العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة الأنفال

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17 ربيع الثاني 1434هـ/27-02-2013م, 11:03 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير سورة الأنفال [ من الآية (36) إلى الآية (40) ]

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21 ربيع الثاني 1434هـ/3-03-2013م, 11:53 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي تفسير السلف

تفسير السلف

تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وأخبرني سعيد أيضا، عن عطاء بن دينار في قول الله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون}، قال: أنزلت في سفيان بن حرب). [الجامع في علوم القرآن: 1/124]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً ثمّ يغلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون}.
يقول تعالى ذكره: إنّ الّذين كفروا باللّه ورسوله ينفقون أموالهم، فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتّقوّوا بها على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين به، ليصدّوا المؤمنين باللّه ورسوله عن الإيمان باللّه ورسوله، فسينفقون أموالهم في ذلك {ثمّ تكون} نفقتهم تلك {عليهم حسرةً} يقول: تصير ندامةً عليهم؛ لأنّ أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور اللّه، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة اللّه؛ لأنّ اللّه معلي كلمته، وجاعلٌ كلمة الكفر السّفلى، ثمّ يغلبهم المؤمنون، ويحشر اللّه الّذين كفروا به وبرسوله إلى جهنّم، فيعذّبون فيها، فأعظم بها حسرةً وندامةً لمن عاش منهم ومن هلك، أما الحيّ فحرب ماله وذهب باطلاً في غير دركٍ ولا نفعٍ ورجع مغلوبًا مقهورًا محزونًا مسلوبًا، وأمّا الهالك: فقتل وسلب وعجّل به إلى نار اللّه يخلّد فيها، نعوذ باللّه من غضبه.
وكان الّذي تولّى النّفقة الّتي ذكرها اللّه في هذه الآية فيما ذكر أبا سفيان.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يعقوب القمّيّ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، في قوله: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم} الآية {والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون} قال: نزلت في أبي سفيان بن حربٍ استأجر يوم أحدٍ ألفين من الأحابيش من بني كنانة، فقاتل بهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهم الّذين يقول فيهم كعب بن مالكٍ:
وجئنا إلى موجٍ من البحر وسطه = أحابيش منهم حاسرٌ ومقنّع
ثلاثة آلافٍ ونحن نصيّةٌ = ثلاث مئين إن كثرنا فأربع
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، عن يعقوب القمّيّ، عن جعفرٍ، عن ابن أبزى: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه}، قال: نزلت في أبي سفيان، استأجر يوم أحدٍ ألفين ليقاتل بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، سوى من استجاش من العرب.
- قال: أخبرنا أبي، عن خطّاب بن عثمان العصفريّ، عن الحكم بن عتيبة: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} قال: نزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين يوم أحدٍ أربعين أوقيّةً من ذهبٍ، وكانت الأوقيّة يومئذٍ اثنين وأربعين مثقالاً.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} الآية، قال: لمّا قدم أبو سفيان بالعير إلى مكّة، أنشد النّاس ودعاهم إلى القتال حتّى غزا نبيّ اللّه من العام المقبل، وكانت بدرٌ في رمضان يوم الجمعة صبيحة سابع عشرة من شهر رمضان، وكانت أحدٌ في شوّالٍ يوم السّبت لإحدى عشرة خلت منه في العام الرّابع.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: قال اللّه فيما كان المشركون ومنهم أبو سفيان يستأجرون الرّجال يقاتلون محمّدًا بهم: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} وهو محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم {فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً} يقول: ندامةً يوم القيامة وويلاً {ثمّ يغلبون}.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه: {ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} الآية، حتّى قوله: {أولئك هم الخاسرون} قال: في نفقة أبي سفيان على الكفّار يوم أحدٍ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قالا: حدّثنا محمّد بن مسلم بن عبيد اللّه بن شهابٍ الزّهريّ، ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ، قالوا: لمّا أصابت المسلمون يوم بدرٍ من كفّار قريشٍ من أصحاب القليب ورجع فلّهم إلى مكّة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد اللّه بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهلٍ وصفوان بن أميّة في رجالٍ من قريشٍ أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدرٍ، فكلّموا أبا سفيان بن حربٍ ومن كان له في تلك العير من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريشٍ، إنّ محمّدًا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منّا، ففعلوا. قال: ففيهم كما ذكر عن ابن عبّاسٍ أنزل اللّه: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم} إلى قوله: {والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} إلى قوله: {يحشرون} يعني النّفر الّذين مشوا إلى أبي سفيان وإلى من كان له مالٌ من قريشٍ في تلك التّجارة، فسألوهم أن يعينوهم على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ففعلوا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني سعيد بن أبي أيّوب، عن عطاء بن دينارٍ، في قول اللّه: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم} الآية، نزلت في أبي سفيان بن حربٍ.
وقال بعضهم: عني بذلك المشركون من أهل بدرٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه} الآية، قال: هم أهل بدرٍ.
والصّواب من القول في ذلك عندي ما قلنا، وهو أن يقال: إنّ اللّه أخبر عن الّذين كفروا به من مشركي قريشٍ أنّهم ينفقون أموالهم، ليصدّوا عن سبيل اللّه، لم يخبرنا بأيّ أولئك عنى، غير أنّه عمّ بالخبر الّذين كفروا، وجائزٌ أن يكون عنى المنفقين أموالهم لقتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه بأحدٍ، وجائزٌ أن يكون عنى المنفقين منهم ذلك ببدرٍ، وجائزٌ أن يكون عنى الفريقين.
وإذا كان ذلك كذلك، فالصّواب في ذلك أن يعمّ كما عمّ جلّ ثناؤه الّذين كفروا من قريشٍ). [جامع البيان: 11/169-174]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً ثمّ يغلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون (36)
قوله تعالى: إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا عقبة بن خالدٍ السّكونيّ ثنا خطّاب بن عثمان العصفريّ قال: سمعت الحكم بن عتيبة يقول في قوله: إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه قال: أنزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين أربعين أوقيّةً من ذهبٍ، وكانت الأوقيّة يومئذٍ اثنين وأربعين مثقالاً من ذهبٍ
- حدّثنا أبي ثنا عيسى بن أبي فاطمة ثنا يعقوب القمّيّ أنبأ جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها الآية، قال: نزلت في أبي سفيان بن حربٍ استأجر يوم أحدٍ ألفين من الأحابيش من كنانة، فقاتل بهم النّبيّ صلّى الله عليه وسلم سوى من استحاش من العرب، وهم الّذين قال فيهم كعب بن مالكٍ رضي اللّه عنه:
فجئنا إلى موجٍ من البحر وسطه... أحابيش منهم حاسرٌ ومقنّع
ثلاثة آلافٍ ونحن نصيّةٌ... ثلاث مئين إن كثرن فأربع
- حدّثنا أبي ثنا الحسن بن الرّبيع ثنا عبد اللّه بن إدريس ثنا محمّد بن إسحاق أنبأ محمّد بن مسلمٍ الزّهريّ وعاصم بن عمر بن قتادة بن النّعمان ومحمّد بن يحيى بن حيّان وحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعد بن معاذٍ وعبد اللّه بن أبي بكر بن محمّدٍ وغيرهم من علمائنا قالوا: لمّا أصيب أصحاب بدرٍ أصحاب القليب من قريشٍ ورجع أبو سفيان بعيره إلى مكّة مشى عبد اللّه بن أبي ربيعة وإخوانهم ببدرٍ فقالوا: يا معشر قريشٍ، إنّ محمّدًا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال، لعلّنا ندرك منه بعض ما أصاب منّا، ففعلوا وفيهم أنزل اللّه تعالى إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه الآية.
قوله تعالى: ليصدّوا عن سبيل اللّه
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ- فيما كتب إليّ- ثنا أحمد بن المفضّل حدّثنا أسباط عن السّدّيّ ليصدّوا عن سبيل اللّه وهو محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم.
قوله تعالى: فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً
- وبه عن السّدّيّ فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً يقول: ندامةً يوم القيامة
قوله تعالى: ثمّ يغلبون
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن المقدام ثنا محمّد بن بكرٍ البرسانيّ ثنا سليم بن نفيعٍ القرشيّ عن خلفٍ أبي الفضل القرشيّ عن كتاب عمر بن عبد العزيز قال: قول اللّه: يغلبون فأخبرهم بعذابهم بالقتل في الدّنيا والآخرة بالنّار.
قوله تعالى: والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ قال: هم الكفّار الّذين خلقهم اللّه للنّار وخلق النّار لهم فآلت عنهم الدّنيا، وحرّمت عليهم الجنّة.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس ثنا أبو غسّان محمّد بن عمرٍو ثنا سلمة بن الفضل عن محمّد بن إسحاق قال: وحدّثني يحيى بن عباد بن عبد اله بن الزّبير عن أبيه عبّادٍ والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون يعني: النّفر الّذين مشوا إلى أبي سفيان وإلى من كان لهم مالٌ من قريشٍ في تلك التّجارة فسألوهم أن يقوّوهم بها على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ففعلوا). [تفسير القرآن العظيم: 5/1697-1699]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ليصدوا عن سبيل الله قال هو نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد). [تفسير مجاهد: 262]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 36 - 37
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل كلهم من طريقه قال: حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمرو بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمر قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلنا أن ندرك منه ثأرا، ففعلوا، ففيهم كما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنزل الله {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} إلى قوله {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم} إلى قوله {أولئك هم الخاسرون} قال: في نفقة أبي سفيان على الكفار يوم أحد.
وأخرج ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل} الآية، قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى من استجاش من العرب فأنزل الله هذه الآية وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك رضي الله عنه:
وجئنا إلى موج من البحر وسطه * أحابيش منهم حاسر
ومقنع ثلاثة آلاف ونحن نصية * ثلاث مئين إن كثرن فأربع.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحكم بن عتيبة في قوله {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالا من ذهب
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} وهو محمد صلى الله عليه وسلم {فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة} يقول: ندامة يوم القيامة.
وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن عباد بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه في قوله {والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} يعني النفر الذين مشوا إلى أبي سفيان وإلى من كان له مال من قريش في تلك التجارة فسألوهم أن يقووهم بها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعلوا). [الدر المنثور: 7/118-121]

تفسير قوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) )
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (حدّثني محمّد بن عبد الرّحيم، حدّثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيمٌ، أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قلت لابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما: ... {فيركمه} [الأنفال: 37] : " يجمعه). [صحيح البخاري: 6/61]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله فيركمه يجمعه قال أبو عبيدة في قوله فيركمه جميعًا أي فيجمعه بعضه فوق بعضٍ). [فتح الباري: 8/307]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (فيركمه يجمعه
أشار به إلى قوله: {ليميز الله الخبيث من الطّيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه} (الأنفال: 37) وفسّر: يركمه، بقوله: يجمعه، وكذا فسره أبو عبيدة، فقال: يجمعه بعضه فوق بعض، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يزيد القراطيسي عن إصبغ عن ابن زيد، والركم جمع الشّيء بعضه على بعض، كما قال في السّحاب: ثمّ يجعله ركاماً أي: متراكباً، والمعنى: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفّار من الفريق الطّيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا حتّى يتراكبوا فيجعله في جهنّم، والضّمير المنصوب في: فيركمه، يرجع إلى الفريق الخبيث). [عمدة القاري: 18/245-246]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (وقوله: ({فيركمه}) قال أبو عبيدة أي (يجمعه) ويضم بعضه على بعض أو يجعل الكافر مع ما أنفق للصد عن سبيل الله إلى جهنم ليكون المال عذابًا عليه كقوله تعالى: {فتكوي بها جباهم} [التوبة: 35] ). [إرشاد الساري: 7/133]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعًا فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون}.
يقول تعالى ذكره: يحشر اللّه هؤلاء الّذين كفروا بربّهم، وينفقون أموالهم للصّدّ عن سبيل اللّه إلى جهنّم، ليفرّق بينهم وهم أهل الخبث كما قال وسمّاهم {الخبيث} وبين المؤمنين باللّه وبرسوله، وهم الطّيّبون، كما سمّاهم جلّ ثناؤه. فميّز جلّ ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جنّاته، وأنزل أهل الكفر ناره.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب} فميّز أهل السّعادة من أهل الشّقاوة.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: ثمّ ذكر المشركين، وما يصنع بهم يوم القيامة، فقال: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب} يقول: يميز المؤمن من الكافر. {ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ}.
ويعني جلّ ثناؤه بقوله: {ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ} فيحمل الكفّار بعضهم فوق بعضٍ. {فيركمه جميعًا} يقول: فنجعلهم ركامًا، وهو أن يجمع بعضهم إلى بعضٍ حتّى يكثروا، كما قال جلّ ثناؤه في صفة السّحاب: {ثمّ يؤلّف بينه ثمّ يجعله ركامًا} أي مجتمعًا كثيفًا.
- وكما حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {فيركمه جميعًا} قال: فيجمعه جميعًا بعضه على بعضٍ.
وقوله: {فيجعله في جهنّم} يقول: فيجعل الخبيث جميعًا في جهنّم، فوحّد الخبر عنهم لتوحيد قوله: {ليميز اللّه الخبيث} ثمّ قال: {أولئك هم الخاسرون} فجمع ولم يقل: ذلك هو الخاسر، فردّه إلى أوّل الخبر. ويعني بـ أولئك الّذين كفروا، وتأويله: هؤلاء الّذين ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه هم الخاسرون. ويعني بقوله: {الخاسرون} الّذين غبنت صفقتهم وخسرت تجارتهم، وذلك أنّهم شروا بأموالهم عذاب اللّه في الآخرة، وتعجّلوا بإنفاقهم إيّاها فيما أنفقوا من قتال نبيّ اللّه والمؤمنين به الخزي والذّلّ). [جامع البيان: 11/175-176]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعًا فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون (37)
قوله تعالى: ليميز اللّه الخبيث من الطيب
[الوجه الأول]
- أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ- فيما كتب إليّ- ثنا أحمد بن المفضّل ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ ليميز اللّه الخبيث من الطّيب يقول: يميّز المؤمن من الكافر.
الوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا ابن أبي حمّادٍ ثنا مهران عن يعقوب عن حفص بن حميدٍ عن شمر بن عطيّة ليميز اللّه الخبيث من الطّيب قال: يميّز ما كان للّه من عملٍ صالحٍ من الدّنيا، ثمّ تؤخذ الدّنيا بأسرها فتلقى في جهنّم.
قوله عزّ وجلّ فيركمه جميعًا فيجعله في جهنّم
- أخبرنا أبو يزيد القراطيسيّ فيما كتب إليّ أنبأ أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن زيدٍ في قول اللّه: فيركمه جميعًا قال: فيجمعه جميعًا فيجعله في جهنّم.
قوله تعالى: أولئك هم الخاسرون
- حدّثنا أبو زرعة حدّثنا صفوان بن صالحٍ حدّثنا الوليد أخبرني بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان أولئك هم الخاسرون: قال: في الآخرة.
- قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ أنبأ محمّد بن مزاحمٍ ثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان في قوله: أولئك هم الخاسرون في الآخرة يقول: هم أهل النّار). [تفسير القرآن العظيم: 5/1699]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن شهر بن عطية رضي الله عنه {ليميز الله الخبيث من الطيب} قال: يميز يوم القيامة ما كان لله من عمل صالح في الدنيا ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {فيركمه جميعا} قال: يجمعه جميعا). [الدر المنثور: 7/120]

تفسير قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنّة الأوّلين}.
يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: قل يا محمّد للّذين كفروا من مشركي قومك: إن ينتهوا عمّا هم عليه مقيمون من كفرهم باللّه ورسوله وقتالك وقتال المؤمنين فينيبوا إلى الإيمان، يغفر اللّه لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة اللّه وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم.
{وإن يعودوا} يقول: وإن يعد هؤلاء المشركون لقتالك بعد الوقعة الّتي أوقعتها بهم يوم بدرٍ، فقد مضت سنّتي في الأوّلين منهم ببدرٍ ومن غيرهم من القرون الخالية إذ طغوا وكذّبوا رسلي ولم يقبلوا نصحهم من إحلال عاجل النّقم بهم، فأحلّ بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك مثل الّذين أحللت بهم.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {فقد مضت سنّة الأوّلين} في قريشٍ يوم بدرٍ وغيرها من الأمم قبل ذلك.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا ابن نميرٍ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {فقد مضت سنّة الأوّلين} قال: في قريشٍ وغيرها من الأمم قبل ذلك.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال في قوله: {قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا} لحربك {فقد مضت سنّة الأوّلين} أي من قتل منهم يوم بدرٍ.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: وإن يعودوا لقتالك، فقد مضت سنّة الأوّلين من أهل بدرٍ). [جامع البيان: 11/176-178]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنّة الأوّلين (38)
قوله تعالى: قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً أنبأ ابن وهبٍ قال: قال مالكٌ: لا يؤخذ كافرٌ بشيءٍ صنعه في كفره إذا أسلم وذلك أنّ اللّه تعالى يقول: قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين
- حدّثنا أبو عبيد اللّه ابن أخي ابن وهبٍ ثنا ابن وهبٍ قال: قال مالك ابن أنسٍ في طلاق المشركين نساءهم ثمّ يتناكحون بعد إسلامهم قال: لا يعدّ طلاقهم شيئًا، لأنّ اللّه تعالى قال: قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
قوله تعالى: وإن يعودوا
- حدّثنا محمّد بن العبّاس حدّثنا زنيجٌ ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق ثنا يحيى بن عبّادٍ عن أبيه وإن يعودوا لحربك.
قوله تعالى: فقد مضت
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى ثنا هارون بن حاتمٍ ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ عن أسباطٍ عن السّدّيّ عن أبي مالكٍ قوله: مضت يعني: خلت.
قوله تعالى: سنت الأوّلين
- حدّثنا حجّاج بن حمزة ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: فقد مضت سنت الأوّلين في قريشٍ وغيرها يوم بدرٍ والأمم قبل ذلك
- حدّثنا أبي ثنا ابن أبي عمر قال سفيان في قوله: قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأوّلين في أهل بدرٍ وأمثالنا). [تفسير القرآن العظيم: 5/1700]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين يعني قريش يوم بدر وفي غيرها من الأمم قبل ذلك). [تفسير مجاهد: 262-263]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 38 - 40.
وأخرج ابن أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: مالك، قلت: أردت أن أشترط، قال: أتشترط ماذا قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مالك بن أنس رضي الله عنه قال: لا يؤخذ الكافر بشيء صنعه في كفره إذا أسلم وذلك أن الله تعالى يقول {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف}.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فقد مضت سنة الأولين} قال: في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك). [الدر المنثور: 7/121-122]

تفسير قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قول اللّه: {حتّى لا تكون فتنة} قال: الشرك [الآية: 39]). [تفسير الثوري: 119]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه} [الأنفال: 39]
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى، حدّثنا حيوة، عن بكر بن عمرٍو، عن بكيرٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي اللّه عنهما: أنّ رجلًا، جاءه فقال: يا أبا عبد الرّحمن ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر اللّه في كتابه؟ فقال: " يا ابن أخي أغترّ بهذه الآية ولا أقاتل، أحبّ إليّ من أن أغترّ بهذه الآية، الّتي يقول اللّه تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} [النساء: 93] إلى آخرها "، قال: فإنّ اللّه يقول: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} [الأنفال: 39] ، قال ابن عمر: «قد فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إذ كان الإسلام قليلًا، فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلونه وإمّا يوثقونه، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنةٌ» ، فلمّا رأى أنّه لا يوافقه فيما يريد، قال: «فما قولك في عليٍّ، وعثمان؟» قال ابن عمر: " ما قولي في عليٍّ، وعثمان؟ أمّا عثمان: فكان اللّه قد عفا عنه فكرهتم أن يعفو عنه، وأمّا عليٌّ: فابن عمّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم وختنه - وأشار بيده - وهذه ابنته - أو بنته - حيث ترون "
- حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا بيانٌ، أنّ وبرة حدّثه، قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ، قال: خرج علينا - أو إلينا - ابن عمر، فقال رجلٌ: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ «كان محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم يقاتل المشركين، وكان الدّخول عليهم فتنةً وليس كقتالكم على الملك»). [صحيح البخاري: 6/62-63]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كله لله)
سقط باب لغير أبي ذرٍّ

[4650] قوله حدّثنا عبد اللّه بن يحيى هو البرلّسيّ يكنّى أبا يحيى صدوقٌ أدركه البخاريّ ولكن روى عنه بواسطةٍ هنا وفي تفسير سورة الفتح فقط وقد تقدّمت الإشارة إلى حال بقيّة الإسناد في تفسير سورة البقرة قوله عن بن عمر أنّ رجلًا جاءه تقدّم في تفسير سورة البقرة ما أخرج سعيد بن منصورٍ من أنّ السّائل هو حيّان صاحب الدّثنّيّة وروى أبو بكرٍ النّجّاد في فوائده أنّه الهيثم بن حنشٍ وقيل نافع بن الأزرق وسأذكر في الطّريق الّتي بعد هذه قولًا آخر ولعلّ السّائلين عن ذلك جماعةٌ أو تعدّدت القصّة قوله فما يمنعك أن لا تقاتل لا زائدةٌ وقد تقدّم تقريره في تفسير سورة الأعراف عند قوله ما منعك ألا تسجد قوله أعير بمهملةٍ وتحتانيّةٍ ثقيلةٍ للكشميهنيّ في الموضعين ولغيره بفتح الهمزة وسكون الغين المعجمة وتخفيف المثنّاة الفوقانيّة وتشديد الرّاء فيهما والحاصل أنّ السّائل كان يرى قتال من خالف الإمام الّذي يعتقد طاعته وكان بن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلّق بالملك وسيأتي مزيدٌ لذلك في كتاب الفتن قوله فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلوه وإمّا يوثقوه كذا للأكثر فزعم بعض الشّرّاح بأنّه غلطٌ وأنّ الصّواب بإثبات النّون فيهما لأنّ إمّا الّتي تجزم هي الشّرطيّة وليست هنا شرطيّةٌ قلت وهي رواية أبي ذرٍّ ووجّهت رواية الأكثر بأنّ النّون قد تحذف بغير ناصبٍ ولا جازم في لغةٍ شهيرةٍ وتقدّم في تفسير البقرة بلفظ إمّا تعذّبوه وإمّا تقتلوه وقد مضى القول فيه هناك وأمّا قوله فما قولك في عليٍّ وعثمان فيؤيد أن السّائل كان من الخوارج فإنّهم كانوا يتولّون الشّيخين ويحطّون عثمان وعليا فرد عليه بن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والاعتذار عمّا عابوا به عثمان من الفرار يوم أحدٍ فإنّه تعالى صرّح في القرآن بأنّه عفا عنهم وقد تقدّم في مناقب عثمان سؤال السّائل لابن عمر عن عثمان وأنّه فرّ يوم أحدٍ وغاب عن بدرٍ وعن بيعة الرّضوان وبيان بن عمر له عذر عثمان في ذلك فيحتمل أن يكون هو السّائل هنا ويحتمل أن يكون غيره وهو الأرجح لأنّه لم يتعرّض هناك لذكر عليٍّ وكأنّه كان رافضيًّا وأمّا عدم ذكره للقتال فلا يقتضي التّعدّد لأنّ الطّريق الّتي بعدها قد ذكر فيها القتال ولم يذكر قصّة عثمان والأولى الحمل على التّعدّد لاختلاف النّاقلين في تسمية السّائلين وإن اتّحد المسئول واللّه أعلم قوله فكرهتم أن تعفوا عنه بالمثنّاة الفوقانيّة وبصيغة الجمع ومضى في تفسير البقرة بلفظ أن يعفو بالتّحتانيّة أوّله والإفراد أي اللّه وقوله وهذه ابنته أو بنته كذا للأكثر بالشّكّ ووافقهم الكشميهنيّ لكن قال أو أبيته بصيغة جمع القلّة في البيت وهو شاذٌّ وقد تقدّم في مناقب عليٍّ من وجهٍ آخر بلفظ فقال هو ذاك بيته أوسط بيوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وفي رواية النّسائيّ ولكن انظر إلى منزلته من نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليس في المسجد غير بيته وهذا يدلّ على أنّه تصحّف على بعض الرّواة بيته ببنته فقرأها بنته بموحّدةٍ ثمّ نونٍ ثمّ طرأ له الشّكّ فقال بنته أو بيته والمعتمد أنّه البيت فقط لما ذكرنا من الرّوايات المصرّحة بذلك وتقدّم أيضًا في مناقب أبي بكرٍ أشياء تتعلّق ببيت عليٍّ واختصاصه بكونه بين بيوت أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم

[4651] قوله حدّثنا أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد اللّه بن يونس نسب لجدّه وشيخه زهير هو بن معاوية الجعفيّ وشيخه بيان هو بن بشرٍ وشيخه وبرةٌ بفتح الواو والموحّدة هو بن عبد الرّحمن قوله فقال رجلٌ كيف ترى في قتال الفتنة وقع في رواية البيهقيّ من وجهٍ آخر عن أحمد بن يونس شيخ البخاريّ فيه فقال له حكيمٌ وكذا في مستخرج أبي نعيمٍ من وجهٍ آخر عن زهير بن معاوية والحديث المذكور مختصرٌ من الّذي قبله أو هما واقعتان كما تقدّمت الإشارة إليه). [فتح الباري: 8/310-311]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : ( (بابٌ: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه لله} (الأنفال: 39)
أي: هذا باب في قوله تعالى: {وقاتلوهم} الآية. ولم يثبت لفظ: باب: ألا في رواية أبي ذر، وقد أمر الله المؤمنين بقتال الكفّار حتّى لا تكون فتنة، وقال الضّحّاك عن ابن عبّاس: حتّى لا يكون شرك، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسّديّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم. وقال محمّد بن إسحاق بلغني عن الزّهريّ عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا حتّى لا يفتن مسلم عن دينه. قوله: (ويكون الدّين كله لله) أي: يخلص التّوحيد لله وقال الحسن وقتادة وابن جريج أن يقول لا إلاه إلّا الله، وقال محمّد بن إسحاق: يكون التّوحيد خالصا لله ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد، وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم لا يكون مع دينكم كفر.
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز حدّثنا عبد الله بن يحيى حدّثنا حيوة عن بكر بن عمروٍ عن بكيرٍ عن نافعٍ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رجلاً جاءه فقال يا أبا عبد الرّحمان ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: {وإنّ طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} إلى آخر الآية فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه فقال يا ابن أخي أغترّ بهاذه الآية ولا أقاتل أحبّ إليّ من أن أغترّ بهاذه الآية الّتي يقول الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمّدا إلى آخرها قال فإنّ الله يقول وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ قال ابن عمر قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلاً فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلوه وإمّا يوثقوه حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنةٌ فلمّا رأى أنّه لا يوافقه فيما يريد قال فا قولك في عليٍّ وعثمان قال ابن عمر ما قولي في عليٍّ وعثمان أمّا عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن يعفو عنه وأمّا عليٌّ فابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه وأشار بيده وهاذه ابنته أو بيته حيث ترون.
مطابقته للتّرجمة في قوله: (فإن الله يقول: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة} ) (الأنفال: 39) والحسن بن عبد العزيز الجروي، بفتح الجيم وسكون الرّاء وبالواو، وقد مر في الجنائز، وعبد الله بن يحيى المعافري، بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وبالراء البرالسي يكنى أبا يحيى صدوق أدركه البخاريّ ولكن روى عنه هنا بالواسطة وفي تفسير سورة الفتح فقط، وحيوة بن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الرّاء وفي آخره حاء مهملة، وقد أمعن الكرماني في ضبطه، فقال: شريح مصغر الشّرح بالمعجمة والرّاء وبالمهملة، وبكر بفتح الباء الموحدة ابن عمرو المعافري من أهل مصر، وبكير بضم الباء الموحدة مصغر بكر ابن عبد الله الأشج، والحديث مر بوجه آخر في تفسير سورة البقرة في: باب: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة} ومضى الكلام فيه هنالك.
قوله: (أن رجلا) ، هو حبان صاحب الدثنية. قاله سعيد بن منصور، وقال أبو بكر النجار، هو الهيثم بن حنش وعن أحمد بن يونس، هو شخص يقال له حكيم، وقيل: نافع بن الأزرق. قوله: (أن لا تقاتل) ، كلمة لا زائدة كما في قوله: {ما منعك أن لا تسجد} (الأعراف: 12) وكان لم يقاتل أصلا في الحروب الّتي جرت بين المسلمين لا في صفّين ولا في وقعة الجمل ولا في محاصرة ابن الزبير وغيرها. قوله: (اغترّ) ، من الاغترار بالمعجمة والرّاء المكررة أي: تأويل هذه الآية أحب إليّ من تأويل الآية الأخرى الّتي فيها تغليظ شديد وتهديد عظيم، والحاصل أن السّائل كان يرى قتال من خالف الإمام الّذي يعتقد طاعته، وكان ابن عمر يرى ترك القتال فيما يتعلّق بالملك، والظّاهر أن السّائل كان هذا من الخوارج فإنّهم كانوا يتولون الشّيخين ويخطؤن عثمان وعليا فرد عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النّبي صلى الله عليه وسلم، والاعتذار عمّا عابوا به عثمان من الفرار يوم أحد وغاب عن بدر وعن بيعة الرضوان. قوله: (إذ كان) ، أي: حين كان. قوله: (يفتن في دينه) ، على صيغة المجهول. قوله: (يقتلوه) ، حذف النّون منه بلا جازم ولا ناصب، وهي لغة وكذلك يوثقوه، وقال صاحب (التّوضيح) إمّا يقتلونه وإمّا يوثقونه، هذا هو الصّواب، ورواية يقتلوه ويوثقوه، غير صواب لأن: إمّا هنا عاطفة مكررة وإنّما تجزم إذا كانت شرطا. قلت: لا تسلم أنه غير صواب بل هو صواب كما ذكرناه لأنّه لغة لبعض العرب وهي فصيحة، وكون: إمّا تتضمّن معنى الشّرط ليس بمجمع عليه. قوله: (وهذه ابنته أو بيته) ، بالشّكّ في رواية الأكثرين، وكذا قال الكشميهني بالشّكّ ولكن قال: أو أبيته، بصيغة جمع القلّة في البيت وهو شاذ وهذه أنث باعتبار البقعة. قوله: (ترون) ، أي: بين حجر النّبي صلى الله عليه وسلم وبين قربه صلى الله عليه وسلم مكانا ومكانة.
- حدّثنا أحمد بن يونس حدّثنا زهيرٌ حدّثنا بيانٌ أنّ وبرة حدّثه قال حدّثني سعيد بن جبيرٍ قال خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجلٌ كيف ترى في قتال الفتنة فقال وهل تدري ما الفتنة كان محمّدٌ صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدّخول عليهم فتنةٌ وليس كقتالكم على الملك.
هذا طريق آخر في الحديث المذكور وهو مختصر منه، ويحتمل أن يكونا واقعتين وأحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي وقد نسب إلى جده، وزهير هو ابن معاوية، وبيان، بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء آخر الحروف وبالنون ابن بشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين ووبرة، بفتح الواو وسكون الباء الموحدة وفتحها وبالراء: ابن عبد الرّحمن المسلمي، بضم الميم وسكون السّين المهملة وباللام. الحارث من مذحج). [عمدة القاري: 18/250-252]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (باب {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه لله} [الأنفال: 39]
({وقاتلوهم}) حث للمؤمنين على قتال الكفار وفي بعض النسخ باب قوله: {وقاتلوهم} ونسب لأبي ذر ({حتى لا تكون فتنة}) أي إلى أن لا يوجد فيهم شرك قط ({ويكون الدين كله
لله}) [الأنفال: 39]. ويضمحل عنهم كل دين باطل وسقط ويكون الدين الخ لغير أبي ذر.
- حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى، حدّثنا حيوة عن بكر بن عمرٍو، عن بكيرٍ عن نافعٍ، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرّحمن ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} إلى آخر الآية، فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر اللّه في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي أغترّ بهذه الآية ولا أقاتل أحبّ إليّ من أن أغترّ بهذه الآية الّتي يقول اللّه تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} إلى آخرها قال: فإنّ اللّه يقول: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- إذ كان الإسلام قليلًا، فكان الرّجل يفتن في دينه إمّا يقتلوه، وإمّا يوثقوه، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنةٌ فلمّا رأى أنّه لا يوافقه فيما يريد قال: فما قولك في عليٍّ وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في عليٍّ وعثمان أمّا عثمان فكان اللّه قد عفا عنه فكرهتم أن يعفو عنه، وأمّا عليٌّ فابن عمّ رسول اللّه -صلّى اللّه عليه وسلّم- وختنه، وأشار بيده وهذه ابنته أو بنته حيث ترون.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (الحسن بن عبد العزيز) الجروي بالجيم والراء المفتوحتين المصري نزيل بغداد قال: (حدّثنا عبد الله بن يحيى) المعافري بفتح الميم والعين المهملة وكسر الفاء وبعدها راء البرلسي قال: (حدّثنا حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة ابن شريح بالمعجمة أوله والمهملة آخره (عن بكر بن عمرو) بفتح الموحدة والعين المعافري (عن بكير) بضم الموحدة مصغرًا ابن عبد الله الأشج (عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلًا) هو حبان بالموحدة صاحب الدثنية أو العلاء بن عرار بمهملات الأولى مكسورة أو نافع بن الأزرق أو الهيثم بن حنش (جاءه) زاد في البقرة في فتنة ابن الزبير (فقال) له: (يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ({وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}) [الحجرات: 9] باغين بعضهم على بعض (إلى آخر الآية فما يمنعك أن لا تقاتل كما ذكر الله في كتابه؟) كلمة "لا" زائدة كهي في قوله: ما منعك أن لا تسجد وكان لم يقاتل في حرب من الحروب الواقعة بين المسلمين كصفين والجمل ومحاصرة ابن الزبير (فقال: يا ابن أخي أغتر بهذه الآية ولا أقاتل أحب إليّ من أن اغتر بهذه الآية التي يقول الله تعالى) فيها: ({ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا}) [النساء: 93] (إلى آخرها) اغتر في هذين الموضعين بالغين المعجمة والفوقية من الاغترار أي تأويل هذه الآية {وإن طائفتان} أحب من تأويل الأخرى {ومن يقتل مؤمنًا} التي فيها تغليظ شديد وتهديد عظيم، ولأبي ذر عن الكشميهني أعير بضم الهمزة وفتح العين المهملة وتشديد التحتية في الموضعين (قال) الرجل (فإن الله) تعالى (يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة}) هذا موضع الترجمة (قال ابن عمر: قد فعلنا) ذلك (على عهد رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- إذ) أي حين (كان الإسلام قليلًا فكان الرجل يفتن في دينه) بضم الياء مبنيًّا للمفعول (إما يقتلوه وإما يوثقوه) بحذف نون الرفع وهو موجود في
الكلام الفصيح نثره ونظمه كما قاله ابن مالك، ولأبي ذر: إما يقتلونه وإما يوثقونه بإثبات النون فيهما (حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة، فلما رأى) أي الرجل (أنه) أي ابن عمر (لا يوافقه فيما يريد) من القتال (قال: فما قولك في عليّ وعثمان) وكان السائل كان من الخوارج (قال ابن عمر: ما قولي في عليّ وعثمان أما عثمان فكان الله قد عفا عنه) لما فرّ يوم أحد في قوله: {لقد عفا الله عنكم} [آل عمران: 155] (فكرهتم أن تعفوا عنه) بالفوقية وسكون الواو خطابًا للجماعة (وأما عليّ فابن عم رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- وختنه) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية أي زوج ابنته (وأشار بيده وهذه ابنته) بهمزة وصل (أو بنته) بتركها، والمراد بها فاطمة. والشك من الراوي محافظة على نقل اللفظ على وجهه كما سمع أي هذه ابنة أو بنت رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- (حيث ترون) منزلها بين منازل أبيها، والذي في اليونينية وفرعها: وهذه ابنته بالنون أو بيته بالموحدة المكسورة بدلها واحد البيوت، وشك الراوي فأتى باللفظين مع حرف الشك تحرّجًا من أن يجزم بلفظ هو فيه شاك، وللكشميهني أو أبيته بهمزة مفتوحة فموحدة ساكنة فتحتية مضمومة ففوقية بلفظ جمع القلة في البيت وهو شاذ. قال في المصابيح ويروى هذه أبنيته أو بيته بفتح الموحدة الأول جمع بناء والثاني واحد البيوت. وقال الحافظ ابن حجر في مناقب عليّ من وجه آخر: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم-، وفي رواية النسائي ولكن انظر إلى منزلته من رسول الله -صلّى اللّه عليه وسلّم- ليس في المسجد غير بيته قال: وهذا يدل على أنه تصحف على بعض الرواة فقرأها بنته بموحدة ثم نون ثم طرأ له الشك فقال بنته أو بيته والمعتمد أنه البيت فقط لما ذكرنا من الروايات المصرحة بذلك وتأنيث اسم الإشارة باعتبار البقعة، وفيه بيان قربه من النبي -صلّى اللّه عليه وسلّم- مكانه ومكانًا.
- حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا بيانٌ أنّ وبرة حدّثه قال: حدّثني سعيد بن جبيرٍ قال: خرج علينا أو إلينا ابن عمر فقال رجلٌ: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمّدٌ -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقاتل المشركين وكان الدّخول عليهم فتنةً، وليس كقتالكم على الملك.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن يونس) هو ابن عبد الله بن يونس اليربوعي الكوفي قال: (حدّثنا زهير) هو ابن معاوية الجعفي قال: (حدّثنا بيان) بفتح الموحدة والتحتية المخففة وبعد الألف نون ابن بشر بموحدة مكسورة فمعجمة ساكنة (أن وبرة) بفتح الواو والموحدة والراء وقد تسكن الموحدة ابن عبد الرحمن المسلمي بضم الميم وسكون المهملة وباللام الحارثي (حدّثه قال: حدّثني) بالإفراد (سعيد بن جبير قال: خرج علينا أو إلينا) بالشك (ابن عمر فقال) له (رجل) سبق الخلف في اسمه قريبًا (كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال) ابن عمر ولأبي ذر قال (وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد -صلّى اللّه عليه وسلّم- يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس) القتال معه (كقتالهم) ولأبي ذر: وليس بقتالكم (على الملك) بضم الميم بل كان قتالًا على الدين لأن المشركين كانوا يفتنون المسلمين إما بالقتل واما بالحبس). [إرشاد الساري: 7/136-137]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ}
- أخبرنا عبدة بن عبد الله، أخبرنا سويدٌ، عن زهيرٍ، حدّثنا بيانٌ، أنّ وبرة، حدّثه سعيد بن جبيرٍ: أنّ رجلًا، قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرّحمن، كيف ترى في القتال في الفتنة؟ قال: «وهل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك أمّك، كان محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم يقاتل المشركين، وكان الدّخول فيهم فتنةً، وليس قتالكم إلّا على الملك»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/109]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ الله بما يعملون بصيرٌ}.
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: وإن يعد هؤلاء لحربك، فقد رأيتم سنّتي فيمن قاتلكم منهم يوم بدرٍ، وأنا عائدٌ بمثلها فيمن حاربكم منهم، فقاتلوهم حتّى لا يكون شركٌ ولا يعبد إلاّ اللّه وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد اللّه من الأرض وهو الفتنة {ويكون الدّين كلّه للّه} يقول: حتّى تكون الطّاعة والعبادة كلّها للّه خالصةً دون غيره.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} يعني: حتّى لا يكون شركٌ.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال أخبرنا هشيمٌ، عن يونس، عن الحسن، في قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال: الفتنة: الشّرك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} يقول: قاتلوهم حتّى لا يكون شركٌ، و{ويكون الدّين كلّه للّه} حتّى يقال: لا إله إلاّ اللّه، عليها قاتل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وإليها دعا.
- حدّثني محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال: حتّى لا يكون شركٌ.
- حدّثني الحارث، قال: حدّثنا عبد العزيز، قال: حدّثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال: حتّى لا يكون بلاءٌ.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه} أي لا يفتر مؤمنٌ عن دينه، ويكون التّوحيد للّه خالصًا ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، في قوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال: حتّى لا يكون كفرٌ {ويكون الدّين كلّه للّه} لا يكون مع دينكم كفرٌ.
- حدّثني عبد الوارث بن عبد الصّمد، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبان العطّار، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلامٌ عليك، فإنّي أحمد اللّه إليك الّذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد: فإنّك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه:
كان من شأن خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة، أنّ اللّه أعطاه النّبوّة، فنعم النّبيّ ونعم السّيّد، ونعم العشيرة، فجزاه اللّه خيرًا وعرّفنا وجهه في الجنّة، وأحيانا على ملّته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليها. وإنّه لمّا دعا قومه لما بعثه اللّه له من الهدى والنّور الّذي أنزل عليه، لم ينفروا منه أوّل ما دعاهم إليه، وكانوا يسمعون له حتّى ذكر طواغيتهم. وقدم ناسٌ من الطّائف من قريشٍ لهم أموالٌ، أنكر ذلك عليه ناسٌ، واشتدّوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانعطف عنه عامّة النّاس فتركوه، إلاّ من حفظه اللّه منهم وهم قليلٌ. فمكث بذلك ما قدّر اللّه أن يمكث، ثمّ ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتّبعه عن دين اللّه من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنةٌ شديدة الزّلزال، فافتتن من افتتن، وعصم اللّه من شاء منهم. فلمّا فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملكٌ صالحٌ يقال له النّجاشيّ لا يظلم أحدٌ بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك. وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريشٍ يتّجرون فيها، ومساكن لتجارتهم يجدون فيها رتاعًا من الرّزق وأمنًا ومتجرًا حسنًا. فأمرهم بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فذهب إليها عامّتهم لمّا قهروا بمكّة، وخافوا عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث ذلك سنواتٍ يشتدّون على من أسلم منهم. ثمّ إنّه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجالٌ من أشرافهم ومنعتهم، فلمّا رأوا ذلك استرخوا استرخاءةً عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أرض الحبشة مخافةً وفرارًا ممّا كانوا فيه من الفتن والزّلزال. فلمّا استرخي عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدّث بهذا الاسترخاء عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قد استرخي عمّن كان منهم بمكّة وأنّهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكّة وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون.
وإنّه أسلم من الأنصار بالمدينة ناسٌ كثيرٌ، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة، فلمّا رأت قريشٌ ذلك، توامرت على أن يفتنوهم، ويشدّوا عليهم، فأخذوهم وحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهدٌ شديدٌ، وكانت الفتنة الآخرة، فكانت ثنتين: فتنةً أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة حين أمرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها وأذن لهم في الخروج إليها، وفتنةً لمّا رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة ثمّ إنّه جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة سبعون نفسًا رءوس الّذين أسلموا، فوافوه بالحجّ، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه على: إنّا منك وأنت منّا، وعلى: أنّ من جاء من أصحابك أو جئتنا فإنّا نمنعك ممّا نمنع منه أنفسنا. فاشتدّت عليهم قريشٌ عند ذلك، فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة الّتي أخرج فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه وخرج هو، وهي الّتي أنزل اللّه فيها: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه}.
حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عروة بن الزّبير، أنّه كتب إلى الوليد: أمّا بعد: فإنّك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة، وعندي بحمد اللّه من ذلك علمٌ بكلّ ما كتبت تسألني عنه، وسأخبرك إن شاء اللّه، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه، ثمّ ذكر نحوه.
- حدّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد، قال: حدّثنا قيسٌ، عن الأعمش، عن مجاهدٍ: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} قال: يسافٌ ونائلة صنمان كانا يعبدان.
وأمّا قوله: {فإن انتهوا} فإنّ معناه: فإن انتهوا عن الفتنة، وهي الشّرك باللّه، وصاروا إلى الدّين الحقّ معكم {فإنّ اللّه بما يعملون بصيرٌ} يقول: فإنّ اللّه لا يخفى عليه ما يعملون من ترك الكفر والدّخول في دين الإسلام؛ لأنّه يبصركم ويبصر أعمالكم والأشياء كلّها متجلّيةٌ له لا تغيب عنه ولا يعزب عنه مثقال ذرّةٍ في السّموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاّ في كتابٍ مبينٍ.
وقد قال بعضهم: معنى ذلك: فإن انتهوا عن القتال.
والّذي قلنا في ذلك أولى بالصّواب؛ لأنّ المشركين وإن انتهوا عن القتال، فإنّه كان فرضًا على المؤمنين قتالهم حتّى يسلموا). [جامع البيان: 11/178-183]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصيرٌ (39)
قوله تعالى: وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبي ظبيان قال: جاء رجلٌ إلى سعدٍ فقال له: ألا تخرج تقاتل مع النّاس حتّى لا تكون فتنةٌ؟ فقال سعدٌ: قد قاتلت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى لم تكن فتنةٌ، فأمّا أنت وذا البطين تريدون أن أقاتل حتّى تكون فتنةٌ. وروي عن ابن عمر مثل ذلك.
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجابٌ بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روقٍ عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ قال: يقول: يعني حتّى لا يكون شركٌ باللّه وروي عن أبي العالية- ومجاهدٍ والحسن وقتادة والرّبيع بن أنسٍ والسّدّيّ ومقاتل بن حيّان وزيد بن أسلم نحو قول ابن عبّاسٍ.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ ثنا محمّد بن عمرٍو زنيجٌ ثنا سلمة عن محمّد بن إسحاق قال: بلغني عن الزّهريّ عن عروة بن الزّبير وغيره من العلماء أنّه أنزل عليه وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ أي حتّى لا يفتن مؤمنٌ عن دينه.
قوله تعالى: ويكون الدّين كلّه للّه
- حدّثنا أبو زرعة ثنا منجاب بن الحارث أنبأ بشر بن عمارة عن أبي روقٍ عن الضّحّاك عن ابن عبّاسٍ في قوله: ويكون الدّين كلّه للّه قال: يخلص التّوحيد للّه عزّ وجلّ.
- حدّثنا أبي ثنا محبوب بن موسى الأنطاكيّ ثنا أبو إسحاق الفزاريّ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله: ويكون الدّين كلّه للّه قال: لا إله إلا اللّه.
قرأت على محمّد بن الفضل ثنا محمّد بن عليٍّ ثنا محمّد بن مزاحمٍ حدّثنا بكير بن معروفٍ عن مقاتل بن حيّان قوله: فإن انتهوا عن قتالكم وأسلموا.
- حدّثنا أبي ثنا أبو حذيفة ثنا شبابة عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: فإن انتهوا قال: فإن تابوا). [تفسير القرآن العظيم: 5/1700-1701]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) )
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [الآية (40) : قوله تعالى: {وإن تولّوا فاعلموا أنّ الله مولاكم نعم المولى ونعم النّصير} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: أمّنا عبد اللّه بن مسعودٍ في صلاة العشاء الآخرة، فافتتح الأنفال فقرأ حتّى بلغ: {نعم المولى ونعم النّصير}، ركع، ثمّ قام فقرأ في الركعة الثانية بسورة). [سنن سعيد بن منصور: 5/213]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير}.
يقول تعالى ذكره: وإن أدبر هؤلاء المشركون عمّا دعوتموهم إليه أيّها المؤمنون من الإيمان باللّه ورسوله وترك قتالكم على كفرهم، فأبوا إلاّ الإصرار على الكفر وقتالكم، فقاتلوهم وأيقنوا أنّ اللّه معينكم عليهم وناصركم. {نعم المولى} هو لكم، يقول: نعم المعين لكم ولأوليائه {ونعم النّصير} وهو النّاصر.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وإن تولّوا} عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم فإنّ اللّه {هو مولاكم} الّذي أعزّكم ونصركم عليهم يوم بدرٍ في كثرة عددهم وقلّة عددكم. {نعم المولى ونعم النّصير}). [جامع البيان: 11/183-184]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير (40)
قوله تعالى: وإن تولّوا
- حدّثنا أبي ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث ثنا معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ وإن تولّوا يعني: الكفّار، تولّوا عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس ثنا محمّد بن عمرٍو ثنا سلمة عن ابن إسحاق حدّثنا يحيى بن عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير عن أبيه وإن تولّوا عن أمرك إلى ما هم عليه من كفرهم.
قوله تعالى: فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ ثنا معاوية ثنا الأعمش عن شقيقٍ قال: قال لي: يا سليمان نعم الرّبّ ربّنا لو أطعناه ما عصانا.
- حدّثنا أبي ثنا الحسن بن الرّبيع ثنا عبد اللّه بن إدريس عن ابن إسحاق فاعلموا أنّ اللّه مولاكم الّذي أعزّكم في اليوم الّذي كان قبله يعني: بدرا ومولاكم نعم المولى ونعم النصير). [تفسير القرآن العظيم: 5/1701-1702]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27 ربيع الثاني 1434هـ/9-03-2013م, 11:12 AM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }


تفسير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) )

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله} [آية: 36]
قال مجاهد يعني أبا سفيان وما أنفق على أصحابه يوم أحد). [معاني القرآن: 3/153]

تفسير قوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) )
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {فيركمه جميعاً} مجازه: فيجمعه بعضه فوق بعض أجمع). [مجاز القرآن: 1/246]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت: 215هـ) : ( {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعاً فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون}
وقال: {ليميّز اللّه الخبيث من الطّيّب} جعله من "ميّز" مثقلة وخففها بعضهم فقال: {ليميز} من "ماز" "يميز" وبها نقرأ). [معاني القرآن: 2/27]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت: 237هـ) : ( {فيركمه جميعا}: من الركام، يجعل بعضه على بعض). [غريب القرآن وتفسيره: 158]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ) : ( {فيركمه جميعاً} أي يجعله ركاما بعضه فوق بعض). [تفسير غريب القرآن: 179]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون}
أي ليميز ما أنفقه المؤمنون في طاعة الله مما أنفقه المشركون في معصية اللّه، {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا}.
[معاني القرآن: 2/412]
والركم أن يجعل بعض الشيء على بعض، ويقال ركمت الشيء أركمه ركما، والرّكام الاسم.
{فيجعله في جهنّم}.
أي يجعل بعض ما أنفقه المشركون على بعض، ويجعل عليهم في النار، فيكون مما يعذبون به، كما قال جلّ وعزّ: ( {فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} ). [معاني القرآن: 2/413]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا} [آية: 37]
يقال ركمت الشيء إذا جعلت بعضه فوق بعض
[معاني القرآن: 3/153]
39 - وقوله جل وعز: {فيجعله في جهنم} [آية: 37]
أي الخبيث ليعذبوا به
ويعني بالخبيث الكفار كذا قال ابن عباس ميز أهل السعادة من أهل الشقاء أي بأن أسكن هؤلاء الجنة وهؤلاء النار
أي فيجعل الكفار بعضهم فوق بعض فيجعلهم ركاما أي يجمع بعضهم إلى بعض حتى يكثروا، أولئك رده إلى الكافرين، ورد فيجعله إلى الخبيث على لفظه ليعذبوا به كما قال تعالى:
{فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} ). [معاني القرآن: 3/154]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت: 437هـ): ( {فَيَرْكُمَهُ}: يجعل بعضه على بعض). [العمدة في غريب القرآن: 143]

تفسير قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) )
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : (وقوله جل وعز: {وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين} [آية: 38]
قال مجاهد يوم بدر للأمم قبل ذلك فقد فرق الله جل وعز بين الحق والباطل). [معاني القرآن: 3/154]

تفسير قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدّين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصير}
أي حتى لا يفتن الناس فتنة كفر.
ويدلّ على معنى فتنة كفر قوله عز وجلّ: {ويكون الدّين كلّه للّه} ). [معاني القرآن: 2/413]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( وقوله جل وعز: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [آية: 39]
[معاني القرآن: 3/154]
المعنى حتى لا تكون فتنة كفر ودل على هذا الحذف قوله تعالى: {ويكون الدين كله لله} ). [معاني القرآن: 3/155]

تفسير قوله تعالى: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) )
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت: 311هـ) : (وقوله: {وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير}
المعنى: فإن أقاموا على كفرهم وعداوتهم فاعلموا أن الله مولاكم، أي هو المولى لكم، فلا تضركم معاداتهم). [معاني القرآن: 2/413]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت: 338هـ) : ( ثم قال جل وعز: {وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} [آية: 40]
أي وإن عادوا إلى الكفر وعداوتكم فاعلموا أن الله مولاكم أي وليكم وناصركم فلا تضركم عداوتهم). [معاني القرآن: 3/155]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 6 جمادى الأولى 1434هـ/17-03-2013م, 07:32 PM
ريم الحربي ريم الحربي غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
الدولة: بلاد الحرمين
المشاركات: 2,656
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) }


تفسير قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) }
قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (وتقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض فله ثلاثة أوجهٍ في النصب:
إن شئت جعلت فوق في موضع الحال كأنه قال علمت متاعك وهو بعضه على بعض أي في هذه الحال كما جعلت ذلك في رأيت في رؤية
العين. وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه رأيت زيدا وجهه أحسن من وجه فلان تريد رؤية القلب.
وإن شئت نصبته على أنّك إذا قلت جعلت متاعك يدخله معنى ألقيت فيصير كأنّك قلت ألقيت متاعك بعضه فوق بعض لأنّ ألقيت كقولك أسقطت متاعك بعضه على بعضٍ وهو مفعولٌ من قولك سقط متاعك بعضه على بعضٍ فجرى كما جرى صككت الحجرين أحدهما بالآخر. فقولك بالآخر ليس في موضع اسمٍ هو الأوّل ولكنّه في موضع الاسم الآخر في قولك صكّ الحجران أحدهما الآخر ولكّنك أوصلت الفعل بالباء كما أنّ مررت بزيدٍ الاسم منه في موضع اسمٍ منصوبٍ.
ومثل هذا طرحت المتاع بعضه على بعضٍ لأن معناه أسقطت فأجرى مجراه وإن لم يكن من لفظه فاعلٌ. وتصديق ذلك قوله عزّ وجلّ: {ويجعل الخبيث بعضه على بعض} ). [الكتاب: 1/156-157]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وكل بابٍ فأصله شيءٌ واحدٌ، ثم تدخل عليه دواخل؛ لاجتماعها في المعنى. وسنذكر إن كيف صارت أحق بالجزاء? كما أن الألف أحق بالاستفهام، وإلا أحق بالاستثناء، والواو أحق بالعطف مفسراً إن شاء الله في هذا الباب الذي نحن فيه.
فأما إن فقولك: إن تأتني آتك، وجب الإتيان الثاني بالأول، وإن تكرمني أكرمك، وإن تطع الله يغفر لك، كقوله عز وجل: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم} {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم}.
والمجازاة ب إذما قولك: إذما تأتني آتك؛ كما قال الشاعر:
إذ ما أنيت على الرسول فقل له = حقاً عليك إذا اطمأن المجلـس
ولا يكون الجزاء في إذ ولا في حيث بغير ما؛ لأنهما ظرفان يضافان إلى الأفعال. وإذا زدت على كل واحد منهما ما منعتا الإضافة فعملتا. وهذا في آخر الباب يشرح بأكثر من هذا الشرح إن شاء الله.
وأما المجازاة بـ (من) فقوله عز وجل: {ومن يتق الله يجعل له مخرجاً} وقوله: {فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً}.
وبـ (ما) قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمةٍ فلا ممسك لها}.
وبـ أين قوله عز وجل: {أينما تكونوا يدرككم الموت}. وقال الشاعر:
أين تضرب بنا العداة تجـدنـا = نصرف العيس نحوها للتلاقي
وبـ أنى قوله:
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بـهـا = كلا مركبيها تحت رجليك شاجر
ومن حروف المجازاة مهما. وإنما أخرنا ذكرها؛ لأن الخليل زعم أنها ما مكررة، وأبدلت من الألف الهاء. وما الثانية زائدة على ما الأولى؛ كما تقول: أين وأينما، ومتى ومتى ما، وإن وإما، وكذلك حروف المجازاة إلا ما كان من حيثما وإذما. فإن ما فيهما لازمة. لا يكونان للمجازاة إلا بها، كما تقع رب على الأفعال إلا بـ ما في قوله: {ربما يود الذين كفروا}، ولو حذفت منها ما لم تقع إلا على الأسماء النكرات، نحو: رب رجل يا فتى.
والمجازاة بـ(أي) قوله: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ). [المقتضب: 2/45-48]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما إذا فتحتاج إلى الابتداء والجواب. تقول: إذا جاءني زيد أكرمته. وإذا يجيء زيد أعطيته.
و إنما منع إذا من أن يجازى بها؛ لأنها مؤقتة وحروف الجزاء مبهمة، ألا ترى أنك إذا قلت: إن تأتني آتك فأنت لا تدري أيقع منه إتيان أم لا? وكذلك من أتاني أتيته. إنما معناه: إن يأتني واحد من الناس آته.
فإذا قلت: إذا أتيتني وجب أن يكون الإتيان معلوماً؛ ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {إذا السماء انفطرت}، و{إذا الشمس كورت} و{إذا السماء انشقت} أن هذا واقع لا محالة.
و لا يجوز أن يكون في موضع هذا إن، لأن الله عز وجل يعلم، وإن إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به المخبر. وليس هذا مثل قوله: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} لأن هذا راجع إليهم). [المقتضب: 2/54-55] (م)
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (هذا باب مسائل المجازاة وما يجوز فيها وما يمتنع منها
تقول: إن تأتني آتك، وإن تأتني فلك درهم. هذا وجه الجزاء وموضعه. كما قال عز وجل {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين}.
فالأصل الفعل، والفاء داخلةٌ عليه؛ لأنها تؤدي معناه؛ لأنها لا تقع إلا ومعنى الجزاء فيها موجود، يقول الرجل: قد أعطيتك درهماً، فتقول: فقد أعطيتك ديناراً. أي من أجل ذاك. ويقول: لم أغث أمس فتقول: فقد أتاك الغوث اليوم. ونقول: إن أتيتني فلك درهمٌ، لأن معناه: إن تأتني. ولو قلت: إن أتيتني آتك لصلح؛ كما قال الله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم}، لأن معناه: من يكن. وكذلك لو قال: من يأتني أتيته لجاز، والأول أحسن؛ لتباعد هذا عن حرف الجزاء. وهو جائز؛ كما قال الشاعر:
من يكدني بسيىءٍ كنت منه = كالشجا بين حلقه والوريد).
[المقتضب: 2/58]

تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) }

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }
قال محمد بن المستنير البصري (قطرب) (ت:206هـ): (والمولى من أعتقته، والمولى: من أعتقك أيضا). [الأضداد: 97]
قالَ محمَّدُ بنُ القاسمِ بنِ بَشَّارٍ الأَنْبَارِيُّ: (ت: 328 هـ): (
ومولى على ضنك المقام نصرته = إذا النكس أكبى زنده فتذبذبا
...
والمولى: ابن العم والمولى: الولي والمولى: المعتق والمولى: المعتق والمولى: الحليف). [شرح المفضليات: 733] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:07 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً ثمّ يغلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون (36)
قال بعض الرواة منهم ابن أبزى وابن جبير والسدي ومجاهد: سبب نزول هذه الآية أن أبا سفيان أنفق في غزوة أحد على الأحابيش وغيرهم أربعين أوقية من الذهب أو نحو هذا، وأن الآية نزلت في ذلك، وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في العير: إن محمدا قد نال منا ما ترون، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الواقعة، فلعلنا أن ننال منه ثأرا، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى القولين فإنما أنفق المال في غزوة أحد، فأخبر الله تعالى في هذه الآية خبرا لفظه عام في الكفار، والإشارة به إلى مخصوصين أنهم ينفقون أموالهم يقصدون بذلك الصد عن سبيل الله والدفع في صدر الإسلام، ثم أخبر خبرا يخص المشار إليهم أنهم ينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، إذ لا تتم لهم إرادة ويذهب المال باطلا، والحسرة التلهف على الفائت، ويحتمل أن تكون الحسرة في يوم القيامة، والأول أظهر وإن كانت حسرة القيامة راتبة عليهم، ثم أخبر أنهم يغلبون بعد ذلك، بأن تكون الدائرة عليهم، وهذا من إخبار القرآن بالغيوب لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر، قال ابن سلام: بين الله عز وجل أنهم يغلبون قبل أن يقاتلوا بسنة، حكاه الزهراوي، ثم أخبر تعالى عن الكافرين أنهم يجمعون إلى جهنم، والحشر جمع الناس والبهائم إلى غير ذلك مما يجمع ويحضر، ومنه قوله وحشرنا عليهم كلّ شيءٍ قبلًا [الأنعام: 111] ومنه في التفسير: أن السلوى طائر كانت الجنوب تحشره على بني إسرائيل، والقوم الذين جلبهم أبو سفيان وأنفق المال عليهم هم الأحابيش من كنانة، ولهم يقول كعب بن مالك: [الطويل]
وجئنا إلى موج من البحر وسطه = أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن قصية = ثلاث مئين إن كثرن وأربع
وقال الضحاك وغيره: إن هذه الآية نزلت في نفقة المشركين الخارجين إلى بدر الذين كانوا يذبحون يوما عشرا ويوما تسعا من الإبل، وحكى نحو هذا النقاش). [المحرر الوجيز: 4/ 186-187]

تفسير قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله عز وجل: ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعاً فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون (37) قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنّت الأوّلين (38) وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصيرٌ (39) وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير (40)
قرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر «ليميز» بفتح الياء وكسر الميم، وهي قراءة الأعرج وأبي جعفر وشيبة بن نصاح وشبل وأبي عبد الرحمن والحسن وعكرمة ومالك بن دينار، تقول مزت الشيء، والعرب تقول مزته فلم يتميز لي، حكاه يعقوب وفي شاذ القراءة وانمازوا اليوم، وأنشد أبو زيد: [البسيط]
لما ثنى الله عني شرّ عدوته = وانمزت لا منشئا ذعرا ولا وجلا
وهو مطاوع ماز، وقرأ حمزة والكسائي «ليميّز» بضم الياء وفتح الميم وشد الياء، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرف والأعمش والحسن أيضا وعيسى البصري، تقول ميزت أميز إذا فرقت بين شيئين فصاعدا، وفي القرآن تميّز من الغيظ [الملك: 8] فهو مطاوع ميز ومعناه تتفصل، وقال ابن عباس رضي الله عنه والسدي، المعنيّ ب الخبيث الكفار وب الطّيّب المؤمنون.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: واللام على هذا التأويل من قوله ليميز متعلقة ب يحشرون [الأنفال: 36]، والمعنى أن الله يحشر الكافرين إلى جهنم ليميز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعا فيلقيهم في جهنم، ثم أخبر عنهم أنهم هم الخاسرون أي الذين خابت سعايتهم وتبت أيديهم وصاروا إلى النار، وقال ابن سلام والزجّاج:
المعنيّ ب الخبيث المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطّيّب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: واللام على هذا التأويل من قوله ليميز متعلقة ب يغلبون [الأنفال: 36]، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى على هذا التأويل ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ إلى قوله في جهنّم مترتب على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار، وحكى الزهراوي عن الحسن أن الكفار يعذبون بذلك المال، فهي كقوله فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم [التوبة: 35] وقاله الزجّاج: وعلى التأويلين فقوله ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعاً إنما هي عبارة عن جمع ذلك وضمه وتأليف أشتاته وتكاثفه بالاجتماع، ويركمه في كلام العرب يكثفه، ومنه سحاب مركوم وركام، ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]
... ... ... ... = زع بالزمام وجوز الليل مركوم
وقوله ويجعل الخبيث بمعنى يلقي، قاله أبو علي، أولئك هم الخاسرون على هذا التأويل يراد المنافقون من الكفار، ولفظة الخسارة تليق بهم من جهة المال وبغير ذلك من الجهات). [المحرر الوجيز: 4/ 187-189]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله قل للّذين كفروا الآية، أمر من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى الذي تضمنه ألفاظ قوله إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وسواء قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العبارة أو غيرها، ولو كان الكلام كما ذكر الكسائي أنه في مصحف ابن مسعود «قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لكم» لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ، وقوله إن ينتهوا يريد به عن الكفر ولا بد، والحامل على ذلك جواب الشرط ب يغفر لهم ما قد سلف، ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر، وقوله إن يعودوا يريد به إلى القتال لأن لفظة عاد يعود إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان الإنسان عليها ثم تنقّل عنها.
ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال، ولا يصح أن يتأول وإن يعودوا إلى الكفر لأنهم لم ينفصلوا عنه وإنما قلنا في عاد إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر بمنزلة صار، وذلك كما تقول عاد زيد ملكا تريد صار، ومنه قول أبي الصلت:
تلك المكارم لا قعبان من لبن = شبيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل، لكنها مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونه، فحكمها حكم صار، وقوله فقد مضت سنّت الأوّلين عبارة بجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله حين صد في وجه نبيه وبمن هلك في يوم بدر بسيف الإسلام والشرع، والمعنى فقد رأيتم وسمعتم عن الأمم ما حل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والتخويف عليهم بقصة بدر أشد إذ هي القريبة منهم والمعاينة عندهم وعليها نص ابن إسحاق والسدي). [المحرر الوجيز: 4/ 189-190]

تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ الآية، أمر من الله عز وجل فرض به على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار، و «الفتنة» قال ابن عباس وغيره معناها الشرك، وقال ابن إسحاق: معناها حتى لا يفتن أحد عن دينه كما كانت قريش تفعل بمكة بمن أسلم كبلال وغيره، وهو مقتضى قول عروة بن الزبير في جوابه لعبد الملك بن مروان حين سأله عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرا، وقوله ويكون الدّين كلّه للّه أي لا يشرك معه صنم ولا وثن ولا يعبد غيره، وقال قتادة حتى تستوسق كلمة الإخلاص لا إله إلا الله.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه المعاني تتلازم كلها، وقال الحسن: حتى لا يكون بلاء، وهذا يلزم عليه القتال في فتن المسلمين الفئة الباغية، على سائر ما ذكرناه من الأقوال يكون المعتزل في فسحة، وعلى هذا جاء قول عبد الله بن عمر رضي الله عنه أما نحن فقد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وأما أنت وأصحابك فتريدون أن نقاتل حتى تكون فتنة.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فمذهب عمر أن «الفتنة» الشرك في هذه الآية وهو الظاهر، وفسر هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله»، ومن قال المعنى حتى لا يكون شرك فالآية عنده يريد بها الخصوص فيمن لا يقبل منه جزية، قال ابن سلام: وهي في مشركي العرب، ثم قال الله تعالى: فإن انتهوا أي عن الكفر فإن الله بصير بعملهم مجاز عليه، عنده ثوابه وجميل المعاوضة عليه وقرأ يعقوب بن إسحاق وسلام بن سليمان «بما تعملون» بالتاء أي في قتالكم وجدكم وجلادكم عن دينه). [المحرر الوجيز: 4/ 190-191]

تفسير قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: وإن تولّوا الآية، معادل لقوله فإن انتهوا، والمعنى فإن انتهوا عن الكفر فالله مجازيهم أو مجازيكم على قراءة «تعملون»، وإن تولوا ولم ينتهوا فاعلموا أن الله ينصركم عليهم، وهذا وعد محض بالنصر والظفر، أي فجدوا، و «المولى» هاهنا الموالي والمعين، والمولى في اللغة على معان هذا هو الذي يليق بهذا الموضع منها، والمولى الذي هو السيد المقترن بالعبد يعم المؤمنين والمشركين). [المحرر الوجيز: 4/ 191]


رد مع اقتباس
  #9  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:08 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 18 شعبان 1435هـ/16-06-2014م, 02:08 PM
أم إسماعيل أم إسماعيل غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 4,592
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل اللّه فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً ثمّ يغلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون (36) ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب ويجعل الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعًا فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون (37)}
قال محمّد بن إسحاق: حدّثني الزّهريّ، ومحمّد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرّحمن بن عمرو بن سعيد بن معاذٍ، قالوا: لمّا أصيبت قريشٌ يوم بدرٍ، ورجع فلّهم إلى مكّة، ورجع أبو سفيان بعيره، مشى عبد اللّه بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهلٍ وصفوان بن أميّة، في رجالٍ من قريشٍ أصيب آباؤهم، وأبناؤهم وإخوانهم ببدرٍ، فكلّموا أبا سفيان بن حربٍ ومن كانت له في تلك العير من قريشٍ تجارةٌ، فقالوا: يا معشر قريشٍ، إنّ محمّدًا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلّنا أن ندرك منه ثأرًا بمن أصيب منّا! ففعلوا. قال: ففيهم -كما ذكر عن ابن عبّاسٍ -أنزل اللّه، عزّ وجلّ: {إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم [ليصدّوا عن سبيل الله]} إلى قوله: {والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون}
وهكذا روي عن مجاهدٍ، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والسّدّي، وابن أبزى: أنّها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الضّحّاك: نزلت في أهل بدرٍ.
وعلى كلّ تقديرٍ، فهي عامّةٌ. وإن كان سبب نزولها خاصًّا، فقد أخبر تعالى أنّ الكفّار ينفقون أموالهم ليصدّوا عن اتّباع طريق الحقّ، فسيفعلون ذلك، ثمّ تذهب أموالهم، {ثمّ تكون عليهم حسرةً} أي: ندامةً؛ حيث لم تجد شيئًا؛ لأنّهم أرادوا إطفاء نور اللّه وظهور كلمتهم على كلمة الحقّ، واللّه متمٌّ نوره ولو كره الكافرون، وناصرٌ دينه، ومعلن كلمته، ومظهرٌ دينه على كلّ دينٍ. فهذا الخزي لهم في الدّنيا، ولهم في الآخرة عذاب النّار، فمن عاش منهم، رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي والعذاب السّرمديّ؛ ولهذا قال: {فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرةً ثمّ يغلبون والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون}). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 53]

تفسير قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله تعالى: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب} قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبّاسٍ في قوله: {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب} فيميز أهل السّعادة من أهل الشّقاء وقال السّدّي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التّمييز في الآخرة، كما قال تعالى: {ثمّ نقول للّذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيّلنا بينهم} [يونس:28]،وقال تعالى {ويوم تقوم السّاعة يومئذٍ يتفرّقون} [الرّوم: 14]، وقال في الآية الأخرى: {يومئذٍ يصّدّعون} [الرّوم43]، وقال تعالى: {وامتازوا اليوم أيّها المجرمون} [يس:59].
ويحتمل أن يكون هذا التّمييز في الدّنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون "اللّام" معلّلةً لما جعل اللّه للكفّار من مالٍ ينفقون في الصّدّ عن سبيل اللّه، أي: إنّما أقدرناهم على ذلك؛ {ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب} أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنّكول عن ذلك كما قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن اللّه وليعلم المؤمنين وليعلم الّذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتّبعناكم} الآية [آل عمران:166، 167]، وقال تعالى: {ما كان اللّه ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتّى يميز الخبيث من الطّيّب وما كان اللّه ليطلعكم على الغيب} الآية [آل عمران: 179]، وقال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنّة ولمّا يعلم اللّه الّذين جاهدوا منكم ويعلم الصّابرين} [آل عمران: 142] ونظيرتها في براءة أيضًا.
فمعنى الآية على هذا: إنّما ابتليناكم بالكفّار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميّز الخبيث من الطّيّب، فيجعل الخبيث بعضه على بعضٍ، {فيركمه} أي: يجمعه كلّه، وهو جمع الشّيء بعضه على بعضٍ، كما قال تعالى في السّحاب: {ثمّ يجعله ركامًا} [النّور:43] أي: متراكمًا متراكبًا، {فيجعله في جهنّم أولئك هم الخاسرون} أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدّنيا والآخرة).[تفسير القرآن العظيم: 4/ 54]

تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنّة الأوّلين (38) وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه فإن انتهوا فإنّ اللّه بما يعملون بصيرٌ (39) وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير (40)}
يقول تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {قل للّذين كفروا إن ينتهوا} أي: عمّا هم فيه من الكفر والمشاقّة والعناد ويدخلوا في الإسلام والطّاعة والإنابة، يغفر لهم ما قد سلف، أي: من كفرهم، وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصّحيح، من حديث أبي وائلٍ عن ابن مسعودٍ؛ أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال: "من أحسن في الإسلام، لم يؤاخذ بما عمل في الجاهليّة، ومن أساء في الإسلام، أخذ بالأول والآخر"
وفي الصّحيح أيضًا: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: " الإسلام يجبّ ما قبله والتّوبة تجبّ ما كان قبلها".
وقوله: {وإن يعودوا} أي: يستمرّوا على ما هم فيه، {فقد مضت سنّة الأوّلين} أي: فقد مضت سنّتنا في الأوّلين أنّهم إذا كذّبوا واستمرّوا على عنادهم، أنّا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.
وقوله: {فقد مضت سنّة الأوّلين} أي: في قريشٍ يوم بدرٍ وغيرها من الأمم. وقال السّدّيّ ومحمّد بن إسحاق: أي: يوم بدرٍ). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 54-55]

تفسير قوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه} قال البخاريّ: حدّثنا الحسن بن عبد العزيز، حدّثنا عبد اللّه بن يحيى، حدّثنا حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرٍو، عن بكير، عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ أنّ رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرّحمن، ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} الآية [الحجرات:9]، فما يمنعك ألّا تقاتل كما ذكر اللّه في كتابه؟ فقال: يا ابن أخي، أعيّر بهذه الآية ولا أقاتل، أحبّ إليّ من أن أعيّر بالآية الّتي يقول اللّه، عزّ وجلّ: {ومن يقتل مؤمنًا متعمّدًا} إلى آخر الآية [النّساء:93]، قال: فإنّ اللّه تعالى يقول: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ}؟ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كان الإسلام قليلًا وكان الرّجل يفتن في دينه: إمّا أن يقتلوه، وإمّا أن يوثقوه، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنةٌ، فلمّا رأى أنّه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في عليٍّ وعثمان؟ قال ابن عمر: ما قولي في عليٍّ وعثمان؟ أمّا عثمان فكان اللّه قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو عنه، وأمّا عليٌّ فابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وختنه -وأشار بيده -وهذه ابنته أو: بنته- حيث ترون.
وحدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا زهير، حدّثنا بيان أنّ وبرة حدّثه قال: حدّثني سعيد بن جبير قال: خرج علينا -أو: إلينا -ابن عمر، رضي اللّه عنهما، فقال رجلٌ: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم يقاتل المشركين، وكان الدّخول عليهم فتنةً، وليس بقتالكم على الملك.
هذا كلّه سياق البخاريّ، رحمه اللّه
وقال عبيد اللّه، عن نافعٍ، عن ابن عمر؛ أنّه أتاه رجلان في فتنة ابن الزّبير فقالا إنّ النّاس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطّاب، وأنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أنّ اللّه حرّم عليّ دم أخي المسلم. قالوا: أو لم يقل اللّه: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه}؟
قال: قد قاتلنا حتّى لم تكن فتنةٌ، وكان الدّين كلّه للّه، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنةٌ، ويكون الدّين لغير اللّه.
وكذا رواه حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيدٍ، عن أيّوب بن عبد اللّه اللّخميّ قال: كنت عند عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، فأتاه رجلٌ فقال: إنّ اللّه يقول: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه} فقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتّى كان الدّين كلّه للّه، وذهب الشّرك ولم تكن فتنةٌ، ولكنّك وأصحابك تقاتلون حتّى تكون فتنةٌ، ويكون الدّين لغير اللّه. رواهما ابن مردويه.
وقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التّيمي، عن أبيه قال: قال ذو البطين -يعني أسامة بن زيدٍ -لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلّا اللّه أبدًا. قال: فقال سعد بن مالكٍ: وأنا واللّه لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلّا اللّه أبدًا. فقال رجلٌ: ألم يقل اللّه: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه}؟ فقالا قد قاتلنا حتّى لم تكن فتنةٌ، وكان الدّين كلّه للّه. رواه ابن مردويه.
وقال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ} يعني: [حتّى] لا يكون شركٌ، وكذا قال أبو العالية، ومجاهدٌ، والحسن، وقتادة، والرّبيع عن أنسٍ، والسّدّيّ، ومقاتل بن حيّان، وزيد بن أسلم.
وقال محمّد بن إسحاق: بلغني عن الزّهريّ، عن عروة بن الزّبير وغيره من علمائنا: {حتّى لا تكون فتنةٌ} حتّى لا يفتن مسلمٌ عن دينه.
وقوله: {ويكون الدّين كلّه للّه} قال الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ في هذه الآية، قال: يخلص التّوحيد للّه.
وقال الحسن وقتادة، وابن جريج: {ويكون الدّين كلّه للّه} أن يقال: لا إله إلّا اللّه.
وقال محمّد بن إسحاق: ويكون التّوحيد خالصًا للّه، ليس فيه شركٌ، ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم: {ويكون الدّين كلّه للّه} لا يكون مع دينكم كفرٌ.
ويشهد له ما ثبت في الصّحيحين عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال: "أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا: لا إله إلّا اللّه، فإذا قالوها، عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها، وحسابهم على اللّه، عزّ وجلّ" وفي الصّحيحين عن أبي موسى الأشعريّ قال: سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الرّجل يقاتل شجاعةً ويقاتل حميّة، ويقاتل رياءً، أيّ ذلك في سبيل اللّه، عزّ وجلّ؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا، فهو في سبيل اللّه، عزّ وجلّ"
وقوله: {فإن انتهوا} أي: بقتالكم عمّا هم فيه من الكفر، فكفّوا عنه وإن لم تعلموا بواطنهم، {فإنّ الله بما يعملون بصيرٌ} كما قال تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصّلاة وآتوا الزّكاة فخلّوا سبيلهم إنّ اللّه غفورٌ رحيمٌ} [التّوبة:5]، وفي الآية الأخرى: {فإخوانكم في الدّين} [التّوبة:11].
وقال: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظّالمين} [البقرة:193]. وفي الصّحيح أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأسامة -لمّا علا ذلك الرّجل بالسّيف، فقال: "لا إله إلّا اللّه"، فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول اللّه -فقال لأسامة: "أقتلته بعد ما قال: لا إله إلّا اللّه؟ وكيف تصنع بلا إله إلّا اللّه يوم القيامة؟ " قال: يا رسول اللّه، إنّما قالها تعوّذًا. قال: "هلّا شققت عن قلبه؟ "، وجعل يقول ويكرّر عليه: "من لك بلا إله إلّا اللّه يوم القيامة؟ " قال أسامة: حتّى تمنّيت أنّي لم أكن أسلمت إلّا ذلك اليوم
وقوله: {وإن تولّوا فاعلموا أنّ اللّه مولاكم نعم المولى ونعم النّصير} أي: وإن استمرّوا على خلافكم ومحاربتكم، {فاعلموا أنّ اللّه مولاكم} سيّدكم وناصركم على أعدائكم، فنعم المولى ونعم النّصير.
وقال محمّد بن جريرٍ: حدّثني عبد الوارث بن عبد الصّمد، حدّثنا أبي، حدّثنا أبانٌ العطّار، حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة: أنّ عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: "سلامٌ عليك، فإنّي أحمد إليك اللّه الّذي لا إله إلّا هو. أمّا بعد، فإنّك كتبت إليّ تسألني عن مخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه. كان من شأن مخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكّة، أنّ اللّه أعطاه النّبوّة، فنعم النّبيّ، ونعم السّيّد، ونعم العشيرة، فجزاه اللّه خيرًا، وعرّفنا وجهه في الجنّة، وأحيانا على ملّته، وأماتنا عليها، وبعثنا عليه وإنّه لمّا دعا قومه لما بعثه اللّه له من الهدى والنّور الّذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أوّل ما دعاهم إليه، وكادوا يسمعون منه، حتّى ذكر طواغيتهم، وقدم ناسٌ من الطّائف من قريشٍ، لهم أموالٌ، أنكر ذلك عليه النّاس واشتدّوا عليه وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامّة النّاس، فتركوه إلّا من حفظه اللّه منهم، وهم قليلٌ. فمكث بذلك ما قدّر اللّه أن يمكث، ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتّبعه عن دين اللّه من أبنائهم وإخوانهم، وقبائلهم، فكانت فتنةٌ شديدة الزّلزال، فافتتن من افتتن، وعصم اللّه من شاء منهم، فلمّا فعل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان بالحبشة ملكٌ صالحٌ يقال له: "النّجاشيّ"، لا يظلم أحدٌ بأرضه، وكان يثنى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريشٍ، يتّجرون فيها، وكانت مسكنًا لتجّارهم، يجدون فيها رفاغًا من الرّزق وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم بها النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فذهب إليها عامّتهم لمّا قهروا بمكّة، وخاف عليهم الفتن. ومكث هو فلم يبرح. فمكث بذلك سنواتٍ يشتدّون على من أسلم منهم. ثمّ إنّه فشا الإسلام فيها، ودخل فيه رجالٌ من أشرافهم ومنعتهم. فلمّا رأوا ذلك. استرخوا استرخاءةً عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعن أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي أخرجت من خرج من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا ممّا كانوا فيه من الفتن والزّلزال، فلمّا استرخي عنهم ودخل في الإسلام من دخل منهم، تحدّث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: أنّه: قد استرخي عمّن كان منهم بمكّة، وأنّهم لا يفتنون، فرجعوا إلى مكّة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون ويكثرون. وأنّه أسلم من الأنصار بالمدينة ناسٌ كثيرٌ، وفشا بالمدينة الإسلام، وطفق أهل المدينة يأتون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بمكّة، فلمّا رأت قريشٌ ذلك، تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدّوا، فأخذوهم، فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهدٌ شديدٌ، فكانت الفتنة الأخيرة، فكانت فتنتان: فتنةٌ أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بها، وأذن لهم في الخروج إليها -وفتنةٌ لمّا رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة. ثمّ إنّه جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من المدينة سبعون نقيبًا، رؤوس الّذين أسلموا، فوافوه بالحجّ، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم على أنّا منك وأنت منّا، وعلى أنّ من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنّا نمنعك ممّا نمنع منه أنفسنا، فاشتدّت عليهم قريشٌ عند ذلك، فأمر صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة الّتي أخرج فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه، وخرج هو، وهي الّتي أنزل اللّه، عزّ وجلّ، فيها: {وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنةٌ ويكون الدّين كلّه للّه}
ثمّ رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عبد الرّحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن عروة بن الزّبير: أنّه كتب إلى الوليد -يعني ابن عبد الملك بن مروان -بهذا، فذكر مثله وهذا صحيحٌ إلى عروة، رحمه الله). [تفسير القرآن العظيم: 4/ 55-58]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:19 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة