العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 08:43 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (38) إلى الآية (41) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (38) إلى الآية (41) ]

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:02 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذريّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء}
أمّا قوله: {هنالك دعا زكريّا ربّه} فمعناه: عند ذلك، أي عند رؤية زكريّا ما رأى عند مريم من رزق اللّه الّذي رزقها، وفضله الّذي آتاها من غير تسبّب أحدٍ من الآدميّين في ذلك لها، ومعاينته عندها الثّمرة الرّطبة الّتي لا تكون في حين رؤيته إيّاها عندها في الأرض، طمع في الولد مع كبر سنّه من المرأة العاقر، فرجا أن يرزقه اللّه منها الولد مع الحال الّتي هما بها، كما رزق مريم على تخلّيها من النّاس ما رزقها من ثمرة الصّيف في الشّتاء، وثمرة الشّتاء في الصّيف، وإن لم يكن مثله ممّا جرت بوجوده في مثل ذلك الحين العادات في الأرض، بل المعروف في النّاس غير ذلك، كما أنّ ولادة العاقر غير الأمر الجارية به العادات في النّاس، فرغب إلى اللّه جلّ ثناؤه في الولد، وسأله ذرّيّةً طيّبةً، وذلك أنّ أهل بيت زكريّا فيما ذكر لنا، كانوا قد انقرضوا في ذلك الوقت.
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: فلمّا رأى زكريّا من حالها ذلك يعني فاكهة الصّيف في الشّتاء، وفاكهة الشّتاء في الصّيف، قال: إنّ ربًّا أعطاها هذا في غير حينه، لقادرٌ على أن يرزقني ذرّيّةً طيّبةً، ورغب في الولد، فقام فصلّى، ثمّ دعا ربّه سرًّا، فقال: {ربّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرّأس شيبًا ولم أكن بدعائك ربّ شقيًّا وإنّي خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرًا فهب لي من لدنك وليًّا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّ رضيًّا}
وقوله: {ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء} وقال: {ربّ لا تذرني} فردًا وأنت خير الوارثين.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني يعلى بن مسلمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: فلمّا رأى ذلك زكريّا - يعني فاكهة الصّيف في الشّتاء، وفاكهة الشّتاء في الصّيف عند مريم - قال: إنّ الّذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه، قادرٌ أن يرزقني ولدًا، قال اللّه عزّ وجلّ: {هنالك دعا زكريّا ربّه} قال: فذلك حين دعا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمة، قال: فدخل المحراب، وغلّق الأبواب، وناجى ربّه، فقال: {ربّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرّأس شيبًا} إلى قوله: {ربّ رضيًّا} {" فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} الآية.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني بعض أهل العلم، قال: فدعا زكريّا عند ذلك بعد ما أسنّ، ولا ولد له، وقد انقرض أهل بيته، فقال: {ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء} ثمّ شكا إلى ربّه، فقال: {ربّ إنّي وهن العظم منّي واشتعل الرّأس شيبًا}، إلى: {واجعله ربّ رضيًّا}، {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب} الآية
وأمّا قوله: {ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً} فإنّه يعني بالذّرّيّة النّسل، وبالطّيّبة المباركة.
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً} يقول: مباركةً
وأمّا قوله: {من لدنك} فإنّه يعني من عندك.
وأمّا الذّرّيّة: فإنّها جمعٌ، وقد تكون في معنى الواحد، وهي في هذا الموضع واحد؛ وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ قال في موضعٍ آخر مخبرًا عن دعاء زكريّا: {فهب لي من لدنك وليًّا} ولم يقل أولياء، فدلّ على أنّه سأل واحدًا، وإنّما أنّث طيّبةً لتأنيث الذّرّيّة، كما قال الشّاعر:
أبوك خليفةٌ ولدته أخرى = وأنت خليفةٌ ذاك الكمال
فقال: ولدته أخرى، فأنّث، وهو ذكرٌ لتأنيث لفظ الخليفة، كما قال الآخر:
فما يزدري من حيّةٍ جبليّةٍ = سكابٍ إذا ما عضّ ليس بأدردا
فأنّث الجبليّة لتأنيث لفظ الحيّة، ثمّ رجع إلى المعنى فقال: إذا ما عضّ لأنّه كان أراد حيّةً ذكرًا، وإنّما يجوز هذا فيما لم يقع عليه فلانٌ من الأسماء كالدّابّة والذّرّيّة والخليفة، فأمّا إذا سمّي رجلٌ بشيءٍ من ذلك، فكان في معنى فلانٍ لم يجز تأنيث فعله ولا نعته.
وأمّا قوله: {إنّك سميع الدّعاء} فإنّ معناه أنّ سامع الدّعاء غير أنّ سميعًا أمدح، وهو بمعنى ذو سمعٍ له.
وقد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ معناه أنّك تسمع ما تدعى به.
فتأويل الآية: فعند ذلك دعا زكريّا ربّه فقال: ربّ هب لي من عندك ولدًا مباركًا، إنّك ذو سمعٍ دعاء من دعاك). [جامع البيان: 5/360-363]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين (39)
قوله تعالى: قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنك سميع الدعاء
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ يعني قوله: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً قال: فقام، فصلّى ثمّ دعا اللّه سرًّا، فقال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيبة إنك سميع الدّعاء
قوله تعالى: ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء
- وبه عن السّدّيّ قوله: ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً يقول:
مباركةً إنّك سميع الدّعاء). [تفسير القرآن العظيم: 2/641-644]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال ثنا آدم قال نا ورقاء عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير في قوله وجد عندها رزقا قال وجد عندها عنبا في مكتل في غير حينه فهنالك دعا ربه أي عند ذلك دعا ربه فقال إن الذي رزق مريم هذا في غير حينه لقادر على أن يرزقني ولدا من امرأتي العاقر). [تفسير مجاهد: 126] (م)
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 38
أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما رأى ذلك زكريا يعني فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف عند مريم قال: إن الذي يأتي بهذا مريم في غير زمانه قادر على أن يرزقني ولدا فذلك حين دعا ربه.
وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عن الحسن قال: لما وجد زكريا عند مريم ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء يأتيها به جبريل قال لها: أنى لك هذا في غير حينه فقالت: هذا رزق من عند الله يأتي به الله {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فطمع زكريا في الولد فقال: إن الذي أتى مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا فعند ذلك {دعا زكريا ربه} وذلك لثلاث ليال بقين من المحرم، قام زكريا فاغتسل ثم ابتهل في الدعاء إلى الله قال: يا رازق مريم ثمار الصيف في الشتاء وثمار الشتاء في الصيف هب لي من لدنك - يعني من عندك - ذرية طيبة يعني تقيا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي {ذرية طيبة} يقول: مباركة). [الدر المنثور: 3/525-526]

تفسير قوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) )
قال عبد الله بن المبارك بن واضح المروزي (ت: 181هـ): (أخبرنا شريك، عن سالم، عن سعيدٍ، في قول الله سبحانه وتعالى: {أولي الأيدي والأبصار} [سورة ص: 45]: قال: الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم ما هم فيه من دينهم،
وقوله تعالى: {وسيدًا وحصورًا} [سورة آل عمران: 39]، قال: السيد: المطيع ربه ولا يعصيه، والحصور: الذي لا يأتي النساء). [الزهد لابن المبارك: 2/691]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى أن الله يبشرك بيحيى قال شافهته الملائكة بذلك قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أياما إلا رمزا قال إيماء وكانت عقوبة عوقب بها إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بما بشرته به). [تفسير عبد الرزاق: 1/120]

قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا معمر عن قتادة في قوله تعالى مصدقا بكلمة من الله قال يعني بعيسى ابن مريم وسيدا وحصورا قال الحصور الذي لا يأتي النساء). [تفسير عبد الرزاق: 1/120]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (وأنا عن عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب وقال سمعت وهبا يقول نادى مناد من السماء أن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء وأن جرجس سيد الشهداء). [تفسير عبد الرزاق: 2/5]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة عن الحسن عن النبي قال ما أذنب يحيى بن زكريا ذنبا ولا هم بامرأة). [تفسير عبد الرزاق: 2/5]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله جبارا عصيا قال كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا وقال قتادة عن الحسن قال: قال النبي ما أذنب يحيى ذنبا قط ولا هم بامرأة). [تفسير عبد الرزاق: 2/6]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (قال أنا عبد الصمد قال سمعت وهبا يقول نادى مناد من
[تفسير عبد الرزاق: 2/149]
السماء أن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء وأن جرجس سيد الشهداء). [تفسير عبد الرزاق: 2/150]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (حدثنا سفيان [الثوري] عن جويبرٍ عن الضّحّاك {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه وسيّدًا وحصورًا} قال: حليما تقيا [الآية: 39].
سفيان [الثوري] عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ قال: الحصور: الذي لا يأتي النساء). [تفسير الثوري: 76]
قال أبو بكرٍ عبدُ الله بنُ محمدٍ ابنُ أبي شيبةَ العبسيُّ (ت: 235هـ): (حدّثنا أبو خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن عبد الله بن عمرٍو قال: ما من أحدٍ إلاّ يلقى اللّه بذنبٍ إلاّ يحيى بن زكريّا، ثمّ تلا: {وسيّدًا وحصورًا} ثمّ رفع شيئًا صغيرًا من الأرض، فقال: ما كان معه مثل هذا، ثمّ ذبح ذبحًا). [مصنف ابن أبي شيبة: 19/ 224]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (وقال ابن جبيرٍ: {وحصورًا} [آل عمران: 39] : «لا يأتي النّساء»). [صحيح البخاري: 6/33]

- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال سعيد جبيرٍ وحصورًا لا يأتي النّساء وقع هذا بعد ذكر المسوّمة وصله الثّوريّ في تفسيره عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبيرٍ به وأصل الحصر الحبس والمنع يقال لمن لا يأتي النّساء أعمّ من أن يكون ذلك بطبعه كالعنّين أو بمجاهدة نفسه وهو الممدوح والمراد في وصف السّيّد يحيى عليه السّلام). [فتح الباري: 8/209]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال ابن جبير وحصورًا لا يأتي النّساء
..
وأما قول ابن جبير في الحصور فأخبرناه عبد القادر بن محمّد بسنده المتقدّم إلى سفيان الثّوريّ عن عطاء بن السّائب عن سعيد بن جبير قال الحصور الّذي لا يأتي النّساء) ). [تغليق التعليق: 4/187-189]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال ابن جبيرٍ: وحصورا لا يأتي النّساء
أشار به إلى قوله تعالى: {إن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين} (آل عمران: 39) وقال سعيد ابن جبير معنى حصورا لا يأتي النّساء، ووصل هذا المعلق عبد فقال: حدثنا جعفر بن عبد الله السّلميّ عن أبي بكر الهذليّ عن الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وأبي الشعثاء أنهم قالوا: السّيّد الّذي يغلب غضبه، والحصور الّذي لا يغشى النّساء، وأصل الحصر الحبس والمنع يقال لمن لا يأتي النّساء وهو أعم من أن يكون بطبعه كالعنين أو المجاهدة نفسه وهو الممدوح وهو المراد في وصف السّيّد يحيى، عليه الصّلاة والسّلام). [عمدة القاري: 18/137]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال ابن جبير) سعيد مما وصله عنه في قوله تعالى: {وسيدًا} ({وحصورًا}) [آل عمران: 39] أي (لا يأتي النساء) منعًا لنفسه مع ميلها إلى الشهوات وكماله ومن لم يكن له ميل لها لا يسمى حصورًا ولا بد فيه من المنع لأن السجن إنما سمي منعًا لما أنه يمنع من الخروج). [إرشاد الساري: 7/50]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عز وجل: {سيداً وحصوراً} قال: السيد: الكريم على الله، والحصور: الّذي لا يقرب النّساء). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 74]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين}.
اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة وبعض أهل الكوفة والبصرة: {فنادته الملائكة} على التّأنيث بالتّاء، يراد بها جمع الملائكة، وكذلك تفعل العرب في جماعة الذّكور إذا تقدّمت أفعالها أنّثت أفعالها ولا سيّما الأسماء الّتي في ألفاظها التّأنيث كقولهم: جاءت الطّلحات، وقد قرأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفة بالياء، بمعنى: فناداه جبريل فذكروه للتأويل، كما قد ذكرنا آنفًا أنّهم يؤنّثون فعل الذّكر للفظٍ، فكذلك يذكّرون فعل المؤنّث أيضًا للفظٍ.
واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءةٍ يذكر أنّها قراءة عبد اللّه بن مسعودٍ.
- وهو ما: حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق بن الحجّاج، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ أنّ قراءة ابن مسعودٍ: فناداه جبريل وهو قائمٌ يصلّي في المحراب
وكذلك تأوّل قوله: {فنادته الملائكة} جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {فنادته الملائكة} وهو جبريل أو: قالت الملائكة، وهو جبريل {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى}
فإن قال قائلٌ: وكيف جاز أن يقال على هذا التّأويل: {فنادته الملائكة} والملائكة جمعٌ لا واحدٌ؟
قيل: ذلك جائزٌ في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع، كما يقال في الكلام: خرج فلانٌ على بغال البرد، وإنّما ركب بغلاً واحدًا، وركب السّفن، وإنّما ركب سفينةً واحدةً، وكما يقال: ممّن سمعت هذا الخبر؟
فيقال: من النّاس، وإنّما سمعه من رجلٍ واحدٍ؛ وقد قيل: إنّ منه قوله: {الّذين قال لهم النّاس إنّ النّاس قد جمعوا لكم} والقائل كان فيما ذكر واحدًا، وقوله: {وإذا مسّ النّاس ضرٌّ} والنّاس بمعنى واحدٍ، وذلك جائزٌ عندهم فيما لم يقصد فيه قصدٌ واحدٌ
وإنّما الصّواب من القول عندي في قراءة ذلك أنّهما قراءتان معروفتان، أعنّي التّاء والياء فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وذلك أنّه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائن، وهما جميعًا فصيحتان عند العرب، وذلك أنّ الملائكة إن كان مرادًا بها جبريل كما روي عن عبد اللّه فإنّ التّأنيث في فعلها فصيحٌ في كلام العرب للفظها إن تقدّمها الفعل، وجائزٌ فيه التّذكير لمعناها وإن كان مرادًا بها جمع الملائكة فجائزٌ في فعلها التّأنيث، وهو من قبلها للفظها، وذلك أنّ العرب إذا قدّمت على الكثير من الجماعة فعلها أنّثته، فقالت: قالت النّساء، وجائزٌ التّذكير في فعلها بناءً على الواحد إذا تقدّم فعله، فيقال: قال الرّجال.
وأمّا الصّواب من القول في تأويله، فأن يقال: إنّ اللّه جلّ ثناؤه أخبر أنّ الملائكة نادته، والظّاهر من ذلك أنّها جماعةٌ من الملائكة دون الواحد وجبريل واحدٌ فلن يجوز أن يحمل تأويل القرآن إلاّ على الأظهر الأكثر من الكلام المستعمل في ألسن العرب، دون الأقلّ ما وجد إلى ذلك سبيلٌ، ولم يضطرّنا حاجةٌ إلى صرف ذلك إلى أنّه بمعنى واحدٍ، فيحتاج له إلى طلب المخرج بالخفيّ من الكلام والمعاني.
وبما قلنا في ذلك من التّأويل قال جماعةٌ من أهل العلم، منهم قتادة، والرّبيع بن أنسٍ، وعكرمة، ومجاهدٌ وجماعةٌ غيرهم، وقد ذكرنا ما قالوا من ذلك فيما مضى). [جامع البيان: 5/363-365]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى}
وتأويل قوله {وهو قائمٌ} فنادته الملائكة في حال قيامه مصلّيًا، فقوله: {وهو قائمٌ} خبرٌ عن وقت نداء الملائكة زكريّا.
وقوله: {يصلّي} في موضع نصبٍ على الحال من القيام، وهو رفعٌ بالياء.
وأمّا المحراب: فقد بيّنّا معناه، وأنّه مقدّم المسجد.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله: {أنّ اللّه يبشّرك} فقرأته عامّة القرّاء: {أنّ اللّه} بفتح الألف من أنّ بوقوع النّداء عليها بمعنى فنادته الملائكة بذلك.
وقرأه بعض قرّاء أهل الكوفة: (إنّ اللّه يبشّرك) بكسر الألف بمعنى: قالت الملائكة: إنّ اللّه يبشّرك، لأنّ النّداء قولٌ؛ وذكروا أنّها في قراءة عبد اللّه: (فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب يا زكريّا إنّ اللّه يبشّرك) قالوا: إذا بطل النّداء أن يكون عاملاً في قوله: {يا زكريّا}، فباطلٌ أيضًا أن يكون عاملاً في إنّ.
والصّواب من القراءة في ذلك عندنا: {أنّ اللّه يبشّرك} بفتح أنّ بوقوع النّداء عليه، بمعنى: فنادته الملائكة بذلك.
وليست العلّة الّتي اعتلّ بها القارئون بكسر إنّ، من أنّ عبد اللّه كان يقرؤها كذلك، وذلك أنّ عبد اللّه إن كان قرأ ذلك كذلك، فإنّما قرأها بزعمهم. وقد اعترض ب {يا زكريّا} بين إنّ وبين قوله: {فنادته}، وإذا اعترض به بينهما، فإنّ العرب تعمل حينئذٍ النّداء في أنّ، وتبطله عنها. أما الإبطال، فإنّه بطل عن العمل في المنادى قبله، فأسلكوا الّذي بعده مسلكه في بطول عمله، وأمّا الإعمال؛ فلأنّ النّداء فعلٌ واقعٌ كسائر الأفعال.
وأمّا قراءتنا فليس نداء زكريّا ب يا زكريّا معترضًا به بين أنّ وبين قوله: فنادته، وإذا لم يكن ذلك بينهما، فالكلام الفصيح من كلام العرب إذ نصبت بقولٍ: ناديت اسم المنادى، وأوقعوه عليه أن يوقعوه كذلك على أنّ بعده وإن كان جائزًا إبطال عمله، فقوله: نادته، قد وقع على مكنيّ زكريّا؛ فكذلك الصّواب أن يكون واقعًا على أنّ وعاملاً فيها، مع أنّ ذلك هو القراءة المستفيضة في قراءة أمصار الإسلام، ولا يعترض بالشّاذّ على الجماعة الّتي تجيء مجيء الحجّة.
وأمّا قوله: {يبشّرك} فإنّ القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأته عامّة قرّاء أهل المدينة والبصرة: {أنّ اللّه يبشّرك} بتشديد الشّين وضمّ الياء على وجه تبشير اللّه زكريّا بالولد، من قول النّاس: بشّرت فلانًا البشرى بكذا وكذا، أي أتته بشارات البشرى بذلك.
وقرأ ذلك جماعةٌ من قرّاء الكوفة وغيرهم: (إنّ اللّه يبشرك) بفتح الياء وضمّ الشّين وتخفيفها، بمعنى: أنّ اللّه يسرّك بولدٍ يهبه لك، من قول الشّاعر:
بشرت عيالي إذ رأيت صحيفةً = أتتك من الحجّاج يتلى كتابها
وقد قيل: إنّ بشرت لغة أهل تهامة من كنانة وغيرهم من قريشٍ، وأنّهم يقولون: بشرت فلانًا بكذا فأنا أبشره بشرًا، وهل أنت باشرٌ بكذا؟ وينشد لهم البيت في ذلك:
وإذا رأيت الباهشين إلى العلا = غبرًا أكفّهم بقاعٍ ممحل.
فأعنهم وابشر بما بشروا به = وإذا هم نزلوا بضنكٍ فانزل
فإذا صاروا إلى الأمر، فالكلام الصّحيح من كلامهم بلا ألفٍ، فيقال: ابشر فلانًا بكذا، ولا يكادون يقولون: بشّره بكذا، ولا أبشره.
وقد روي عن حميد بن قيسٍ أنّه كان يقرأ: يبشرك بضمّ الياء وكسر الشّين وتخفيفها.
- وقد: حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن معاذٍ الكوفيّ، قال: من قرأ يبشّرهم مثقّلةً، فإنّه من البشارة، ومن قرأ يبشرهم مخفّفةً بنصب الياء، فإنّه من السّرور، يسرّهم
والقراءة الّتي هي القراءة عندنا في ذلك ضمّ الياء وتشديد الشّين، بمعنى التّبشير؛ لأنّ ذلك هي اللّغة السّائرة، والكلام المستفيض المعروف في النّاس مع أنّ جميع قرّاء الأمصار مجمعون في قراءة: {فبم تبشّرون} على التّشديد.
والصّواب في سائر ما في القرآن من نظائره أن يكون مثله في التّشديد وضمّ الياء.
وأمّا ما روي عن معاذٍ الكوفيّ من الفرق بين معنى التّخفيف والتّشديد في ذلك، فلم نجد أهل العلم بكلام العرب يعرفونه من وجهٍ صحيحٍ، فلا معنى لما حكي من ذلك عنه، وقد قال جرير بن عطيّة:
يا بشر حقّ لبشرك التّبشير = هلاّ غضبت لنا وأنت أمير
فقد علم أنّه أراد بقوله التّبشير: الجمال والنّضارة والسّرور، فقال التّبشير ولم يقل البشر، فقد بيّن ذلك أنّ معنى التّخفيف والتّثقيل في ذلك واحدٌ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة، قوله: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى} قال: شّافهته الملائكة بذلك.
وأمّا قوله: {بيحيى} فإنّه اسمٌ أصله يفعل من قول القائل: حيي فلانٌ فهو يحيا، وذلك إذا عاش فيحيى يفعل من قولهم حيي، وقيل: إنّ اللّه جلّ ثناؤه سمّاه بذلك لأنّه يتأوّل اسمه أحياه بالإيمان.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى} يقول: عبدٌ أحياه اللّه بالإيمان.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة قوله: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى} قال: إنّما سميّ يحيى؛ لأنّ اللّه أحياه بالإيمان). [جامع البيان: 5/366-370]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: أنّ اللّه يبشّرك يا زكريّا بيحيى ابنًا لك {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} يعني بعيسى ابن مريم.
ونصب قوله مصدّقًا على القطع من يحيى؛ لأنّ مصدّقًا نعتٌ له وهو نكرةٌ، ويحيى غير نكرةٍ.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني عبد الرّحمن بن الأسود الطّفاويّ، قال: حدّثنا محمّد بن ربيعة، قال: حدّثنا النّضر بن عربيٍّ، عن مجاهدٍ، قال: قالت امرأة زكريّا لمريم: إنّي أجد الّذي في بطني يتحرّك للّذي في بطنك، قال: فوضعت امرأة زكريّا يحيى، ومريم عيسى، ولذا قال: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال يحيى: مصدّقٌ بعيسى.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن الرّقاشيّ، في قول اللّه: {يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا أبو هلالٍ، قال: حدّثنا قتادة، في قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: مصدّقًا بعيسى.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} يقول: مصدّقٌ بعيسى ابن مريم، وعلى سننه ومنهاجه.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} يعني بعيسى ابن مريم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} يقول: مصدّقًا بعيسى ابن مريم، يقول: على سننه ومنهاجه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: كان أوّل رجلٍ صدّق عيسى وهو كلمةٌ من اللّه وروحٌ.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} يصدّق بعيسى.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، يقول في قوله: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} فإنّ يحيى أوّل من صدّق بعيسى، وشهد أنّه كلمةٌ من اللّه، وكان يحيى ابن خالة عيسى، وكان أكبر من عيسى.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: عيسى ابن مريم هو الكلمة من اللّه اسمه المسيح.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: أخبرني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: كان عيسى ويحيى ابني خالةٍ، وكانت أمّ يحيى تقول لمريم: إنّي أجد الّذي في بطني يسجد للّذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى، سجوده في بطن أمّه، وهو أوّل من صدّق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: الكلمة الّتي صدّق بها عيسى.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: لقيت أمّ يحيى أمّ عيسى، وهذه حاملٌ بيحيى وهذه حاملٌ بعيسى، فقالت امرأة زكريّا: يا مريم استشعرت أنّي حبلى، قالت مريم: استشعرت أنّي أيضًا حبلى، قالت امرأة زكريّا: فإنّي وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه}.
- حدّثني محمّد بشار، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قول اللّه {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: مصدّقًا بعيسى ابن مريم
وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أنّ معنى قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} بكتابٍ من اللّه، من قول العرب: أنشدني فلانٌ كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا، جهلاً منه بتأويل الكلمة، واجتراءً على ترجمة القرآن برأيه). [جامع البيان: 5/370-373]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وسيّدًا}
يعني بقوله جلّ ثناؤه: {وسيّدًا} وشريفًا في العلم والعبادة.
ونصب السّيّد عطفًا على قوله مصدّقًا.
وتأويل الكلام: أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بهذا وسيّدًا
والسّيّد: الفيعل، من قول القائل: ساد يسود.
- كما: حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وسيّدًا} إي واللّه لسيّدٌ في العبادة والحلم والعلم والورع.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سلمٌان، قال: حدّثنا أبو هلالٍ، قال: حدّثنا قتادة في قوله: {وسيّدًا} قال: السّيّد لا أعلمه إلا قال في العلم والعبادة.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، قال: السّيّد: الحليم.
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن شريكٍ، عن سالمٍ الأفطس، عن سعيد بن جبيرٍ: {وسيّدًا} قال: الحليم.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا الحمّانيّ، قال: حدّثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: {وسيّدًا} قال: السّيّد: التّقيّ.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ {وسيّدًا} قال: السّيّد: الكريم على اللّه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، قال: زعم الرّقاشيّ أنّ السّيّد: الكريم على اللّه.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، في قول اللّه عزّ وجلّ: {وسيّدًا} قال: السّيّد: الحليم التّقيّ.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {وسيّدًا} قال: يقول: تقيًّا حليمًا.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهديٍّ، عن سفيان، في قوله: {وسيّدًا} قال: حليمًا تقيًّا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ، في قوله: {وسيّدًا} قال: السّيّد: الشّريف.
- حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكونيّ، قال: حدّثنا بقيّة بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، في قول اللّه عزّ وجلّ: {وسيّدًا} قال: السّيّد: الفقيه العالم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ: {وسيّدًا} قال: يقول: حليمًا تقيًّا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمة: {وسيّدًا} قال: السّيّد الّذي لا يغلبه الغضب). [جامع البيان: 5/374-376]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين}
يعني بذلك: ممتنعًا من جماع النّساء من قول القائل: حصرت من كذا أحصر: إذا امتنع منه؛ ومنه قولهم: حصر فلانٌ في قراءته: إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، وكذلك حصر العدوّ: حبسهم النّاس ومنعهم إيّاهم التّصرّف، ولذلك قيل للّذي لا يخرج مع ندمائه شيئًا: حصورٌ، كما قال الأخطل:
وشاربٍ مربح بالكأس نادمني = لا بالحصور ولا فيها بسوّار
ويروى بسآّر، ويقال أيضًا للّذي لا يخرج سرّه ويكتمه: حصورٌ؛ لأنّه يمنع سرّه أن يظهر، كما قال جريرٌ:
ولقد تسقّطني الوشاة فصادفوا = حصرًا بسرّك يا أميم ضنينا
وأصل جميع ذلك واحدٌ، وهو المنع والحبس
وبمثل الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن خلفٍ، قال: حدّثنا حمّاد بن شعيبٍ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ، عن عبد اللّه، في قوله: {وسيّدًا وحصورًا} قال: الحصور: الّذي لا يأتي النّساء.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، أنّه قال: حدّثني ابن العاص أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: كلّ بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنبٌ، إلاّ ما كان من يحيى بن زكريّا، قال: ثمّ دلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يده إلى الأرض، فأخذ عويدًا صغيرًا، ثمّ قال: وذلك أنّه لم يكن له ما للرّجال إلاّ مثل هذا العود، وبذلك سمّاه اللّه سيّدا وحصورًا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا أنس بن عياضٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، قال: سمعت سعيد بن المسيّب، يقول: ليس أحدٌ إلاّ يلقى اللّه يوم القيامة ذا ذنبٍ إلاّ يحيى بن زكريّا، كان حصورًا معه مثل الهدبة.
- حدّثنا أحمد بن الوليد القرشيّ، قال: حدّثنا محمد بن جعفرٍ، قال: حدّثنا شعبة، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال ابن العاص إمّا عبد اللّه وإمّا أبوه: ما أحدٌ يلقى اللّه إلاّ وهو ذو ذنبٍ، إلاّ يحيى بن زكريّا. قال: وقال سعيد بن المسيّب: {وسيّدًا وحصورًا} قال: الحصور: الّذي لا يغشى النّساء، ولم يكن ما معه إلاّ مثل هدبة الثّوب.
- حدّثني سعيد بن عمرٍو السّكونيّ، قال: حدّثنا بقيّة بن الوليد، عن عبد الملك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب في قوله: {وحصورًا} قال: الحصور؛ الّذي لا يشتهي النّساء، ثمّ ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواةً فقال: ما كان معه إلاّ مثل هذه.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: الحصور: الّذي لا يأتي النّساء
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، مثله.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، مثله.
- حدّثني عبد الرّحمن بن الأسود، قال: حدّثنا محمّد بن ربيعة، قال: حدّثنا النّضر بن عربيٍّ، عن مجاهدٍ: {وحصورًا} قال: الّذي لا يأتي النّساء.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الحصور: الذى لا يقرب النّساء.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، قال: زعم الرّقاشيّ: الحصور: الّذي لا يقرب النّساء.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا عمرو بن عونٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك: الحصور: الّذي لا يولد له، وليس له ماءٌ.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {وحصورًا} قال: هو الّذي لا ماء له.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا سويدٌ، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {وحصورًا} كنّا نحدّث أنّ الحصور الّذي لا يقرب النّساء.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا سليمان، قال: حدّثنا أبو هلالٍ، قال: حدّثنا قتادة في قوله: {وسيّدًا وحصورًا} قال: الحصور: الّذي لا يأتي النّساء
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادة، مثله.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثله.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا جريرٌ، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قال: الحصور: الّذي لا ينزل الماء.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ: {وحصورًا} قال: الحصور: الّذي لا يأتي النّساء.
- حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {وحصورًا} قال: الحصور: الّذي لا يريد النّساء.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن: {وحصورًا} قال: لا يقرب النّساء
وأمّا قوله: {ونبيًّا من الصّالحين} فإنّه يعني: رسولاً لربّه إلى قومه، ينبئهم عنه بأمره ونهيه، وحلاله وحرامه، ويبلّغهم عنه ما أرسله به إليهم.
ويعني بقوله: {من الصّالحين} من أنبيائه الصّالحين.
وقد دلّلنا فيما مضى على معنى النّبوّة وما أصلها بشواهد ذلك والأدلّة الدّالّة على الصّحيح من القول فيه بما أغنى عن إعادته). [جامع البيان: 5/376-381]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: فنادته
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق ، أنبأ معمرٌ عن قتادة قال: ثمّ شافهته الملائكة بذلك.
قوله تعالى: الملائكة
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ فنادته الملائكة وهو جبريل.
قوله تعالى: وهو قائمٌ يصلّي في المحراب
- ذكره أبي، ثنا عبد اللّه بن أبي بكرٍ المقدّميّ، ثنا جعفر بن سليمان قال:
سمعت ثابتًا يقول: خدمة اللّه في الأرض الصلاة ولو علم الله شيئا أفضل منه ما قال: فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب
قوله تعالى: أنّ اللّه يبشّرك بيحيى
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ، ثنا شيبان، عن قتادة قوله: أنّ اللّه يبشّرك بيحيى قال: عبدٌ أحياه اللّه بالإيمان.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع قوله: أنّ اللّه يبشّرك بيحيى قال: سمّى اللّه يحيى.
- وقال قتادة: إنّما سمّى اللّه يحيى، لأنّ اللّه أحياه بالإيمان.
قوله تعالى: مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ يعني في قوله: مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه قال: عيسى بن مريم صلّى اللّه عليه وسلّم كلمةٌ من اللّه، يعني تكوّن بكلمةٍ من اللّه. قال أبو محمّدٍ: وروي عن مجاهدٍ ، وعكرمة والحسن وقتادة والسّدّيّ والرّقاشيّ، وجابر بن زيدٍ والرّبيع بن أنسٍ والضّحّاك نحو ذلك.
قوله تعالى: وسيدا
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ كتب إليّ، ثنا أبي، ثنا عمّي الحسين، حدّثني أبي، عن جدّي عن ابن عبّاسٍ قوله: وسيّدًا يقول: حليمًا تقيًّا. قال أبو محمّدٍ وروي عن الضّحّاك في أحد قوليه مثل ذلك، وروي عن أبي العالية وسعيد بن جبيرٍ، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، ومطرٍ أنّهم قالوا: حليمًا فقط.
وروي عن أبي صالحٍ أنّه قال: تقيًّا فقط.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي ثنا عيسى بن زيادٍ، أنبأ ابن المبارك، أنبأ أبو بكرٍ الهذليّ، عن عكرمة في قوله: وسيدا قال: السّيّد الّذي لا يغلبه غضبه.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا ابن إدريس، عن أبيه: أراه عن عطيّة: في قوله: وسيّدًا قال: السّيّد في خلقه ودينه.
قال أبو محمّدٍ: وروي عن الضّحّاك في أحد قوليه: قال: حسن الخلق.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ وسيّدًا زعم الرّقاشيّ السّيّد: الكريم على اللّه.
والوجه الخامس:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وسيّدًا قال: ليس له شركٌ.
قوله تعالى: وحصورًا
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو جعفرٍ محمّد بن غالبٍ البغداديّ، حدّثني سعيد بن سليمان، ثنا عبّادٌ يعني ابن العوّام، ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن العاص، لا يدرى عبد اللّه أو عمرٌو، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله:
وسيّدًا وحصورًا قال ثمّ تناول شيئًا من الأرض فقال: كان ذكره مثل هذا.
- حدّثنا أحمد بن سنانٍ، ثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ أنّه سمع سعيد بن المسيّب، عن عبد اللّه بن عمرو ابن العاص يقول: ليس أحدٌ يلقى اللّه إلا يلقاه بذنبٍ غير يحيى بن زكريّا. قرأ سعيدٌ: وسيّدًا وحصورًا ثمّ أخذ شيئًا من الأرض فقال: الحصور ما كان ذكره مثل ذي، وأشار يحيى القطّان بطرف أصبعه السّبّابة.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو نعيمٍ، عن سلمة بن سابور، عن عطيّة، عن ابن عبّاسٍ قال: الحصور: الّذي لا يأتي النّساء.
قال أبو محمّدٍ وروي عن عبد اللّه بن مسعودٍ وسعيد بن جبيرٍ، وأبي صالحٍ، وأحد قولي الضّحّاك وعكرمة ومجاهدٍ، وعطيّة، وجابر بن زيدٍ أنّهم قالوا: هو الّذي لا يأتي النّساء.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، أنبأ جريرٌ، عن قابوس، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ في الحصور الّذي لا ينزل الماء.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا الوليد بن القاسم، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك قال: الحصور: الّذي لا يولد له، ولا ماء له، قال أبو محمّدٍ: وروي عن أبي العالية، والرّبيع بن أنسٍ قالا: الّذي لا يولد له.
والوجه الثّالث:
- حدّثني أبي، ثنا إبراهيم بن محمّد بن يوسف الفريابيّ، ثنا ضمرة، عن عثمان بن عطاءٍ، عن أبيه في قوله: وسيّدًا وحصورًا قال: منثني الذّكر.
قوله تعالى: ونبيًّا من الصّالحين
- حدّثنا أبي، ثنا عيسى بن حمّادٍ زغبة، ومحمّد بن سلمة المراديّ، قالا:
ثنا حجّاج بن سليمان بن القمريّ، عن اللّيث بن سعدٍ، عن محمّد ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي هريرة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: كلّ ابن آدم يلقى اللّه بذنبٍ قد أذنبه، يعذّبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريّا فإنّه كان سيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين، ثمّ أهوى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قذاةٍ من الأرض فأخذها وقال: كان ذكره مثل هذه القذاة.
قال أبي: لم يكن هذا الحديث عند أحدٍ غير الحجّاج ولم يكن في كتاب اللّيث، وحجّاجٍ شيخٌ معروفٌ). [تفسير القرآن العظيم: 2/641-644]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا
[تفسير مجاهد: 125]
ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله مصدقا بكلمة من الله قال يعني عيسى بن مريم وسيدا وحصورا قال الذي لا يقرب النساء آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا يقول تومئ إيماء). [تفسير مجاهد: 126]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن عطاء عن سعيد بن جبير قال الحصور الذي لا يأتي النساء). [تفسير مجاهد: 126]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 39.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي {فنادته الملائكة} قال: جبريل.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن أبي حماد قال: في قراءة ابن مسعود ((فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب)).
وأخرج ابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود قال: ذكروا الملائكة ثم تلا (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى) (النجم الآية 27) وكان يقرأها ((فناداه الملائكة))
وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن مسعود أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ فناداه الملائكة بالتاء.
وأخرج ابن المنذر عن إبراهيم قال: كان عبد الله يذكر الملائكة في القرآن.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم بن أبي النجود أنه قرأ {فنادته الملائكة} بالتاء {إن الله} بنصب الألف {يبشرك} مثقلة، قوله تعالى {وهو قائم يصلي}.
أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ثابت قال: الصلاة خدمة الله في الأرض ولو علم الله شيئا أفضل من الصلاة ما قال {فنادته الملائكة وهو قائم يصلي}، قوله تعالى: {في المحراب}.
أخرج عبد المنذر عن السدي، المحراب المصلى.
وأخرج الطبراني والبيهقي في "سننه" عن ابن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اتقوا هذه المذابح، يعني المحاريب.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: اتقوا هذه المحاريب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن أبي الجعد قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد، يعني الطاقات.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أي ذر قال: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي أنه كره الصلاة في الطاق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه كان يكره الصلاة في الطاق.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد أنه كان يكره المذابح في المساجد
وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب أنه كره المذابح في المسجد.
وأخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال: من قرأ {يبشر} مثقلة فإنه من البشارة ومن قرأ {يبشر} مخففة بنصب الباء فإنه من السرور.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة قال: إن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة {أن الله يبشرك بيحيى} قال: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان.
وأخرج ابن عدي والدارقطني في الأفراد والبيهقي، وابن عساكر عن ابن مسعود مرفوعا خلق الله فرعون في بطن أمه كافرا وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا.
وأخرج الفرياني، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {مصدقا بكلمة من الله} قال: عيسى بن مريم والكلمة يعني تكون بكلمة من الله
وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير عن مجاهد قال: قالت امرأة زكريا لمريم: اني أجد الذي في بطني يتحرك للذي في بطنك فوضعت امرأة زكريا يحيى عليه السلام ومريم عيسى عليه السلام وذلك قوله {مصدقا بكلمة من الله} قال: يحيى مصدق بعيسى.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك في قوله {مصدقا بكلمة من الله} قال: كان يحيى أول من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة من الله، قال: وكان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى.
وأخرج ابن جرير عن قتادة {مصدقا بكلمة من الله} يقول: مصدق بعيسى وعلى سنته ومنهاجه.
وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس {مصدقا بكلمة من الله} قال: كان عيسى ويحيى ابني خالة وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى سجوده في بطن أمه، وهو أول من صدق بعيسى وكلمة عيسى، ويحيى أكبر من عيسى.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لقيت أم يحيى أم عيسى وهذه حامل بيحيى وهذه حامل بعيسى فقالت امرأة زكريا: إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك، فذلك قوله تعالى {مصدقا بكلمة من الله}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وسيدا} قال: حليما تقيا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد قال: السيد الكريم على الله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الغضب، وابن جرير عن عكرمة قال: السيد الذي لا يغلبه الغضب.
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب قال: السيد الفقيه العالم.
وأخرج أحمد في الزهد والخرائطي في مكارم الأخلاق عن الضحاك قال: السيد الحسن الخلق والحصور الذي حصر عن النساء.
وأخرج أحمد والبيهقي في "سننه" عن مجاهد قال: (الحصور) الذي لا يأتي النساء
وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: نادى مناد من السماء إن يحيى بن زكريا سيد من ولدت النساء وإن جورجيس سيد الشهداء.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: (السيد) الحليم والحصور الذي لا يأتي النساء.
وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن ابن عباس في قوله {وسيدا وحصورا} قال: السيد الحليم والحصور الذي لا يأتي النساء.
وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الحصور الذي لا ينزل الماء.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر والبيهقي في "سننه" عن ابن مسعود قال: الحصور الذي لا يقرب النساء، ولفظ ابن المنذر: العنين.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن عمرو بن العاص عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا فإن الله يقول: {وسيدا وحصورا} قال: وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب وأشار بأنملته، وأخرجه ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن أبي هريرة من وجه آخر عن ابن عمرو، موقوفا وهو أقوى إسنادا من المرفوع.
وأخرج ابن أبي حاتم، وابن عساكر عن أبي هريرة: أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا فإنه كان {وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} ثم أهوى النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: كان ذكره مثل هذه القذاة.
وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة لعنوا في الدنيا والآخرة وأمنت الملائكة: رجل جعله الله ذكرا فأنث نفسه وتشبه بالنساء وامرأة
جعلها الله أنثى فتذكرت وتشبهت بالرجال والذي يضل الأعمى ورجل حصور ولم يجعل الله حصورا إلا يحيى بن زكريا.
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن صالح عن بعضهم رفع الحديث لعن الله والملائكة رجلا تحصر بعد يحيى بن زكريا
وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب في قوله {وحصورا} قال: لا يشتهي النساء ثم ضرب بيده إلى الأرض فأخذ نواة فقال: ما كان معه مثل هذه.
وأخرج الطسي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {وحصورا} قال: الذي لا يأتي النساء، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت قول الشاعر: وحصور عن الخنا يأمر النا * س بفعل الحراب والتشمير). [الدر المنثور: 3/526-534]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك يفعل اللّه ما يشاء}
يعني أنّ زكريّا قال إذ نادته الملائكة: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين} {أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر} يعني: من بلغ من السّنّ ما بلغت لم يولد له؛ {وامرأتي عاقرٌ} والعاقر من النّساء: الّتي لا تلد، يقال منه: امرأةٌ عاقرٌ، ورجلٌ عاقرٌ كما قال عامر بن الطّفيل:
لبئس الفتى أن كنت أعور عاقرًا = جبانًا فما عذري لدى كلّ محضر
وأمّا الكبر: فمصدر كبر فلانٌ فهو يكبر كبرًا.
وقيل: {بلغني الكبر}، وقد قال في موضعٍ آخر: {وقد بلغت من الكبر} [مريم] لأنّ ما بلغك فقد بلغته، وإنّما معناه: قد كبرت، وهو كقول القائل: وقد بلغني الجهد بمعنى: أنّي في جهدٍ
فإن قال قائلٌ: وكيف قال زكريّا وهو نبيّ اللّه: {ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ} وقد بشّرته الملائكة بما بشّرته به، عن أمر اللّه إيّاها به؟ أشكّ في صدقهم؟ فذلك ما لا يحوز أن يوصف به أهل الإيمان باللّه، فكيف الأنبياء والمرسلون؟ أم كان ذلك منه استنكارًا لقدره ربّه؟ فذلك أعظم في البليّة
قيل: كان ذلك منه صلّى اللّه عليه وسلّم على غير ما ظننت، بل كان قيله ما قال من ذلك.
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: لمّا سمع النّداء، يعني زكريّا لمّا سمع نداء الملائكة، بالبشارة بيحيى جاءه الشّيطان فقال له: يا زكريّا إنّ الصّوت الّذي سمعت ليس هو من اللّه، إنّما هو من الشّيطان يسخر بك، ولو كان من اللّه أوحاه إليك، كما يوحي إليك في غيره من الأمر، فشكّ مكانه، وقال: {أنّى يكون لي غلامٌ} ذكر، يقول: ومن أين {وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي بكرٍ، عن عكرمة، قال: فأتاه الشّيطان، فأراد أن يكدّر عليه نعمة ربّه، فقال: هل تدري من ناداك؟ قال: نعم، ناداني ملائكة ربّي، قال: بل ذلك الشّيطان، لو كان هذا من ربّك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك، فقال: {ربّ اجعل لي آيةً}
فكان قوله ما قال من ذلك، ومراجعته ربّه فيما راجع فيه بقوله: {أنّى يكون لي غلامٌ} للوسوسة الّتي خالطت قلبه من الشّيطان، حتّى خيّلت إليه أنّ النّداء الّذي سمعه كان نداءً من غير الملائكة، فقال: {ربّ أنّى يكون لي غلامٌ} مستثبتًا في أمره ليتقرّر عنده بآيةٍ يريه اللّه في ذلك أنّه بشارةٌ من اللّه على ألسن ملائكته، ولذلك قال: {ربّ اجعل لي آيةً}،
وقد يجوز أن يكون قيله ذلك مسألةً منه ربّه: من أيّ وجهٍ يكون الولد الّذي بشّر به؟ أمن زوجته فهي عاقرٌ، أم من غيرها من النّساء؟ فيكون ذلك على غير الوجه الّذي قاله عكرمة والسّدّيّ، ومن قال مثل قولهما). [جامع البيان: 5/381-383]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء}
يعني جلّ ثناؤه بقوله: {كذلك اللّه} أي هو ما وصف به نفسه أنّه هيّنٌ عليه أن يخلق ولدًا من الكبير الّذي قد يئس من الولد، ومن العاقر الّتي لا يرجى من مثلها الولادة، كما خلقك يا زكريّا من قبل خلق الولد منك ولم تك شيئًا؛ لأنّه اللّه الّذي لا يتعذّر عليه خلق شيءٍ أراده، ولا يمتنع عليه فعل شيءٍ شاءه؛ لأنّ قدرته القدرة الّتي لا يشبهها قدرةٌ.
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: {كذلك اللّه يفعل ما يشاء} وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا). [جامع البيان: 5/383]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء (40)
قوله تعالى: قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال:
ربّ أنّى يكون لي غلامٌ يقول: من أين.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الربيع ابن أنسٍ: أنّى يكون لي قال: كيف يكون لي.
قوله تعالى: وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال: فلمّا سمع النّداء جاءه الشّيطان فقال له: يا زكريّا إنّ الصّوت الّذي سمعت ليس من اللّه إنّما هو من الشّيطان يسخر بك، ولو كان من اللّه أوحى إليك كما يوحي إليك غيره من الأمر، فشكّ مكانه. قال: أنّى يكون لي غلامٌ يقول: من أين وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء،... وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن ابن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: كذلك قال: يعني هكذا). [تفسير القرآن العظيم: 2/644-645]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيتان 40 - 41.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال: لما سمع زكريا النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان ليسخر بك ولو كان من الله أوحى إليك كما يوحي إليك في غيره من الأمر، فشك مكانه وقال {أنى يكون لي غلام} ). [الدر المنثور: 3/534-538]

تفسير قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) )
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] عن سلمة بن نبيطٍ عن الضحاك في { ثلاثة أيام إلا رمزا} قال: الرمز: الإشارة [الآية: 41]). [تفسير الثوري: 77]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (الإبكار: أوّل الفجر، {والعشيّ} [الأنعام: 52] : ميل الشّمس - أراه - إلى أن تغرب "). [صحيح البخاري: 6/33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله الإبكار أوّل الفجر والعشيّ ميل الشّمس إلى أن تغرب وقع هذا أيضًا عند غير أبي ذرٍّ وقد تقدّم شرحه في بدء الخلق). [فتح الباري: 8/209]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وأما تفسير الإبكار والعشي 41 آل عمران في كتاب بدء الخلق). [تغليق التعليق: 4/189]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (الإبكار أوّل الفجر والعشيّ ميل الشّمس أراه إلى أن تغرب
أشار به إلى قوله: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والأبكار} (آل عمران: 41) . وقال الزّمخشريّ: العشى من حين تزول الشّمس إلى أن تغيب والأبكار من طلوع الفجر إلى وقت الضّحى وقرئ والأبكار بفتح الهمزة جمع بكر كشجر وأشجار). [عمدة القاري: 18/138]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (الإبكار) هو (أول الفجر و) أما (العشي) فهو (ميل الشمس أراه) بضم الهمزة أي أظنه (إلى أن تغرب) وهذا ساقط لأبي ذر). [إرشاد الساري: 7/50]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وفي قوله عزّ وجلّ: {ثلاثة أيامٍ إلا رمزاً} قال: إيماءً بشفتيه). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 74]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عز وجل: {سبح بالعشي والإبكار} أوّل الفجر، والعشيّ من ميل الشّمس إلى أن تغيب). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 74]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشيّ والإبكار}
يعني بذلك جلّ ثناؤه خبرًا عن زكريّا، قال زكريّا، يا ربّ إن كان هذا النّداء الّذي نوديته، والصّوت الّذي سمعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لي، فاجعل لي آيةً يقول: علامةً أنّ ذلك كذلك، ليزول عني ما قد وسوس إليّ الشّيطان فألقاه في قلبي من أنّ ذلك صوت غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك.
- كما: حدّثني موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {قال ربّ اجعل لي آيةً} قال: قال يعني زكريّا: يا ربّي فإن كان هذا الصّوت منك، فاجعل لي آيةً
وقد دلّلنا فيما مضى على معنى الآية، وأنّها العلامة، بما أغنى عن إعادته.
وقد اختلف أهل العربيّة في سبب ترك العرب همزها، ومن شأنها همز كلّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ، فقال بعضهم: ترك همزها لأنّها كانت أيّةً فثقل عليهم التّشديد، فأبدلوه ألفًا لانفتاح ما قبل التّشديد، كما قالوا: أيّما فلانٍ فأخزاه اللّه.
وقال آخرون منهم: بل هي فاعلةٌ منقوصةٌ، فسألوا فقيل لهم: فما بال العرب تصغّرها أييّةً، ولم يقولوا أويّةً؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في فاطمة: هذه فطيمة، فقيل لهم: فإنّهم يصغّرون فاعلةً على فعيلةٍ إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةٍ، فأمّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم فاعلةً على فعيلةٍ.
وقال آخرون: إنّه فعلةٌ، صيّرت ياؤها الأولى ألفًا، كما فعل بحاجةٍ وقامةٍ، فقيل لهم: إنّما تفعل العرب ذلك في أولاد الثّلاثة.
وقال من أنكر ذلك من قيلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ نايةٌ، وفي حياةٍ: حايةٌ). [جامع البيان: 5/384-385]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} فعاقبه اللّه فيما ذكر لنا بمسألته الآية، بعد مشافهة الملائكة إيّاه بالبشارة، فجعل آيته على تحقيق ما سمع من البشارة من الملائكة بيحيى أنّه من عند اللّه آيةً من نفسه، جمع تعالى ذكره بها العلامة الّتي سألها ربّه على ما يبيّن له حقيقة البشارة أنّها من عند اللّه، وتمحيصًا له من هفوته، وخطأ قيله ومسألته.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال جماعةٌ من أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} إنّما عوقب بذلك لأنّ الملائكة شافهته مشافهةً بذلك فبشّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيّاه، فأخذ عليه بلسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلاّ ما أومأ وأشار، فقال اللّه تعالى ذكره كما تسمعون: {آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا} قال: شافهته الملائكة، فقال: {ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} يقول: إلاّ إيماءً، وكانت عقوبةً عوقب بها؛ إذ سأل الآية مع مشافهة الملائكة إيّاه بما بشّرته به.
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، في قوله: {ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} قال: ذكر لنا واللّه أعلم أنّه عوقب؛ لأنّ الملائكة شافهته مشافهةً، فبشّرته بيحيى، فسأل الآية بعد فأخذ بلسانه.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قال: ذكر لنا واللّه أعلم أنّه عوقب؛ لأنّ الملائكة شافهته فبشّرته بيحيى، قالت: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى} فسأل بعد كلام الملائكة إيّاه الآية، فأخذ عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام إلاّ رمزًا، يقول: يومئ إيماءً.
- حدّثني أبو عبيدٍ الرّصابيّ، قال: حدّثنا محمّد بن حميرٍ، قال: حدّثنا صفوان بن عمرٍو، عن جويبر بن نفيرٍ، في قوله: {قال ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} قال: ربا لسانه في فيه حتّى ملأه، ثمّ أطلقه اللّه بعد ثلاثٍ
وإنّما اختارت القرّاء النّصب في قوله: {ألاّ تكلّم النّاس} لأنّ معنى الكلام: قال: آيتك أن لا تكلّم النّاس فيما يستقبل ثلاثة أيّامٍ، فكانت أن هي الّتي تصحب الاستقبال دون الّتي تصحب الأسماء فتنصبها، ولو كان المعنى فيه: آيتك أنّك لا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ: أي أنّك على هذه الحال ثلاثة أيّامٍ، كان وجه الكلام الرّفع، لأنّ أن كانت تكون حينئذٍ بمعنى الثّقيلة خفّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا لما وصفت من أنّ ذلك بالمعنى الآخر.
وأمّا الرّمز فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشّفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غير كثيرٍ فيهم، وقد يقال للخفيّ من الكلام الّذي هو مثل الهمس بخفض الصّوت: الرّمز، ومنه قول جؤيّة بن عائذٍ:
وكان يكلّم الأبطال رمزًا = وهمهمةً لهم مثل الهدير
يقال منه: رمز فلانٌ فهو يرمز ويرمز رمزًا، ويترمّز ترمّزًا، ويقال: ضربه ضربةً فارتمز منها: أي اضطرب للموت، قال الشّاعر:
خررت منها لقفاي أرتمز
وقد اختلف أهل التّأويل في المعنى الّذي عنى اللّه عزّ وجلّ به في إخباره عن زكريّا من قوله: {آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} وأيّ معاني الرّمز عنى بذلك؟ فقال بعضهم: عنى بذلك: آيتك أن لا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ تحريكًا بالشّفتين من غير أن ترمز بلسانك الكلام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا جابر بن نوحٍ، عن النّضر بن عربيٍّ، عن مجاهدٍ، في قوله: {إلاّ رمزًا} قال: تحريك الشّفتين.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} قال: إيماؤه بشفتيه
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله.
وقال آخرون: بل عنى اللّه بذلك الإيماء والإشارة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سلمة بن نبيطٍ، عن الضّحّاك: {إلاّ رمزًا} قال: الإشارة.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك يقول في قوله: {إلاّ رمزًا} قال: الرّمز: أن يشير بيده أو رأسه ولا يتكلّم.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ: {إلاّ رمزًا} قال: الرّمز: أن أخذ بلسانه، فجعل يكلّم النّاس بيده.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {إلاّ رمزًا} قال: والرّمز: الإشارة.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} الآية. قال: جعل آيته أن لا يكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا، إلاّ أنّه يذكر اللّه، والرّمز: الإشارة، يشير إليهم.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: {إلاّ رمزًا} إلا إيماءً
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، مثله.
- حدّثنا موسى، قال: حدّثنا عمرٌو، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {إلاّ رمزًا} يقول: إشارةً.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عبد اللّه بن كثيرٍ: {إلاّ رمزًا} إلاّ إشارةً.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا} قال: أمسك بلسانه فجعل يومئ بيده إلى قومه أن سبّحوا بكرةً وعشيًّا). [جامع البيان: 5/385-390]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشيّ والإبكار}
يعني بذلك: قال اللّه جلّ ثناؤه لزكريّا: يا زكريّا آيتك أن لا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا بغير خرسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ {واذكر ربّك كثيرًا} فإنّك لا تمنع ذكره، ولا يحال بينك وبين تسبيحه وغير ذلك من ذكره.
- وقد: حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن أبي معشرٍ، عن محمّد بن كعبٍ، قال: لو كان اللّه رخّص لأحدٍ في ترك الذّكر لرخّص لزكريّا حيث قال: {آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزًا واذكر ربّك كثيرًا} أيضًا.
وأمّا قوله: {وسبّح بالعشيّ} فإنّه يعني: عظّم ربّك بعبادته بالعشيّ، والعشيّ: من حين تزول الشّمس إلى أن تغيب، كما قال الشّاعر:
فلا الظّلّ من برد الضّحى تستطيعه = ولا الفيء من برد العشيّ تذوق
فالفيء إنّما تبتدئ أوبته عند زوال الشّمس، وتتناهى بمغيبها.
وأمّا الإبكار: فإنّه مصدرٌ من قول القائل: أبكر فلانٌ في حاجةٍ، فهو يبكر إبكارًا، وذلك إذا خرج فيها من بين مطلع الفجر إلى وقت الضّحى، فذلك إبكارٌ، يقال فيه: أبكر فلانٌ، وبكّر يبكّر بكورًا فمن الإبكار قول عمر بن أبي ربيعة:
أمن آل نعمٍ أنت غادٍ فمبكر = ومن البكور قول جريرٍ:
ألا بكرت سلمى فجدّ بكورها = وشقّ العصا بعد اجتماعٍ أميرها
ويقال من ذلك: بكّر النّخل يبكّر بكورًا، وأبكر يبكّر إبكارًا، والباكور من الفواكه: أوّلها إدراكًا.
وبنحو الّذي قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وسبّح بالعشيّ والإبكار} قال: الإبكار: أوّل الفجر، والعشيّ: ميل الشّمس حتّى تغيب
- حدّثني المثنّى، قال: حدّثنا أبو حذيفة، قال: حدّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثله). [جامع البيان: 5/390-392]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قال ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلّا رمزًا واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشيّ والإبكار (41)
قوله تعالى: قال ربّ اجعل لي آيةً
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال زكريّا: ربّ فإن كان هذا الصّوت منك ف اجعل لّي آيةً قال: آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا
قوله تعالى: قال آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاثة أيام
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن عليٍّ الصّيرفيّ، حدّثني أبو قتيبة، ثنا ورقاء بن عمر، عن عطاء بن السّائب، عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ في قوله: ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا قال: اعتقل لسانه من غير مرضٍ.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عمرو بن حمّادٍ، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قال آيتك ألا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا اعتقل لسانه ثلاثة أيّامٍ وثلاث ليالٍ.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرّزّاق ، عن معمرٍ عن قتادة قال آيتك ألا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا قال إيماءٌ وكانت عقوبةٌ عوقب بها إذ سأل الآية بعد مشافهة الملائكة إيّاه بما بشّرته.
قوله تعالى: إلا رمزا
[الوجه الأول]
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا سلمة بن الفضل، عن إسماعيل بن مسلمٍ، عن حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ عن ابن عبّاسٍ قال: الرّمز بالشّفتين.
- حدّثنا عمرو بن عبد اللّه الأوديّ، ثنا أبو أسامة، عن النّضر بن عربيٍّ، عن مجاهدٍ: في قوله: ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا قال: كلامٌ بالشّفتين. قال أبو محمّدٍ: وروي عن عكرمة وخصيفٍ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو أحمد، عن إسرائيل، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جبيرٍ قال: الإشارة، قال أبو محمّدٍ: وروي عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ والحسن، والضّحّاك ، ومحمّد بن كعبٍ، وقتادة، والسّدّيّ، والرّبيع بن أنسٍ، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- ذكر عن صفوان بن عمرٍو، عن عبد الرّحمن بن جبير بن نفيرٍ في قوله:
ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا ربا لسانه في فيه حتى ملئه، ثمّ أطلقه اللّه بعد ثلاثٍ.
قوله: واذكر ربّك كثيرًا
- حدّثنا أبي، ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ يعني: واذكر ربّك كثيرًا قال: لا يكون العبد من الذّاكرين اللّه كثيرًا حتّى يذكر اللّه قائمًا ومضطجعًا.
- حدّثنا أبي، ثنا محمد بن عمر زنيجٌ، ثنا أبو تميلة، ثنا أبو معشرٍ، عن محمّد بن كعبٍ القرظيّ قال: لو رخّص اللّه لأحدٍ في ترك الذّكر، لرخّص لزكريّا، قال اللّه تعالى: ألا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلّا رمزًا واذكر ربّك كثيرًا [3485] حدّثنا أبو زرعة، ثنا إبراهيم بن موسى، أنبأ ابن أبي زائدة، عن عبد اللّه بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ في قوله: وسبّح بالعشيّ والإبكار قال: صلاة المكتوبة.
قوله تعالى: بالعشيّ
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: وسبّح بالعشيّ قال: العشيّ: ميل الشّمس إلى أن تغيب
قوله تعالى: والإبكار
- وبه عن مجاهدٍ: والإبكار قال: الإبكار أوّل الفجر). [تفسير القرآن العظيم: 2/645-647]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال ثنا آدم قال ثنا ورقاء عن عطاء بن السائب في قوله إلا رمزا قال
[تفسير مجاهد: 126]
اعتقل لسانه من غير مرض). [تفسير مجاهد: 127]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله وسبح بالعشي يعني من ميل الشمس إلى أن تغيب). [تفسير مجاهد: 127]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: أتاه الشيطان فأراد أن يكدر عليه نعمة ربه قال: هل تدري من ناداك قال: نعم، ناداني ملائكة ربي قال: بل ذلك الشيطان لو كان هذا من ربك لأخفاه إليك كما أخفيت نداءك فقال {رب اجعل لي آية}، أما قوله تعالى {وامرأتي عاقر}.
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن شعيب الجبائي قال اسم أم يحيى أشيع.
قوله تعالى: {قال كذلك الله يفعل ما يشاء}.
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {كذلك} يعني هكذا، وفي قوله {رب اجعل لي آية} قال: قال زكريا: رب فان كان هذا الصوت منك فاجعل لي آية.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {رب اجعل لي آية} قال بالحمل به.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام} قال: إنما عوقب بذلك لأن الملائكة شافهته بذلك مشافهة فبشرته بيحيى فسأل الآية بعد كلام الملائكة إياه فأخذ عليه بلسانه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: اعتقل لسانه من غير مرض.
وأخرج عن السدي قال: اعتقل لسانه ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن جبير بن نفير قال: ربا لسانه في فيه حتى ملأه فمنعه الكلام ثم أطلقه الله بعد ثلاث.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا رمزا} قال: الرمز بالشفتين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد {إلا رمزا} قال: ايماؤه بشفتيه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {إلا رمزا} قال: الإشارة
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: الرمز أن يشير بيده أو رأسه ولا يتكلم.
وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الرمز أن أخذ بلسانه فجعل يكلم الناس بيده.
وأخرج الطسي في مسائله، وابن الأنباري في الوقف والإبتداء عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {إلا رمزا} قال: الإشارة باليد والوحي بالرأس قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: ما في السماء من الرحمن مرتمز * إلا إليه وما في الأرض من وزر.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وأبو نعيم عن محمد بن كعب القرظي قال: لو رخص الله لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا عليه السلام حيث قال
{آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا} ولو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص للذين يقاتلون في سبيل الله قال الله (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا)
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وسبح بالعشي والإبكار} قال {بالعشي} ميل الشمس إلى أن تغيب {والإبكار} أول الفجر). [الدر المنثور: 3/534-538]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 02:05 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {هب لي من لّدنك ذرّيّةً طيّبةً...}, الذرّية جمع، وقد تكون في معنى واحد. فهذا من ذلك؛ لأنه قد قال: {فهب لي من لدنك ولياً}, ولم يقل أولياء, وإنما قيل "طيبة" , ولم يقل طيباً؛ لأن الطيبة أخرجت على لفظ الذرّية , فأنثت لتأنيثها، ولو قيل ذرّية طيباً, كان صواباً, ومثله من كلام العرب قول الشاعر:
أبوك خليفةٌ ولدته أخرى = وأنت خليفة ذاك الكمال
فقال (أخرى) لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر, وقال آخر:
فما تزدري من حيّة جبليّةٍ = سكاتٍ إذا ما عضّ ليس بأدردا
فقال: جبليّة، فأنّث لتأنيث اسم الحيّة، ثم ذكّر إذ قال: إذا ما عضّ , ولم يقل: عضّت, فذهب إلى تذكير المعنى, وقال الآخر:
تجوب بنا الفلاة إلى سعيدٍ= إذا ما الشّاة في الأرطاة قالا
ولا يجوز هذا النحو إلا في الاسم الذي لا يقع عليه فلان؛ مثل: الدابّة, والذرّية, والخليفة؛ فإذا سميت رجلاً بشيء من ذلك فكان في معنى فلان, لم يجز تأنيث فعله ولا نعته, فتقول في ذلك: حدّثنا المغيرة الضّبيّ، ولا يجوز الضّبيّة, ولا يجوز أن تقول: حدّثتنا؛ لأنه في معنى فلان, وليس في معنى فلانة, وأمّا قوله:
وعنترة الفلحاء جاء ملأّماً = كأنّه فندٌ من عماية أسود
فإنه قال: الفلحاء, فنعته بشفته, قال: وسمعت أبا ثروان يقول لرجل من ضبّة, وكان عظيم العينين: هذا عينان قد جاء، جعله كالنعت له, وقال بعض الأعراب لرجل أقصم الثنيّة: قد جاءتكم القصماء، ذهب إلى سنّه). [معاني القرآن: 1/208-209]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لّدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء}
قال الله تعالى: {ربّ هب لي من لّدنك ذرّيّةً طيّبةً}؛ لأن النون في "لدن" ساكنة مثل: نون "من", وهي تترك على حال جزمها في الإضافة ؛ لأنها ليست من الأسماء التي تقع عليها الحركة، ولذلك قال: {من لدنّا}، وقال تعالى: {من لدن حكيمٍ عليمٍ}, فتركت ساكنة.
وقال تعالى: {إنّك سميع الدّعاء}, مثل "كثير الدّعاء"؛ لأنه يجوز فيه الألف واللام تقول: "أنت السّميع الدّعاء", ومعناه: "إنّك مسموع الدّعاء", أي: "إنّك تسمع ما يدعى به"). [معاني القرآن: 1/168]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّة طيّبة إنّك سميع الدّعاء}
{زكريا} بالمدّ والقصر على ما وصفنا, المعنى: عند ذلك دعا زكريا ربّه، أي: عندما صادف من أمر مريم، ثم سأل اللّه أن يرزقه ذرية طيبة.
و {هنالك} في موضع نصب؛ لأنه ظرف يقع من المكان والأحوال: أحوال الزّمان.
والمعنى في ذلك المكان من الزمان , ومن الحال دعا زكريا ربه كما تقول: من هنا قلت: كذا وكذا، ومن هنالك قلت: كذا وكذا أي: من ذلك الوجه , وتلك الجهة، وهذا في غير المكان على المثل جرى, وكسر لام (هنالك) وقع لالتقاء الساكنين؛ لأنّ هنالك إشارة إلى مكان متراخ، أو حال من أحوال الزمان نسبتها إلى المكان وقال: (طيبة) للفظ ذرية.
و (هنالك) لا يجب أن يعرف في رفع, ولا جر؛ لأنه في الإشارة إلى المكان بمنزلة الإشارة في هذا وهذاك إلى سائر الأشياء, فهو مضارع للحروف التي جاءت لمعنى). [معاني القرآن: 1/404]

تفسير قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {فنادته الملائكة...}, يقرأ بالتذكير , والتأنيث, وكذلك فعل الملائكة , وما أشبههم من الجمع: يؤنّث ويذكّر, وقرأت القراء: {يعرج الملائكة}, { وتعرج}, و{تتوفاهم}, و{يتوفاهم الملائكة}, وكل صواب.
فمن ذكّر ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنّث , فلتأنيث الاسم، وأن الجماعة من الرجال, والنساء, وغيرهم يقع عليه التأنيث. والملائكة في هذا الموضع جبريل صلّى الله عليه وسلم وحده, وذلك جائز في العربيّة: أن يخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: خرج فلان في السفن، وإنما خرج في سفينة واحدة، وخرج على البغال، وإنما ركب بغلاً واحداص, وتقول: ممّن سمعت هذا الخبر؟, فيقول: من الناس، وإنما سمعه من رجل واحد, وقد قال الله تبارك وتعالى: {وإذا مسّ النّاس ضرّ}، {وإذا مسّ الإنسان ضر}, ومعناهما, والله أعلم واحد: وذلك جائز فيما لم يقصد فيه قصد واحدٍ بعينه.

وقوله: {وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه} تقرأ بالكسر, والنصب فيها أجود في العربيّة فمن فتح (أنّ) أوقع النداء عليها؛ كأنه قال: نادوه بذلك أن الله يبشرك, ومن كسر قال: النداء في مذهب القول، والقول حكاية, فاكسر إنّ بمعنى الحكاية, وفي قراءة عبد الله: {فناداه الملائكة وهو قائم يصلّي في المحراب يا زكريا إن الله يبشرك}, فإذا أوقع النداء على منادىً ظاهر مثل(يا زكريا) , وأشباهه كسرت (إن) ؛ لأن الحكاية تخلص، إذا كان ما فيه (يا) ينادى بها، لا يخلص إليها رفع ولا نصب؛ ألا ترى أنك تقول: يا زيد إنك قائم، ولا يجوز يا زيد أنك قائم. وإذا قلت: ناديت زيداً أنه قائم فنصبت (زيداَ) بالنداء , جاز أن توقع النداء على (أنّ) كما أوقعته على زيد.
ولم يجز أن تجعل إنّ مفتوحة إذا قلت يا زيد؛ لأن زيدا لم يقع عليه نصب معروف. وقال في طه: {فلّما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك}, فكسرت (إني), ولو فتحت كان صواباً من الوجهين؛ أحدهما أن تجعل النداء واقعا على (إنّ) خاصّة لا إضمار فيها، فتكون (أنّ) في موضع رفع. وإن شئت جعلت في (نودي) اسم موسى مضمراً, وكانت (أنّ) في موضع نصب تريد: بأني أنا ربك. فإذا خلعت الباء نصبته, فلو قيل في الكلام: نودي أن يا زيد , فجعلت أن يا زيد هو المرفوع بالنداء, كان صواباً, كما قال الله تبارك وتعالى: {وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدّقت الرؤيا}, فهذا ما في النداء إذا أوقعت (إن), قيل: يا زيد، كأنك قلت: نودي بهذا النداء إذا أوقعته على اسم بالفعل فتحت أن وكسرتها, وإذا ضممت إلى النداء الذي قد أصابه الفعل اسماً منادىً , فلك أن تحدث (أن) معه , فتقول: ناديت أن يا زيد، فلك أن تحذفها من (يا زيد), فتجعلها في الفعل بعده ثم تنصبها, ويجوز الكسر على الحكاية.

ومما يقوّى مذهب من أجاز : {إن الله يبشرك} بالكسر على الحكاية قوله: {ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك} , ولم يقل: أن ليقض علينا ربك, فهذا مذهب الحكاية,
وقال في موضع آخر: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا}, ولم يقل: أفيضوا، وهذا أمر, وذلك أمر؛ لتعلم أن الوجهين صواب, و{يبشرك} قرأها بالتخفيف أصحاب عبد الله في خمسة مواضع من القرآن: في آل عمران حرفان، وفي بني إسرائيل، وفي الكهف، وفي مريم, والتخفيف والتشديد صواب, وكأنّ المشدّد على بشارات البشراء، وكأن التخفيف من وجهة الإفراح والسرور, وهذا شيء كان المشيخة يقولونه, وأنشدني بعض العرب:

بشرت عيالي إذ رأيت صحيفةً = أتتك من الحجّاج يتلى كتابها
وقد قال بعضهم: أبشرت، ولعلّها لغة حجازيّة, وسمعت سفيان بن عيينة يذكرها يبشر, وبشرت لغة سمعتها من عكل، ورواها الكسائيّ عن غيرهم.
وقال أبو ثروان: بشرني بوجه حسن, وأنشدني الكسائيّ:

وإذا رأيت الباهشين إلى العلى = غبرا أكفّهم بقاع ممحل
فأعنهم وابشر بما بشروا به = وإذا هم نزلوا بضنك فانزل
وسائر القرآن يشدّد في قول أصحاب عبد الله, وغيرهم). [معاني القرآن: 1/210-212]
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {يبشّرك بيحيى مصدّقاً} , نصبت (مصدّقاً), لأنه نكرة، ويحيى معرفة.
وقوله: {بكلمة} يعني: مصدّقاً بعيسى.

وقوله: {وسيّداً وحصوراً ونبيّاً}, مردودات على قوله: مصدّقاً, ويقال: إن الحصور: الذي لا يأتي النساء). [معاني القرآن: 1/212-213]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({يبشّرك}، {يبشرك}, واحد.
{بكلمةٍ من الله}, أي: بكتاب من الله؛ تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا وكذا، أي: قصيدة فلان وإن طالت.
{وحصوراً}, الحصور له غير موضع, والأصل واحد؛ وهو الذي لا يأتي النساء، والذي لا يولد له، والذي يكون مع النّدامى , فلا يخرج شيئاً، قال الأخطل:
وشاربٍ مربحٍ للكأس نادمنى= لا بالحصور ولا فيها بسوّار
الذي لا يساور جليسه كما يساور الأسد؛ والحصور: أيضاً الذي لا يخرج سرّا أبداً، قال جرير:
ولقد تسقّطنى الوشاة فصادفوا= حصراً بسرّك يا أميم ضنينا). [مجاز القرآن: 1/92]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقاً بكلمةٍ مّن اللّه وسيّداً وحصوراً ونبيّاً مّن الصّالحين} , قال تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك} ؛ لأنه كأنه قال: {نادته الملائكة} ,فقالت: {إنّ اللّه يبشّرك}, وما بعد القول حكاية.
وقال بعضهم {أنّ اللّه} يقول: "فنادته الملائكة بذلك ",
وقال تعالى: {بيحيى مصدّقاً بكلمةٍ مّن اللّه وسيّداً وحصوراً}, وقوله: {وسيّداً وحصوراً} معطوف على "مصدّقاً" على الحال).
[معاني القرآن: 1/168-169]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({سيدا}: قال السيد الحكيم في التفسير.
{والمحصور}:الذي لا يأتي النساء). [غريب القرآن وتفسيره: 104]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({وسيّداً وحصوراً}, قال ابن عيينة: «السيد: الحليم», وقال هو: «الحصور: الذي لا يأتي النساء», وهو «فعول» بمعنى «مفعول»؛ كأنه محصور عنهن، أي: مأخوذ محبوس عنهن. وأصل الحصر: الحبس, ومثله مما جاء فيه «فعول» بمعنى «مفعول»: ركوب بمعنى: مركوب، وحلوب بمعنى: محلوب, وهيوب بمعنى مهيب). [تفسير غريب القرآن: 104-105]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {فنادته الملائكة وهو قائم يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقا بكلمة من اللّه وسيّدا وحصورا ونبيّا من الصّالحين}
{فنادته الملائكة} , و (فناداه الملائكة), الوجهان جميعاً جائزان؛ لأن الجماعة يلحقها اسم التأنيث؛ لأن معناها معنى جماعة,
ويجوز أن: يعبر عنها بلفظ التذكيركما يقال: جمع الملائكة.

ويجوز أن: تقول نادته الملائكة, وإنما ناداه جبرائيل وحده؛ لأن المعنى أتاه النداء من هذا الجنس، كما نقول: ركب فلان في السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، تريد بذلك جعل ركوبه في هذا الجنس.
ويجوز (أن اللّه يبشرك), (إن اللّه يبشرك) بفتح إن, وكسرها,
فمن فتح؟, فالمعنى: نادته بأن اللّه يبشرك, أي: نادته بالبشارة.
ومن كسر أراد, قالت الملائكة: إن اللّه يبشرك, و (إنّ) بعد القول أبداً مكسورة.

وفي {يبشرك} ثلاث لغات: {إنّ اللّه يبشّرك}
بفتح الباء,
وتشديد الشين, وهي قراءة كثيرة جداً, ويبشرك - بإسكان الباء وضم الشين-, وقرأ حميد وحده { يبشرك} بضم الياء, وإسكان الباء, وكسر الشين، فمعنى: يبشرك.

ويبشرك: البشارة، ومعنى يبشرك يسرك ويفرحك. يقال بشرت الرجل أبشره وأبشره إذا أفرحته، ويقال بشر الرجل يبشر.
وأنشد الأخفش, والكسائي,وجماعة من النحويين:
وإذا لقيت الباهشين إلى الندا= غبرا أكفّهم بقاع ممحل
فأعنهم وابشر بما بشروا به= وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل
فهذا على بشر يبشر إذا فرح، وأصل هذا كله من أنّ بشرة الإنسان تنبسط عند السرور، ومن هذا قولهم: فلان يلقاني ببشر، أي : بوجه منبسط.
ويحيى: اسم سماه الله تعالى تولى هو - عزّ وجلّ - ذلك, ولم يسم أحد قبل يحيى بيحيى، ويحيى لا يتصرف عربياً كان, أو أعجميّاً, لأنّه إن كان أعجمياً, فقد اجتمع فيه العجمة, والتعريف: ولو كان عربياً, لم ينصرف لشبهه بالفعل, وأنه معرفة علم.
ونصب {مصدقا} على الحال.
ومعنى {مصدّقا بكلمة من اللّه} ,أي: يصدّق بأمر عيسى؛ لأن يحيى فرض عليه - وإن كان يحيى أسن من عيسى - اتباع عيسى.
ومعنى {سيّدا وحصورا}: السيّد الذي يفوق في الخير قومه، ومعنى {حصورا} أي: لا يأتي النساء، وإنما قيل للذي لا يأتي النساء حصور؛ لأنه حبس عما يكون من الرجال، كما يقال في الذي لا يتيسر له الكلام قد حصر في منطقه، والحصور: الذي لا ينفق على النّدامى، وهو ممن يفضلون عليه.
قال الشاعر:
وشارب مربح بالكأس نادمني= لا بالحصور ولا فيها بسوار
ويروى: ولا فيها بسئار، أني نادمني, وهو كريم منفق على الندامي، والسؤار المعربد يساور نديمه , أي: يثب عليه، والسار الذي يفضل في إنائه إذا شرب.
والحصور: الذي يكتم السر، أي: يحبس السر في نفسه, قال جرير:
ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا= حصراً بسرك يا أميم ضنينا
والحصير: هذا المرمول الذي يجلس عليه، إنما سمي حصيراً؛ لأنه دوخل بعضه في بعض في النسيج, أي: حبس بعضه على بعض.
ويقال للسجن الحصير؛ لأنّ الناس يحصرون فيه، ويقال: حصرت الرجل إذا حبسته، وأحصره المرض إذا منعه من السير، والحصير: الملك, وقول اللّه - جل وعلا: {وجعلنا جهنّم للكافرين حصيرا}, أي: حبساً.
ويقال : أصاب فلاناً حصرإذا احتبس عليه بطنه، ويقال في البول: أصابه أسر إذا احتبس عليه بوله.
ومعنى {من الصّالحين}: الصالح الذي يؤدي إلى اللّه ما عليه , ويؤدي إلى الناس حقوقهم). [معاني القرآن: 1/405-407]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {فنادته الملائكة}, روي أن جبريل هو الذي ناده وحده, وهذا لا يمتنع في اللغة كما تقول: ركب فلان السفن, وإنما ركب سفينة واحدة, أي: ركب هذا الجنس). [معاني القرآن: 1/390]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {مصدقا بكلمة من الله}, قال ابن عباس: صدق بعيسى, وقال الضحاك: بشر بعيسى, ومعنى بشرته: أظهرت في بشرته السرور .
فإن قيل: فما معنى تسمية عيسى بالكلمة ؟, ففي هذا أقوال:
أحدهما: أنه لما قال الله عز وجل: كن , فكان , سماه بالكلمة, فالمعنى على هذا ذو كلمة الله كما قال تعالى: {واسأل القرية}.
2- وقيل: سمي بهذا كما يقال عبد الله, وألقاها على اللفظ .
3- وقيل : لما كانت الأنبياء قد بشرت به, وأعلمت أنه يكون من غير فحل, وبشر الله مريم به كما قال: {إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا}, فلما ولدته على الصفة التي وصف بها, قال الله عز وجل: هذه كلمتي كما تخبر الرجل بالشيء, أو تعده به , فإذا كان قلت: هذا مولي, وهذا كلامي.
والعرب تسمي الكلام الكثير , والكلمة الواحدة كلمة كما روي أن الحويدرة ذكر لحسان , فقال: لعن الله كلمته تلك , يعني قصيدته .
4- وقيل: سمي كلمة ؛ لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بالكلمة). [معاني القرآن: 1/390-392]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين}
قال سعيد بن جبير, والضحاك: السيد: الحليم, وقيل: الرئيس.
وروى يحيى بن سعيد الأنصاري , عن سعيد بن المسيب أنه قرأ: {وسيداً وحصوراً}, فأخذ من الأرض شيئاً, ثم قال: الحصور الذي لا يأتي النساء ,
يقال حصر إذا منع , فـ «حصور» بمعنى محصور , وكأنه منع مما يكون في الرجال .

وفعول بمعنى مفعول كثير في كلام العرب من ذلك حلوب بمعنى محلوبة , قال الشاعر:
فيها اثنثان وأربعون حلوبة = سواد كخافية الغراب الأسحم
ويقال: حصرت الرجل إذا حسبته , وأحصر المرض إذا منعه من السير, والحصير من هذا سمي؛ لأن بعضة حبس على بعض.
وقيل: هو الحابس نفسه عن معاصي الله عز وجل
وقال ابن عباس: الذي لا ينزل). [معاني القرآن: 1/392-395]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): ( {المحراب}: الفرفة). [ياقوتة الصراط: 187]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): ( {حصوراً} أي: لا يأتي النساء). [ياقوتة الصراط: 187]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({في المحراب} , أي: الغرفة, كذا ذكر المفسرون, {وسيداً وحصوراً} , السيد: الحليم, والحصور: الذي لا يأتي النساء، وهو بمعنى مفعول، كركوب وحلوب, (الآية): العلامة). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 48-49]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({سَيِّداً}: حليماً, {حَصُوراً}: لا يقرب النساء). [العمدة في غريب القرآن: 98]

تفسير قوله تعالى:{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({وقد بلغني الكبر}, أي: بلغت الكبر، والعرب تصنع مثل هذا، تقول: هذا القميص لا يقطعنى, أي: أنت لا تقطعه، أي: إنه لا يبلغ ما أريد من تقديرٍ.
{عاقرٌ}: العاقر: التي لا تلد، والرجل العاقر: الذي لا يولد له، قال عامر بن الطّفيل:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً= جباناً فما عذرى لدى كل محضر). [مجاز القرآن: 1/92]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء}
قال تعالى: {وقد بلغني الكبر}, كما تقول "وقد بلغني الجهد" , أي: أنا في الجهد والكبر). [معاني القرآن: 1/169]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ( (العاقر): من الرجال والنساء الذي لا يولد له). [غريب القرآن وتفسيره: 104]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (وقال الأخطل:
عَلَى العَيَارَاتِ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ = نَجْرَانُ أَوْ بَلَغَتْ سَوْآتِهِمْ هَجَرُ
وكان الوجه أن يقول: (سوآتُهم- بالرفع- نجرانَ وهجرَ) فقلب، لأن ما بلغته فقد بلغك.
قال الله تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ} أي: بلغته.
وقال آخر:
قد سالَمَ الحيَّاتِ مِنْهُ القدَمَا = الأُفْعُوَانَ وَالشُّجَاعَ الشَّجْعَمَا
(فنصب) الأفعوان والشجاع، وكان الوجه أن يرفعهما، لأن ما حالفته فقد حالفك، فهما فاعلان ومفعولان.
وقال الشمّاخ يذكر أباه:
منه وُلِدتُ ولَمْ يُؤْشَب به حَسَبي = لَمًّا، كَما عُصِبَ العِلبَاءُ بالعُودِ
وكان الوجه أن يقول: (كما عصب العود بالعلباء) فقلب، لأنك قد تقول: عصبت العلباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء.
وقال ذو الرّمّة:
وتكسو المجنَّ الرَّخو خَصْرًا كأَنَّه = إِهَانٌ ذَوَى عَن صُفْرَةٍ فَهْوَ أَخْلَقُ
وكان الوجه أن يقول: (وتكسو الخصر مجنا) فقلب، لأنّ كسوت يقع على الثوب، وعلى الخصر، وعلى القميص ولابسه، تقول: كسوت الثوب عبد الله، وكسوت عبد الله الثوب.
وقال أبو النّجم:
قبل دنوّ الأفق من جوزائه
وكان الوجه أن يقول: (قبل دنوّ الجوزاء من الأفق) فقلب، لأن كل شيء دنا منك فقد دنوت منه.
وقال الرّاعي يصف ثورا:
فصَبَّحَتْهُ كلابُ الغوثِ يُوسِدُها = مستوضِحون يرون العينَ كالأثرِ
وكان الوجه أن يقول: (يرون الأثر كالعين) لعلمهم بالصيد وآثاره فقلب، لأنهم إذا رأوا الأثر كالعين، فقد رأوا العين كالأثر.
وقال النابغة:
وقد خِفْتُ حتى ما تزيد مَخافتي = على وَعِلٍ في ذي المطَارَةِ عَاقِلِ
وكان الوجه أن يقول: (حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي) فقلب، لأن المخافتين استوتا.
وقال رؤبة بن العجّاج:
ومَهْمَهٍ مُغْبَرَّةٍ أَرْجاؤُه
كأنّ لون أرضِهِ سَمَاؤُه
وكان الوجه أن يقول: (كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه) فقلب، لأن اللونين استويا.
وقال الآخر:
وصار الجمرُ مثلُ ترابها
أي: صار ترابها مثل الجمر). [تأويل مشكل القرآن:194-197]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جل وعلا: {قال ربّ أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء (40)}, أي: كيف يكون لي غلام.
قال الكميت:
أنّى ومن أين آبك الطرب من= حيث لا صبوة ولا لعب
أي: كيف ومن أين آبك الطرب, ويقال: كلام بين الغلوميّة, والغلاميّة, والغلومة.
وقوله جلّ وعلا: {وقد بلغني الكبر}, بمعنى: قد بلغت الكبر, وفي موضع آخر: {وقد بلغت من الكبر عتيّا}, وكل شيء صادفته, وبلغته, فقد صادفك وبلغك.
ومعنى {كذلك اللّه يفعل ما يشاء}, أي: مثل ذلك يفعل اللّه الّذي يشاؤه, وإنّما سأل زكريا؛ لأنّه أحبّ أن يعلم : أيأتيه الولد وامراته عاقر وهو مسنّ؟, أم يجعله الله على هيئة من يولد له, ويجعل امرأته كذلك؟, أم يأتيها الولد , وهما على الهيئة التي لا يكون معها ولد؟, فأعلمهما اللّه أنّ ذلك هيّن عليه كما أنشأهما, ولم يكونا شيئاً, وأنه يعطيهما الولد, وهما في هذا السن.
ويقال في {عاقر} , قد عقرت المرأة , وعقرت، وهي عاقر، وهذا دليل أنّ عاقراً وقع على جهة النسب، لأنّ فعلت أسماء الفاعلين فيه على فعيلة, نحو : ظرفت, فهي ظريفة، وإنما عاقر له : ذات عقر، ويقال: قد عقر الرجل يعقر عقراً؛ إذا انقطع عليه الكلام من تعب , وكلال.
والعقار: كل مال له أصل, وقد قيل: إن النخل خاصّة يقال له: عقار, وعقر دار قوم أصل مقامهم الذي عليه معوّلهم، وإذا انتقلوا عنه لنجعة, فرجوعهم إليه.
ويروى عن علي إنّه قال: ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا، أي: ما غزوا في المكان الذي هو أصل لمقامهم). [معاني القرآن: 1/408-409]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرا}, يقال: كيف استنكر هذا, وهو نبي يعلم أن الله يفعل ما يريد
ففي هذا جوابان:
أحدهما: أن المعنى بأي منزلة استوجبت هذا على التواضع لله, وكذلك قيل في قول مريم:{أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر }

والجواب الآخر: أن زكريا أراد أن يعلم هل يرد شاباً, وهل ترد امرأته, وهل يرزقهما الله ولداص من غير رد أو من غيرها؟, فأعلم الله عز وجل أنه يرزقهما ولدا من غير رد فقال عز وجل: {كذلك يفعل الله ما يشاء}
ويقال: عقرت المرأة إذا لم تحمل, وعقر الرجل إذا لم يولد له, والذكر والأنثى عاقر). [معاني القرآن: 1/395-396]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({عَاقِرٌ}: لا تلد). [العمدة في غريب القرآن: 99]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {ألاّ تكلّم النّاس...}, إذا أردت الاستقبال المحض نصبت (تكلّم) , وجعلت (لا) على غير معنى ليس, وإذا أردت: آيتك أنك على هذه الحال ثلاثة أيام رفعت، فقلت: أن لا تكلّم الناس؛ ألا ترى أنه يحسن أن تقول: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً, والرمز يكون بالشفتين, والحاجبين, والعينين, وأكثره في الشفتين, كلّ ذلك رمز). [معاني القرآن: 1/213]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ({إلاّ رمزاً}: باللسان من غير أن يبين، ويخفض بالصوت مثل همسٍ.
{والإبكار}: مصدر من قال: أبكر يبكر، وأكثرها: بكرّ , يبكرّ, وباكر). [مجاز القرآن: 1/93]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({قال ربّ اجعل لّي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزاً واذكر رّبّك كثيراً وسبّح بالعشيّ والإبكار}
قال: {ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزاً}, يريد: "أن لا تكلّم الناس إلاّ رمزاً" , وجعله استثناء خارجاً من أول الكلام, والرمز: الإيماء). [معاني القرآن: 1/169]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({إلا رمزا}: قال المفسرون: الإشارة باليد وقالوا تحريك الشفتين). [غريب القرآن وتفسيره: 105]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({اجعل لي آيةً}, أي: علامة, قال: {آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلّا رمزاً} , أي: وحياً, وإيماء باللسان, أو باليد, أو بالحاجب, يقال: رمز فلان لفلانة، إذا أشار بواحدة من هذه, ومنه قيل للفاجرة: رامزة ورمّازة، لأنها ترمز وتومئ، ولا تعلن.
قال قتادة: إنما كان عقوبة عوقب بها،إذا سأل الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بما بشّر به). [تفسير غريب القرآن: 105]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (الوَحْيُ: كُلُّ شَيْءٍ دَلَلْتَ به من كلام أو كتاب أو إشارة أو رسالة...
وقال: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}، أي: أشار إليهم وأومأ.
وقال بعض المفسرين: كتب إليهم.
قال أبو محمد: والتفسير الأول أعجب ُإليَّ، لأنه قال في موضع آخر: {آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}.
والرمز: تحريك الشفتين أو الحاجبين أو العينين، ولا يكون كتابا). [تأويل مشكل القرآن: 489]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ({قال ربّ اجعل لي آية قال آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاثة أيّام إلّا رمزا واذكر ربّك كثيرا وسبّح بالعشيّ والإبكار (41)}.
ومعنى {ربّ اجعل لي آية}, أي: علامة أعلم بها الوقت الذي تهب له فيه الغلام.
{قال آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاثة أيّام إلّا رمزا}, أي: علامة ذلك أن يمسك لسانك عن الكلام وأنت صحيح سوي,
وقال في موضوع آخر: {آيتك ألّا تكلّم النّاس ثلاث ليال سويّا}, أي: وأنت سوي.

ومعنى الرمز: تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة بصوت ؛ إنما هو إشارة بالشفتين، وقد قيل: أن الرمز هو إشارة بالعينين، أو الحاجبين والفم، والرمز في اللغة: كل ما أشرت به إلى بيان بلفظ، أي: بأي شيء أشرت، أبفم , أم بيد, أم بعينين, والرّمز والترمز في اللغة: الحركة والتحرك.
وقوله عزّ وجلّ: {وسبّح بالعشيّ والإبكار}, قيل سبّح: صل، ويقال: فرغت من سبحتي من صلاتي، وإنما سميت الصلاة تسبيحاً؛ لأن التسبيح تعظيم الله, وتبرئته من السوء, فالصّلاة يوحّد الله فيها ويحمد، ويوصف بكل ما يبرئه من السوء, فلذلك سمّيت الصلاة : السّبحة.
والإبكار يقال فيه: أبكر الرجل يبكر إبكاراً, وبكر يبكر تبكيراً, وبكر يبكر في كل شيء يتقذم فيه، وقول الناس فيما تقدم من الثمار: " قد هرف " خطأ، إنما هي كلمة تبطئة، وإنما تقول العرب في مثل ذلك: قد بكّر، ويسمّى ما يكون منه : الباكورة). [معاني القرآن: 1/409]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {قال رب اجعل لي آية} ,أي: علامة.
{قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا}, قال قتادة: إنما عوقب بهذا؛ لأنه طلب الآية بعد مشافهة الملائكة إياه بالبشارة
وقال مجاهد: الرمز تحرك الشفتين.
وقال الضحاك : الرمز تحريك اليدين ,والرأس.
والرمز في اللغة: الإشارة كانت بيد, أو رأس, أو حاجب, أو فم, يقال: رمز, أي: أشار, ومنه سميت الفاجرة: رامزة, ورمازة؛ لأنها تومئ, ولا تعلن.

ثم قال تعالى: {واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار} , وقرئ (الأبكار) , وهو جمع بكر, ويقال: بكر, وبكر, وابتكار, وأبكر إذا جاء في أول الوقت, ومنه سميت الباكورة .
ويقال: أبكر إذا خرج من بين مطلع الفجر إلى وقت الضحى, والعشي من حين نزول الشمس إلى أن تغيب, وهو معنى قول مجاهد). [معاني القرآن: 1/396-398]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): (والرمز: الإشارة). [ياقوتة الصراط: 188]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({إلا رمزا}, أي: إشارة باليد، أو بالحاجب، أو باللسان, وقيل: هو تحريك الشفتين). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 49]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({الرَّمْز}: الإشارة). [العمدة في غريب القرآن: 99]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 03:20 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) }
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) }

قالَ أبو سعيدٍ الحَسَنُ بنُ الحُسَينِ السُّكَّريُّ (ت: 275هـ) : (



إذا غلبته الكـأس لا متعبـسحصور ولا من دونها يتبسل

...
الحصور: الضيق ... والحصور: البخيل الذي لا ينفق مع القوم. والحصور في غير هذا الموضع: الذي لا يأتي النساء). [شرح ديوان كعب بن زهير: 44]
قال أبو عليًّ إسماعيلُ بنُ القاسمِ القَالِي (ت: 356هـ) : (مطلب الكلام على مادة ب ش ر
قال أبو علي: بشر: مصدر بشرته أبشره بشرًا، والبشر: الاسم، أراد بوجه امرئ ذي بشر، فحذف المضاف، وفي بشرت لغات، قال الكسائي: يقال: بشّرت فلانًا بخير أبشّره تبشيرًا، وبشرته أبشره بشرًا، وبشرته أبشره بشرا وبشورًا، وأبشرته أبشره إبشارًا في معنى واحد، وحكي عن بعضهم
أنه قال: دخلت على الناطفي فبشرني ببشر حسن، قال: وسمعت أبا ثروان ورجلًا من غنىٍّ يقولان: بشرني فلان بخير وبشرته بخير.
قال ويقال: أبشر فلان بخير، أي استبشر، وهو قول الله عزّ وجلّ: {وأبشروا بالجنّة} [فصلت: 30] أي استبشروا، وكذا كلام العرب إذا أخبروا عن أنفسهم قالوا: قد أبشرنا، أي فرحنا.
قال: ويقال أيضًا: بشرت بهذا الأمر أبشر بشورًا، أي فرحت واستبشرت، على معنى أبشرت، وهي في قضاعة، وقرأ أبو عمرو: (إنّ الله يَبشُرُك) بالتخفيف). [الأمالي: 1/210-211] (م)

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) }
قال أبو زكريا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ: (ت: 207هـ): (وقد قالت العرب حروفا، بَنَت فيها الأنثى على الذكر، وقد كانت الأنثى في ذلك مسماة باسم يؤدي عن تأنيثها، فقالوا: «غلام» و«جارية» و«شيخ» و«شيخة»). [المذكور والمؤنث: 108]
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ) : (ثم أسماء أولادها

يقال لولد الإنسان: الغلام، والجارية). [كتاب الفَرْق: 90]
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: 224 هـ) : (الكسائي: عقيم بين العُقْم والعَقَم. أبو زيد: عاقر بينة العقر). [الغريب المصنف: 3/686]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) }
[لا يوجد]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقاً بكلمةٍ من اللّه وسيّداً وحصوراً ونبيًّا من الصّالحين (39)
هناك في كلام العرب إشارة إلى مكان فيه بعد أو زمان، وهنالك باللام أبلغ في الدلالة على البعد، ولا يعرب هنالك لأنه إشارة فأشبه الحروف التي جاءت لمعنى، ومعنى هذه الآية: أن في الوقت الذي رأى زكرياء رزق الله لمريم ومكانتها منه وفكر في أنها جاءت أمها بعد أن أسنت وأن الله تقبلها وجعلها من الصالحات تحرك أمله لطلب الولد وقوي رجاؤه وذلك منه على حال سن ووهن عظم واشتعال شيب وذلك لخوفه الموالي من ورائه حسبما يتفسر في سورة مريم إن شاء الله فدعا ربه أن يهب له ذرية طيبة، و «الذرية» اسم جنس يقع على واحد فصاعدا كما الولي يقع على اسم جنس كذلك، وقال الطبري: إنما أراد هنا بالذرية واحدا ودليل ذلك طلبه وليا ولم يطلب أولياء، وأنث «الطيبة» حملا على لفظ الذرية كما قال الشاعر: [الوافر]
أبوك خليفة ولدته أخرى = وأنت خليفة ذاك الكمال
وكما قال الآخر:
فما تزدري من حيّة جبليّة؟ = سكات إذا ما عضّ ليس بأدردا
وفيما قال الطبري تعقب وإنما الذرية والولي اسما جنس يقعان للواحد فما زاد، وهكذا كان طلب زكرياء عليه السلام، وطيّبةً معناه سليمة في الخلق والدين نقية، وسميع في هذه الآية بناء اسم فاعل). [المحرر الوجيز: 2/206-207]

تفسير قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (ثم قال تعالى: فنادته الملائكة وترك محذوف كثير دل ما ذكر عليه، تقديره فقبل الله دعاءه ووهبه يحيى وبعث الملك أو الملائكة بذلك إليه فنادته، وذكر أنه كان بين دعائه والاستجابة له بالبشارة أربعون سنة، وذكر جمهور المفسرين: أن المنادي المخبر إنما كان جبريل وحده وهذا هو العرف في الوحي إلى الأنبياء، وقال قوم: بل نادت ملائكة كثيرة حسبما تقتضيه ألفاظ الآية، وقد وجدنا الله تعالى بعث ملائكة إلى لوط وإلى إبراهيم عليه السلام وفي غير ما قصة، وفي مصحف عبد الله بن مسعود وقراءته «فناداه جبريل وهو قائم يصلي»، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو: «فنادته» بالتاء «الملائكة»، وقرأ حمزة والكسائي «فناداه الملائكة» بالألف وإمالة الدال، قال أبو علي: من قرأ بالتاء فلموضع الجماعة والجماعة ممن يعقل في جمع التكسير تجري مجرى ما لا يعقل، ألا ترى أنك تقول: هي الرجال كما تقول: هي الجذوع وهي الجمال، ومثله: قالت الأعراب [الحجرات: 14].
قال الفقيه الإمام: ففسر أبو علي على أن المنادي ملائكة كثيرة، والقراءة بالتاء على قول من يقول: المنادي جبريل وحده متجهة على مراعاة لفظ الملائكة، وعبر عن جبريل بالملائكة إذ هو منهم، فذكر اسم الجنس كما قال تعالى: الّذين قال لهم النّاس [آل عمران: 173] قال أبو علي: ومن قرأ «فناداه الملائكة»، فهو كقوله تعالى: وقال نسوةٌ في المدينة [يوسف: 30].
قال القاضي: وهذا على أن المنادي كثير، ومن قال إنه جبريل وحده كالسدي وغيره فأفرد الفعل مراعاة للمعنى، وعبر عن جبريل عليه السلام بالملائكة إذ هو اسم جنسه، وقوله تعالى: فنادته عبارة تستعمل في التبشير وفيما ينبغي أن يسرع به وينهى إلى نفس السامع ليسر به فلم يكن هذا من الملائكة إخبارا على عرف الوحي بل نداء كما نادى الرجل الأنصاري كعب بن مالك من أعلى الجبل، وقوله تعالى: وهو قائمٌ جملة في موضع الحال، ويصلّي صفة لقائم، والمحراب في هذا الموضع موقف الإمام من المسجد، وقرأ ابن عامر وحمزة: «إن الله» بكسر الألف، قال أبو علي: وهذا على إضمار القول، كأنه قال فنادته الملائكة فقالت وهذا كقوله تعالى: فدعا ربّه أنّي مغلوبٌ [القمر: 10] على قراءة من كسر الألف، وقال بعض النحاة: كسرت بعد النداء والدعاء لأن النداء والدعاء أقوال، وقرأ الباقون بفتح الألف من قوله: أنّ اللّه يبشّرك قال أبو علي: المعنى فنادته بأن الله فلما حذف الجار منها وصل الفعل إليها فنصبها، ف «أن» في موضع نصب، وعلى قياس قول الخليل في موضع جر، وفي قراءة عبد الله «في المحراب، يا زكرياء إن الله»، قال أبو علي: فقوله «يا زكرياء» في موضع نصب بوقوع النداء عليه، ولا يجوز فتح الألف في «إن» على هذه القراءة لأن نادته قد استوفت مفعوليها أحدهما الضمير، والآخر المنادى، فإن فتحت «إن» لم يبق لها شيء متعلق به، قال أبو علي: وكلهم قرأ في المحراب بفتح الراء إلا ابن عامر فإنه أمالها، وأطلق ابن مجاهد القول في إمالة ابن عامر الألف من محراب ولم يخص به الجر من غيره، وقال غير ابن مجاهد: إنما نميله في الجر فقط.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «يبشرك»، بضم الياء وفتح الباء والتشديد في كل القرآن إلا في «عسق» فإنهما قرآ ذلك الّذي يبشّر اللّه عباده [الشورى: 23] بفتح الياء، وسكون الباء، وضم الشين، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر، «يبشّرك» بشد الشين المكسورة في كل القرآن، وقرأ حمزة «يبشر» خفيفا بضم الشين مما لم يقع في كل القرآن إلا قوله تعالى، فبم تبشّرون [الحجر: 54] وقرأ الكسائي «يبشر» مخففة في خمسة مواضع في آل عمران في قصة زكرياء وقصة مريم وفي سورة بني إسرائيل والكهف، ويبشر المؤمنين، وفي «عسق» يبشّر اللّه عباده، قال غير واحد من اللغويين: في هذه اللفظة ثلاث لغات، بشّر بشد الشين، وبشر بتخفيفها، وأبشر يبشر إبشارا، وهذه القراءات كلها متجهة فصيحة مروية، وفي قراءة عبد الله بن مسعود «يبشرك» بضم الباء وتخفيف الشين المكسورة من- أبشر- وهكذا قرأ في كل القرآن.
و «يحيى» اسم سماه الله به قبل أن يولد، قال أبو علي: هو اسم بالعبرانية صادف «هذا البناء، والمعنى من العربية، قال الزجاج: لا ينصرف لأنه إن كان أعجميا ففيه التعريف والعجمة، وإن كان عربيا فالتعريف ووزن الفعل، وقال قتادة: سماه الله يحيى لأنه أحياه بالإيمان ومصدّقاً نصب على الحال وهي مؤكدة بحسب حال هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وقوله تعالى: بكلمةٍ من اللّه، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والسدي وغيرهم، «الكلمة» هنا يراد بها عيسى ابن مريم.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: وسمى الله تعالى عيسى كلمة إذ صدر عن كلمة منه تعالى لا بسبب إنسان آخر كعرف البشر، وروى ابن عباس: أن امرأة زكرياء قالت لمريم وهما حاملتان: إني أجد ما في بطني يتحرك لما في بطنك، وفي بعض الروايات، يسجد لما في بطنك قال، فذلك تصديقه.
قال الفقيه أبو محمد: أي أول التصديق، وقال بعض الناس: بكلمةٍ من اللّه، معناه بكتاب من الله الإنجيل وغيره من كتب الله فأوقع المفرد موقع الجمع، فكلمة اسم جنس، وعلى هذا النظر سمت العرب القصيدة الطويلة كلمة، وقوله تعالى: وسيّداً قال فيه قتادة: اي والله سيد في الحلم والعبادة والورع، وقال مرة: معناه في العلم والعبادة، وقال ابن جبير: وسيّداً أي حليما، وقال مرة: السيد التقي وقال الضحاك: وسيّداً أي تقيا حليما، وقال ابن زيد: السيد الشريف، وقال ابن المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال ابن عباس: وسيّداً يقول، تقيا حليما، وقال عكرمة: السيد الذي لا يغلبه الغضب.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: كل من فسر من هؤلاء العلماء المذكورين السؤدد بالحلم فقد أحرز أكثر معنى السؤدد ومن جرد تفسيره بالعلم والتقى ونحوه فلم يفسر بحسب كلام العرب، وقد تحصل العلم ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل مصدّقاً بكلمةٍ من اللّه وتحصل التقى بباقي الآية، وخصه الله بذكر السؤدد الذي هو الاحتمال في رضى الناس على أشرف الوجوه دون أن يوقع في باطل، هذا لفظ يعم السؤدد، وتفصيله أن يقال: بذل الندى، وهذا هو الكرم وكف الأذى، وهنا هي العفة بالفرج واليد واللسان واحتمال العظائم، وهنا هو الحلم وغيره من تحمل الغرامات وجبر الكسير والإفضال على المسترفد، والإنقاذ من الهلكات، وانظر أن النبي عليه السلام قال: أنا سيد ولد آدم ولا فخر يجمع الله الأولين والآخرين، وذكر حديث شفاعته في إطلاق الموقف، وذلك منه احتمال في رضى ولد آدم فهو سيدهم بذلك، وقد يوجد من الثقات العلماء من لا يبرز في هذه الخصال، وقد يوجد من يبرز في هذه فيسمى سيدا وإن قصر في كثير من الواجبات أعني واجبات الندب والمكافحة في الحق وقلة المبالاة باللائمة، وقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحدا أسود من معاوية بن أبي سفيان قيل له، وأبو بكر وعمر؟ قال: هما خير من معاوية ومعاوية أسود منهما، فهذه إشارة إلى أن معاوية برز في هذه الخصال ما لم يواقع محذورا، وأن أبا بكر وعمر كانا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذلك من أنفسهما وإقامة الحقائق على الناس بحيث كانا خيرا من معاوية ومع تتبع الحقائق وحمل الناس على الجادة وقلة المبالاة برضاهم والوزن بقسطاس الشريعة تحريرا ينخرم كثير من هذه الخصال التي هي السؤدد ويشغل الزمن عنها، والتقى والعلم والأخذ بالأشد أوكد وأعلى من السؤدد، أما إنه يحسن بالتقي العالم أن يأخذ من السؤدد بكل ما لا يخل بعلمه وتقاه، وهكذا كان يحيى عليه السلام، وليس هذا الذي يحسن بواجب ولا بد، كما ليس التتبع والتحرير في الشدة بواجب ولا بد، وهما طرفا خير حفتهما الشريعة، فمن صائر إلى هذا ومن صائر إلى هذا، ومثال ذلك، حاكم صليب معبس فظ على من عنده أدنى عوج لا يعتني في حوائج الناس، وآخر بسط الوجه بسام يعتني فيما يجوز، ولا يتتبع ما لم يرفع إليه وينفذ الحكم مع رفق بالمحكوم عليه فهما طريقان حسنان.
وقوله تعالى: وحصوراً أصل هذه اللفظة الحبس والمنع، ومنه الحصير لأنه يحصر من جلس عليه ومنه سمي السجن حصيرا وجهنم حصيرا، ومنه حصر العدو وإحصار المرض والعذر، ومنه قيل للذي لا ينفق مع ندمائه حصور، قال الأخطل: [البسيط]
وشارب مربح بالكأس نادمني = لا بالحصور ولا فيها بسوّار
ويقال للذي يكتم السر حصور وحصر، قال جرير: [الكامل]
ولقد تساقطني الوشاة فصادفوا = حصرا بسرّك يا أميم ضنينا
وأجمع من يعتدّ بقوله من المفسرين على أن هذه الصفة ليحيى عليه السلام إنما هي الامتناع من وطء النساء إلا ما حكى مكي من قول من قال: إنه الحصور عن الذنوب أي لا يأتيها، وروى ابن المسيب عن ابن العاصي إما عبد الله وإما أبوه عن النبي عليه السلام، أنه قال: كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء، قال: ثم دلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى الأرض فأخذ عويدا صغيرا، ثم قال: وذلك أنه لم يكن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله سيدا وحصورا، وقال ابن مسعود «الحصور» العنين، وقال مجاهد وقتادة، «الحصور» الذي لا يأتي النساء، وقال ابن عباس والضحاك: الحصور الذي لا ينزل الماء.
قال القاضي: ذهب بعض العلماء إلى أن حصر يحيى عليه السلام كان لأنه لم يكن له إلا مثل الهدبة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان لأنه كان عنينا لا يأتي النساء وإن كانت خلقته غير ناقصة، وذهب بعضهم إلى أن حصره كان بأنه كان يمسك نفسه تقى وجلدا في طاعة الله وكانت به القدرة على جماع النساء، قالوا: وهذا أمدح له وليس له في التأويلين الأولين مدح، إلا بأن الله يسر له شيئا لا تكسب له فيه، وباقي الآية بيّن، وروي من صلاحه عليه السلام أنه كان يعيش من العشب وأنه كان كثير البكاء من خشية الله حتى خدد الدمع في وجهه طرقا وأخاديد). [المحرر الوجيز: 2/207-212]


تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء (40)
اختلف المفسرون لم قال زكرياء ربّ أنّى يكون لي غلامٌ فقال عكرمة والسدي: إنه نودي بهذه البشارة، جاء الشيطان يكدر عليه نعمة ربه فقال هل تدري من ناداك؟ قال: نادتني ملائكة ربي قال بل ذلك الشيطان ولو كان هذا من عند ربك لأخفاه لك كما أخفيت نداءك قال: فخالطت قلبه وسوسة وشك مكانه، فقال: أنّى يكون لي غلامٌ وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون؟
وهذا تأويل حسن يليق بزكرياء عليه السلام وقال مكي: وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة.
قال الفقيه أبو محمد: وهذا قول ضعيف المعنى، وأنّى معناها كيف ومن أين، وقوله بلغني الكبر استعارة كأن الزمان طريق والحوادث تتساوق فيه فإذا التقى حادثان فكأن كل واحد منهما قد بلغ صاحبه وحقيقة البلوغ في الأجرام أن ينتقل البالغ إلى المبلوغ إليه، وحسن في الآية: بلغني الكبر من حيث هي عبارة واهن منفعل وبلغت عبارة فاعل مستعل، فتأمله ولا يعترض على هذا بقوله: وقد بلغت من الكبر عتيًّا [مريم: 8] لأنه قد أفصح بضعف حاله في ذكر العتيّ، والعاقر الإنسان الذي لا يلد، يقال ذلك للمرأة والرجل، قال عامر بن الطفيل:
لبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا = جبانا فما عذري لدى كل مشهد؟
و «عاقر» بناء فاعل وهو على النسب وليس بجار على الفعل، والإشارة بذلك في قوله: كذلك اللّه، يحتمل أن تكون إلى هذه الغريبة التي بشر بها أي كهذه القدرة المستغربة هي قدرة الله، ففي الكلام حذف مضاف، والكلام تام في قوله: كذلك اللّه وقوله: يفعل ما يشاء شرح الإبهام الذي في ذلك، ويحتمل أن تكون الإشارة بذلك إلى حال زكرياء وحال امرأته كأنه قال: ربّ على أي وجه يكون لنا غلام ونحن بحال كذا؟ فقال له: كما أنتما يكون لكما الغلام، والكلام تام على هذا التأويل في قوله: كذلك وقوله: اللّه يفعل ما يشاء جملة مبينة مقررة في النفس وقوع هذا الأمر المستغرب). [المحرر الوجيز: 2/212-213]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: قال ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزاً واذكر ربّك كثيراً وسبّح بالعشيّ والإبكار (41)
«الآية» العلامة، وقال الربيع والسدي وغيرهما: إن زكرياء قال: يا رب إن كان ذلك الكلام من قبلك والبشارة حق، فاجعل لي علامة أعرف صحة ذلك بها، فعوقب على هذا الشك في أمر الله، بأن منع الكلام ثلاثة أيام مع الناس، وقالت فرقة من المفسرين: لم يشك قط زكرياء وإنما سأل عن الجهة التي بها يكون الولد وتتم البشارة فلما قيل له كذلك اللّه يفعل ما يشاء [آل عمران: 40] سأل علامة على وقت الحمل ليعرف متى يحمل بيحيى.
واختلف المفسرون هل كان منعه الكلام لآفة نزلت به أم كان ذلك لغير آفة فقال جبير بن نفير، ربا لسانه في فيه حتى ملأه ثم أطلقه الله بعد ثلاث، وقال الربيع وغيره: عوقب لأن الملائكة شافهته بالبشارة فسأل بعد ذلك علامة فأخذ الله عليه لسانه، فجعل لا يقدر على الكلام، وقال قوم من المفسرين: لم تكن آفة، ولكنه منع محاورة الناس فلم يقدر عليها، وكان يقدر على ذكر الله قاله الطبري، وذكر نحوه عن محمد بن كعب، ثم استثنى الرمز، وهو استثناء منقطع، وذهب الفقهاء في الإشارة ونحوها، إلى أنها في حكم الكلام في الإيمان ونحوها، فعلى هذا يجيء الاستثناء متصلا، والكلام المراد بالآية إنما هو النطق باللسان لا الإعلام بما في النفس، فحقيقة هذا الاستثناء، أنه منقطع، وقرأ جمهور الناس رمزاً بفتح الراء وسكون الميم، وقرأ علقمة بن قيس، «رمزا» بضمها، وقرأ الأعمش «رمزا» بفتحها، والرمز في اللغة حركة تعلم بما في نفس الرامز بأي شيء كانت الحركة من عين أو حاجب أو شفة أو يد أو عود أو غير ذلك، وقد قيل للكلام المحرف عن ظاهره رموز، لأنها علامات بغير اللفظ الموضوع للمعنى المقصود الإعلام به، وقد يقال للتصويت الدال على معنى رمز، ومنه قول جوية بن عائد: [الوافر]
وكان تكلّم الأبطال رمزا = وغمغمة لهم مثل الهدير
وأما المفسرون فخصص كل واحد منهم نوعا من الرمز في تفسيره هذه الآية، فقال مجاهد: إلّا رمزاً معناه إلا تحريكا بالشفتين، وقال الضحاك: معناه إلا إشارة باليد والرأس، وبه قال السدي وعبد الله ابن كثير، وقال الحسن: أمسك لسانه فجعل يشير بيده إلى قومه، وقال قتادة: إلّا رمزاً، معناه إلا إيماء، وقرأ جمهور الناس: ألّا تكلّم النّاس بنصب الفعل بأن، وقرأ ابن أبي عبلة، «ألا تكلم» برفع الميم، وهذا على أن تكون «أن» مخففة من الثقيلة ويكون فيها ضمير الأمر والشأن التقدير آيتك أنه لا تكلم الناس، والقول بأن هذه الآية نسخها قول النبي عليه السلام: لا صمت يوما إلى الليل قول ظاهر الفساد من جهات، وأمره تعالى بالذكر لربه كثيرا لأنه لم يحل بينه وبين ذكر الله، وهذا قاض بأنه لم تدركه آفة ولا علة في لسانه، وقال محمد بن كعب القرظي: لو كان الله رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكرياء عليه السلام حيث قال: «آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا»، لكنه قال له: واذكر ربّك كثيراً، وقوله تعالى: وسبّح معناه قل سبحان الله، وقال قوم معناه: صلّ والقول الأول أصوب لأنه يناسب الذكر ويستغرب مع امتناع الكلام مع الناس، و «العشي» في اللغة من زوال الشمس إلى مغيبها ومنه قول القاسم بن محمد: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي، و «العشي» من حين يفيء الفيء، ومنه قول حميد بن ثور:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه = ولا الفيء من برد العشيّ تذوق
و «العشي» اسم مفرد عند بعضهم، وجمع عشية عند بعضهم كسفينة وسفين والإبكار مصدر أبكر الرجل إذا بادر أمره من لدن طلوع الشمس، وتتمادى البكرة شيئا بعد طلوع الشمس يقال أبكر الرجل وبكر فمن الأول قول ابن أبي ربيعة: [الطويل]
أمن آل نعمى أنت غاد فمبكر = ... ... ... ...
ومن الثاني قول جرير: [الطويل]
ألا بكرت سلمى فجدّ بكورها = وشقّ العصا بعد اجتماع أميرها
وقال مجاهد في تفسير الإبكار: أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب). [المحرر الوجيز: 2/214-216]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 06:36 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({هنالك دعا زكريّا ربّه قال ربّ هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً إنّك سميع الدّعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب أنّ اللّه يبشّرك بيحيى مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه وسيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين (39) قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال كذلك اللّه يفعل ما يشاء (40) قال ربّ اجعل لي آيةً قال آيتك ألا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشيّ والإبكار (41)}
لمّا رأى زكريّا، عليه السّلام، أنّ اللّه تعالى يرزق مريم، عليها السّلام، فاكهة الشّتاء في الصّيف، وفاكهة الصّيف في الشّتاء، طمع حينئذٍ في الولد، و [إن] كان شيخًا كبيرًا قد [ضعف و] وهن منه العظم، واشتعل رأسه شيبًا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرةً وعاقرًا، لكنّه مع هذا كلّه سأل ربّه وناداه نداءً خفيا، وقال: {ربّ هب لي من لدنك} أي: من عندك {ذرّيّةً طيّبةً} أي: ولدًا صالحًا {إنّك سميع الدّعاء} ). [تفسير القرآن العظيم: 2/37]

تفسير قوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (قال اللّه تعالى: {فنادته الملائكة وهو قائمٌ يصلّي في المحراب} أي: خاطبته الملائكة شفاهًا خطابًا أسمعته، وهو قائمٌ يصلّي في محراب عبادته، ومحلّ خلوته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثمّ أخبر عمّا بشّرته به الملائكة: {أنّ اللّه يبشّرك بيحيى} أي: بولدٍ يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنّما سمّي يحيى لأنّ اللّه تعالى أحياه بالإيمان.
وقوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} روى العوفيّ وغيره عن ابن عبّاسٍ. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهدٌ وأبو الشّعثاء والسّدي والرّبيع بن أنسٍ، والضّحّاك، وغيرهم في هذه الآية: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الرّبيع بن أنسٍ: هو أوّل من صدّق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جريج: قال ابن عبّاسٍ في قوله: {مصدّقًا بكلمةٍ من اللّه} قال: كان يحيى وعيسى ابني خالةٍ، وكانت أمّ يحيى تقول لمريم: إنّي أجد الّذي في بطني يسجد للّذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى: تصديقه له في بطن أمّه، وهو أوّل من صدّق عيسى، وكلمة اللّه عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السّلام، وهكذا قال السّدّيّ أيضًا.
وقوله: {وسيّدًا} قال أبو العالية، والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة، وسعيد بن جبيرٍ، وغيرهم: الحكيم وقال قتادة: سيّدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عبّاسٍ، والثّوريّ، والضّحّاك: السّيّد الحكيم المتّقي وقال سعيد بن المسيّب: هو الفقيه العالم. وقال عطيّة: السّيّد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الّذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيدٍ: هو الشّريف. وقال مجاهدٌ وغيره هو الكريم على اللّه، عزّ وجلّ.
وقوله: {وحصورًا} روي عن ابن مسعودٍ، وابن عبّاسٍ، ومجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، وأبي الشّعثاء، وعطيّة العوفي أنّهم قالوا: هو الّذي لا يأتي النّساء. وعن أبي العالية والرّبيع بن أنسٍ: هو الّذي لا يولد له. وقال الضّحّاك: هو الّذي لا ولد له ولا ماء له.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جريرٌ، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ في الحصور: الّذي لا ينزل الماء، وقد روى ابن أبي حاتمٍ في هذا حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدّثنا أبو جعفرٍ محمّد بن غالبٍ البغداديّ، حدّثني سعيد بن سليمان، حدّثنا عبادة -يعني ابن العوّام-عن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن العاص -لا يدري عبد اللّه أو عمرٌو-عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {وسيّدًا وحصورًا} قال: ثمّ تناول شيئًا من الأرض فقال: "كان ذكره مثل هذا".
ثمّ قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ القطّان، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ؛ أنّه سمع سعيد بن المسيّب، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحدٌ من خلق اللّه لا يلقاه بذنبٍ غير يحيى بن زكريّا، ثمّ قرأ سعيدٌ: {وسيّدًا وحصورًا} ثمّ أخذ شيئًا من الأرض فقال الحصور ما كان ذكره مثل ذي وأشار يحيى بن سعيدٍ القطّان بطرف إصبعه السّبّابة. فهذا موقوفٌ وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحّة المرفوع نظرٌ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
وقد قال القاضي عياضٌ في كتابه الشّفاء: اعلم أنّ ثناء اللّه تعالى على يحيى أنّه كان {حصورًا} ليس كما قاله بعضهم: إنّه كان هيّوبًا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذّاق المفسّرين ونقّاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصةٌ وعيبٌ ولا تليق بالأنبياء، عليهم السّلام، وإنّما معناه: أنّه معصومٌ من الذّنوب، أي لا يأتيها كأنّه حصر عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشّهوات. وقيل: ليست له شهوةٌ في النّساء.
وقد بان لك من هذا أنّ عدم القدرة على النّكاح نقصٌ، وإنّما الفضل في كونها موجودةً ثمّ قمعها: إمّا بمجاهدةٍ كعيسى أو بكفايةٍ من اللّه عزّ وجلّ، كيحيى، عليه السّلام. ثمّ هي حقٌّ من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربّه درجةً علياء، وهي درجة نبيّنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلم الّذي لم يشغله كثرتهنّ عن عبادة ربّه، بل زاده ذلك عبادةً، بتحصينهنّ وقيامه عليهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إيّاهنّ. بل قد صرّح أنّها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حبّب إليّ من دنياكم".
هذا لفظه. والمقصود أنّه مدح يحيى بأنّه حصورٌ ليس أنّه لا يأتي النّساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنّه معصومٌ عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنّساء الحلال وغشيانهنّ وإيلادهنّ، بل قد يفهم وجود النّسل له من دعاء زكريّا المتقدّم حيث قال: {هب لي من لدنك ذرّيّةً طيّبةً} كأنّه قال: ولدًا له ذرّيّةٌ ونسلٌ وعقب، واللّه سبحانه وتعالى أعلم.
[وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي حدّثنا عيسى بن حمّادٍ زغبة ومحمّد بن سلمة المراديّ قالا حدّثنا حجّاجٌ، عن سلمان بن القمريّ، عن اللّيث بن سعدٍ، عن محمّد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "كلّ ابن آدم يلقى اللّه بذنبٍ قد أذنبه يعذّبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلّا يحيى بن زكريّا، فإنّه كان سيّدًا وحصورًا ونبيًّا من الصّالحين"، ثمّ أهوى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى قذاةٍ من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذه القذاة"].
قوله: {ونبيًّا من الصّالحين} هذه بشارةٌ ثانيةٌ بنبوّة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأمّ موسى: {إنّا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [القصص: 7] فلمّا تحقّق زكريّا، عليه السّلام، هذه البشارة أخذ يتعجّب من وجود الولد منه بعد الكبر). [تفسير القرآن العظيم: 2/37-39]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال ربّ أنّى يكون لي غلامٌ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقرٌ قال} أي الملك: {كذلك اللّه يفعل ما يشاء} أي: هكذا أمر اللّه عظيمٌ، لا يعجزه شيءٌ ولا يتعاظمه أمرٌ). [تفسير القرآن العظيم: 2/39]

تفسير قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({قال ربّ اجعل لي آيةً} أي: علامةً أستدلّ بها على وجود الولد منّي {قال آيتك ألا تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلا رمزًا} أي: إشارةً لا تستطيع النّطق، مع أنّك سويٌّ صحيحٌ، كما في قوله: {ثلاث ليالٍ سويًّا} [مريم: 10] ثمّ أمر بكثرة الذّكر والشّكر والتّسبيح في هذه الحال، فقال: {واذكر ربّك كثيرًا وسبّح بالعشيّ والإبكار} وسيأتي طرفٌ آخر في بسط هذا المقام في أوّل سورة مريم، إن شاء اللّه تعالى). [تفسير القرآن العظيم: 2/39]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:15 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة