدّثنا أبي، ثنا عارمٌ، عن حمّادٍ، عن سعيدٍ الجريريّ، عن أبى نضرة، عن أبى سعيدٍ الخدريّ قال: «القنطار ملء مسك ثورٍ ذهباً »
- ورواه محمّد بن موسى الحرشيّ، عن حمّاد بن زيدٍ مرفوعاً، الموقوف أصحّ.

[الوجه السّابع]:
- حدّثنا أبو عبد اللّه الطّهرانيّ، أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ عمر بن حوشبٍ، عن عطاءٍ الخراسانيّ أنّ ابن عمر سئل عن قوله: «القنطار، قال: سبعون ألفاً ».
- وروي عن سعيد بن المسيّب في إحدى قوليه، ومجاهدٍ وطاوسٍ مثل ذلك.

[الوجه الثّامن]:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا مسدّدٌ، ثنا يزيد بن زريعٍ، عن يونس، عن الحسن في هذه الآية: {وآتيتم إحداهنّ قنطاراً} قال: « القنطار: ألفٌ ومائتا دينارٍ ».
[الوجه التّاسع]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ قال: « القنطار: مائة رطلٍ».
- وروي عن عمرو الشعبي والسّدّيّ، وقتادة نحو ذلك.

[الوجه العاشر]:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو معاوية، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك في قوله:{ قنطاراً } قال: « من العرب من يقول: القنطار: ألف دينارٍ، ومنهم من يقول، اثنا عشر ألفًا ».
- وروي عن الحسن في إحدى الرّوايات أنّه قال: «اثنا عشر ألفاً».
[الوجه الحادي عشر]:
- حدّثنا أبي، ثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثيّ، ثنا زافرٌ، ثنا حبّان، عن سعد بن طريفٍ، عن أبي جعفرٍ قال: «القنطار: خمسة عشر ألفا مثقالٍ، والمثقال: أربعةٌ وعشرون قيراطًا، أصغرها مثل أحدٍ، وأكبرها ما بين السّماء إلى الأرض».
قوله تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئاً}.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {فلا تأخذوا منه شيئاً } قال: «فلا يحلّ له من مال المطلّقة شيءٌ وإن كثر ».
قوله تعالى: {أتأخذونه بهتاناً}.
- وبه عن مجاهدٍ قوله: «بهتاناً قال: إثماً ».
قوله تعالى: {وإثماً مبيناً}.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه بن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى:
{ مبينًا }
يعني:
«البين ».
قوله تعالى:{مبيناً}.
يعني البيّن). [تفسير القرآن العظيم: 3/905-908]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا يقول إن أردتم طلاق امرأة ونكاح أخرى فلا يحل لكم من مال المطلقة شيئا وإن كثر وهو قوله وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا »).[تفسير مجاهد: 150]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قال: «إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فأعط هذه مهرها وإن كان قنطارا ».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} قال: «طلاق امرأة ونكاح أخرى فلا يحل له من مال المطلقة شيء وإن كثر».
وأخرج ابن جرير عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وآتيتم إحداهن قنطارا} قال: «ألفا ومائتين يعني ألفين».
وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى بسند جيد عن مسروق قال: ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال: « أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، ثم نزل فاعترضه امرأة من قريش فقالت له: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم قال: نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطارا} فقال: اللهم غفرانك، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر بن الخطاب: « لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة ليس ذلك لك يا عمر إن يقول {وآتيتم إحداهن قنطارا} من ذهب، قال: وكذلك هي في قراءة ابن مسعود فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته ».
وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد الله بن مصعب قال: قال عمر: «لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك لك، قال: ولم، قالت: لأن الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطارا} الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ ».
وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد عن بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر: « خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق فعرضت لي آية من كتاب الله{وآتيتم إحداهن قنطارا}».
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {بهتانا} قال: « إثما ».
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {مبينا} قال: «البين »). [الدر المنثور: 4/293-295]

تفسير قوله تعالى: (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) ).
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى:{ وأخذن منكم ميثاقا غليظا } قال «هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال وقد كان ذلك يؤخذ عند عقدة النكاح»). [تفسير عبد الرزاق: 1/152]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ):(وقال ابن عبّاسٍ: (لمستم) و {تمسّوهنّ} [البقرة: 236] و {اللّاتي دخلتم بهنّ} [النساء: 23] ، " والإفضاء: النّكاح "). [صحيح البخاري: 6/50] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال ابن عبّاسٍ لمستم وتمسّوهنّ واللّاتي دخلتم بهنّ والإفضاء النّكاح أمّا قوله لمستم فروى إسماعيل القاضي في أحكام القرآن من طريق مجاهدٍ عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى أو لامستم النّساء قال هو الجماع وأخرجه بن أبي حاتمٍ من طريق سعيد بن جبيرٍ بإسنادٍ صحيحٍ وأخرجه عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن قتادة عن بن عبّاسٍ قال هو الجماع ولكن اللّه يعفو ويكنى وأما قوله تمسّوهنّ فروى ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى ما لم تمسّوهنّ أي تنكحوهنّ وأمّا قوله دخلتم بهنّ فروى بن أبي حاتمٍ من طريق عليّ بن أبي طلحة عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى اللّاتي دخلتم بهن قال الدّخول النّكاح وأمّا قوله والإفضاء فروى ابن أبي حاتمٍ من طريق بكر بن عبد اللّه المزنيّ عن بن عبّاسٍ في قوله تعالى {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} قال الإفضاء الجماع وروى عبد بن حميدٍ من طريق عكرمة عن بن عبّاسٍ قال الملامسة والمباشرة والإفضاء والرّفث والغشيان والجماع كلّه النّكاح ولكنّ اللّه يكنّي وروى عبد الرّزّاق من طريق بكرٍ المزنيّ عن ابن عبّاسٍ إنّ اللّه حييٌّ كريمٌ يكنّي عمّا شاء فذكر مثله لكن قال التّغشّي بدل الغشيان وإسناده صحيحٌ قال الإسماعيليّ أراد بالتّغشّي قوله تعالى فلمّا تغشاها وسيأتي شيءٌ من هذا في النّكاح والّذي يتعلّق بالباب قوله لمستم وهي قراءة الكوفيّين حمزة والكسائيّ والأعمش ويحيى بن وثّابٍ وخالفهم عاصمٌ من الكوفيّين فوافق أهل الحجاز فقرؤوا أو لامستم بالألف ووافقهم أبو عمرو بن العلاء من البصريين). [فتح الباري: 8/272-273] (م)
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
وقال ابن عبّاس لامستم وتمسوهن واللآتي دخلتم بهن والإفضاء النّكاح
قال ابن أبي حاتم ثنا أبو سعيد الأشج ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قوله 6 المائدة {أو لامستم النّساء} قال الجماع
وقال أيضا ثنا أبو سعيد الأشج ثنا المحاربي عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عبّاس قال {ثمّ طلقتموهن من قبل أن تمسّوهنّ} 49 الأحزاب قال إذا طلقتموهن من قبل أن تنكحوهن فلا طلاق
وقال أيضا ثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علّي عن ابن عبّاس في قوله 23 : النّساء {من نسائكم اللّاتي دخلتم بهن} قال والدّخول النّكاح وقال أيضا ثنا أبي ثنا محمّد بن مقاتل ثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن بكر بن عبد الله المزنيّ عن ابن عبّاس في قوله 21 النّساء {وقد أفضى بعضكم إلى بعض}
قال الإفضاء الجماع
وقال إسماعيل القاضي ثنا سليمان بن حرب ثنا حمّاد بن سلمة عن عاصم عن عكرمة عن ابن عبّاس قال الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث كله النّكاح ولكن الله عزّ وجلّ كنى
ثنا مسدّد ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عاصم الأحول عن بكر بن عبد الله قال: قال ابن عبّاس إن الله عزّ وجلّ حييّ كريم يكني عمّا شاء وإن المباشرة والرفث والتغشي والإفضاء واللماس عني به الجماع قال يعني في التغشي قوله {فلمّا تغشاها} 189 الأعراف وبالإفضاء قوله {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} 21 النّساء
ثنا مسدّد ثنا يحيى عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير عن مجاهد عن ابن عبّاس قال أو لامستم النّساء قال هو الجماع). [تغليق التعليق: 4/202-203] (م)
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال ابن عبّاسٍ لمستم وتمسّوهنّ واللاتي دخلتم بهنّ والإفضاء النّكاح
أشار بقول ابن عبّاس هذا إلى أن معنى أربعة ألفاظ في القرآن بمعنى واحد، وهو: النّكاح أي: الوطء. وقوله: لمستم، في محل الرّفع على الابتداء بتقدير قوله: لمستم، وما بعده عطف عليه، وقوله: النّكاح، على أنه خبره، وقد ذكر هذا عن ابن عبّاس بطريق التّعليق. أما اللّفظ الأول: فقد وصله إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن) من طريق مجاهد عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {أو لمستم النّساء} قال هو الجماع، وروى ابن المنذر حدثنا محمّد بن عليّ حدثنا سعيد حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن ابن جبير عن ابن عبّاس أن اللّمس والمس والمباشرة الجماع، وقال ابن أبي حاتم في (تفسيره) . وروي عن عليّ ابن أبي طالب وأبي بن كعب ومجاهد والحسن وطاوس وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبيّ وقتادة ومقاتل نحو ذلك، وقرأ حمزة والكسائيّ والأعمش ويحيى بن وثاب (لمستم) وقرأ عاصم وأبو عمرو بن العلاء وأهل الحجاز (لامستم) بالألف (وأما اللّفظ الثّاني) : فوصله ابن المنذر وقد مر الآن (وأما اللّفظ الثّالث) : فرواه عليّ بن أبي حاتم من طريق وابن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {اللّاتي دخلتم بهن} (النّساء: 23) قال الدّخول النّكاح (وأما اللّفظ الرّابع) : فرواه ابن أبي حاتم من طريق بكر بن عبد الله المزنيّ عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} (النّساء: 21) قال: الإفضاء الجماع، وروى ابن المنذر عن عليّ بن عبد العزيز حدثنا حجاج حدثنا حمّاد أخبرنا عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عبّاس، قال: الملامسة والمباشرة والإفضاء والرفث والجماع نكاح ولكن الله يكني). [عمدة القاري: 18/200] (م)
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عزّ وجلّ: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} : « مجامعة النّساء» وفي قوله عزّ وجلّ: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال: «كلمة النّكاح الّتي تستحلّ بها فروجهنّ »). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 81]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وكيف تأخذونه} «وعلى أيّ وجهٍ تأخذون من نسائكم ما آتيتموهنّ من صدقاتهنّ إذا أردتم طلاقهنّ واستبدال غيرهنّ بهنّ أزواجًا، وقد أفضى بعضكم إلى بعضكم فتباشرتم وتلامستم ».
وهذا كلامٌ وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فإنّه في معنى النّكير والتّغليظ، كما يقول الرّجل لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راضٍ به؟ على معنى التّهديد والوعيد.
وأمّا الإفضاء إلى الشّيء فإنّه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشّاعر:.
بلًى وثاى أفضى إلى كل كتبةٍ ....... بدا سيرها من باطنٍ بعد ظاهر
يعني بذلك: أنّ الفساد والبلى وصل إلى الخرز.
والّذي عني به الإفضاء في هذا الموضع: الجماع في الفرج.
فتأويل الكلام إذ كان ذلك معناه: وكيف تأخذون ما آتيتموهنّ وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ بالجماع؟.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبد الحميد بن بيانٍ القنّاد، قال: حدّثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصمٍ، عن بكر بن عبد اللّه، عن ابن عبّاسٍ، قال: «الإفضاء: المباشرة، ولكنّ اللّه كريمٌ يكنّي عمّا يشاء ».
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: «الإفضاء: الجماع، ولكنّ اللّه يكنّي ».
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكر بن عبد اللّه المزنيّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: « الإفضاء: هو الجماع ».
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: {وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ} قال: «مجامعة النّساء ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ} يعني « المجامعة »). [جامع البيان: 6/540-542]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} أي ما وثّقتم به لهنّ على أنفسكم من عهدٍ، وإقرارٍ منكم بما أقررتم به على أنفسكم من إمساكهنّ بمعروفٍ، أو تسريحهنّ بإحسانٍ، وكان في عقد المسلمين النّكاح قديمًا فيما بلغنا أن يقال للنّاكح: اللّه عليك لتمسكنّ بمعروفٍ أو لتسرّحنّ بإحسانٍ.
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} والميثاق الغليظ الّذي أخذه للنّساء على الرّجال: إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ، وقد كان في عقد المسلمين عند إنكاحهم آللّه عليك لتمسكنّ بمعروفٍ أو لتسرّحنّ بإحسانٍ.
واختلف أهل التّأويل في الميثاق الّذي عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} فقال بعضهم: هو إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: «إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، مثله.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: «هو ما أخذ اللّه تبارك وتعالى للنّساء على الرّجال، فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ، قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النّكاح».
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن مفضّلٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: أمّا {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} فهو أن ينكح المرأة فيقول وليّها: أنكحناها بأمانة اللّه، على أن تمسكها بالمعروف أو تسرّحها بإحسانٍ.
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال:«الميثاق الغليظ الّذي أخذه اللّه للنّساء: إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ، وكان في عقدة المسلمين عند نكاحهنّ اللّه عليك لتمسكنّ بمعروفٍ، ولتسرّحنّ بإحسانٍ».
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا أبو قتيبة، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الهذليّ، عن الحسن، ومحمّد بن سيرين، في قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: « إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ».
وقال آخرون: «هو كلمة النّكاح الّتي استحلّ بها الفرج ».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال:«كلمة النّكاح الّتي استحلّ بها فروجهنّ».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نحيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ المكّيّ، عن مجاهدٍ في قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: قوله نكحت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، قال: حدّثنا عنبسة، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: « هو قولهم: قد ملكت النّكاح».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو نعيمٍ، قال: حدّثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن مجاهدٍ: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: «كلمة النّكاح».
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: «الميثاق النّكاح».
- حدّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثني سالمٌ الأفطس، عن مجاهدٍ: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال:«كلمة النّكاح قوله نكحت».
وقال آخرون: «بل عنى قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: وأخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه».
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابرٍ، وعكرمة: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: « أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه».
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} «والميثاق الغليظ: أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه».
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك قول من قال: الميثاق الّذي عني به في هذه الآية، هو ما أخذ للمرأة على زوجها عند عقدة النّكاح، من عهدٍ على إمساكها بمعروفٍ، أو تسريحها بإحسانٍ، فأقرّ به الرّجل؛ لأنّ اللّه جلّ ثناؤه بذلك أوصى الرّجال في نسائهم
وقد بيّنّا معنى الميثاق فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. واختلف في حكم هذه الآية، أمحكمٌ أم منسوخٌ؟ فقال بعضهم: «محكمٌ، وغير جائزٍ للرّجل أخذ شيءٍ ممّا أتاها إذا أراد طلاقها، إلاّ أن تكون هي المريدة الطّلاق».
وقال آخرون:«هي محكمةٌ، غير جائزٍ له أخذ شيءٍ ممّا آتاها منها بحالٍ، كانت هي المريدة للطّلاق أو هو»، وممّن حكي عنه هذا القول بكر بن عبد اللّه بن المزنيّ.
- حدّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدّثنا عبد الصّمد، قال: حدّثنا عقبة بن أبي الصهبا، قال:«سألت بكرًا عن المختلعة، أيأخذ منها شيئًا؟ قال: لا {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا}».
وقال آخرون: «بل هي منسوخةٌ » نسخها قوله: {ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إلاّ أن يخافا ألاّ يقيما حدود اللّه}.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ} إلى قوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} قال: ثمّ رخّص بعد فقال: {ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إلاّ أن يخافا ألاّ يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألاّ يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به} قال: فنسخت هذه تلك
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال بالصّواب في ذلك قول من قال: إنّها محكمةٌ غير منسوخةٍ وغير جائزٍ للرّجل أخذ شيءٍ ممّا آتاها إذا أراد طلاقها من غير نشوزٍ كان منها، ولا ريبةٍ أتت بها، وذلك أنّ النّاسخ من الأحكام، ما نفى خلافه من الأحكام، على ما قد بيّنّا في سائر كتبنا، وليس في قوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ} نفي حكم قوله: {فإن خفتم ألاّ يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به} لأنّ الّذي حرّم اللّه على الرّجل بقوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا} أخذ ما آتاها منها إذا كان هو المريد طلاقها.
وأمّا الّذي أباح له أخذه منها بقوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه، وهو كارهٌ له ببعض المعاني الّتي قد ذكرنا في غير هذا الموضع، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى
وإذا كان ذلك كذلك لم يجز أن يحكم لإحداهما بأنّها ناسخةٌ وللأخرى بأنّها منسوخةٌ، إلاّ بحجّةٍ يجب التّسليم لها.
وأمّا ما قاله بكر بن عبد اللّه المزنيّ من أنّه ليس لزوج المختلعة أخذ ما أعطته على فراقه إيّاها إذا كانت هي الطّالبة الفرقة وهو الكاره، فليس بصوابٍ لصحّة الخبر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه أمر ثابت بن قيس بن شمّاسٍ بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقها أن طلبت فراقه، وكان النّشوز من قبلها). [جامع البيان: 6/542-548]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): ({وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا (21)}.
قوله تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض}.
[الوجه الأول].
- حدّثنا أبي، ثنا مقاتل بن محمّدٍ، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عاصمٍ، عن بكر بن عبد اللّه المزنيّ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ } قال: «الإفضاء: الجماع».
- وروي عن مجاهدٍ والسّدّيّ نحو ذلك.

[الوجه الثّاني]:
- قرأت على محمّد بن الفضل، ثنا محمّد بن عليٍّ، أنبأ محمّد بن مزاحمٍ، عن بكير بن معروفٍ، عن مقاتل بن حيّان قوله: «وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ تعظيماً».
قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}.
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عمران الأسديّ، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ابن عبّاسٍ قوله:{ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال: «هو قول الرّجل: ملكت».
-
وروي عن سعيد بن جبيرٍ قال: «هو قوله: قد نكحت عند الخطبة».
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال: «كلمة النّكاح الّتي تستحل بها فروجهنّ».
- حدّثنا أبو زرعة، وكثير بن شهابٍ قالا: ثنا محمّد بن سعيد بن سابقٍ، ثنا أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} قال:« الميثاق الغليظ أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، زاد كثير بن شهابٍ: فإنّ كلمة اللّه هي: التّشهّد في الخطبة، قال: وكان فيما أعطي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به، قال: جعلت أمّتك لا تجوز لهم الخطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي».
- وروي عن عكرمة ومجاهدٍ مثل متن حديث أبي زرعة.

- حدّثنا أبو زرعة، ثنا محمّد بن عبد اللّه بن نميرٍ، ثنا يحيى بن يمانٍ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً } قال: قوله:« فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ » وروي عن أبي العالية والحسن وقتادة وعكرمة والضّحّاك، والسّدّيّ ويحيى بن أبي كثيرٍ نحو ذلك.
قوله تعالى: {غليظاً}.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: غليظاً يعني: شديدًا). [تفسير القرآن العظيم: 3/908-909]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد « وقد أفضى بعضكم إلى بعض يعني المجامعة وأخذن منكم ميثاقا غليظا قال يعني كلمة النكاح التي استحل بها الفرج»). [تفسير مجاهد: 150-151]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «الإفضاء الجماع ولكن الله يكني».
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {وقد أفضى بعضكم إلى بعض} قال: « مجامعة النساء».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله : {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال: «الميثاق الغليظ (إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان) ».
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {ميثاقا غليظا} قال: « هو ما أخذ الله تعالى للنساء على الرجال فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح آلله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرحن بإحسان».
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن ابن أبي ملكية أن ابن عمر كان إذا أنكح قال: «أنكحك على ما أمر الله به (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) ».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عوف قال: « كان أنس بن مالك إذا زوج امرأة من بناته أو امرأة من بعض أهله قال لزوجها: أزوجك تمسك بمعروف أو تسرح بإحسان».
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت أن ابن عباس «كان إذا زوج اشترط (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)».
وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال «(إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)».
وأخرج ابن أبي شيبة عن يحيى بن أبي كثير، مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال:«عقدة النكاح، قال: قد أنكحتك».
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ومجاهد {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال: «أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله».
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال: «هو قول الرجل ملكت».
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد {ميثاقا غليظا} قال: «كلمة النكاح التي تستحل بها فروجهن».
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك {ميثاقا غليظا} يعني شديدا.
وأخرج ابن جرير عن بكير أنه سئل عن المختلعة أنأخذ منها شيئا قال: لا {وأخذن منكم ميثاقا غليظا}.
وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: «ثم رخص بعد (فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قال: فنسخت هذه تلك»). [الدر المنثور: 4/296-298]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 19 ربيع الثاني 1434هـ/1-03-2013م, 08:04 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي التفسير اللغوي

التفسير اللغوي

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)}.

قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله:
{لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً...}كان الرجل إذا مات عن امرأته وله ولد من غيرها وثب الولد فألقى ثوبه عليها، فتزوّجها بغير مهر إلا مهر الأول، ثم أضرّ بها ليرثها ما ورثت من أبيه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً ولا تعضلوهنّ} {تعضلوهن} في موضع نصب بأن، وهي في قراءة عبد الله (ولا أن تعضلوهنّ) ولو كانت جزما على النهي كان صوابا). [معاني القرآن: 1/259]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {وعاشروهنّ بالمعروف} أي: خالقوهنّ).
[مجاز القرآن: 1/120]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({عاشروهن بالمعروف}: خالقوهن). [غريب القرآن وتفسيره: 115]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً} قالوا:
«كان الرجل إذا مات عن امرأته، وله ولد من غيرها، ألقى ثوبه عليها فيتزوجها بغير مهر إلّا المهر الأول. ثم أضرّ بها ليرثها ما ورثت من أبيه. وكذلك كان يفعل الوارث أيضا غير الولد».
والكره هاهنا، بمعنى: الإكراه والقهر، فأما الكره بالضم، فبمعنى: المشقة.
يقول الناس: لتفعلنّ ذلك طوعا أو كرها، أي: طائعا أو مكرها. ولا يقال:
طوعا أو كرها بالضم.
{وعاشروهنّ بالمعروف} أي: صاحبوهن مصاحبة جميلة). [تفسير غريب القرآن: 122]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله - عزّ وجلّ -:
{يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرها ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلّا أن يأتين بفاحشة مبيّنة وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل اللّه فيه خيرا كثيرا} معناه: تكرهوهن على التزويج بكم.
وهذه نزلت لأنهم: كانوا إذا مات زوج المرأة وله ولد من غيرها ضرب ابنه عليها حجابا، وقال: أنا أحقّ بها، فتزوجها على العقد الذي كان عقده أبوه من تزوجها ليرثها ما ورثت من أبيه، فأعلم اللّه - عزّ وجلّ - أن ذلك حرام.
وقوله تعالى:
{ولا تعضلوهنّ} هؤلاء غير أولئك.
حرم الله أن تعضل المرأة، ومعنى تعضل: تحبس عن التزوج.

كان الرجل منهم إذا تزوج امرأة ولم تكن من حاجته حبسها لتفتدي منه، فأعلم اللّه عزّ وجلّ - أن ذلك لا يحل.
و {تعضلوهن} يصلح أن يكون نصبا ويصلح أن يكون جزما.

أما النصب: فعلى أن لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن.
ويصلح أن يكون: جزما على النّهي.
{إلّا أن يأتين بفاحشة مبيّنة}والفاحشة: الزنا.
{وعاشروهنّ بالمعروف}أي: بالنصفة في المبيت والنفقة، والإجمال في القول). [معاني القرآن: 2/30]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل:
{يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها}
قال الزهري وأبو مجلز: كان هذا في حي من الأنصار كان الرجل إذا توفي وخلف امرأة ألقى عليها وليه رداء فلا تقدر أن تتزوج، هذا معنى كلامهما،وزاد غيرهما ويتزوجها بغير مهر وربما ضارها ولا تقدر أن تتزوج حتى تفتدي منه فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} الآية،
فيكون المعنى: لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجا لهن
ويجوز أن يكون المعنى: لا تتزوجوهن لترثوهن كرها فيكون الميراث وقع منهن بالكراهة منهن للعقد الموجب للميراث .
ويقرأ (كرها) والفراء يذهب إلى أن معنى كرها أن تكره على الشيء والكره من قبله يذهب إلى أنه بمعنى المشقة.

قال الكسائي: الكره والكره واحد وهو عند البصريين كما قال الكسائي وهما لغتان). [معاني القرآن: 2/43-45]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} قال مجاهد:
«هو مثل الذي في البقرة، يذهب إلى أن معناه: ولا تحبسوهن ».
ويروى أن: الرجل كان يتزوج المرأة فلا تعجبه فيحبسها ويضارها حتى تفتدي منه). [معاني القرآن: 2/45-46]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال عز وجل: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} قال الحسن والشعبي:
« يعني الزنا».
قال الشعبي:
« فإن فعلت ذلك صلح لخلع وكان له أن يطالبها به».
وقال مقسم:
«هذا إذا عصتك وآذتك».
وقال عطاء الخراساني:
«كان الرجل إذا تزوج المرأة فأتت بفاحشة كان له أن يأخذ منها كلما ساقه إليها فنسخ ذلك بالحدود»). [معاني القرآن: 2/46-47]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وعاشروهن بالمعروف}
أي: في المبيت والنفقة والكلام). [معاني القرآن: 2/47]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( {ولا تعضلوهن} أي:
« لا تمنعوهن»). [ياقوتة الصراط: 197]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا} أي:
« قهرا، وهذا نهي عما كان في الجاهلية، كان الرجل إذا مات وترك ولدا من غير امرأته، ألقى الولد عليها ثوبه فيتزوجها بذلك المهر الأول، يحبسها ليرث منها ما ورثت من أبيه»). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 58]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({عَاشِرُوهُنَّ}:
«خالقوهن»). [العمدة في غريب القرآن: 107]

تفسير قوله تعالى: { (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) }.
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {بهتاناً} أي: ظلماً).
[مجاز القرآن: 1/120]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({بهتاناً} أي: ظلما).
[تفسير غريب القرآن: 122]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ:
{وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} معناه: إذا أردتم تخلية المرأة، إذا أراد الرجل أن يستبدل مكانها ولم ترد.
هذا شدد اللّه فيه بقوله:
{ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}{وآتيتم إحداهنّ قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا}القنطار: المال العظيم، وقد بيّنا ما قاله الناس فيه في سورة آل عمران.
وقوله - عزّ وجلّ:
{فلا تأخذوا منه شيئا} فحرم اللّه الأخذ من المهر على جهة الإضرار بقوله: {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} والبهتان: الباطل الذي يتحير من بطلانه، وبهتان حال موضوعة في موضع المصدر، المعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين). [معاني القرآن: 2/31]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وان أردتم استبدال زوج مكان زوج}
أي: تطليقا وتزوجا ثم قال: {وآتيتم إحداهن قنطارا} القنطار: المال الكثير وقد ذكرناه في سورة آل عمران). [معاني القرآن: 2/47-48]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا}
والبهتان في اللغة: الباطل الذي يتحير من بطلانه ومنه بهت الرجل إذا تحير). [معاني القرآن: 2/48]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): (والزوج: المرأة، والزوج: الرجل). [ياقوتة الصراط: 197]

تفسير قوله تعالى: { (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) }.
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله:
{وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ...} الإفضاء: أن يخلو بها وإن لم يجامعها.
وقوله: {مّيثاقاً غليظاً} الغليظ الذي أخذنه قوله تبارك وتعالى: {فإمساك بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان}). [معاني القرآن: 1/259]

قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {أفضى بعضكم إلى بعضٍ}: المجامعة.

{ميثاقاً} الميثاق: مفعال من الوثيقة بيمين، أو عهد، أو غير ذلك، إذا استوثقت). [مجاز القرآن: 1/120]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({أفضى بعضكم إلى بعض} الإفضاء: الجماع). [غريب القرآن وتفسيره: 115]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({أفضى بعضكم إلى بعضٍ} يعني: المجامعة.
{وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً} أي: وثيقة.
قال ابن عباس:
« هو تزوجهن على إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان»).[تفسير غريب القرآن:122-123]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (
{وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا}
الإفضاء: أصله الغشيان.
وقال بعضهم:
« إذا خلا فقد أفضى، غشي أو لم يغش».
{وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال بعضهم:
«هو عقد المهر».
وقال بعضهم: الميثاق الغليظ قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} وقوله {ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا}
والتسريح بإحسان: لا يكون بأن تأخذ منها مهرهان هذا تسريح بإساءة لا بإحسان). [معاني القرآن: 2/31-32]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض} قال ابن عباس:
«الإفضاء الغشيان».
وأصل الإفضاء في اللغة: المخالطة ويقال للشيء المختلط فضا
قال الشاعر:
فقلت لها يا عمتا لك ناقتي ..... وتمر فضا في عيبتي وزبيب
ويقال القوم فوضى فضا أي مختلطون لا أمير عليهم). [معاني القرآن: 2/48-49]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} قال ابن عباس والحسن:
« هو قوله {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف} وجعله بمنزلة الميثاق المغلظ، أي: اليمين مجازا».
وقال مجاهد وعكرمة:
« استحللتموهن بأمانة الله وملكتموهن بكلمة الله عز وجل»). [معاني القرآن: 2/49]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ}
يعني: المجامعة.
{مِّيثَاقًا غَلِيظًا} قال ابن عباس:
«تزوجهن على إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان».
ومعنى {غليظا} أي: وثيقاً). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 59]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ( (الإِفْضَاءُ): الجماع). [العمدة في غريب القرآن: 107]


رد مع اقتباس
  #4  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:13 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,684
افتراضي التفسير اللغوي المجموع

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) }
.
قال أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني (ت: 213هـ): (وقال التميمي: « العضل أن يحبس الرجل المرة في البيت فلا يتركها تزوج ولا ينفق عليها، عضلها يعضل»). [كتاب الجيم: 2/258] (م)
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (كتاب إلى معزول وكتب رجلٌ إلى معزول: فإن أكثر الخير فيما يقع بكره العباد، لقول اللّه عزّ وجلّ. {وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تحبّوا شيئًا وهو شرٌ لكم} وقال أيضًا: {فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا} وعندك بحمد اللّه من المعرفة بتصاريف الأمور، والاستدلال بما كان منها على ما يكون، مغنىً عن الإكثار في القول. وقد بلغني انصرافك عن العمل على الحال التي انصرفت عليها من رضا رعيّتك ومحبّتهم وحسن ثنائهم وقولهم، لما بقيّت من الأثر الجميل عند صغيرهم وكبيرهم، وخلّفت من عدلك وحسن سيرتك في الداني منهم والقاصي من بلدهم؛ فكانت نعمة اللّه عليك في ذلك وعلينا، نعمةً جلّ قدرها ووجب شكرها. فالحمد للّه على ما أعطاك، ومنح فيك أولياءك وأرغم به أعداك، ومكّن لك من الحال عند من ولاّك؛ فقد أصبحنا نعتدّ صرفك عن عملك منحًا مجدّدًا، يجب به تهنئتك، كما يجب التوجّع لغيرك). [عيون الأخبار: 7/72] (م)

قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قال أحد المحدثين، وهو إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:

وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ...... وينجو بإذن الله من حيث بحذر

وقال الله عز وجل: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} ). [الكامل: 1/420]


تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) }.
قالَ يعقوبُ بنُ إسحاقَ ابنِ السِّكِّيتِ البَغْدَادِيُّ (ت: 244هـ) : (وتقول هي زوجه وهو زوجها قال الله جل وعز: {أمسك عليك زوجك} وقال أيضا: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج} أي امرأة مكان امرأة والجميع أزواج وقال: {يا أيها النبي قل لأزواجك} وقد يقال زوجته قال الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ......كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

وقال الآخر:
يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم ....... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب

وقال يونس: تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة قال وقول الله جل ثناؤه: {وزوجناهم بحور عين} أي قرناهم وقال: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} أي وقرناءهم وقال الفراء: هي لغة في أزد شنوءة وتقول عندي زوجا نعال وزوجا حمام وزوجا خفاف وإنما تعني ذكرا وأنثى قال الله جل ثناؤه: {فاسلك فيها من كل زوجين اثنين} ويقال للنمط زوج قال لبيد:

(من كل محفوف يظل عصيه ...... زوج عليه كلة وقرامها)
وتقول سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة). [إصلاح المنطق: 331-322] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) }.


رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:06 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:07 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) }.
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلاّ أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً (19)}.
اختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهاً } فقال ابن عباس: «كانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من أهلها، إن شاؤوا تزوجها أحدهم، وإن شاؤوا زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها الزواج» ، فنزلت الآية في ذلك، قال أبو إمامة بن سهل بن حنيف: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، ذكر النقاش: أن اسم ولد أبي قيس محصن.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:«كانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي، ألا ترى أن أبا عمرو بن أمية، خلف على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافرا وأبا معيط وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما »، وقال بمثل هذا القول الذي حكيت عن ابن عباس عكرمة والحسن البصري وأبو مجلز، قال عكرمة: « نزلت في كبيشة بنت معن الأنصارية، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت »، وقال مجاهد: «كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن ولدها»، وقال السدي: «كان ولي الميت إذا سبق فألقى على امرأة الميت ثوبه، فهو أحق بها، وإن سبقته فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا منفعة في ذكر جميع ذلك، إذ قد أذهبه الله بقوله: لا يحلّ لكم ومعنى الآية على هذا القول: لا يحلّ لكم أن تجعلوا النساء كالمال، يورثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال بعض المتأولين: معنى الآية: لا يحلّ لكم عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج حتى يمتن فتورث أموالهن.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثها، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: «كرها» بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي الأحقاف في الموضعين بضمها، والكره والكره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي، وقال الفراء: هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {ولا تعضلوهنّ } الآية، فقال ابن عباس وغيره: «هي أيضا في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة، ويمسكونها حتى تموت إذا كانت دميمة » ، وقال نحوه الحسن وعكرمة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويجيء في قوله: {آتيتموهنّ } خلط أي ما آتاها الرجال قبل، فهي كقوله: {فاقتلوا أنفسكم } وغير ذلك وقال ابن عباس أيضا:«هي في الأزواج، في الرجل يمسك المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له» ، وقال مثله قتادة، وقال ابن البيلماني: «الفصل الأول من الآية هو في أمر الجاهلية، والثاني في العضل »، هو في أهل الإسلام في حبس الزوجة ضرارا للفدية، وقال ابن مسعود: « معنى الآية: لا ترثوا النساء كفعل الجاهلية، ولا تعضلوهنّ في الإسلام»، وقال نحو هذا القول السدي والضحاك، وقال السدي: «هذه الآية خطاب للأولياء، كالعضل المنهي عنه في سورة البقرة».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: «وهذا يقلق، إلا أن يكون العضل من ولي وارث، فهو يؤمل موتها، وإن كان غير وارث فبأي شيء يذهب؟»، وقال ابن زيد: «هذا العضل المنهي عنه في هذه الآية هو من سير الجاهلية في قريش بمكة، إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت فإن أعطته ورشته وإلا عضل»، ففي هذا نزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي أقول: إن العضل في اللغة الحبس في شدة ومضرة، والمنع من الفرج في ذلك فمن ذلك قولهم: أعضلت الدجاجة وعضلت إذا صعب عليها وضع البيضة، ومنه أعضل الداء إذا لحج ولم يبرأ، ومنه داء عضال. ومشى عرف الفقهاء على أن العضل من الأولياء في حبس النساء عن التزويج، وهو في اللغة أعم من هذا حسبما ذكرت، يقع من ولي ومن زوج، وأقوى ما في هذه الأقوال المتقدمة، أن المراد الأزواج، ودليل ذلك قوله: إلّا أن يأتين بفاحشةٍ وإذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعا من الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما سنبين بعد إن شاء الله، وكذلك قوله: وعاشروهنّ بالمعروف إلى آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته، وإن حان ذلك يحتمل أن يكون أمرا منقطعا من الأول يخص به الأزواج. وأما العضل فمنهي عنه كل من يتصور في نازلة عاضلا، ومتى صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها ولم يلتفت، إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في أمره إشكال فلا يعترض قولا واحدا، وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك: أحدهما أنه كسائر الأولياء: يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه، والقول الآخر إنه لا يعرض له، ويحتمل قوله:
ولا تعضلوهنّ أن يكون جزما، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويحتمل أن يكون تعضلوهنّ نصبا عطفا على ترثوا فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل، وقرأ ابن مسعود: «ولا أن تعضلوهن». فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص، وعلى تأويل الجزم هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهية، واحتمال النصب أقوى، واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن:«هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى سنة، وترد إلى زوجها ما أخذت منه »، وقال أبو قلابة:«إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه»، وقال السدي: «إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن»، وقال عطاء الخراساني: «كان هذا الحكم ثم نسخ بالحدود، وهذا قول ضعيف»، وقال ابن عباس رحمه الله: «الفاحشة» في هذه الآية البغض والنشوز، وقاله الضحاك وغيره، قالوا:« فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا هو مذهب مالك، إلا أني لا أحفظ له نصا في معنى «الفاحشة» في هذه الآية، وقال قوم: «الفاحشة» البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا، وهذا في معنى النشوز، ومن أهل العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركونا إلى قوله تعالى: {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} وقال مالك وأصحابه وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ المال، وقرأ ابن مسعود: «إلا أن يفحشن وعاشروهن».
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا خلاف مفرط لمصحف الإمام، وكذلك ذكر أبو عمرو عن ابن عباس وعكرمة وأبيّ بن كعب، وفي هذا نظر، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر «مبينّة» و «آيات مبيّنات» بفتح الياء فيهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم: «مبيّنة»، و «مبيّنات» - بكسر الياء فيهما، وقرأ نافع وأبو عمرو: «مبيّنة» بالكسر، و «مبيّنات» بالفتح- وقرأ ابن عباس: «بفاحشة مبينة» بكسر الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة، يقال: بين الشيء وأبان: إذا ظهر، وبان الشيء وبينته، وقوله تعالى:{ وعاشروهنّ بالمعروف} أمر للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجا كان أو وليا، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول طرفة: [الرمل]
فلئن شطّت نواها مرّة ..... لعلى عهد حبيب معتشر
جعل- الحبيب- جمعا كالخليط والفريق، يقال: عاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا، وأرى اللفظة من أعشار الجزور، لأنها مقاسمة ومخالطة ومخالقة جميلة، فأمر الله تعالى الرجال بحسن صحبة النساء، وإلى هذا ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: فاستمتع بها وفيها عوج، ثم أدب تعالى عباده بقوله: {فإن كرهتموهنّ } إلى آخر الآية، قال السدي:« الخير الكثير في المرأة الولد » ، وقال نحوه ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله:« ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة شيء لأنه يطرد هذا النظر في كل ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه، فيحسن الصبر، إذ عاقبته إلى خير، إذا أريد به وجه الله»). [المحرر الوجيز: 2/498-502]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً (21)}.
لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها، عقب ذلك ذكر الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ذلك، فهذا الذي في هذه الآية هو الذي يختص الزوج بإرادته، واختلف العلماء، إذا كان الزوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال مالك رحمه الله:«للزوج أن يأخذ منها إذا سببت الفراق، ولا يراعى تسبيبه هو»، وقالت جماعة من العلماء: «لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وبظلمه في ذلك» ، وقال بعض الناس: «يخرج في هذه الآية جواز المغالاة بالمهور، لأن الله تعالى قد مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح»، وخطب عمر بن الخطاب فقال: «ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول: تجشمت إليك علق القربة أو عرق القربة، فيروى أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت، كيف هذا؟ والله تعالى يقول: وآتيتم إحداهنّ قنطاراً قال: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، ويروى أنه قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ، والله المستعان، وترك الإنكار»، وقال قوم: «لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة»، كأنه قال: «وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه السلام، من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص»، وقد قال النبي عليه السلام لابن أبي حدرد- وقد جاء يستعينه في مهره- فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل»، الحديث- فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا لا يلزم، لأن هذا أحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وذلك مكروه باتفاق، وإنما المغالاة المختلف فيها مع الغنى وسعة المال، وقرأ ابن محيصن بوصل ألف «إحداهن»، وهي لغة تحذف على جهة التخفيف. ومنه قول الشاعر: [الطويل]
... ... ... ... ..... ونسمع من تحت العجاج لها زملا
وقول الآخر: [الكامل] إن لم أقاتل فالبسوني برقعا وقد تقدم القول في قدر القنطار في سورة آل عمران، وقرأ أبو السمال «منه شيئا» بفتح الياء والتنوين، وهي قراءة أبي جعفر، والبهتان: مصدر في موضع الحال، ومعناه: محيرا لشنعته وقبح الأحدوثة والفعلة فيه). [المحرر الوجيز: 2/502-504]

تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم وعظ تعالى عباده مذكرا لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة مال المرأة، إذ قد أخذ منها العوض عما أعطيته، وكيف في موضع نصب على الحال وأفضى معناه: باشر وجاوز أقصى المجاوزة ومنه قول الشاعر: [الطويل]
بلى وثأى أفضى إلى كلّ كثبة ...... بدا سيرها من ظاهر بعد باطن
وفي مثل الناس، فوضى فضا، أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضا وتقول أفضت الحال إلى كذا أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: «الإفضاء في هذه الآية الجماع »، قال ابن عباس: «ولكن الله كريم يكني، واختلف الناس في المراد بالميثاق الغليظ»، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي وغيرهم: هو قوله تعالى:{ فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ} وقال مجاهد وابن زيد:« الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت النكاح ونحوه، فهذه التي بها تستحل الفروج»، وقال عكرمة والربيع: « الميثاق الغليظ» يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم:« استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله»، وقال قوم:«الميثاق الغليظ الولد »، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله المزني قال:« لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق»، ومنها أن ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً إلّا أن يخافا ألّا يقيما حدود اللّه}.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع بعض). [المحرر الوجيز: 2/504-505]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:07 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 07:07 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) }.
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلّا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل اللّه فيه خيرًا كثيرًا (19) وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا (21) ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النّساء إلّا ما قد سلف إنّه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا (22) }
قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن مقاتل، حدّثنا أسباط بن محمّدٍ، حدّثنا الشّيباني عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ -قال الشّيبانيّ: وذكره أبو الحسن السّوائي، ولا أظنّه ذكره إلّا عن ابن عبّاسٍ-: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوّجوها، وإن شاؤوا لم يزوّجوها، فهم أحقّ بها من أهلها» ، فنزلت هذه الآية في ذلك.
هكذا رواه البخاريّ وأبو داود، والنّسائيّ، وابن مردويه، وابن أبي حاتمٍ، من حديث أبي إسحاق الشّيبانيّ -واسمه سليمان بن أبي سليمان-عن عكرمة، وعن أبي الحسن السّوائيّ واسمه عطاءٌ، كوفيٌّ أعمى-كلاهما عن ابن عبّاسٍ بما تقدّم.
وقال أبو داود: حدّثنا أحمد بن محمّد بن ثابتٍ المروزي، حدّثني عليّ بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النّحويّ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ قال: «{لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} وذلك أنّ الرّجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتّى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم اللّه تعالى عن ذلك، أي نهى عن ذلك».
تفرّد به أبو داود وقد رواه غير واحدٍ عن ابن عبّاسٍ بنحو ذلك، فقال وكيع عن سفيان، عن عليّ بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ: « كانت المرأة في الجاهليّة إذا توفّي عنها زوجها فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبًا، كان أحقّ بها، فنزلت: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}».
وروى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} قال: «كان الرّجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حميمه ثوبه، فمنعها من النّاس. فإن كانت جميلةً تزوّجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها».
وروى العوفيّ عنه: « كان الرّجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها ولم ينكحها أحدٌ غيره، وحبسها عنده حتّى تفتدي منه بفديةٍ »: فأنزل اللّه: {يا أيّها الّذين آمنوا لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
وقال زيد بن أسلم في الآية {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}«كان أهل يثرب إذا مات الرّجل منهم في الجاهليّة ورث امرأته من يرث ماله، وكان يعضلها حتّى يرثها، أو يزوّجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرّجل صحبة المرأة حتّى يطلّقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلّا من أراد حتّى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك». رواه ابن أبي حاتمٍ.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا موسى بن إسحاق، حدّثنا عليّ بن المنذر، حدّثنا محمّد بن فضيلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمّد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه قال:« لمّا توفّي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوّج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهليّة»، فأنزل اللّه: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}.
ورواه ابن جريرٍ من حديث محمّد بن فضيلٍ، به. ثمّ روي من طريق ابن جريج قال: « أخبرني عطاءٌ أنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا هلك الرّجل وترك امرأةً، حبسها أهله على الصّبيّ يكون فيهم»، فنزلت: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} الآية.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: « كان الرّجل إذا توفي كان ابنه أحقّ بامرأته، ينكحها إن شاء، إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه».
قال ابن جريجٍ: وقال عكرمة:« نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس، توفّي عنها أبو قيس ابن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالت: يا رسول اللّه، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح»، فنزلت هذه الآية.
وقال السّدّيّ عن أبي مالكٍ:«كانت المرأة في الجاهليّة إذا مات زوجها، جاء وليّه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابنٌ صغيرٌ أو أخٌ حبسها حتّى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها، ولم يلق عليها ثوبًا نجت»، فأنزل اللّه: تعالى {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا}
وقال مجاهدٌ في الآية: «كان الرّجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته، فيتزوّجها أو يزوّجها ابنه». رواه ابن أبي حاتمٍ. ثمّ قال: وروي عن الشّعبيّ، وعطاء بن أبي رباحٍ، وأبي مجلز، والضّحّاك، والزّهريّ، وعطاءٍ الخراسانيّ، ومقاتل بن حيّان -نحو ذلك.
قلت: فالآية تعمّ ما كان يفعله أهل الجاهليّة، وما ذكره مجاهدٌ ومن وافقه، وكلّ ما كان فيه نوعٌ من ذلك، واللّه أعلم.
وقوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} أي:« لا تضارّوهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد».
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ قوله: {ولا تعضلوهنّ} يقول: «ولا تقهروهنّ » {لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} يعني: «الرّجل تكون له امرأةٌ وهو كارهٌ لصحبتها، ولها عليه مهرٌ فيضرها لتفتدي».
وكذا قال الضّحّاك، وقتادة وغير واحدٍ واختاره ابن جريرٍ.
وقال ابن المبارك وعبد الرّزّاق: أخبرنا معمرٌ قال: أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: «نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهليّة، والأخرى في أمرالإسلام». قال عبد اللّه بن المبارك: يعني قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا} في الجاهليّة {ولا تعضلوهنّ} في الإسلام.
وقوله: {إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} قال ابن مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، وسعيد بن المسيّب، والشّعبيّ، والحسن البصريّ، ومحمّد بن سيرين، وسعيد بن جبيرٍ، ومجاهدٌ، وعكرمة، وعطاء الخراسانيّ، والضّحّاك، وأبو قلابة، وأبو صالحٍ، والسّدّي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلالٍ:« يعني بذلك الزّنا، يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصّداق الّذي أعطيتها وتضاجرها حتّى تتركه لك وتخالعها »، كما قال تعالى في سورة البقرة: {ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود اللّه فإن خفتم ألا يقيما حدود اللّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به} الآية.
وقال ابن عبّاسٍ، وعكرمة، والضّحّاك: « الفاحشة المبيّنة: النّشوز والعصيان».
واختار ابن جريرٍ أنّه يعم ذلك كلّه: الزّنا، والعصيان، والنّشوز، وبذاء اللّسان، وغير ذلك.
يعني: «أنّ هذا كلّه يبيح مضاجرتها حتّى تبرئه من حقّها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيّدٌ، واللّه أعلم»، وقد تقدّم فيما رواه أبو داود منفردًا به من طريق يزيد النّحويّ عن عكرمة عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما في قوله: {لا يحلّ لكم أن ترثوا النّساء كرهًا ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبيّنةٍ} قال: «وذلك أنّ الرّجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتّى تموت أو تردّ إليه صداقها، فأحكم اللّه عن ذلك، أي نهى عن ذلك».
قال عكرمة والحسن البصريّ: «وهذا يقتضي أن يكون السّياق كلّه كان في أمر الجاهليّة، ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام».
قال عبد الرّحمن بن زيدٍ:«كان العضل في قريشٍ بمكّة، ينكح الرجل المرأة الشّريفة فلعلّها لا توافقه، فيفارقها على أن لا تزوّج إلّا بإذنه، فيأتي بالشّهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلّا عضلها». قال: فهذا قوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} الآية.
وقال مجاهدٌ في قوله: {ولا تعضلوهنّ لتذهبوا ببعض ما آتيتموهنّ} هو كالعضل في سورة البقرة.
وقوله: {وعاشروهنّ بالمعروف} أي: طيّبوا أقوالكم لهنّ، وحسّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبّ ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف} وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» وكان من أخلاقه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطّف بهم، ويوسّعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتّى إنّه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين يتودّد إليها بذلك. قالت: «سابقني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللّحم، ثمّ سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: «هذه بتلك» ويجتمع نساؤه كلّ ليلةٍ في بيت الّتي يبيت عندها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فيأكل معهنّ العشاء في بعض الأحيان، ثمّ تنصرف كلّ واحدةٍ إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعارٍ واحدٍ، يضع عن كتفيه الرّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلّى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلّى اللّه عليه وسلّم وقد قال اللّه تعالى: {لقد كان لكم في رسول اللّه أسوةٌ حسنةٌ}.
وأحكام عشرة النّساء وما يتعلّق بتفصيل ذلك موضعه كتاب "الأحكام"، ولله الحمد.
وقوله تعالى: {فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا} أي: فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهنّ وكراهتهنّ فيه، خيرٌ كثيرٌ لكم في الدّنيا والآخرة. كما قال ابن عبّاسٍ في هذه الآية: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولدًا. ويكون في ذلك الولد خيرٌ كثيرٌ وفي الحديث الصّحيح: « لا يفرك مؤمنٌ مؤمنةً، إن سخط منها خلقا رضي منها آخر»). [تفسير القرآن العظيم: 2/239-243]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) }.
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وإن أردتم استبدال زوجٍ مكان زوجٍ وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا} أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأةً ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذنّ ممّا كان أصدق الأولى شيئًا، ولو كان قنطارًا من مالٍ.
وقد قدّمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفايةٌ عن إعادته هاهنا.
وفي هذه الآية دلالةٌ على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطّاب نهى عن كثرة الإصداق، ثمّ رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد: حدّثنا إسماعيل، حدّثنا سلمة بن علقمة، عن محمّد بن سيرين، قال: نبّئت عن أبي العجفاء السّلميّ قال: «سمعت عمر بن الخطّاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النّساء، فإنّها لو كانت مكرمةً في الدّنيا أو تقوى عند اللّه كان أولاكم بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ما أصدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم امرأةً من نسائه، ولا أصدقت امرأةٌ من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقيّة، وإن كان الرّجل ليبتلى بصدقة امرأته حتّى يكون لها عداوةٌ في نفسه، وحتّى يقول: كلفت إليك علق القربة»، ثمّ رواه أحمد وأهل السّنن من طرقٍ، عن محمّد بن سيرين، عن أبي العجفاء -واسمه هرم ابن مسيب البصريّ-وقال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
طريقٌ أخرى عن عمر: قال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني محمّد بن عبد الرّحمن، عن المجالد بن سعيدٍ، عن الشّعبيّ، عن مسروقٍ، قال:«كب عمر بن الخطّاب منبر رسول اللّه ثمّ قال: أيّها النّاس، ما إكثاركم في صدق النّساء وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهمٍ فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوًى عند اللّه أو كرامةً لم تسبقوهم إليها. فلا أعرفنّ ما زاد رجلٌ في صداق امرأةٍ على أربعمائة درهمٍ قال: ثمّ نزل فاعترضته امرأةٌ من قريشٍ فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت النّاس أن يزيدوا النّساء صداقهم على أربعمائة درهمٍ؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن؟ قال: وأيّ ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول: {وآتيتم إحداهنّ قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا} قال: فقال: اللّهمّ غفرًا، كلّ النّاس أفقه من عمر. ثمّ رجع فركب المنبر فقال: إنّي كنت نهيتكم أن تزيدوا النّساء في صداقهنّ على أربعمائة درهمٍ، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحبّ. قال أبو يعلى: وأظنّه قال: فمن طابت نفسه فليفعل ». إسناده جيّدٌ قويٌّ.
طريقٌ أخرى: قال ابن المنذر: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرّزّاق، عن قيس بن ربيعٍ، عن أبي حصينٍ، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: قال عمر بن الخطّاب: «لا تغالوا في مهور النّساء. فقالت امرأةٌ: ليس ذلك لك يا عمر، إنّ اللّه تعالى يقول: "وآتيتم إحداهنّ قنطارًا من ذهبٍ". قال: وكذلك هي في قراءة عبد اللّه بن مسعودٍ: "فلا يحلّ لكم أن تأخذوا منه شيئًا" فقال عمر: إنّ امرأةً خاصمت عمر فخصمته».
طريقٌ أخرى: عن عمر فيها انقطاعٌ: قال الزّبير بن بكّارٍ حدّثني عمّي مصعب بن عبد اللّه عن جدّي قال:«قال عمر بن الخطّاب لا تزيدوا في مهور النّساء وإن كانت بنت ذي الغصّة -يعني يزيد ابن الحصين الحارثيّ -فمن زاد ألقيت الزّيادة في بيت المال. فقالت امرأةٌ-من صفّة النّساء طويلةٌ، في أنفها فطس -: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأنّ اللّه تعالى قال: {وآتيتم إحداهنّ قنطارًا} الآية. فقال عمر: امرأةٌ أصابت ورجلٌ أخطأ».
ولهذا قال اللّه منكرًا: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/243-244]

تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) }.
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (قال اللّه منكرًا: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ} أي: وكيف تأخذون الصّداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك.
قال ابن عبّاسٍ، ومجاهدٌ، والسّدّيّ، وغير واحدٍ: «يعني بذلك الجماع».
وقد ثبت في الصّحيحين: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: « اللّه يعلم أنّ أحدكما كاذبٌ. فهل منكما تائبٌ" ثلاثًا». فقال الرّجل: يا رسول اللّه، مالي -يعني: ما أصدقها -قال:« لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها».
وفي سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أكتم أنّه تزوّج امرأةً بكرًا في خدرها، فإذا هي حاملٌ من الزّنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها بالصّداق وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: « الولد عبدٌ لك».
فالصّداق في مقابلة البضع، ولهذا قال تعالى: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعضٍ}.
وقوله: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا} روي عن ابن عبّاسٍ ومجاهدٍ، وسعيد بن جبيرٍ: أنّ المراد بذلك العقد.
وقال سفيان الثّوريّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {وأخذن منكم مّيثاقًا غليظًا} قال: قوله: {إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ}.
قال ابن أبي حاتمٍ: وروي عن عكرمة، ومجاهدٍ، وأبي العالية، والحسن، وقتادة، ويحيى بن أبي كثيرٍ، والضّحّاك والسّدّيّ-نحو ذلك.
وقال أبو جعفرٍ الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنسٍ في الآية هو قوله:« أخذتموهنّ بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللّه، فإنّ "كلمة اللّه" هي التّشهّد في الخطبة. قال: وكان فيما أعطى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة أسري به قال له: جعلت أمّتك لا تجوز لهم خطبة حتّى يشهدوا أنّك عبدي ورسولي ». رواه ابن أبي حاتمٍ.
وفي صحيح مسلمٍ، عن جابرٍ في خطبة حجة الوداع: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال فيها: « واستوصوا بالنّساء خيرًا، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه»). [تفسير القرآن العظيم: 2/244-245]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:54 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة