العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:02 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (110) إلى الآية (112) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (110) إلى الآية (112) ]

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:11 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) )
قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ المَصْرِيُّ (ت: 197 هـ): (وقال الحسن في قول الله: {كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس}، قال: كنتم خير الناس للناس). [الجامع في علوم القرآن: 2/49]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (نا إسرائيل عن سماك بن جرير عن سعيد بن جبير ابن عباس في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قال هم الذين هاجروا مع محمد إلى المدينة). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده أنه سمع النبي يقول في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس قال أنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله تعالى.
- معمر وقال الكلبي أنتم خير الناس للناس). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110]
- حدّثنا محمّد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، قال: «خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السّلاسل في أعناقهم، حتّى يدخلوا في الإسلام»). [صحيح البخاري: 6/37-38]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس)
ذكر فيه حديث أبي هريرة في تفسيرها غير مرفوع وقد تقدم في أواخر الجهاد من وجهٍ آخر مرفوعًا وهو يردّ قول من تعقّب البخاريّ فقال هذا موقوفٌ لا معنى لإدخاله في المسند
- قوله سفيان هو الثّوريّ قوله عن ميسرة هو بن عمّارٍ الأشجعيّ كوفيٌّ ثقةٌ ما له في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر تقدّم في بدء الخلق ويأتي في النّكاح وشيخه أبو حازم بمهملة ثمّ زاي هو سليمان الأشجعيّ وقوله خير النّاس للنّاس أي خير بعض النّاس لبعضهم أي أنفعهم لهم وإنّما كان ذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم وبهذا التّقرير يندفع تعقب من زعم بأنّ التّفسير المذكور ليس بصحيحٍ وروى بن أبي حاتمٍ والطّبريّ من طريق السّدّيّ قال: قال عمر لو شاء اللّه لقال أنتم خير أمّةٍ فكنّا كلّنا ولكن قال كنتم فهي خاصّةٌ لأصحاب محمّدٍ ومن صنع مثل صنيعهم وهذا منقطعٌ وروى عبد الرّزّاق وأحمد والنّسائيّ والحاكم من حديث بن عبّاسٍ بإسنادٍ جيّدٍ قال هم الّذين هاجروا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا أخصّ من الّذي قبله وللطّبرانيّ من طريق بن جريج عن عكرمة قال نزلت في بن مسعودٍ وسالمٍ مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعبٍ ومعاذ بن جبلٍ وهذا موقوفٌ فيه انقطاعٌ وهو أخصّ ممّا قبله وروى الطّبريّ من طريق مجاهدٍ قال معناه على الشّرط المذكور تأمرون بالمعروف إلخ وهذا أعمّ وهو نحو الأوّل وجاء في سبب هذا الحديث ما أخرجه الطّبريّ وبن أبي حاتمٍ من طريق عكرمة قال كان من قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا ولا هذا في بلاد هذا فلمّا كنتم أنتم أمن فيكم الأحمر والأسود ومن وجهٍ آخر عنه قال لم تكن أمّةٌ دخل فيها من أصناف النّاس مثل هذه الأمّة وعن أبيّ بن كعبٍ قال لم تكن أمّةٌ أكثر استجابةٍ في الإسلام من هذه الأمّة أخرجه الطّبريّ بإسنادٍ حسنٍ عنه وهذا كلّه يقتضي حملها على عموم الأمّة وبه جزم الفرّاء واستشهد بقوله واذكروا إذ أنتم قليل وقوله واذكروا إذ كنتم قليلا قال وحذف كان في مثل هذا وإظهارها سواءٌ وقال غيره المراد بقوله كنتم في اللّوح المحفوظ أو في علم اللّه تعالى ورجّح الطّبريّ أيضًا حمل الآية على عموم الأمّة وأيّد ذلك بحديث بهز بن حكيمٍ عن أبيه عن جدّه سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في هذه الآية كنتم خير أمة أخرجت للنّاس قال أنتم متمّون سبعين أمّةٍ أنتم خيرها وأكرمها على اللّه وهو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أخرجه التّرمذيّ وحسنه وبن ماجه والحاكم وصحّحه وله شاهدٌ مرسلٌ عن قتادة عند الطّبريّ رجاله ثقاتٌ وفي حديث عليٍّ عند أحمد بإسنادٍ حسنٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال وجعلت أمّتي خير الأمم). [فتح الباري: 8/224-225]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (7 - (بابٌ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} (آل عمران: 110)

أي: هذا باب في قوله تعالى: (كنتم خير أمة) أي: وجدتم خير أمة وقيل: كنتم في علم الله خير أمة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به وروى عبد بن حميد عن ابن عبّاس: هم الّذين هاجروا مع النّبي صلى الله عليه وسلم. وروى الطّبريّ عن السّديّ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو شاء الله عز وجل لقال: أنتم خير أمة، ولو قال لكنا كلنا ولكن هذا خاص بالصحابة ومن صنع مثل ما صنعوا كانوا خير أمة وقال الواحدي: إن رؤوس اليهود، وعدد منهم جماعة منهم ابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنيهم، عبد الله بن سلام وأصحابه، فآذوهم لإسلامهم، فنزلت وقال مقاتل: نزلت في أبي ومعاذ وابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وذلك أن مالك بن الضّيف ووهب بن يهودا قالا للمسلمين ديننا خير ممّا تدعوننا إليه ونحن خير، وأوصل منكم فنزلت. ويقال: هذا الخطاب للصحابة وهو يعم سائر الأمة قوله: (أخرجت) قال الزّمخشريّ أي: أظهرت. قوله: (للنّاس) يعني: خير النّاس للنّاس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع النّاس للنّاس، ولهذا قال: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وهذا هو الشّرط في هذه الخيريّة وقال الزّمخشريّ: تأمرون، كلام مستأنف بيّن به كونهم خير أمة.

- حدّثنا محمّد بن يوسف عن سفيان عن ميسرة عن أبي حازمٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتّى يدخلوا في الإسلام.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة. ومحمّد بن يوسف أبو أحمد البخاريّ البيكندي، وسفيان هو الثّوريّ، وميسرة ضد الميمنة ابن عمار الأشجعيّ الكوفي، وماله في البخاريّ سوى هذا الحديث وآخر تقدم في بدء الخلق، وأبو حازم بالحاء المهملة والزّاي هو سلمان الأشجعيّ. والحديث أخرجه النّسائيّ أيضا في التّفسير عن محمّد بن عبد الله المخزومي.
قوله: (خير النّاس) ، أي: خير بعض النّاس لبعضهم وأنفعهم لهم من يأتي بأسير مقيّد في السلسلة إلى دار الإسلام فيسلم، وإنّما كان خيرا لأنّه بسببه صار مسلما، وحصل أصله جميع السعادات الدنياوية والأخراوية). [عمدة القاري: 18/148]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (7 - باب {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({كنتم خير أمة أخرجت للناس}) [آل عمران: 110]. قيل كان ناقصة على بابها فتصلح للانقطاع نحو: كان زيد قائمًا، وللدوام نحو: {وكان الله غفورًا رحيمًا} فهي بمنزلة لم يزل وهذا بحسب القرائن فقوله: {كنتم خير أمة} لا يدل على أنهم لم يكونوا خيرًا فصاروا خيرًا أو انقطع ذلك عنهم، وقال في الكشاف: كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ ومنه قوله تعالى: {وكان الله غفورًا رحيمًا} و {كنتم خير أمة} كأنه قيل وجدتم خير أمة. قال أبو حبان: قوله لم يدل على عدم سابق هذا إذا لم تكن بمعنى صار فإذا كانت بمعنى صار دلت على عدم سابق.
فإذا قلت: كان زيد عالمًا بمعنى صار زيد عالمًا دلت على أنه انتقل من حالة الجهل إلى حالة العلم؛ وقوله ولا على انقطاع طارئ قد سبق أن الصحيح أنها كسائر الأفعال يدل لفظ المضي منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال ألا ترى أنك تقول هذا اللفظ يدل على العموم ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم بل يزاد الخصوص، وقوله: كأنه قيل وجدتم خير أمة بدل على أنها التامة وأن خبر أمة حال، وقوله: وكان الله غفورًا رحيمًا، لا شك أنها الناقصة فتعارضا.
وأجاب أبو العباس الحلبي: بأنه لا تعارض لأن هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب، وقيل إن كان هنا تامة بمعنى وجدتم وحينئذ فخير أمة نصب على الحال، وقيل زائدة أي أنتم خير أمة، والخطاب للصحابة وهذا مرجوح أو غلط لأنها لا تزاد أولًا، وقد نقل ابن مالك الاتفاق عليه، وقيل الخطاب لجميع الأمة أي كنتم في علم الله، وقيل في اللوح المحفوظ.
وعن ابن عباس فيما رواه أحمد في مسنده والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه قال: هم الذين هاجروا مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، والصحيح كما قاله ابن كثير العموم في جميع الأمة كل قرن بحسبه وخير قرونهم الذين بعث فيهم صلّى اللّه عليه وسلّم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وفي سنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم وحسنه الترمذي عن معاوية بن حيدة مرفوعًا: أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل.
- حدّثنا محمّد بن يوسف، عن سفيان عن ميسرة عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة رضي الله عنه {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110] قال: خير النّاس للنّاس تأتون بهم في السّلاسل، في أعناقهم حتّى يدخلوا في الإسلام.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي (عن سفيان) الثوري (عن ميسرة) ضد الميمنة ابن عمار الأشجعي (عن أبي هريرة رضي الله عنه) في قوله تعالى: ({كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس) أي خير بعض الناس لبعضهم أي أنفعهم لهم، وإنما كان كذلك لأنكم (تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام) فهم سبب في إسلامهم وقول الزركشي وغيره قيل ليس هذا التفسير بصحيح ولا معنى لإدخاله في المسند لأنه لم يرفعه ليس بصحيح بل إساءة أدب لا ينبغي ارتكاب مثلها، وقد تقدم من وجه آخر في أواخر الجهاد مرفوعًا بلفظ: عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل يعني الأسارى الذين يقدم بهم أهل الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود ثم بعد ذلك يسلمون وتصلح سرائرهم وأعمالهم فيكونون من أهل الجنة.
وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير). [إرشاد الساري: 7/61-62]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا عبد الرّزّاق، عن معمرٍ، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه، أنّه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: أنتم تتمّون سبعين أمّةً أنتم خيرها وأكرمها على الله هذا حديثٌ حسنٌ، وقد روى غير واحدٍ هذا الحديث عن بهز بن حكيمٍ نحو هذا، ولم يذكروا فيه {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} ). [سنن الترمذي: 5/76]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}
- أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المبارك، حدّثنا أبو داود الحفريّ، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، قال: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110] قال: نحن خير النّاس للنّاس، نجيء بهم الأغلال في أعناقهم، فندخلهم في الإسلام "
[السنن الكبرى للنسائي: 10/48]
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا عمرٌو، حدّثنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، في قول الله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110] قال: هم الّذين هاجروا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم من مكّة إلى المدينة "). [السنن الكبرى للنسائي: 10/49]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}
اختلف أهل التّأويل في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} فقال بعضهم: هم الّذين هاجروا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، من مكّة إلى المدينة، وخاصّةً من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عمرو بن حمّادٍ، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال في: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: هم الّذين خرجوا معه من مكّة.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن عطيّة، عن قيسٍ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: هم الّذين هاجروا من مكّة إلى المدينة.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} قال عمر بن الخطّاب: لو شاء اللّه لقال أنتم، فكنّا كلّنا، ولكن قال: {كنتم} في خاصّةٍ من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ومن صنع مثل صنيعهم، كانوا خير أمّةٍ أخرجت للنّاس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال عكرمة: نزلت في ابن مسعودٍ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعبٍ، ومعاذ بن جبلٍ.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عمّن حدّثه قال عمر: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: تكون لأوّلنا، ولا تكون لآخرنا.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: هم الّذين هاجروا مع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب قال في حجّةٍ حجّها ورأى من النّاس رعةً سيّئةً، فقرأ هذه: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} الآية، ثمّ قال: يا أيّها النّاس من سرّه أن يكون من تلك الأمّة، فليؤدّ شرط اللّه منها.
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: هم أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خاصّةً، يعني وكانوا هم الرّواة الدّعاة الّذين أمر اللّه المسلمين بطاعتهم
وقال آخرون: معنى ذلك: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، إذ كنتم بهذه الشّروط الّتي وصفهم جلّ ثناؤه بها، فكان تأويل ذلك عندهم: كنتم خير أمّةٍ تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون باللّه أخرجوا للنّاس في زمانكم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قول اللّه عزّ وجلّ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} يقول: على هذا الشّرط أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا باللّه، يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه كقوله: {ولقد اخترناهم على علمٍ على العالمين}.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: يقول: كنتم خير النّاس للنّاس، على هذا الشّرط أن تأمروا بالمعروف، وتنهوا عن المنكر، وتؤمنوا باللّه، يقول لمن بين ظهريه كقوله: {ولقد اخترناهم على علمٍ على العالمين}.
- وحدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: كنتم خير النّاس للنّاس، تجيئون بهم في السّلاسل، تدخلونهم في الإسلام.
- حدّثنا عبيد بن أسباطٍ، قال: حدّثنا أبي، عن فضيل بن مرزوقٍ، عن عطيّة، في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: خير النّاس للنّاس.
وقال آخرون: إنّما قيل: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} لأنّهم أكثر الأمم استجابةً للإسلام.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} قال: لم تكن أمّةٌ أكثر استجابةٍ في الإسلام من هذه الأمّة فمن ثمّ قال: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}.
وقال بعضهم: عنى بذلك أنّهم كانوا خير أمّةٍ أخرجت للنّاس.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} قال: قد كان ما تسمع من الخير في هذه الأمّة.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعدٌ، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: نحن آخرها وأكرمها على اللّه
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قال الحسن.وذلك أنّ: يعقوب بن إبراهيم.
- حدّثني قال: حدّثنا ابن عليّة، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: ألا إنّكم وفّيتم سبعين أمّةٍ أنتم آخرها وأكرمها على اللّه.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدّه أنّه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: أنتم تتمّون سبعين أمّةٍ أنتم خيرها وأكرمها على اللّه.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ذات يومٍ، وهو مسندٌ ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمّةٍ نحن آخرها وخيرها.
وأمّا قوله: {تأمرون بالمعروف} فإنّه يعني: تأمرون بالإيمان باللّه ورسوله، والعمل بشرائعه {وتنهون عن المنكر} يعني: وتنهون عن الشّرك باللّه، وتكذيب رسوله، وعن العمل بما نهى عنه.
- كما: حدّثنا عليّ بن داود، قال: حدّثنا عبد اللّه بن صالحٍ، قال: حدّثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} يقول: تأمرونهم بالمعروف أن يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه، والإقرار بما أنزل اللّه، وتقاتلونهم عليه، ولا إله إلاّ اللّه هو أعظم المعروف، وتنهونهم عن المنكر، والمنكر: هو التّكذيب، وهو أنكر المنكر
وأصل المعروف: كلّ ما كان معروفًا فعله جميلٌ مستحسنٌا غير مستقبلٍ في أهل الإيمان باللّه. وإنّما سمّيت طاعة اللّه معروفًا؛ لأنّه ممّا يعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله، وأصل المنكر ما أنكره اللّه، ورأوه قبيحًا فعله، ولذلك سمّيت معصية اللّه منكرًا، لأنّ أهل الإيمان باللّه يستنكرون فعلها، ويستعظمون ركوبها.
وقوله: {وتؤمنون باللّه} يعني: تصدّقون باللّه، فتخلصون له التّوحيد والعبادة.
فإن سأل سائلٌ فقال: وكيف قيل: {كنتم خير أمّةٍ} وقد زعمت أنّ تأويل الآية أنّ هذه الأمّة خير الأمم الّتي مضت، وإنّما يقال: كنتم خير أمّةٍ، لقومٍ كانوا خيارًا فتغيّروا عمّا كانوا عليه؟
قيل: إنّ معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنّما معناه: أنتم خير أمّةٍ، كما قيل: {واذكروا إذ أنتم قليلٌ}، وقد قال في موضعٍ آخر: {واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثّركم} فإدخال كان في مثل هذا وإسقاطها بمعنًى واحدٍ، لأنّ الكلام معروفٌ معناه.
ولو قال أيضًا في ذلك قائلٌ: كنتم بمعنى التّمام، كان تأويله: خلقتم خير أمّةٍ، أو وجدتم خير أمّةٍ، كان معنًى صحيحًا.
وقد زعم بعض أهل العربيّة أنّ معنى ذلك: كنتم خير أمّةٍ عند اللّه في اللّوح المحفوظ أخرجت للنّاس.
والقولان الأوّلان اللّذان قلنا أشبه بمعنى الخبر الّذي رويناه قبل.
وقال آخرون معنى ذلك: كنتم خير أهل طريقةٍ، وقال: الأمّة الطّريقة). [جامع البيان: 5/671-677]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم، منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}.
يعني بذلك تعالى ذكره: ولو صدّق أهل التّوراة والإنجيل من اليهود والنّصارى بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، وما جاءهم به من عند اللّه، لكان خيرًا لهم عند اللّه في عاجل دنياهم، وآجل آخرتهم {منهم المؤمنون} يعني من أهل الكتاب من اليهود والنّصارى، المؤمنون المصدّقون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما جاءهم به من عند اللّه، وهم عبد اللّه بن سلامٍ وأخوه، وثعلبة بن سعية وأخوه، وأشباههم ممّن آمنوا باللّه، وصدّقوا برسوله محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، واتّبعوا ما جاءهم به من عند اللّه {وأكثرهم الفاسقون} يعني: الخارجون عن دينهم، وذلك أنّ من دين اليهود اتّباع وبما في التّوراة، والتّصديق بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم، ومن دين النّصارى اتّباع ما في الإنجيل، والتّصديق به وبما في التّوراة، وفي كلا الكتابين صفة محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم ونعته، ومبعثه، وأنّه نبيّ اللّه، وكلتا الفرقتين، أعني اليهود والنّصارى مكذّبةٌ، فذلك فسقهم وخروجهم عن دينهم الّذي يدّعون أنّهم يدينون به الّذي قال جلّ ثناؤه {وأكثرهم الفاسقون}.
وقال قتادة.بما:
- حدّثنا بشر بن معاذٍ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} ذمّ اللّه أكثر النّاس). [جامع البيان: 5/677-678]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للناس
[الوجه الأول]
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، أنبأ عبد الرزاق ، أنبأ معمر، عن بهز بن حكيم عن أبيه ، عن أنّه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في قوله: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: أنتم تتمّون سبعين أمّةً أنتم خيرها وأكرمها على اللّه.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرزاق ، أنبأ إسرائيل عن سماكٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: هم الّذين هاجروا مع محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة، وروي عن سعيد بن جبيرٍ نحو ذلك.
والوجه الثّالث:
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا عبد اللّه، عن إسرائيل، عن السّدّيّ، عمّن حدّثه عن عمر: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: تكون لأوّلنا ولا تكون لآخرنا.
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: قال عمر بن الخطّاب:
لو شاء اللّه تعالى لقال: أنتم فكنّا كلّنا ولكن قال: كنتم في خاصّة أصحاب محمّدٍ ومن صنع مثل صنيعهم كانوا خير أمّةٍ أخرجت للنّاس.
والوجه الرّابع:
- حدّثنا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن ميسرة يعني: ابن عمّارٍ وليس بابن حبيبٍ، عن أبي حازمٍ عن أبي هريرة: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال:
خير النّاس للنّاس يجاء بهم وفي أعناقهم السّلاسل حتّى يدخلهم في الإسلام.
- حدّثنا أبي، ثنا القاسم بن محمّد بن الحارث، ثنا عليّ بن الحسن بن شقيقٍ، عن الحسين بن واقدٍ، عن يزيد النّحويّ عن عكرمة كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: خير النّاس للنّاس كان قبلكم لا يأمن هذا في بلاد هذا، ولا هذا في بلاد هذا، فكلّما كنتم أمن فيكم الأحمر والأسود، وأنتم خير النّاس للنّاس
وروي عن ابن عبّاسٍ ومجاهدٍ والرّبيع بن أنسٍ، وعطاءٍ، وعطيّة أنّهم قالوا: خير النّاس للنّاس.
والوجه الخامس:
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه، عن الرّبيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعبٍ قوله: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: لم تكن أمّةٌ أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمّة فمن ثمّ قال:
كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس
والوجه السّادس:
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أحمد بن صبيحٍ الكوفيّ، ثنا عنبسة العابد، عن جابرٍ عن أبي جعفرٍ كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: خير أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
الوجه السّابع:
- ذكر عن عبيد اللّه بن موسى، عن عيسى بن موسى، عن عطيّة:
كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: خير النّاس للنّاس شهدتم للنّبيّين الّذين كفر بهم قومهم بالبلاغ.
والوجه الثّامن:
- حدّثنا أبي أنبأ مالك بن إسماعيل، ثنا زهيرٌ، ثنا خصيفٌ، عن عكرمة في قوله: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس قال: لم تكن أمّةٌ دخل فيها من أصناف النّاس غير هذه الأمّة.
قوله تعالى: تأمرون بالمعروف
- حدّثنا أبي، ثنا أبو صالحٍ كاتب اللّيث، حدّثني معاوية بن صالحٍ عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ، يعني قوله: تأمرون بالمعروف يقول:
تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، والا قرار بما أنزل اللّه ويقاتلونهم عليه، ولا إله إلا لله أعظم المعروف.
وروي عن أبي العالية قال: التوحيد.
قوله تعالى: وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه
- وبه عن ابن عبّاسٍ، يعني قوله: وتنهون عن المنكر والمنكر: هو التّكذيب وهو أنكر المنكر.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه، حدّثني عبد اللّه، حدّثني عطاءٌ عن سعيد بن جبيرٍ قوله: وتؤمنون باللّه يعني: تصدّقون توحيد اللّه.
قوله تعالى: ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيدٍ، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روقٍ عن الضّحّاك، عن ابن عبّاسٍ قوله: آمن قال صدّق.
قوله تعالى: منهم المؤمنون
- أخبرنا موسى بن هارون الطّوسيّ فيما كتب إليّ، ثنا الحسين بن محمّدٍ المرّوذيّ، ثنا شيبان، عن قتادة قوله: منهم المؤمنون قال: استثنى اللّه منهم ثلاثةً كانوا على الهدى والحقّ.
قوله تعالى: وأكثرهم الفاسقون
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: وأكثرهم الفاسقون قال: ذمّ اللّه أكثر النّاس.
قوله تعالى: الفاسقون
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى، حدّثني عبد اللّه، حدّثني عطاءٌ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: الفاسقون يعني هم العاصون). [تفسير القرآن العظيم: 2/731-734]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله كنتم خير أمة أخرجت للناس يقول أنتم خير الناس للناس). [تفسير مجاهد: 133]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم وتنهون عن المنكر قال عن الشرك). [تفسير مجاهد: 133]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (أخبرنا أبو عبد اللّه محمّد بن عبد اللّه الزّاهد الأصبهانيّ، ثنا أحمد بن مهران الأصبهانيّ، ثنا عبيد اللّه بن موسى، أنبأ إسرائيل، عن سماك بن حربٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما، في قوله عزّ وجلّ " {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110] قال: هم الّذين هاجروا مع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم من مكّة إلى المدينة «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/323]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (ت) بهز بن حكيم - رضي الله عنه - عن أبيه عن جده أنه سمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم- يقول في قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للناس} [آل عمران: 110] قال: «أنتم تتمّون سبعين أمّة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله». أخرجه الترمذي). [جامع الأصول: 2/69]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} [آل عمران: 110].
- «عن ابن عبّاسٍ في قوله عزّ وجلّ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]، قال: هم الّذين هاجروا مع محمّدٍ، صلّى اللّه عليه وسلّم».
رواه أحمد والطّبرانيّ، ورجال أحمد رجال الصّحيح). [مجمع الزوائد: 6/327]
قال أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت: 840هـ) : (وقال الحارث بن محمّد بن أبي أسامة: ثنا الحسن بن قتيبة، ثنا إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ- رضي اللّه عنهما- "في قوله عزّ وجلّ: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) قال: هم الّذين هاجروا من مكّة إلى المدينة إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم) . هذا إسناد ضعيف؟ لضعف الحسن.
- وقال أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا أحمد بن مفضّلٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن عبد خيرٍ، عن عبد اللّه- رضي اللّه عنه- قال: "ما كنت أرى أحدًا من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يريد الدنيا حتى نزلت قوله تعالى (منكم من يريد الدّنيا ومنكم من يريد الآخرة) ). [إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة: 6/191]
قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وقال الحارث: حدثنا الحسن بن قتيبة، ثنا إسرائيل عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، هم الّذين هاجروا إلى المدينة). [المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية: 14/550]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 110 - 112
أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد والفريابي وأحمد والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: قال عمر بن الخطاب: لو شاء الله لقال: أنتم، فكنا كلنا ولكن قال {كنتم} في خاصة أصحاب محمد ومن صنع مثل صنيعهم كانوا {خير أمة أخرجت للناس}.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي عمن حدثه عن عمر في قوله {كنتم خير أمة} قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة في الآية قال: نزلت في ابن مسعود وعمار بن يسار وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية
{كنتم خير أمة أخرجت للناس} الآية، ثم قال: يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط الله منها.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} يقول: على هذا الشرط، أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتؤمنوا بالله، يقول: لمن أنتم بين ظهرانيه كقوله (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) (الدخان الآية 32).
وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد والبخاري والنسائي، وابن جرير، وابن المنذرو ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة عن ابن عباس {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لم تكن أمة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمة فمن ثم قال {كنتم خير أمة أخرجت للناس}.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد وأحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه عن معاوية بن حيدة أنه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم وهو مسند ظهره إلى الكعبة: نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها.
وأخرج أحمد بسند حسن، عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء: نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورا وجعلت أمتي خير الأمم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: أهل بيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عطية في الآية قال: خير الناس للناس، شهدتم للنبيين الذين كذبهم قومهم بالبلاغ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في الآية قال: لم تكن أمة دخل فيها من أصناف الناس غير هذه الأمة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} يقول: تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما أنزل الله ويقاتلونهم عليه، ولا إله إلا الله هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {منهم المؤمنون} قال: استثنى الله منهم ثلاثة كانوا على الهدى والحق.
وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وأكثرهم الفاسقون} قال: ذم الله أكثر الناس). [الدر المنثور: 3/724-730]

تفسير قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون}.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: لن يضرّكم يا أهل الإيمان باللّه ورسوله، هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب بكفرهم، وتكذيبهم نبيّكم محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم شيئًا إلاّ أذًى، يعني بذلك ولكنّهم يؤذونكم بشركهم، وإسماعكم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمّه وعزيرٍ، ودعائهم إيّاكم إلى الضّلالة، ولا يضرّونكم بذلك.
وهذا من الاستثناء المنقطع الّذي هو مخالفٌ معنى ما قبله، كما قيل ما اشتكى شيئًا إلاّ خيرًا، وهذه كلمةٌ محكيّةٌ عن العرب سماعًا.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى} يقول: لن يضرّوكم إلاّ أذًى تسمعونه منهم.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى} قال: أذًى تسمعونه منهم.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قوله: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى} قال: إشراكهم في عزيرٍ وعيسى والصّليب.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى} الآية، قال: تسمعون منهم كذبًا على اللّه، يدعونكم إلى الضّلالة). [جامع البيان: 5/678-679]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإن يقاتلكم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى، يهزموا عنكم، فيولّوكم أدبارهم انهزامًا.
فقوله: {يولّوكم الأدبار} كنايةٌ عن انهزامهم؛ لأنّ المنهزم يحوّل ظهره إلى جهة الطّالب هربًا إلى ملجأٍ، وموئلٍ يئل إليه منه، خوفًا على نفسه، والطّالب في أثره، فدبر المطلوب حينئذٍ يكون محاذي وجه الطّالب الهازمة.
{ثمّ لا ينصرون} يعني: ثمّ لا ينصرهم اللّه أيّها المؤمنون عليكم لكفرهم باللّه ورسوله، وإيمانكم بما آتاكم نبيّكم محمّدٌ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد ألقى الرّعب في قلوبهم فايدكم أيّها المؤمنون بنصركم. وهذا وعدٌ من اللّه تعالى ذكره نبيّه محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم وأهل الإيمان نصرهم على الكفرة من أهل الكتاب.
وإنّما رفع قوله: {ثمّ لا ينصرون} وقد جزم قوله: {يولّوكم الأدبار} على جواب الجزاء ائتنافًا للكلام؛ لأنّ رءوس الآيات قبلها بالنّون، فألحق هذه بها، كما قال: {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} رفعًا، وقد قال في موضعٍ آخر: {لا يقضى عليهم فيموتوا} إذ لم يكن رأس آيةٍ). [جامع البيان: 5/680]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لن يضرّوكم إلّا أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون (111)
قوله تعالى: لن يضرّوكم إلا أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، أنبأ أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون فقال: يسمعون كذباً على اللّه يدعوكم إلى الضّلالة. وروي عن قتادة والرّبيع نحو ذلك.
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ عن ابن جريجٍ: لن يضرّوكم إلا أذًى قال: إشراكهم في عزيرٍ وعيسى والصّليب). [تفسير القرآن العظيم: 2/734-735]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {لن يضروكم إلا أذى} قال: تسمعونه منهم.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج {لن يضروكم إلا أذى} قال: اشراكهم في عزير وعيسى والصليب.
وأخرج عن الحسن {لن يضروكم إلا أذى} قال: تسمعون منهم كذبا على الله يدعونكم إلى الضلالة). [الدر المنثور: 3/724-730]

تفسير قوله تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى إلا بحبل من الله وحبل من الناس قال بعهد من الله وعهد من الناس). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا يوسف بن عديٍّ، قال: ثنا رشدين بن سعدٍ، عن يونس بن يزيد، عن عطاءٍ الخراساني في قول اللّه عزّ وجلّ: {بحبلٍ من الله وحبلٍ من الناس} قال: عهدٌ من اللّه وعهدٌ من النّاس). [جزء تفسير عطاء الخراساني: 102]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس وبآءوا بغضبٍ من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}
يعني بقوله جلّ ثناؤه {ضربت عليهم الذّلّة} ألزموا الذّلّة، والذّلّة: الفعلة من الذّلّ.
وقد بيّنّا ذلك بشواهده في غير هذا الموضع.
{أينما ثقفوا} [الأحزاب] يعني: حيثما لقوا، يقول جلّ ثناؤه: ألزم اليهود المكذّبون بمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم الذّلّة أينما كانوا من الأرض، وبأيّ مكانٍ كانوا من بقاعها من بلاد المسلمين والمشركين، إلاّ بحبلٍ من اللّه، وحبلٍ من النّاس.
- كما: حدّثنا محمّد بن بشّارٍ، قال: حدّثنا هوذة، قال: حدّثنا عوفٌ، عن الحسن، في قوله: {ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس وضربت عليهم المسكنة} قال: أدركتهم هذه الأمّة، وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قل: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن، في قوله: {ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} قال: أذلّهم اللّه فلا منعة لهم وجعلهم اللّه تحت أقدام المسلمين.
وأمّا الحبل الّذي ذكره اللّه في هذا الموضع، فإنّه السّبب الّذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين، وعلى أموالهم وذراريّهم من عهدٍ وأمانٍ تقدّم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام.
- كما: حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه} قال: بعهدٍ {وحبلٍ من النّاس} قال: بعهدهم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} يقول: إلاّ بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثله.
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد، عن عثمان بن غياثٍ، قال عكرمة: يقول: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} قال: بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} يقول: إلاّ بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} يقول: إلاّ بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، قوله: {أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} فهو عهدٌ من اللّه، وعهدٌ من النّاس، كما يقول الرّجل: ذمّة اللّه، وذمّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فهو الميثاق.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: {أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} قال: بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس لهم.قال ابن جريجٍ وقال عطاءٌ العهد: حبل اللّه.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} قال: إلاّ بعهدٍ وهم يهود، قال: والحبل: العهد قال: وذلك قول أبي الهيثم بن التّيهان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أتته الأنصار في العقبة: أيّها الرّجل إنّا قاطعون فيك حبالاً بيننا وبين النّاس، يقول: عهودًا قال: واليهود لا يأمنون في أرضٍ من أرض اللّه إلاّ بهذا الحبل الّذي للّه قال عزّ وجلّ، وقرأ: {وجاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة}، قال: فليس بلدٌ فيه أحدٌ من النّصارى إلاّ وهم فوق يهود في شرقٍ ولا غربٍ هم في البلدان كلّها مستذلّون، قال اللّه: {وقطّعناهم في الأرض أممًا} يهود.
- حدّثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: حدّثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضّحّاك، في قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} يقول: بعهدٍ من اللّه، وعهدٍ من النّاس.
- حدّثني يحيى بن أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، مثله.
واختلف أهل العربيّة في المعنى الّذي جلب الباء في قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} فقال بعض نحويّي الكوفة: الّذي جلب الباء في قوله: {بحبلٍ} فعلٌ مضمرٌ قد ترك ذكره، قال: ومعنى الكلام: ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا إلاّ أن يعتصموا بحبلٍ من اللّه، فأضمر ذلك، واستشهد لقوله ذلك بقول الشّاعر:
رأتني بحبليها فصدّت مخافةً = وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
وقال: أراد: أقبلت بحبليها، وبقول الآخر:
حنتني حانيات الدّهر حتّى = كأنّي خاتلٌ أحنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رانى = ولست مفيدا انى بفيد
يريد مقيد بقيد
فأوجب إعمال فعلٍ محذوفٍ وإظهار صلته وهو متروكٌ.
وذلك في مذاهب العربيّة ضعيفٌ، ومن كلام العرب بعيدٌ، وأمّا ما استشهد به لقوله من الأبيات، فغير دالٍ على صحّة دعواه؛ لأنّ في قول الشّاعر: رأتني بحبليها دلالةٌ بيّنةٌ في أنّها رأته بالحبل ممسكًا، ففي إخباره عنها أنّها رأته بحبليها إخبارٌ منه أنّها رأته ممسكًا بالحبلين، فكان فيما ظهر من الكلام مستغنًى عن ذكر الإمساك، وكانت الباء صلةً لقوله: رأتني، كما قول القائل: أنا باللّه مكتفٍ بنفسه، ومعرفة السّامع معناه أن تكون الباء محتاجةً إلى كلامٍ يكون لها جالبًا غير الّذي ظهر، وأنّ المعنى أنا باللّه مستعينٌ.
وقال بعض نحويّي البصرة: قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه} استثناءٌ خارجٌ من أوّل الكلام، قال: وليس ذلك بأشدّ من قوله: {لا يسمعون فيها لغوًا إلاّ سلامًا}.
وقال آخرون من نحويّي الكوفة: هو استثناءٌ متّصلٌ، والمعنى: ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا: أي بكلّ مكانٍ، إلاّ بموضع حبلٍ من اللّه، كما تقول: ضربت عليهم الذّلّة في الأمكنة إلاّ في هذا المكان.
وهذا أيضًا طلب الحز، فأخطأ المفصّل، وذلك أنّه زعم أنّه استثناءٌ متّصلٌ، ولو كان متّصلاً كما زعم لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس غير مضروبةٍ عليهم الذلة، وليس ذلك صفة اليهود؛ لأنّهم أينما ثقفوا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس، أو بغير حبلٍ من اللّه عزّ وجلّ، وغير حبلٍ من النّاس، فالذّلّة مضروبةٌ عليهم على ما ذكرنا عن أهل التّأويل قبل، فلو كان قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس}.استثناءً متّصلاً لوجب أن يكون القوم إذا ثقفوا بعهدٍ وذمّةٍ أن لا تكون الذّلّة مضروبةً عليهم. وذلك خلاف ما وصفهم اللّه به من صفتهم، وخلاف ما هم به من الصّفة، فقد تبيّن أيضًا بذلك فساد قول هذا القائل أيضًا
ولكنّ القول عندنا أنّ الباء في قوله: {إلاّ بحبلٍ من اللّه} أدخلت لأنّ الكلام الّذي قبل الاستثناء مقتضٍ في المعنى الباء، وذلك أنّ معنى قولهم: {ضربت عليهم الذّلّة أينما ثقفوا} ضربت عليهم الذّلّة بكلّ مكانٍ ثقفوا، ثمّ قال: {إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس}.
على غير وجه الاتّصال بالأوّل، ولكنّه على الانقطاع عنه، ومعناه: ولكن قد يثقفون بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس، كما قيل: {وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمنًا إلاّ خطأً} فالخطأ وإن كان منصوبًا بما عمل فيما قبل الاستثناء، فليس قوله باستثناءٍ متّصلٍ بالأوّل بمعنى إلاّ خطأً، فإنّ له قتله كذلك، ولكن معناه: ولكن قد يقتله خطأً، فكذلك قوله: {أينما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه} وإن كان الّذي جلب الباء الّتي بعد إلاّ الفعل الّذي يقتضيها قبل إلاّ، فليس الاستثناء بالاستثناء المتّصل بالّذي قبله بمعنى أنّ القوم إذا لقوا، فالذّلّة زائلةٌ عنهم، بل الذّلّة ثابتةٌ بكلّ حالٍ، ولكن معناه ما بيّنّا آنفًا). [جامع البيان: 5/681-687]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وباءوا بغضبٍ من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ}.
يعني تعالى ذكره: {وباءوا بغضبٍ من اللّه} وتحمّلوا غضب اللّه، فانصرفوا به مستحقّيه وقد بيّنّا أصل ذلك بشواهده، ومعنى المسكنة، وأنّها ذلّ الفاقة والفقر وخشوعهما، ومعنى الغضب من اللّه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: {ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه} يعني جلّ ثناؤه بقوله ذلك: أي بوؤهم الّذي باءوا به من غضب اللّه، وضرب الذّلّة عليهم بدلاً ممّا كانوا يكفرون بآيات اللّه، يقول: ممّا كانوا يجحدون أعلام اللّه وأدلّته على صدق أنبيائه، وما فرض عليهم من فرائضه {ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ} يقول: وبما كانوا يقتلون أنبياءهم ورسل اللّه إليهم، اعتداءً على اللّه، وجراءةً عليه بالباطل، وبغير حقٍّ استحقّوا منهم القتل.
فتأويل الكلام: ألزموا الذّلّة بأيّ مكانٍ لقوا إلاّ بذمّةٍ من اللّه وذمّةٍ من النّاس، وانصرفوا بغضبٍ من اللّه متحمّليه، وألزموا ذلّ الفاقة، وخشوع الفقر، بدلاً ممّا كانوا يجحدون بآيات اللّه وأدلّته وحججه ويقتلون أنبياءه بغير حقٍّ ظلمًا واعتداءً). [جامع البيان: 5/687- 688]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}
يعنى تعالى ذكره: فعلنا بهم ذلك بكفرهم وقتلهم الأنبياء ومعصيتهم ربّهم، واعتدائهم أمر ربّهم.
وقد بيّنّا معنى الاعتداء في غير موضعٍ فيما مضى من كتابنا بما فيه الكفاية عن إعادته
فأعلم ربّنا جلّ ثناؤه عباده، ما فعل بهؤلاء القوم من أهل الكتاب، من إحلال الذّلّة والخزي بهم في عاجل الدّنيا، مع ما ادّخر لهم في الأجل من العقوبة والنّكال، وأليم العذاب، إذ تعدّوا حدود اللّه، واستحلّوا محارمه تذكيرًا منه تعالى ذكره لهم، وتنبيهًا على موضع البلاء الّذي من قبله أتوا لينيبوا ويذّكّروا وعظةً منه لأمّتنا أن لا يستنّوا بسنّتهم، ويركبوا منهجهم، فيسلك بهم مسالكهم، ويحلّ بهم من نقم اللّه ومثلاته ما أحلّ بهم.
- كما: حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} اجتنبوا المعصية والعدوان، فإنّ بهما أهلك من أهلك قبلكم من النّاس). [جامع البيان: 5/688-689]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلّا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس وباءوا بغضبٍ من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)
قوله تعالى: ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا أبو عامر بن برّادٍ، ثنا محمّد بن القاسم الأسديّ، ثنا عبيد بن طفيلٌ أبو سيدان الغطفانيّ، عن الضّحّاك بن مزاحمٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله تعالى: ضربت عليهم الذّلّة قال: هم أصحاب القبالات كفروا باللّه العظيم.
- حدّثنا المنذر بن شاذان، ثنا يهوذه، ثنا عوفٌ عن الحسن، ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا قال: أدركتهم هذه الأمّة وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.
- حدّثنا الحسن بن أحمد ثنا موسى بن محكمٍ ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا قال:
أذلّهم اللّه فلا منعة لهم، وجعلهم اللّه تحت أقدام المسلمين.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع أنبأ عبد الرّزّاق، أنبأ معمرٌ، عن الحسن وقتادة: ضربت عليهم الذّلّة قالا: يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
قوله تعالى: إلا بحبلٍ من اللّه
- حدّثنا أبي، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثيرٍ البكريّ الدّورقيّ، ثنا عبيد اللّه الأشجعيّ، عن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عبّاسٍ إلا بحبلٍ من اللّه قال: عهدٌ من اللّه وروي عن مجاهدٍ ، وعكرمة، والحسن، وعطاءٍ وقتادة والرّبيع بن أنسٍ، والضحاك وو السدي نحو ذلك.
قوله تعالى: وحبلٍ من النّاس
- حدّثنا أبي، ثنا يعقوب الدّورقيّ، ثنا عبيد اللّه الأشجعيّ، عن هارون بن عنترة، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ إلا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس قال: عهدٌ من اللّه وعهدٌ من النّاس. وروي عن عكرمة، ومجاهدٍ، والحسن، وعطاءٍ، والسّدّيّ والضّحّاك والرّبيع بن أنسٍ، وقتادة نحو ذلك.
قوله تعالى: وباؤوا
- حدّثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، حدّثني عبد اللّه ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: باؤ يقول استوجبوا- وروي عن الضّحّاك نحو ذلك.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ وباؤ بغضبٍ من اللّه فحدث عليهم من اللّه غضبٌ.
قوله تعالى: وباؤ بغضبٍ من اللّه
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة حدّثني عطاء بن دينارٍ عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه تعالى: وباؤ بغضبٍ من اللّه يقول: استوجبوا سخطه.
قوله تعالى: وضربت عليهم المسكنة
[الوجه الأوّل]
- حدّثنا عصام بن روّادٍ، ثنا آدم، عن أبي جعفرٍ، عن الرّبيع عن أبي العالية قوله: وضربت عليهم المسكنة قال: المسكنة الفاقة. وروي عن السّدّيّ، والرّبيع بن أنسٍ نحو ذلك.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا عليّ بن الحسين ثنا بشر بن آدم، ثنا عبد اللّه بن رجاءٍ، ثنا عبيد بن الطّفيل عن عطيّة قوله: وضربت عليهم المسكنة قال: الخراج.
- حدّثنا أبي، ثنا سريج بن يونس ثنا محمّد بن ييدٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاك، المسكنة قال: الجزية.
قوله تعالى: ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ
- حدّثنا يونس بن حبيبٍ ثنا أبو داود، ثنا شعبة، عن سليمان الأعمش عن إبراهيم، عن أبي معمرٍ الأزديّ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبيٍّ، ثمّ يقوم سوق بقلهم من آخر النهار.
قوله تعالى: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد بن زريعٍ، ثنا سعيدٌ عن قتادة ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون قال: اجتنبوا المعصية والعدوان، فإنّ بهما هلك من هلك من قبلكم من النّاس). [تفسير القرآن العظيم: 2/735-737]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (ثنا إبراهيم قال نا إبراهيم قال نا آدم قال ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله إلا بحبل من الله وحبل من الناس بعهد الله وعهد من الناس). [تفسير مجاهد: 133]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ضربت عليهم الذلة} قال: هم أصحاب القبالات.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن {ضربت عليهم الذلة} قال: أذلهم الله فلا منعة لهم وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجتنيهم الجزية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن وقتادة {ضربت عليهم الذلة} قال: يعطون الجزية عن يد وهم ضاغرون.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {وضربت عليهم الذلة} قال: الجزية.
وأخرج ابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طريقين عن ابن عباس {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} قال: بعهد من الله وعهد من الناس.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} قال: اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بهما هلك من هلك قبلكم من الناس). [الدر المنثور: 3/724-730]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 06:10 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {كنتم خير أمّةٍ...}
في التأويل: في اللوح المحفوظ. ومعناه أنتم خير أمّة؛ كقوله: {واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم}، و{إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} فإضمار كان في مثل هذا وإظهارها سواء). [معاني القرآن: 1/229]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ولتكن منكم أمّةٌ يدعون إلى الخير}، و{كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}، أما قوله: {إنّ إبرهيم كان أمّةً قانتاً} أي: كان إماماً مطيعاً، ويقال أنت أمّة في هذا الأمر، أي: يؤتم بك. {وادّكر بعد أمّةٍ}: بعد قرن، ويقال: (بعد أمهٍ) أي: نسيان، نسيت كذا وكذا: أي: أمهت، وأنا آمهه، ويقال: هو ذو أمهٍ. مكسور الميم، وبعضهم يقول: ذو أمّةٍ بمعنًى واحد، أي ذو دين واستقامة؛ وكانوا بأمةٍ وبإمة، أي استقامة من عيشهم، أي: دوم منه؛ {كنتم خير أمّة} أي: جماعة؛ وهو أمّةٌ على حدة، أي: واحد، ويقال: يبعث زيد بن عمرو ابن نفيل أمةً وحده، وقال النابغة في أمة وإمّةٍ، معناه الدّين والاستقامة:
وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع
ذو أمة: بالرّفع والكسر، والمعنى الدّين، والاستقامة). [مجاز القرآن: 1/99-100] (م)
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لّهم مّنهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}
قال تعالى: {كنتم خير أمّةٍ} يريد "أهل أمّةٍ" لأنّ الأمّة الطريقة. والأمّة أيضاً لغة. قال النابغة:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً = وهل يأثمن ذو أمّةٍ وهو طائع). [معاني القرآن: 1/179]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: كقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}، أي: أنتم خير أمّة.
وقوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ}، أي: وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك قوله سبحانه: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ}.
وقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ}، يريد: يوم القيامة. أي: سيأتي قريبا فلا تستعجلوه.
وقوله: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، أي: من هو صبيّ في المهد.
وكذلك قوله: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، وكذلك قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا}.
إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير.
وقوله: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ}، أي: فنسوقه.
في أشباه لهذا كثيرة في القرآن). [تأويل مشكل القرآن:295-296]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جل وعلا: {كنتم خير أمّة أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} يعني به: أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل في معنى {كنتم خير أمّة أخرجت} كنتم عند الله في اللوح المحفوظ - وقيل كنتم منذ آمنتم خير أمة.
وقال بعضهم معنى {كنتم خير أمة}: هذا الخطاب أصله إنّه خوطب به أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يعم سائر أمّة محمد، والشريطة في الخيرية ما هو في الكلام وهو قوله عزّ وجلّ:

{تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه}أي: توحدون اللّه بالإيمان برسوله لأن من كفر بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوحد اللّه، وذلك أنه يزعم أن الآيات المعجزات التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذات نفسه فجعل غير الله يفعل فعل اللّه وآيات الأنبياء، لا يقدر عليها إلا اللّه عزّ وجلّ.
ويدل على أن قوله: {وتؤمنون باللّه}: تقرون أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي اللّه.
قوله عزّ وجلّ: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم} فأهل الكتاب كفروا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فصاروا كفارا باللّه فأعلم اللّه أن بعضهم وهو القليل منهم آمن باللّه فقال:
{منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}والفاسق: الذي خرج عن أمر اللّه). [معاني القرآن: 1/456]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله جل وعز: {كنتم خير أمة أخرجت للناس}
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نحن نكمل سبعين أمة نحن آخرها وأكرمها على الله)).
وقال أبو هريرة: نحن خير الناس للناس نسوقهم بالسلاسل إلى الإسلام.
وقال ابن عباس: نزلت فيمن هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
وقيل معنى {كنتم خير أمة أخرجت للناس}: كنتم في اللوح المحفوظ
وقيل {كنتم} منذ آمنتم.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: على هذا الشرط على أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر ثم بينه.
وقال عطية: شهدتم للنبيين صلى الله عليهم أجمعين بالبلاغ الذين كفر بهم قومهم .
ثم بين الخيرية التي هي فيهم فقال {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}
ثم بين أن الإيمان بالله لا يقبل إلا بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به فقال عز وجل: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون}
والفاسق: الخارج عن الحق). [معاني القرآن: 1/458-460]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345 هـ): (وقوله: {كنتم خير أمة} أي: أنتم، وقوله - أيضا: كنتم خير أمة، أي: في علم الله - عز وجل). [ياقوتة الصراط: 190]

تفسير قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {يولّوكم الأدبار...}
مجزوم؛ لأنه جواب للجزاء {ثمّ لا ينصرون} مرفوع على الاستئناف، ولأن رءوس الآيات بالنون، فذلك مما يقوّي الرفع؛ كما قال {ولا يؤذن لهم فيعتذرون} فرفع، وقال تبارك وتعالى: {لا يقضى عليهم فيموتوا}). [معاني القرآن: 1/229]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({لن يضرّوكم إلاّ أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون}
قال: {لن يضرّوكم إلاّ أذًى} استثناء يخرج من أول الكلام.
وهو كما روى يونس عن بعض العرب أنه قال: "ما أشتكي شيئاً إلاّ خيراً". ومثله {لاّ يذوقون فيها برداً ولا شراباً * إلاّ حميماً وغسّاقاً}). [معاني القرآن: 1/180]

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({لن يضرّوكم إلّا أذىً} أي: لم تبلغ عداوتهم لكم أن يضروكم في أنفسكم، إنما هو أذى بالقول). [تفسير غريب القرآن: 108]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (ووعد اللّه النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين في أهل الكتاب أنهم منصورون عليهم، وأنه لا ينالهم من أهل الكتاب اصطلام ولا غلبة فقال: {لن يضرّوكم إلّا أذى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون} أي: يؤذونكم بالبهت والتحريف، فأمّا العاقبة فتكون للمؤمنين.
قال اللّه - عزّ وجلّ -: {ولئن نصروهم ليولّنّ الأدبار ثمّ لا ينصرون} يعني به: أهل الكتاب؛ وأعلمهم في هذه الآية أنهم إن قاتلوهم ولوهم الأدبار وسلبوا النصر وكذلك كان أمر اليهود). [معاني القرآن: 1/457]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار}
أخبر الله تعالى اليهود لن يضروا المسلمين إلا بتحريف أو بهت فأما الغلبة فلا تكون لهم). [معاني القرآن: 1/460]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({لن يضروكم} في أنفسكم {إلا أذى} أي: بالقول). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 50]

تفسير قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {إلاّ بحبلٍ مّن اللّه...}
يقول: إلا أن يعتصموا بحبل من الله؛ فأضمر ذلك، وقال الشاعر:
رأتني بحبليها فصدّت مخافةً * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق
أراد: أقبلت بحبليها، وقال الآخر:
حنتني حانيات الدهر حتى * كأني خاتل أدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني * ولست مقيّدا أني بقيد
يريد: مقيّدا بقيد). [معاني القرآن: 1/230]
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {إلاّ بحبل من الله}: إلا بعهد من الله، قال الأعشى:
وإذا تجوّزها حبال قبيلةٍ... أخذت من الأخرى إليك حبالها
{وباءوا بغضبٍ من الله} أي: أحرزوه وبانوا به.
{وضربت عليهم المسكنة} أي: ألزموا المسكنة). [مجاز القرآن: 1/101]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلاّ بحبلٍ مّن اللّه وحبلٍ مّن النّاس وباءوا بغضبٍ مّن اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وّكانوا يعتدون}
[قال] {ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلاّ بحبلٍ مّن اللّه} فهذا مثل {لن يضرّوكم إلاّ أذى} استثناء خارج من أول الكلام في معنى "لكنّ" وليس بأشد من قوله: {لاّ يسمعون فيها لغواً إلاّ سلاماً}). [معاني القرآن: 1/180]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({إلا بحبل من الله}: الحبل العهد). [غريب القرآن وتفسيره: 109]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({إلّا بحبلٍ من اللّه} أي: بلسان وعهد. [والحبل] يتصرف على وجوه قد ذكرتها في «تأويل المشكل»). [تفسير غريب القرآن: 108]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): (ويقال للأمان أيضا: حبل، لأنّ الخائف مستتر مقموع، والآمن منبسط بالأمان متصرّف، فهو له حبل إلى كل موضع يريده.
قال الله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ} أي: بأمان.
وقال الأعشى:
وإذا تُجَوِّزُهَا حِبَالُ قبيلةٍ = أَخَذَت مِنَ الأُخْرَى إِلَيْكَ حِبَالَهَا
وأما قول امرئ القيس:
إنِّي بحبلكَ وَاصِلٌ حَبْلِي = وَبريشِ نَبْلِكَ رَائِشٌ نَبْلِي
فإنه يريد: إنّي واصل بيني وبينك.
وأصل هذا: يكون في البعيرين يكونان مفترقين وعلى كل واحد منهما حبل، فيقرنان بأن يوصل حبل هذا بحبل هذا.
وقال أبو زبيد يذكر رجلا سرى ليلة كلها:
ناط أمر الضّعاف فاجتعل اللّيـ = ــل كحبل العاديّة الممدود.
يريد: أن مسيره اتصل الليل كلّه، فكان كحبل ممدود). [تأويل مشكل القرآن:464-466]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جل وعلا: {ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلّا بحبل من اللّه وحبل من النّاس وباءوا بغضب من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}
والحبل: العهد.
فأعلم اللّه أنهم بعد عزّ كانوا فيه يبلغون في الذلة ما لا يبلغه أهل مكة، وكانوا ذوي منعة ويسار، فأعلم اللّه أنهم يذلون أبدا إلا أن يعزوا بالذمة التي يعطونها في الإسلام. وما بعد الاستثناء، ليس من الأول أنهم أذلاء إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه.

وأعلم اللّه أنهم جعلت عقوبتهم هذه العقوبة الغليظة في الدنيا والآخرة لتغليظ ما ركبوه فقال - جل وعلا: {ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقّ}.
وضع ذلك رفع بالابتداء المعنى أمرهم ذلك وحقهم ذلك بكفرهم.
وقتلهم الأنبياء وأعاد ذكر ذلك ثانية فقال: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.
الاعتداء المجاوزة في كل شيء - مجاوزة القدر - المعنى حقها بكفرهم - فأعلم الله أنهم غير متساوين فقال:
{ليسوا سواء من أهل الكتاب أمّة قائمة يتلون آيات اللّه آناء اللّيل وهم يسجدون}). [معاني القرآن: 1/457-458]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم أخبر تعالى أنهم أذلاء فقال {ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس}
قال ابن عباس: الحبل العهد.
قال أبو جعفر: هذا استثناء ليس من الأول والمعنى ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا أنهم يعتصمون بحبل من الله وحبل من الناس يعني الذمة التي لهم.
ثم قال تعالى: {وباءوا بغضب من الله}أي: رجعوا وقيل احتملوا.
وحقيقته في اللغة: أنه لزمهم ذلك وتبوأ فلان الدار من هذا أي لزمها.
ثم خبر تعالى لم فعل بهم ذلك فقال {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}والاعتداء: التجاوز). [معاني القرآن: 1/461-462]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّه} أي: بأمان وصحة عهد). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 51]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:00 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111)}

قَالَ سِيبَوَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ (ت: 180هـ): (واعلم أن ثم إذا أدخلته على الفعل الذي بين المجزومين لم يكن إلا جزماً لأنه ليس مما ينصب وليس يحسن الابتداء لأن ما قبله لم ينقطع وكذلك الفاء والواو وأو إذا لم ترد بهن النصب فإذا انقضى الكلام ثم
جئت بثم فإن شئت جزمت وإن شئت رفعت وكذلك الواو والفاء قال الله تعالى: {وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون} وقال تبارك وتعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} إلا أنه قد يجوز النصب بالفاء والواو.
وبلغنا أن بعضهم قرأ: (يحاسبكم به الله فيغفرَ لمن يشاء ويعذبَ من يشاء والله على كل شيء قدير).
وتقول إن تأتني فهو خيرٌ لك وأكرمك وإن تأتني فأنا آتيك وأحسن إليك وقال عز وجل: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خيرٌ لكم ونكفر عنكم من سيئاتكم} والرفع ههنا وجه الكلام وهو الجيد لأن الكلام الذي بعد الفاء جرى مجراه في غير الجزاء فجرى الفعل هنا كما كان يجري في غير الجزاء.
وقد بلغنا أن بعض القراء قرأ: {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} وذلك لأنه حمل الفعل على موضع الكلام لأن
هذا الكلام في موضع يكون جواباً لأن أصل الجزاء الفعل وفيه تعمل حروف الجزاء ولكنهم قد يضعون في موضع الجزاء غيره). [الكتاب: 3/89-91]
قال عبدُ الملكِ بنُ قُرَيبٍ الأصمعيُّ (ت: 216هـ): (ثم الدبر
يقال: دبر الإنسان، والجميع: أدبار). [كتاب الفَرْق: 72]

تفسير قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) }
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: 276هـ): (فأما التأويل بالقرآن:
فكالبيض، يعبر بالنساء، لقول الله عز وجل: {كأنهن بيض مكنون}.
وكالخشب، يعبر بالنفاق؛ بقول الله عز وجل: {كأنهم خشب مسندة}.
وكالحجارة، تعبر بالقسوة، بقول الله عز وجل: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة}.
وكالسفينة، تعبر بالنجاة؛ لأن الله تعالى نجى بها نوحا عليه السلام ومن كان معه.
وكالماء، يعبر في بعض الأحوال بالفتنة؛ لقول الله تعالى: {لأسقيناهم ماء غدقا * لنفتنهم فيه}.
وكاللحم الذي يؤكل، يعبر بالغيبة؛ لقول الله عز وجل: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا}.
وكالمستفتح بابا بمفتاح، يعبر بالدعاء؛ لقول الله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} يريد: أن تدعوا.
وكالمصيب مفتاحا في المنام –أو مفاتيح- يعبر بأنه يكسب مالا، لقوله عز وجل في قارون: {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة} يريد: أمواله؛ سميت أموال الخزائن مفاتيح، لأن بالمفاتيح يوصل إليها.
وكالملك يرى في المحلة أو البلدة أو الدار، وقدرها يصغر عن قدره، وتنكر دخول مثلها مثله؛ يعبر ذلك بالمصيبة والذل ينال أهل ذلك الموضع، لقوله عز وجل: {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}.
وكالحبل، يعبر بالعهد، لقوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا}.
ولقوله تعالى: {ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} أي: بأمان وعهد.
والعرب تسمي العهد حبلا؛ قال الشاعر:


وإذا تــجـــوزهـــا حــــبـــــال قــبــيــلـــةأخذت من الأخرى إليك حبالها

وكاللباس، يعبر بالنساء؛ لقوله جل وعز: {هم لباس لكم وأنتم لباس لهن} ). [تعبير الرؤيا: 35-37] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (واختلف المتأولون في معنى قوله: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس فقال عمر بن الخطاب: هذه لأولنا، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يريد ومن شاكلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.
قال القاضي: فهذا كله قول واحد، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة، قيل لهم كنتم خير أمّةٍ، فالإشارة بقوله أمّةٍ إلى أمة محمد معينة، فإن هؤلاء هم خيرها، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم: معنى الآية، خطاب الأمة بأنهم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، فلفظ أمّةٍ، على هذا التأويل اسم جنس كأنه قيل لهم كنتم خير الأمم، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون الحديث. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما وهو مسند ظهره إلى الكعبة، نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها قال مجاهد: معنى الآية «كنتم خير الناس» - وقال الحسن: نحن آخرها وأكرمها على الله تعالى، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: معنى الآية كنتم للناس خير الناس.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: فأمّه على هذا التأويل، اسم جنس، قال أبو هريرة: يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام.
قال القاضي: ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه، فهم خير الناس للناس، وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية، لكن يعلم هذا من لفظ آخر، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم: أرأف أمتي بأمتي أبوبكر، فليس يقتضي هذا اللفظ أن أبابكر أرأف الناس على الإطلاق، في مؤمن وكافر.
قال القاضي: والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما يجب، وأما قوله، كنتم على صيغة المضي، فإنها التي بمعنى الدوام، كما قال: وكان اللّه غفوراً رحيماً [النساء: 96- 99- 100- 152، الفرقان: 70، الأحزاب: 5- 50- 59- 73، الفتح: 14]، إلى غير هذا من الأمثلة، وقال قوم: المعنى كنتم في علم الله، وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديما عنكم وخير على هذه الأقوال كلها خبر كان، ويحتمل أن تكون كان التامة، ويكون خير أمّةٍ نصبا على الحال، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض.
قال القاضي: وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله: تأمرون بالمعروف وما بعده، أحوال في موضع نصب، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح، أنهم لو آمنوا لنجّوا أنفسهم من عذاب الله، وجاءت لفظة خير في هذه الآية وهي صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة خير من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها، وقد بيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع بأوعب من هذا، وقوله تعالى: منهم المؤمنون تنبيه على حال عبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعية وغيرهم ممن آمن، ثم حكم الله على أكثرهم بالفسق في كفره لأنهم حرفوا وبدلوا وعاندوا بعد معرفتهم بحقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفار فسقة في الكفر قد جمعوا المذمتين). [المحرر الوجيز: 2/316-319]

تفسير قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: لن يضرّوكم إلاّ أذىً وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلاّ بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس وباؤ بغضبٍ من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)
قوله تعالى: لن يضرّوكم إلّا أذىً معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة، فالاستثناء متصل، وقال الحسن، وقتادة وغيرهما: «الأذى» هو تحريفهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم إياه.
قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفرادا، وهذا كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء، وضرب الجزية، لكن أراد الله تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحدا عن دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه، وهكذا هي فصاحة العرب، ومن هذا المعنى في التحقير قول ثمامة بن أثال: يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت، فقوله: ذا دم، روي بالذال منقوطة، وبالدال غير منقوطة، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام، وأما الدال غير منقوطة، فيحتمل أنه أراد التعظيم لأمر نفسه، وذلك بأحد وجهين: إما أن يريد الوعيد، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك، وإما أن يريد تقتل ملكا يستشفى بدمه، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك، فهذا استعطاف لا وعيد، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي، وهذا كما استعطف الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى، ويحتمل كلام ثمامة، أنه أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة بنيل مثل هذا الأمر العظيم، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن مسعود: وهل أعمد من رجل قتلتموه؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز، حين قال له: لأقتلنك، قال: إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر شيئا فكأن ثمامة أراد: إن تقتلني تقتل حيوانا حقيرا شأنه، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك وتدع الإنعام عليّ؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ما هو عظيم في نفسه تنبيها لهم، وأخبر الله تعالى في قوله: وإن يقاتلوكم الآية، بخبر غيب صححه الوجود، فهي من آيات محمد صلى الله عليه وسلم، وفائدة الخبر هي في قوله: ثمّ لا ينصرون أي لا تكون حربهم معكم سجالا وخص الأدبار بالذكر دون الظهر تخسيسا للفارّ، وهكذا هو حيث تصرف). [المحرر الوجيز: 2/319-320]

تفسير قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله: ضربت معناه: أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار الأرض قبل مجيء الإسلام، قال الحسن: جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم الجزية، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله بالإسلام، ولم تبق لهم راية أصلا في الأرض، والذّلّة فعلة من الذل ثقفوا معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك، ومنه قوله تعالى: فإمّا تثقفنّهم في الحرب [الأنفال: 57] فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم [التوبة: 5] واللفظة مأخوذة من الثقاف، ومنه قول الشاعر:
تدعو ثقيفا وقد عضّ الحديد بها = عضّ الثّقاف على صمّ الأنابيب
وقوله تعالى: إلّا بحبلٍ استثناء منقطع، وهو نظير قوله تعالى: وما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً إلّا خطأً [النساء: 92] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطئا، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما الكلام محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت إلّا بحبلٍ، وقوله تعالى: ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا، فلذلك حسن أن يجيء بعده إلّا بحبلٍ، وقرب فهم ذلك للسامع، قال الزجّاج: المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه، و «الحبل» العهد، شبه به لأنه يصل قوما بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام، وباؤ معناه مضوا متحملين لهذا الحكم، و «غضب الله عليهم»، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب، فلذلك خصوا به، والنصارى إنما ضلوا فقط، والمسكنة التذلل والضعة، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به، فليس أحد من اليهود وإن كان غنيا إلا وهو بهذه الحال، وقوله تعالى: ذلك إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة، فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك، و «آيات الله»: يحتمل أن يراد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم، وقوله: بغير حقٍّ تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكنا بوجه ما، وقوله تعالى: ذلك بما عصوا حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول: إن الإشارة ب ذلك الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة رحمه الله عند ما فسر هذه الآية: اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس). [المحرر الوجيز: 2/320-322]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12 جمادى الآخرة 1435هـ/12-04-2014م, 08:30 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون (110) لن يضرّوكم إلا أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس وباءوا بغضبٍ من اللّه وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)}
يخبر تعالى عن هذه الأمّة المحمّديّة بأنّهم خير الأمم فقال: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس}.
قال البخاريّ: حدّثنا محمّد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: خير النّاس للنّاس، تأتون بهم في السّلاسل في أعناقهم حتّى يدخلوا في الإسلام.
وهكذا قال ابن عبّاسٍ، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والرّبيع بن أنسٍ، وعطيّة العوفيّ: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} يعني: خير النّاس للنّاس.
والمعنى: أنّهم خير الأمم وأنفع النّاس للنّاس؛ ولهذا قال: {تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه}
قال الإمام أحمد: حدّثنا أحمد بن عبد الملك، حدّثنا شريكٌ، عن سماك، عن عبد اللّه بن عميرة عن زوج [ذرّة] بنت أبي لهب، [عن درّة بنت أبي لهبٍ] قالت: قام رجلٌ إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو على المنبر، فقال: يا رسول اللّه، أيّ النّاس خيرٌ؟ فقال: "خير النّاس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرّحم".
ورواه أحمد في مسنده، والنّسائيّ في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماكٍ، عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاسٍ في قوله: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} قال: هم الّذين هاجروا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مكة إلى المدينة.
والصّحيح أنّ هذه الآية عامةٌ في جميع الأمّة، كلّ قرن بحسبه، وخير قرونهم الّذين بعث فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: {وكذلك جعلناكم أمّةً وسطًا} أي: خيارًا {لتكونوا شهداء على النّاس [ويكون الرّسول عليكم شهيدًا]} الآية.
وفي مسند الإمام أحمد، وجامع التّرمذيّ، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم، من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أنتم توفون سبعين أمّةً، أنتم خيرها، وأنتم أكرم على الله عزّ وجلّ".
وهو حديثٌ مشهورٌ، وقد حسّنه التّرمذيّ. ويروى من حديث معاذ بن جبلٍ، وأبي سعيدٍ [الخدريّ] نحوه.
وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السّبق إلى الخيرات بنبيّها محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم فإنّه أشرف خلق اللّه أكرم الرّسل على اللّه، وبعثه اللّه بشرعٍ كاملٍ عظيمٍ لم يعطه نبيًّا قبله ولا رسولًا من الرّسل. فالعمل [على] منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد:
حدّثنا عبد الرّحمن، حدّثنا ابن زهير، عن عبد اللّه -يعني ابن محمّد بن عقيلٍ-عن محمّد بن عليٍّ، وهو ابن الحنفيّة، أنّه سمع عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، يقول: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أعطيت ما لم يعط أحدٌ من الأنبياء". فقلنا: يا رسول اللّه، ما هو؟ قال: " نصرت بالرّعب وأعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمد، وجعل التّراب لي طهورًا، وجعلت أمّتي خير الأمم". تفرّد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسنٌ.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو العلاء الحسن بن سوّار، حدّثنا ليث، عن معاوية عن بن أبي حليس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أمّ الدّرداء، رضي اللّه عنها، تقول: سمعت أبا الدّرداء يقول: سمعت أبا القاسم صلّى اللّه عليه وسلّم، وما سمعته يكنّيه قبلها ولا بعدها، يقول إنّ الله تعالى يقول: يا عيسى، إنّي باعثٌ بعدك أمّةً، إن أصابهم ما يحبّون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم". قال: يا ربّ، كيف هذا لهم، ولا حلم ولا علم؟. قال: "أعطيهم من حلمي وعلمي".
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا:
قال الإمام أحمد: حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا المسعوديّ، حدّثنا بكير بن الأخنس، عن رجلٍ، عن أبي بكرٍ الصّدّيق، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنّة بغير حسابٍ، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجلٍ واحدٍ، فاستزدت ربّي، عزّ وجلّ، فزادني مع كل واحدٍ سبعين ألفًا". فقال أبو بكرٍ، رضي اللّه عنه: فرأيت أنّ ذلك آتٍ على أهل القرى، ومصيبٌ من حافات البوادي.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد اللّه بن بكرٍ السّهميّ، حدّثنا هشام بن حسّان، عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيدٍ، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرّحمن بن أبي بكرٍ؛ أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلم قال: "إنّ ربّي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنّة، بغير حسابٍ". فقال عمر: يا رسول اللّه، فهلّا استزدته؟ فقال: "استزدته فأعطاني مع كلّ رجلٍ سبعين ألفًا ". قال عمر: فهلّا استزدته؟ قال: "قد استزدته فأعطاني هكذا". وفرّج عبد اللّه بن بكرٍ بين يديه، وقال عبد اللّه: وبسط باعيه، وحثا عبد اللّه، قال هشامٌ: وهذا من اللّه لا يدرى ما عدده.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيدٍ: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد اللّه بن قرط الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجلٌ من الكلاعيين عائدًا، فقال له ثوبان: [أتكتب؟ قال: نعم: فقال: اكتب، فكتب للأمير عبد اللّه بن قرطٍ، "من ثوبان] مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، أمّا بعد: فإنّه لو كان لموسى وعيسى، عليهما السّلام، بحضرتك خادم لعدته" ثمّ طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إيّاه؟ فقال: نعم. فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرطٍ، فلمّا رآه قام فزعا، فقال النّاس: ما شأنه؟ أحدث أمرٌ؟ فأتى ثوبان حتّى دخل عليه فعاده، وجلس عنده ساعةً ثمّ قام، فأخذ ثوبان بردائه وقال: اجلس حتّى أحدّثك حديثًا سمعته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمعته يقول: "ليدخلنّ الجنّة من أمّتي سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كلّ ألفٍ سبعون ألفًا".
تفرّد به أحمد من هذا الوجه، وإسناد رجاله كلّهم ثقاتٌ شاميّون حمصيّون فهو حديثٌ صحيحٌ وللّه الحمد.
طريقٌ أخرى: قال الطّبرانيّ: حدّثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل -يعني ابن عيّاش-حدّثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيدٍ، عن أبي أسماء الرحبيّ، عن ثوبان قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: "إنّ ربّي، عزّ وجلّ، وعدني من أمّتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كلّ ألفٍ سبعون ألفًا". هذا لعلّه هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرّحبيّ، بين شريحٍ وبين ثوبان واللّه أعلم.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرّزّاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعودٍ قال: أكثرنا الحديث عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذات ليلةٍ، ثمّ غدونا إليه فقال: "عرضت عليّ الأنبياء اللّيلة بأممها، فجعل النّبيّ يمرّ ومعه الثّلاثة، والنّبيّ ومعه العصابة، والنّبيّ ومعه النّفر، والنّبيّ ليس معه أحدٌ، حتّى مرّ عليّ موسى، عليه السّلام، ومعه كبكبةٌ من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل لي: هذا أخوك موسى، معه بنو إسرائيل". قال: "قلت: فأين أمّتي؟ فقيل: انظر عن يمينك. فنظرت فإذا الظّراب قد سدّ بوجوه الرّجال ثمّ قيل لي انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرّجال فقيل لي: قد رضيت؟ فقلت "رضيت يا ربّ، [رضيت يا ربّ] " قال: "فقيل لي: إنّ مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنّة بغير حسابٍ". فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "فداكم أبي وأمّي إن استطعتم أن تكونوا من السّبعين ألفًا فافعلوا فإن قصّرتم فكونوا من أهل الظّراب فإن قصّرتم فكونوا من أهل الأفق، فإنّي قد رأيت ثمّ أناسًا يتهاوشون". فقام عكاشة بن محصنٍ فقال: ادع اللّه يا رسول اللّه أن يجعلني منهم. أي من السّبعين، فدعا له. فقام رجلٌ آخر فقال: ادع اللّه يا رسول اللّه أن يجعلني منهم فقال: "قد سبقك بها عكاشة". قال: ثمّ تحدّثنا فقلنا: لمن ترون هؤلاء السّبعين الألف؟ قومٌ ولدوا في الإسلام لم يشركوا باللّه شيئًا حتّى ماتوا. فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "هم الّذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون".
هكذا رواه أحمد بهذا السّند وهذا السّياق، ورواه أيضًا عن عبد الصّمد، عن هشامٍ، عن قتادة، بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: "رضيت يا ربّ رضيت يا ربّ" قال رضيت؟ قلت: "نعم". قال: انظر عن يسارك قال: "فنظرت فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرّجال ". فقال: رضيت؟ قلت: "رضيت". وهذا إسنادٌ صحيحٌ من هذا الوجه، تفرّد به أحمد ولم يخرّجوه.
حديثٌ آخر: قال أحمد بن منيع: حدّثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدّثنا حمّاد، عن عاصم، عن زرٍّ، عن ابن مسعودٍ قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "عرضت عليّ الأمم بالموسم فراثت عليّ أمّتي، ثمّ رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئاتهم، قد ملؤوا السّهل والجبل"، فقال: أرضيت يا محمّد؟ فقلت: "نعم". قال: فإنّ مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنّة بغير حسابٍ، وهم الّذين لا يسترقون ولا يكتوون، وعلى ربّهم يتوكّلون ". فقام عكاشة فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يجعلني منهم فقال:"أنت منهم" فقام رجلٌ آخر فقال: [ادع اللّه أن يجعلني منهم فقال] سبقك بها عكاشة". رواه الحافظ الضّياء المقدسيّ، قال: هذا عندي على شرط مسلمٍ.
حديثٌ آخر: قال الطّبرانيّ: حدّثنا محمّد بن محمّدٍ الجذوعيّ القاضي، حدّثنا عقبة بن مكرم. حدّثنا محمّد بن أبي عديّ عن هشام بن حسّان عن محمّد بن سيرين، عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذابٍ". قيل: من هم؟ قال: "هم الّذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون". رواه مسلمٌ من طريق هشام بن حسّان، وعنده ذكر عكّاشة.
حديثٌ آخر: ثبت في الصّحيحين من رواية الزّهري، عن سعيد بن المسيّب، أنّ أبا هريرة حدّثه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "يدخل الجنّة من أمّتي زمرةٌ وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر". فقال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسديّ يرفع،نمرةً عليه فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يجعلني منهم. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "اللّهمّ اجعله منهم". ثمّ قام رجلٌ من الأنصار فقال: يا رسول اللّه، ادع اللّه أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة".
حديثٌ آخر: قال أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا يحيى بن عثمان، حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا أبو غسّان، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعد؛ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "ليدخلنّ من أمّتي سبعون ألفًا -أو سبعمائة ألفٍ-آخذٌ بعضهم ببعضٍ، حتّى يدخل أوّلهم وآخرهم الجنّة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
أخرجه البخاريّ ومسلمٌ جميعًا، عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازمٍ، عن أبيه، عن سهل به.
حديثٌ آخر: قال مسلم بن الحجّاج في صحيحه: حدّثنا سعيد بن منصورٍ، حدّثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرّحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيّكم رأى الكوكب الّذي انقضّ البارحة؟ قلت: أنا. ثمّ قلت: أما إنّي لم أكن في صلاةٍ، ولكنّي لدغت: قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديثٌ حدّثناه الشّعبيّ. قال: وما حدّثكم الشّعبيّ؟ قلت: حدّثنا عن بريدة بن الحصيب الأسلميّ أنّه قال: لا رقية إلّا من عينٍ أو حمّة. فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدّثنا ابن عبّاسٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "عرضت عليّ الأمم، فرأيت النّبيّ ومعه الرّهيط والنّبيّ ومعه الرّجل والرّجلان والنّبيّ وليس معه أحدٌ، إذ رفع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنّهم أمّتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق. فنظرت، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقيل لي: هذه أمّتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنّة بغير حسابٍ، ولا عذابٍ". ثمّ نهض فدخل منزله، فخاض النّاس في أولئك الّذين يدخلون الجنّة بغير حسابٍ ولا عذابٍ، فقال بعضهم: فلعلّهم الّذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: فلعلّهم الّذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا باللّه شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: "ما الّذي تخوضون فيه؟ " فأخبروه، فقال: "هم الّذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربّهم يتوكّلون". فقام عكّاشة بن محصن فقال: ادع اللّه أن يجعلني منهم قال: "أنت منهم". ثمّ قام رجلٌ آخر فقال: ادع اللّه أن يجعلني منهم. قال: "سبقك بها عكاشة".
وأخرجه البخاريّ عن أسيد بن زيدٍ، عن هشيم وليس عنده، "لا يرقون".
حديثٌ آخر: قال أحمد: حدّثنا روح بن عبادة. حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزّبير، أنّه سمع جابر بن عبد اللّه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم، فذكر حديثًا، وفيه: "فتنجو أوّل زمرةٍ وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا، لا يحاسبون ثمّ الّذين يلونهم، كأضوإ نجمٍ في السّماء ثمّ كذلك". وذكر بقيّته، رواه مسلمٌ من حديث روح، غير أنّه لم يذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم.
حديثٌ آخر: قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصمٍ في كتاب السّنن له: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن محمّد بن زيادٍ، سمعت أبا أمامة الباهليّ يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفًا، مع كلّ ألفٍ سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب. وثلاث حثياتٍ من حثيات ربّي عزّ وجلّ".
وكذا رواه الطّبرانيّ من طريق هشام بن عمّارٍ، عن إسماعيل بن عيّاشٍ، به، وهذا إسنادٌ جيّدٌ.
طريقٌ أخرى عن أبي أمامة: قال ابن أبي عاصمٍ: حدّثنا دحيم، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامرٍ، عن أبي اليمان الهوزني -واسمه عامر بن عبد اللّه بن لحيّ، عن أبي أمامة، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ الله وعدني أن يدخل الجنة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ". قال يزيد بن الأخنس: واللّه ما أولئك في أمّتك يا رسول اللّه إلّا مثل الذّباب الأصهب في الذّباب. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "فإنّ الله وعدني سبعين ألفًا، مع كلّ ألفٍ سبعون ألفًا، وزادني ثلاث حثياتٍ". وهذا أيضًا إسنادٌ حسنٌ.
حديثٌ آخر: قال أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا أحمد بن خليد، حدّثنا أبو توبة، حدّثنا معاوية بن سلّامٍ، عن زيد بن سلّامٍ أنّه سمع أبا سلّامٍ يقول: حدّثني عامر بن زيدٍ البكالي أنّه سمع عتبة بن عبد السّلميّ، رضي اللّه عنه، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ ربّي عزّ وجلّ وعدني أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، ثمّ يشفع كلّ ألفٍ لسبعين ألفًا، ثمّ يحثي ربّي، عزّ وجلّ، بكفيه ثلاث حثيات". فكبّر عمر وقال: إنّ السّبعين الأول يشفعهم اللّه في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني اللّه في إحدى الحثيات الأواخر.
قال الحافظ الضّياء المقدسيّ في كتابه صفة الجنّة: لا أعلم لهذا الإسناد علّةً. واللّه أعلم.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، حدّثنا هشامٌ -يعني الدّستوائي-حدّثنا يحيى بن أبي كثيرٍ، عن هلال بن أبي ميمونة، حدّثنا عطاء بن يسار أنّ رفاعة الجهنيّ حدّثه قال: أقبلنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى إذا كنّا بالكديد -أو قال بقديد-فذكر حديثًا، وفيه: ثمّ قال: وعدني ربّي، عزّ وجلّ، أن يدخل الجنة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، وإنّي لأرجو ألا يدخلوها حتّى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرّيّاتكم مساكن في الجنّة".
قال الضّياء [المقدسيّ] وهذا عندي على شرط مسلمٍ.
حديثٌ آخر: قال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن النّضر بن أنسٍ، عن أنسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "إنّ الله وعدني أن يدخل الجنّة من أمّتي أربعمائة ألفٍ". قال أبو بكرٍ: زدنا يا رسول اللّه. قال: واللّه هكذا فقال عمر: حسبك يا أبا بكرٍ. فقال أبو بكرٍ: دعني، وما عليك أن يدخلنا اللّه الجنّة كلّنا فقال عمر: إن شاء اللّه أدخل خلقه الجنّة بكفٍّ واحدٍ. فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "صدق عمر".
هذا الحديث بهذا الإسناد انفرد به عبد الرّزّاق قاله الضّياء. وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهانيّ:
حدّثنا محمّد بن أحمد بن مخلد، حدّثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا أبو هلالٍ، عن قتادة، عن أنسٍ عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "وعدني ربّي أن يدخل الجنّة من أمّتي مائة ألف". فقال أبو بكرٍ: يا رسول اللّه، زدنا قال: "وهكذا" -وأشار سليمان بن حربٍ بيده كذلك-قلت يا رسول اللّه، زدنا. فقال عمر: إنّ اللّه قادرٌ أن يدخل النّاس الجنّة بحفنةٍ واحدةٍ. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "صدق عمر". هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه وأبو هلالٍ اسمه: محمّد بن سليم الرّاسبيّ، بصريٌّ.
طريقٌ أخرى عن أنسٍ: قال الحافظ أبو يعلى: حدّثنا محمّد بن أبي بكرٍ، حدّثنا عبد القاهر بن السّرّي السّلميّ، حدّثنا حميد، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفًا". قالوا: زدنا يا رسول اللّه. قال: "لكلّ رجلٍ سبعون ألفًا" قالوا: زدنا -وكان على كثيبٍ -فقال: هكذا، وحثا بيده. قالوا: يا رسول اللّه، أبعد اللّه من دخل النّار بعد هذا، وهذا إسنادٌ جيّدٌ، رجاله ثقاتٌ، ما عدا عبد القاهر بن السّريّ، وقد سئل عنه ابن معينٍ، فقال: صالحٌ.
حديثٌ آخر: روى الطّبرانيّ من حديث قتادة، عن أبي بكر بن أنسٍ، عن أبي بكر بن عمير عن أبيه؛ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ الله وعدني أن يدخل من أمّتي ثلاثمائة ألفٍ الجنّة". فقال عميرٌ: يا رسول اللّه، زدنا. فقال هكذا بيده. فقال عميرٌ يا رسول اللّه، زدنا. فقال عمر: حسبك، إنّ اللّه إن شاء أدخل النّاس الجنّة بحفنةٍ -أو بحثيةٍ-واحدةٍ. فقال نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "صدق عمر".
حديثٌ آخر: قال الطّبرانيّ: حدّثنا أحمد بن خليد، حدّثنا أبو توبة، حدّثنا معاوية بن سلّامٍ، عن زيد بن سلّامٍ أنّه سمع أبا سلّامٍ يقول: حدّثني عبد اللّه بن عامرٍ، أنّ قيسًا الكنديّ حدّث أنّ أبا سعيدٍ الأنماريّ حدّثه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ ربّي عزّ وجلّ وعدني أن يدخل الجنّة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حسابٍ، ويشفع كلّ ألفٍ لسبعين ألفًا، ثمّ يحثي ربّي ثلاث حثياتٍ بكفّيه". كذا قال قيسٌ، فقلت لأبي سعيدٍ: أنت سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم؟ قال: نعم، بأذني، ووعاه قلبي. قال أبو سعيدٍ: فقال -يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم-: "وذلك إن شاء الله، عزّ وجلّ، يستوعب مهاجري أمّتي، ويوفّي اللّه بقيّته من أعرابنا".
وقد روى هذا الحديث محمّد بن سهل بن عسكرٍ، عن أبي توبة الرّبيع بن نافعٍ بإسناده، مثله.
وزاد: قال أبو سعيدٍ: فحسب ذلك عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فبلغ أربعمائة ألف ألفٍ وتسعين ألف ألف.
حديثٌ آخر: قال أبو القاسم الطّبرانيّ: حدّثنا هاشم بن مرثد الطّبرانيّ، حدّثنا محمّد بن إسماعيل بن عيّاش، حدّثني أبي، حدّثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيدٍ، عن أبي مالكٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أما والّذي نفس محمّد بيده ليبعثنّ منكم يوم القيامة إلى الجنّة مثل اللّيل الأسود، زمرةٌ جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لم جاء مع محمّدٍ أكثر ممّا جاء مع الأنبياء؟ ". وهذا إسنادٌ حسنٌ.
نوعٌ آخر من الأحاديث الدّالّة على فضيلة هذه الأمّة وشرفها بكرامتها على اللّه، وأنّها خير الأمم في الدّنيا والآخرة.
قال الإمام أحمد: حدّثنا يحيى بن سعيدٍ، حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزّبير، عن جابرٍ أنّه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "إنّي لأرجو أن يكون من يتّبعني من أمّتي يوم القيامة ربع الجنّة". قال: فكبّرنا. ثمّ قال: "أرجو أن يكونوا ثلث النّاس". قال: فكبّرنا. ثمّ قال: "أرجو أن تكونوا الشّطر". وهكذا رواه عن روح، عن ابن جريج، به. وهو على شرط مسلمٍ.
وثبت في الصّحيحين من حديث أبي إسحاق السّبيعي، عن عمرو بن ميمونٍ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟ " فكبّرنا. ثمّ قال: "أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟ " فكبّرنا. ثمّ قال: "إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة".
طريقٌ أخرى عن ابن مسعودٍ: قال الطّبرانيّ: حدّثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدّثنا عفّان بن مسلمٍ، حدّثنا عبد الواحد بن زيادٍ حدّثني الحارث بن حصيرة، حدّثني القاسم بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن عبد اللّه بن مسعودٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "كيف أنتم وربع الجنّة لكم ولسائر النّاس ثلاثة أرباعها؟ " قالوا: اللّه ورسوله أعلم. قال: "كيف أنتم وثلثها؟ " قالوا: ذاك أكثر. قال: "كيف أنتم والشّطر لكم؟ " قالوا: ذاك أكثر. فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أهل الجنّة عشرون ومائة صفٍّ، لكم منها ثمانون صفًا".
قال الطّبرانيّ: تفرّد به الحارث بن حصيرة.
حديثٌ آخر: قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الصّمد، حدّثنا عبد العزيز بن مسلمٍ، حدّثنا ضرار بن مرّة أبو سنان الشّيبانيّ، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "أهل الجنّة عشرون ومائة صفٍّ، هذه الأمّة من ذلك ثمانون صفا".
وكذلك رواه عن عفّان، عن عبد العزيز، به. وأخرجه التّرمذيّ من حديث أبي سنانٍ، به وقال: هذا حديثٌ حسنٌ. ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثّوريّ، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، به.
حديثٌ آخر: روى الطّبرانيّ من حديث سليمان بن عبد الرّحمن الدّمشقيّ، حدّثنا خالد بن يزيد البجلي، حدّثنا سليمان بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاسٍ، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "أهل الجنّة عشرون ومائة صفٍّ، ثمانون منها من أمّتي".
تفرّد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلّم فيه ابن عديّ.
حديثٌ آخر: قال الطّبرانيّ: حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن حنبلٍ، حدّثنا موسى بن غيلان، حدّثنا هاشم بن مخلد، حدّثنا عبد اللّه بن المبارك، عن سفيان، عن أبي عمرٍو، عن أبيه عن أبي هريرة قال: لمّا نزلت {ثلّةٌ من الأوّلين. وثلّةٌ من الآخرين [الواقعة: 38، 39]} قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "أنتم ربع أهل الجنّة، أنتم ثلث أهل الجنّة، أنتم نصف أهل الجنّة، أنتم ثلثا أهل الجنّة".
وقال عبد الرّزّاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل النّاس دخولا الجنّة، بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا اللّه لما اختلفوا فيه من الحقّ، فهذا اليوم الّذي اختلفوا فيه، النّاس لنا فيه تبعٌ غدًا لليهود [و] للنّصارى بعد غدٍ".
رواه البخاريّ ومسلمٌ من حديث عبد اللّه بن طاوسٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرفوعًا بنحوه ورواه مسلمٌ أيضًا عن طريق الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، ونحن أوّل من يدخل الجنّة". وذكر تمام الحديث.
حديثٌ آخر: روى الدّارقطنيّ في الأفراد من حديث عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطّاب، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: "إنّ الجنّة حرّمت على الأنبياء كلّهم حتّى أدخلها، وحرّمت على الأمم حتّى تدخلها أمتي".
ثمّ قال: تفرّد به ابن عقيلٍ، عن الزّهريّ، ولم يرو عنه سواه. وتفرّد به زهير بن محمّدٍ، عن ابن عقيلٍ، وتفرّد به عمرو بن أبي سلمة، عن زهيرٍ.
وقد رواه أبو أحمد بن عديّ الحافظ فقال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدّثنا أبو بكرٍ الأعين محمّد بن أبي عتّاب، حدّثنا أبو حفصٍ التّنيسي -يعني عمرو بن أبي سلمة-حدّثنا صدقة الدّمشقيّ. عن زهير بن محمّدٍ، عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيلٍ، عن الزّهريّ.
ورواه الثّعلبي: حدّثنا أبو عبّاسٍ المخلدي، أخبرنا أبو نعم عبد الملك بن محمّدٍ، أخبرنا أحمد بن عيسى التّنّيسيّ، حدّثنا عمرو بن أبي سلمة، حدّثنا صدقة بن عبد اللّه، عن زهير بن محمّدٍ، عن ابن عقيلٍ، به.
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللّه} فمن اتّصف من هذه الأمّة بهذه الصّفات دخل معهم في هذا الثّناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أنّ عمر بن الخطّاب [رضي اللّه عنه] في حجّةٍ حجّها رأى من النّاس سرعة فقرأ هذه الآية: {كنتم خير أمّةٍ أخرجت للنّاس} ثمّ قال: من سرّه أن يكون من تلك الأمّة فليؤدّ شرط اللّه فيها. رواه ابن جريرٍ.
ومن لم يتّصف بذلك أشبه أهل الكتاب الّذين ذمّهم اللّه بقوله: {كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه [لبئس ما كانوا يفعلون] [المائدة:79]} ولهذا لمّا مدح [اللّه] تعالى هذه الأمّة على هذه الصّفات شرع في ذمّ أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال: {ولو آمن أهل الكتاب} أي: بما أنزل على محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم {لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون} أي: قليلٌ منهم من يؤمن باللّه وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضّلالة والكفر والفسق والعصيان). [تفسير القرآن العظيم: 2/94-103]

تفسير قوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين ومبشّرًا لهم أنّ النّصر والظّفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال: {لن يضرّوكم إلا أذًى وإن يقاتلوكم يولّوكم الأدبار ثمّ لا ينصرون} وهكذا وقع، فإنّهم يوم خيبر أذلّهم اللّه وأرغم آنافهم وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النّضير وبني قريظة كلّهم أذلّهم اللّه، وكذلك النّصارى بالشّام كسرهم الصّحابة في غير ما موطنٍ، وسلبوهم ملك الشّام أبد الآبدين ودهر الدّاهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم [عليه السّلام] وهم كذلك، ويحكم، عليه السّلام بشرع محمّدٍ عليه أفضل الصّلاة والسّلام فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلّا الإسلام). [تفسير القرآن العظيم: 2/103-104]


تفسير قوله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {ضربت عليهم الذّلّة أين ما ثقفوا إلا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} أي: ألزمهم اللّه الذّلّة والصّغار أينما كانوا فلا يأمنون {إلا بحبلٍ من اللّه} أي: بذمّةٍ من اللّه، وهو عقد الذّمّة لهم وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الملّة {وحبلٍ من النّاس} أي: أمانٌ منهم ولهم، كما في المهادن والمعاهد والأسير إذا أمّنه واحدٌ من المسلمين ولو امرأةٌ، وكذا عبد، على أحد قولي العلماء.
قال ابن عبّاسٍ: {إلا بحبلٍ من اللّه وحبلٍ من النّاس} أي: بعهدٍ من اللّه وعهدٍ من النّاس، [و] هكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضّحّاك، والحسن، وقتادة، والسّدّي، والرّبيع بن أنسٍ.
وقوله: {وباءوا بغضبٍ من اللّه} أي: ألزموا فالتزموا بغضبٍ من اللّه، وهم يستحقّونه {وضربت عليهم} أي: ألزموها قدرًا وشرعًا. ولهذا قال: {ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بآيات اللّه ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ} أي: وإنّما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذّلة والصّغار والمسكنة أبدًا، متّصلًا بذلّة الآخرة، ثمّ قال تعالى: {ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون} أي: إنّما حملهم على الكفر بآيات اللّه وقتل رسل اللّه وقيّضوا لذلك أنّهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر اللّه، عزّ وجلّ، والغشيان لمعاصي اللّه، والاعتداء في شرع اللّه، فعياذًا باللّه من ذلك، واللّه المستعان.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا يونس بن حبيب حدّثنا أبو داود الطّيالسيّ، حدّثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزديّ، عن عبد اللّه بن مسعودٍ، رضي اللّه عنه، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبيٍّ، ثمّ يقوم سوق بقلهم في آخر النهار). [تفسير القرآن العظيم: 2/104]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:28 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة