العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:09 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (123) إلى الآية (128) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (123) إلى الآية (128) ]

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}



رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:13 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) )
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ}
- أخبرنا قتيبة بن سعيدٍ، حدّثنا اللّيث، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ، أنّ عبدًا لحاطبٍ جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله، ليدخلنّ حاطبٌ النّار، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «كذبت، لا يدخلها فإنّه شهد بدرًا والحديبية»). [السنن الكبرى للنسائي: 10/50]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: وإن تصبروا وتتّقوا، لا يضرّكم كيدهم شيئًا، وينصركم ربّكم، {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ} على أعدائكم {وأنتم} يومئذٍ {أذلّةٌ} يعني قليلون، في غير منعةٍ من النّاس، حتّى أظهركم اللّه على عدوّكم مع كثرة عددهم، وقلّة عددكم، وأنتم اليوم أكثر عددًا منكم حينئذٍ، فإن تصبروا لأمر اللّه ينصركم كما نصركم ذلك اليوم {فاتّقوا اللّه} يقول تعالى ذكره: فاتّقوا ربّكم بطاعته واجتناب محارمه {لعلّكم تشكرون} يقول: لتشكروه على ما منّ به عليكم من النّصر على أعدائكم، وإظهار دينكم، ولما هداكم له من الحقّ الّذي ضلّ عنه مخالفوكم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ} يقول: وأنتم أقلّ عددًا، وأضعف قوّةً {فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} أي فاتّقون، فإنّه شكر نعمتي.
واختلف في المعنى الّذي من أجله سمّي بدرٌ بدرًا، فقال بعضهم: سمّي بذلك؛ لأنّه كان ماءً لرجلٍ يسمّى بدرًا، فسمّي باسم صاحبه.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدّثنا أبي، عن زكريّا، عن الشّعبيّ، قال: كانت بدرٌ لرجلٍ يقال له بدرٌ، فسمّيت به.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا زكريّا، عن الشّعبيّ أنّه قال: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ} قال: كانت بدرٌ بئرًا لرجلٍ يقال له بدرٌ، فسمّيت به
وأنكر ذلك آخرون وقالوا: ذلك اسمٌ سمّيت به البقعة كما سمّي سائر البلدان بأسمائها.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحرث بن محمّدٍ، قال: حدّثنا ابن سعدٍ، قال: حدّثنا محمّد بن عمر الواقديّ، قال: حدّثنا منصورٌ، عن أبي الأسود، عن زكريّا، عن الشّعبيّ، قال: إنّما سمّي بدرًا لأنّه كان ماءً لرجلٍ من جهينة يقال له بدرٌ، وقال الحرث: قال ابن سعدٍ: قال الواقديّ فذكرت ذلك لعبد اللّه بن جعفرٍ، ومحمّد بن صالحٍ، فأنكراه
، وقالا: فلأيّ شيءٍ سمّيت الصّفراء؟ ولأيّ شيءٍ سمّيت الحمراء؟ ولأيّ شيءٍ سمّي رابغٌ؟ هذا ليس بشيءٍ، إنّما هو اسم الموضع قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النّعمان الغفاريّ، فقال: سمعت شيوخنا من بني غفارٍ يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه أحدٌ قطّ يقال له بدرٌ، وما هو من بلاد جهينة إنّما هي بلاد غفارٍ قال الواقديّ: فهذا المعروف عندنا.
- حدّثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك، يقول: بدرٌ ماءٌ عن يمين طريق مكّة بين مكّة والمدينة.
وأمّا قوله: {أذلّةٌ} فإنّه جمع ذليلٍ، كما الأعزّة جمع عزيزٍ، والألبّة جمع لبيبٍ، وإنّما سمّاهم اللّه عزّ وجلّ أذلّةً لقلّة عددهم؛ لأنّهم كانوا ثلاثمائة نفسٍ وبضعة عشر، وعدوّهم ما بين التّسعمائة إلى الألف، على ما قد بيّنّا فيما مضى، فجعلهم لقلّة عددهم أذلّةً.
وبنحو ما قلنا في ذلك، قال أهل التّأويل.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} وبدرٌ: ماءٌ بين مكّة والمدينة، التقى عليه نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمشركون، وكان أوّل قتالٍ قاتله نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال قتاده وذكر لنا أنّه قال لأصحابه يومئذٍ: أنتم اليوم بعدّة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت: فكانوا ثلاثمائةٍ وبضعة عشر رجلاً، والمشركون يومئذٍ ألفٌ أو راهقوا ذلك.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} قال: يقول: وأنتم أذلّةٌ قليلٌ، وهم يومئذٍ بضعة عشر وثلاثمائةٍ
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، نحو قول قتادة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ} يقال وانتم أقلّ عددًا وأضعف قوّةً.
وأمّا قوله: {فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} فإنّ تأويله كالّذي قد بيّنت.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} أي فاتّقوني، فإنّه شكر نعمي). [جامع البيان: 6/16-19]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون (123)
قوله تعالى: ولقد نصركم اللّه ببدر
- أخبرنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ عن سفيان، عن يحيى بن سعيدٍ عن عباية بن رفاعة بن خديجٍ قال جبريل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كيف تعدّون شهداء بدرٍ فيكم؟
قال: خيارنا. قال: هكذا نعدّ من شهد بدراً من الملائكة فينا.
- حدّثنا الأحمس، ثنا وكيعٌ، عن سفيان، عن عبد اللّه بن عثمان ابن خثيمٍ عن مجاهدٍ، يعني قوله: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدرٍ.
قوله تعالى: ببدرٍ
- حدّثنا أبي، ثنا أبو نعيمٍ، ثنا زكريّا، عن عامرٍ الشّعبيّ يقول: إنّما كانت بدرٌ لرجلٍ يدعى بدراً يعني: بئراً.
- حدّثنا الأحمسيّ، ثنا وكيعٌ، عن زكريّا، عن عامرٍ قال: إنّما سمّيت بدرٌ لأنّها كانت بئراً لرجلٍ يسمّى بدراً.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه، عن أبيه، عن الرّبيع في قوله: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وبدرٌ ماءٌ بين مكّة والمدينة.
قوله تعالى: وأنتم أذلّةٌ
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو خالدٍ، عن الحجّاج، عن الحكم عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان عدّة أهل بدرٍ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا. وروي عن ميمون بن مهران مثله.
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ عن الحسن في قوله: وأنتم أذلّةٌ يقول وأنتم قليلٌ أذلّةٌ، فهم يومئذٍ بضعة عشر وثلاثمائةٍ.
وروي عن ابن سيرين: بضعة عشر وثلاثمائةٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ، عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةً التقى نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن معه والمشركون على بدرٍ، وكان أوّل قتالٍ قاتل نبيّ اللّه.
قال قتادة والرّبيع: أنّ نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يومئذٍ لأصحابه: إنّكم اليوم بعدّة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوق العشرة أو دون عشرين
وقال قتادة:
كانوا ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلا والمشركون يومئذٍ ألف رجلٍ أو راهقوا ذلك.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس مولى بني هاشمٍ، ثنا أبو غسّان محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: وأنتم أذلّةٌ قال: وأنتم أقلّ عدداً، أو أضعف قوّةً.
- حدّثنا عبّاسٌ الدّوريّ، ثنا مالك بن إسماعيل ثنا إبراهيم بن الزّبرقان عن حجّاجٌ عن الحكم عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان المهاجرون منهم سبعةٌ وسبعين، وكان الأنصار مائتين وستّة وثلاثين.
قوله تعالى: فاتّقوا اللّه
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون أي فاتّقون فإنّه شكر نعمتي.
قوله تعالى: تشكرون
- أخبرنا محمّد بن حبالٍ الصّنعانيّ القهندزيّ فيما كتب إليّ، ثنا عمر بن عبد الغفّار القهندزيّ، قال سفيان يعني ابن عيينة: على كلّ مسلمٍ أن يشكر اللّه في نصره ببدرٍ يقول اللّه: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون). [تفسير القرآن العظيم: 2/750-751]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 123.
أخرج أحمد، وابن حبان عن عياض الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة وخالد بن الوليد وعياض وليس عياض هذا قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، فكتبنا إليه أنه قد حاس إلينا الموت واستمددناه، فكتب إلينا أنه قد جاءني كتابكم تستمدونني وإني أدلكم على من هو أعز نصرا وأحضر جندا الله عز وجل فاستنصروه فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد نصر يوم بدر في أقل من عدتكم فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني، فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد {ولقد نصركم الله ببدر} إلى (ثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) (آل عمران الآية 124) في قصة بدر.
وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: بدر بئر.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن الشعبي قال: كانت بدر بئرا لرجل من جهينة يقال له بدر فسميت به.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: بدر ماء عن يمين طريق مكة بين مكة والمدينة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة قال: بدر ماء بين مكة والمدينة التقى عليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم والمشركون وكان أول قتال قاتله النّبيّ صلى الله عليه وسلم وذكر لنا أنه قال لأصحابه يومئذ: إنهم اليوم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وألف المشركون يومئذ أو راهقوا ذلك.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: كانت بدر متجرا في الجاهلية.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وأنتم أذلة} يقول: وأنتم قليل وهم يومئذ بضعة عشر وثلاثمائة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن ماجة، وابن أبي حاتم عن رافع بن خديج قال: قال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تعدون من شهد بدرا فيكم قال: خيارنا قال: وكذلك نعد من شهد بدرا من الملائكة فينا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة قال: على كل مسلم أن يشكر الله في نصره ببدر، يقول الله {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون}.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن الزهري قال: سمعت ابن المسيب يقول: غزا النّبيّ صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة غزوة قال: وسمعته مرة أخرى يقول أربعا وعشرين غزوة فلا أدري أكان وهما منه أو شيئا سمعه بعد ذلك قال الزهري: وكان الذي قاتل فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم كل شيء ذكر في القرآن.
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة قاتل في ثمان: يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب ويوم قديد ويوم خيبر ويوم فتح مكة ويوم ماء لبني المصطلق ويوم حنين). [الدر المنثور: 3/749-752]

تفسير قوله تعالى: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين}
يعني تعالى ذكره: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ} إذ تقول للمؤمنين بك من أصحابك: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين} وذلك يوم بدرٍ.
ثمّ اختلف أهل التّأويل في حضور الملائكة يوم بدرٍ حربهم، في أيّ يومٍ وعدوا ذلك؟ فقال بعضهم: إنّ اللّه عزّ وجلّ كان وعد المؤمنين يوم بدرٍ أن يمدّهم بملائكته إن أتاهم العدوّ من فورهم، فلم يأتوهم، ولم يمدّوا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، قال: حدّث المسلمون، يوم بدر أنّ كرز بن جابرٍ المحاربيّ، يمدّ المشركين، قال: فشقّ ذلك على المسلمين، فقيل لهم: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} قال: فبلغت كرزًا الهزيمة فرجع، ولم يمدّهم بالخمسة.
- حدّثني ابن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عامرٍ، قال: لمّا كان يوم بدرٍ بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ثمّ ذكر نحوه، إلاّ أنّه قال: {ويأتوكم من فورهم هذا}: يعني كرزًا وأصحابه، {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} قال: فبلغ كرزًا وأصحابه الهزيمة، فلم يمدّهم، ولم تنزل الخمسة، وأمدّوا بعد ذلك بألفٍ، فهم أربعة آلافٍ من الملائكة مع المسلمين.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة} الآية كلّها، قال: هذا يوم بدرٍ.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن داود، عن الشّعبيّ، قال: حدّث المسلمون أنّ كرز بن جابرٍ المحاربيّ يريد أن يمدّ المشركين ببدرٍ قال: فشقّ ذلك على المسلمين، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم} إلى قوله: {من الملائكة مسوّمين} قال: فبلغته هزيمة المشركين فلم يمدّ أصحابه، ولم يمدّوا بالخمسة.
وقال آخرون: كان هذا الوعد من اللّه لهم يوم بدرٍ، فصبر المؤمنون واتّقوا اللّه، فأمدّهم بملائكته على ما وعدهم.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا يونس بن بكيرٍ، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكرٍ، عن بعض بني ساعدة، قال: سمعت أبا أسيدٍ مالك بن ربيعة بعد ما أصيب بصره يقول: لو كنت معكم ببدرٍ الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشّعب الّذي خرجت منه الملائكة لا أشكّ ولا أتمارى.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق، وثني عبد اللّه بن أبي بكرٍ، عن بعض بني ساعدة، عن أبي أسيدٍ مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا أنّه قال بعد إذ ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدرٍ، ومعي بصري، لأريتكم الشّعب الّذي خرجت منه الملائكة لا أشكّ ولا أتمارى.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني عبد اللّه بن أبي بكرٍ أنّه حدّث عن ابن عبّاسٍ، أنّ ابن عبّاسٍ، قال: حدّثني رجلٌ من بني غفارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عمٍّ لي حتّى أصعدنا في جبلٍ يشرف بنا على بدرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة، فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنت منّا سحابةٌ، فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم، قال: فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك، ثمّ تماسكت.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق، قال: وثني الحسين بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسمٍ، مولى عبد اللّه بن الحارث، عن عبد اللّه بن عبّاسٍ قال: لم تقاتل الملائكة في يومٍ من الأيّام سوى يوم بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيّام عددًا ومددًا لا يضربون.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال محمّد بن إسحاق، حدّثني أبي إسحاق بن يسارٍ، عن رجالٍ، من بني مازن بن النّجّار، عن أبي داود المازنيّ، وكان، شهد بدرًا، قال: إنّي لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدرٍ لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن قد قتله غيري.
- حدّثني ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، قال: قال محمّدٌ: حدّثني حسين بن عبد اللّه بن عبيد اللّه بن عبّاسٍ، عن عكرمة، مولى ابن عبّاسٍ، قال: قال أبو رافعٍ مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: كنت غلامًا للعبّاس بن عبد المطّلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العبّاس، وأسلمت أمّ الفضل وأسلمت، وكان العبّاس يهاب قومه، ويكره أن يخالفهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مالٍ كثيرٍ متفرّقٍ في قومه.
وكان أبو لهبٍ عدوّ اللّه قد تخلّف عن بدرٍ، وبعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا لم يتخلّف رجلٌ إلاّ بعث مكانه رجلاً، فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدرٍ من قريشٍ، كبته اللّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوّةً وعزا، قال: وكنت رجلاً ضعيفًا، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم، فواللّه إنّي لجالسٌ فيها أنحت القداح، وعندي أمّ الفضل جالسةٌ وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهبٍ يجرّ رجليه بشرٍّ، حتّى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينا هو جالسٌ إذ قال النّاس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، قد قدم، قال: قال أبو لهبٍ: هلمّ إليّ يا ابن أخي، فعندك الخبر، قال: فجلس إليه، والنّاس قيامٌ عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر النّاس؟ قال لا شيء واللّه إن كان إلاّ أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا وايم اللّه مع ذلك ما لمت النّاس، لقينا رجالاً بيضًا على خيلٍ بلقٍ ما بين السّماء والأرض ما يليق لها شيا، ولا يقوم لها شيءٌ، قال أبو رافعٍ: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثمّ قلت: تلك الملائكة.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّدٍ، قال: حدّثني الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسمٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كان الّذي أسر العبّاس أبا اليسر كعب بن عمرٍو أخا بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعًا، وكان العبّاس رجلاً جسيمًا، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبي اليسر: كيف أسرت العبّاس أبا اليسر؟ قال: يا رسول اللّه، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لقد أعانك عليه ملكٌ كريمٌ.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين} أمدّوا بألفٍ، ثمّ صاروا ثلاثة آلافٍ، ثمّ صاروا خمسة آلافٍ {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} وذلك يوم بدرٍ، أمدّهم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرّبيع، بنحوه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: ثنّى أبي، قال: حدّثني عمّي قال حدثنى ابى، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} فإنّهم أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم مسوّمين.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن خثيمٍ، عن مجاهدٍ، قال: لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدرٍ.
وقال آخرون: إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما وعدهم يوم بدرٍ أن يمدّهم إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه واتّقوه باجتناب محارمه أن يمدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا ولم يتّقوا إلاّ في يوم الأحزاب، فأمدّهم حين حاصروا قريظة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمارة الأسديّ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا سليمان بن زيدٍ أبو إدامٍ المحاربيّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: كنّا محاصري قريظة والنّضير ما شاء اللّه أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا فدعا رسول الله صالى الله علي وسلم يغسل فهو يغسل، فبينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته يغسل رأسه، إذ جاءه جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد وضعتم أسلحتكم، ولم تضع الملائكة أوزارها، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخرقةٍ، فلفّ بها رأسه ولم يغسله، ثمّ نادى فينا فقمنا كالين معيين لا نعبأ بالسّير شيئًا، حتّى أتينا قريظة والنّضير، فيومئذٍ أمدّنا اللّه عزّ وجلّ بثلاثة آلافٍ من الملائكة، وفتح اللّه لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمةٍ من اللّه وفضلٍ
وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنّهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتّقوا، ولم يمدّوا بشيءٍ في أحدٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، سمعته يقول: {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا} قال: يوم بدرٍ قال: فلم يصبروا ولم يتّقوا، فلم يمدّوا يوم أحدٍ، ولو مدّوا لم يهزموا يومئذٍ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدّوا يوم أحدٍ ولا بملكٍ واحدٍ أو قال: إلا بملكٍ واحدٍ أبو جعفرٍ يشكّ.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: سمعت عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، قوله: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ} إلى: {خمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} كان هذا موعدًا من اللّه يوم أحدٍ، عرضه على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المؤمنين إن اتّقوا وصبروا أمدّدتهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين، ففرّ المسلمون يوم أحدٍ، وولّوا مدبرين، فلم يمدّهم اللّه.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا} الآية كلّها قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم ينظرون المشركين: يا رسول اللّه أليس يمدّنا اللّه كما أمدّنا يوم بدرٍ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين}، وإنّما أمدّكم يوم بدرٍ بألفٍ؟ قال: فجاءت الزّيادة من اللّه على أن يصبروا ويتّقوا، قال: بشرطٍ أن {يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم}، الآية كلّها
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ اللّه أخبر عن نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال للمؤمنين: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة} فوعدهم اللّه بثلاثة آلافٍ من الملائكة مددًا لهم، ثمّ وعدهم بعد الثّلاثة الآلاف خمسة آلافٍ إن صبروا لأعدائهم، واتّقوا اللّه، ولا دلالة في الآية على أنّهم أمدّوا بالثّلاثة آلآفٍ، ولا بالخمسة آلافٍ، ولا على أنّهم لم يمدّوا بهم.
وقد يجوز أن يكون اللّه عزّ وجلّ أمدّهم على نحو ما رواه الّذين أثبتوا أنّه أمدّهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدّهم على نحو الّذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحّ من الوجه الّذي يثبت أنّهم أمدّوا بالثّلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائزٍ أن يقال في ذلك قولٌ إلاّ بخبرٍ تقوم الحجّة به، ولا خبر به كذلك فنسلّم لأحد الفريقين قوله، غير أنّ في القرآن دلالةً على أنّهم قد أمدّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة وذلك قوله: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين} فأمّا في يوم أحدٍ، فالدّلالة على أنّهم لم يمدّوا أبين منها في أنّهم أمدّوا، وذلك أنّهم لو أمدّوا لم يهزموا، وينال منهم ما نيل منهم.
فالصّواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره. وقد بيّنّا معنى الإمداد فيما مضى، والمدد ومعنى الصّبر والتّقوى.
وأمّا قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} فإنّ أهل التّأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: معنى قوله: {من فورهم هذا} من وجههم هذا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن عثمان بن غياثٍ، عن عكرمة، قال: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال: من وجههم هذا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثله.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} من وجههم هذا.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، عن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من سفرهم هذا ويقال: يعني عن غير ابن عبّاسٍ، بل هو من غضبهم هذا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {من فورهم هذا} من وجههم هذا
وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة} قال: فورهم ذلك كان يوم أحدٍ، غضبوا ليوم بدرٍ ممّا لقوا.
- حدّثني محمّد بن عمارة، قال: حدّثنا سهل بن عامرٍ، قال: حدّثنا مالك بن مغولٍ، قال: سمعت أبا صالحٍ مولى أمّ هانئٍ يقول: {من فورهم هذا} يقول: من غضبهم هذا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال: غضب لهم، يعني الكفّار، فلم يقاتلوهم عند تلك السّاعة، وذلك يوم أحدٍ.
- حدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: {من فورهم هذا} قال: من غضبهم هذا.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم وغضبهم
وأصل الفور: ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثمّ يوصل بآخر، يقال منه: فارت القدر فهي تفور فورًا وفورانًا: إذا ما ابتدأ ما فيها بالغليان ثمّ اتّصل؛ ومضيت إلى فلانٍ من فوري ذلك، يراد به: من وجهي الّذي ابتدأت فيه
فالّذي قال في هذه الآية: معنى قوله: {من فورهم هذا} من وجههم هذا، قصد إلى أنّ تأويله: ويأتيكم كرز بن جابرٍ وأصحابه يوم بدرٍ، من ابتداء مخرجهم الّذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.
وأمّا الّذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا، فإنّما عنوا أنّ تأويل ذلك: ويأتيكم كفّار قريشٍ وتبّاعهم يوم أحدٍ من ابتداء غضبهم الّذي غضبوه لقتلاهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ بها.
{يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ} كذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله {ويأتوكم من فورهم هذا} اختلف أهل التّأويل في إمداد اللّه المؤمنين بأحدٍ بملائكته، فقال بعضهم: لم يمدّوا بهم؛ لأنّ المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم، ولم يتّقوا اللّه عزّ وجلّ بترك من ترك من الرّماة طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثبوته في الموضع الّذي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالثّبوت فيه، ولكنّهم أخلّوا به طلبًا للغنائم، فقتل من المسلمين، ونال المشركون منهم ما نالوا، وإنّما كان اللّه عزّ وجلّ وعد نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم إمدادهم بهم إن صبروا واتّقوا اللّه
وأمّا الّذين قالوا: كان ذلك يوم بدرٍ بسبب كرز بن جابرٍ، فإنّ بعضهم قالوا: لم يأت كرزٌ وأصحابه إخوانهم من المشركين مددًا لهم ببدرٍ، ولم يمدّ اللّه المؤمنين بملائكته؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما وعدهم أن يمدّهم بملائكته إن أتاهم كرزٌ ومدد المشركين من فورهم، ولم يأتهم المدد.
وأمّا الّذين قالوا: إنّ اللّه تعالى ذكره قد كان أمدّ المسلمين بالملائكة يوم بدرٍ، فإنّهم اعتلّوا بقول اللّه عزّ وجلّ: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين}.
قالو: فالألف منهم قد أتاهم مددًا، وإنّما الوعد الّذي كانت فيه الشّروط فيما زاد على الألف، فأمّا الألف فقد كانوا أمدّوا به؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ كان قد وعدهم ذلك، ولن يخلف اللّه وعده.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: {مسوّمين} فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة والكوفة: (مسوّمين) بفتح الواو، بمعنى أنّ اللّه سوّمها.
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: {مسوّمين} بكسر الواو، بمعنى أنّ الملائكة سوّمت انفسها.
وأولى القراءتين في ذلك بالصّواب قراءة من قرأ بكسر الواو لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأهل التّأويل منهم ومن التّابعين بعدهم، بأنّ الملائكة هي الّتي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويمها إلى اللّه عزّ وجلّ أو إلى غيره من خلقه.
ولا معنى لقول من قال: إنّما كان يختار الكسر في قوله: {مسوّمين} لو كان في البشر، فأمّا الملائكة فوصفهم غير ذلك ظنًّا منه بأنّ الملائكة غير ممكنٍ فيها تسويم أنفسها إن كانوا ذلك في البشر وذلك أنّه غير مستحيلٍ أن يكون اللّه عزّ وجلّ مكّنها من تسويم أنفسها نحوّ تمكينه البشر من تسويم أنفسهم، فسوّموا أنفسهم بحقّ الّذي سوّم البشر طلبًا منها بذلك طاعة ربّها، فأضيف تسويمها أنفسها إليها، وإن كان ذلك عن تسبيب اللّه لهم أسبابه، وهي إذا كانت موصوفةً بتسويمها أنفسها تقرّبًا منها إلى ربّها، كان أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة اللّه من أن تكون موصوفةً بأنّ ذلك مفعولٌ بها.
ذكر الأخبار بما ذكرنا من إضافة من أضاف التّسويم إلى الملائكة دون إضافة ذلك إلى غيرهم، على نحو ما قلنا فيه:.
- حدّثني يعقوب، قال: أخبرنا ابن عليّة، قال: أخبرنا ابن عونٍ، عن عمير بن إسحاق، قال: إنّ أوّل ما كان الصّوف ليومئذٍ يعني يوم بدرٍ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا مختار بن غسّان، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن الغسيل، عن الزّبير بن المنذر، عن جدّه أبي أسيدٍ، وكان بدريًّا، فكان يقول: لو أنّ بصري معي ثمّ ذهبتم معي إلى أحدٍ، لأخبرتكم بالشّعب الّذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفرٍ قد طرحوها بين أكتافهم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: معلّمين مجزوزةً أذناب خيلهم ونواصيها فيها الصّوف أو العهن، وذلك التّسويم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهدٍ في قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} قال: مجزوزةً أذنابها وأعرافها، فيها الصّوف أو العهن، فذلك التّسويم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {مسوّمين} ذكر لنا أنّ سيماها يومئذٍ الصّوف بنواصي خيلهم وأذنابهم، وأنّهم على خيلٍ بلقٍ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {مسوّمين} قال: كان سيماها صوفًا في نواصيها.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ أنّه كان يقول: {مسوّمين} قال: كانت خيولهم مجزوزة الأعراف معلّمةً نواصيها وأذنابها بالصّوف والعهن.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: كانوا يومئذٍ على خيلٍ بلقٍ
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، وبعض أشياخنا، عن الحسن، نحو حديث معمرٍ، عن قتادة.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {مسوّمين} معلّمين.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} فإنّهم أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم مسوّمين بالصّوف فسوّم محمّدٌ وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصّوف.

- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عبّاد بن حمزة، قال: نزلت الملائكة في سيما الزّبير، عليهم عمائم صفرٌ، وكانت عمامة الزّبير صفراء.
- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {مسوّمين} قال: بالصّوف في نواصيها وأذنابها.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن هشام بن عروة، قال: نزلت الملائكة يوم بدرٍ على خيلٍ بلقٍ، عليهم عمائم صفرٌ، وكان على الزّبير يومئذٍ عمامةٌ صفراء.
- حدّثني أحمد بن يحيى الصّوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن شريكٍ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عبد اللّه بن الزّبير، أنّ الزّبير، كانت عليه ملاءةٌ صفراء يوم بدرٍ، فاعتمّ بها، فنزلت الملائكة يوم بدرٍ على نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معمّمين بعمائم صفرٍ.
فهذه الأخبار الّتي ذكرنا بعضها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال لأصحابه: تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسّومت وقول أبي أسيدٍ: خرجت الملائكة في عمائم صفرٍ قد طرحوها بين أكتافهم وقول من قال منهم: {مسوّمين} معلّمين ينبئ جميع ذلك عن صحّة ما اخترنا من القراءة في ذلك، وأنّ التّسويم كان من الملائكة بأنفسها، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى.
وأمّا الّذين قرءوا ذلك (مسوّمين) بالفتح، فإنّهم أراهم تأوّلوا في ذلك ما: حدّثنا به حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن عثمان بن غياثٍ، عن عكرمة: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: عليهم سيما القتال.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين}، يقول: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدرٍ، يمدّدكم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين،
- حدثت عن عمار عن ابن ابى جعفر عن ابيه عن الربيع قوله القتال.{يمدّدكم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: عليهم سيما
فقالوا: كان سيما القتال عليهم، لا أنّهم كانوا تسوّموا بسيما فيضاف إليهم التّسويم، فمن أجل ذلك قرءوا: {مسوّمين} بمعنى أنّ اللّه تعالى أضاف التّسويم إلى من سوّمهم تلك السّيما.
والسّيما العلامة، يقال: هي سيما حسنةٌ، وسيمياء حسنةٌ، كما قال الشّاعر:.
غلامٌ رماه اللّه بالحسن يافعًا = له سيمياء لا تشقّ على البصر
يعني بذلك علامةً من حسنٍ، فإذا أعلم الرّجل نفسه بعلامةٍ يعرف بها في حربٍ أو غيره قيل: سوّم نفسه، فهو يسوّمها تسويمًا). [جامع البيان: 6/20-38]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين (125)
قوله تعالى: إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ عن الحسن في قوله: إذ تقول للمؤمنين فقال: يوم بدرٍ.
- حدّثنا أبي، ثنا يحيى بن المغيرة، أنبأ جريرٌ، عن يعقوب يعني القمّيّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ قال: في يوم حنينٍ أمدّ اللّه رسوله بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين، ويومئذٍ سمّى اللّه الأنصار مؤمنين.
قوله تعالى: ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا محمّد بن عمرٍو، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق: أن يمدّكم ربّكم قال: مدداً لهم أمددكم به.
قوله تعالى: بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين
- حدّثنا أبي، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيبٌ، عن داود، عن عامرٍ:
أنّ المسلمين بلغهم يوم بدرٍ أنّ كرز بن جابرٍ المحاربيّ يمدّ المشركين فشقّ عليهم فأنزل اللّه تعالى: ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين إلى قوله:
مسوّمين قال: فبلغت كرزاً الهزيمة فلم يمدّ المشركين ولم يمدّ المسلمون بالخمسة.
- حدّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرّحمن، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع قوله: أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملآئكة منزلين أي أمدّكم بألفٍ ثمّ صاروا ثلاثة آلافٍ ثمّ صاروا خمسة آلافٍ). [تفسير القرآن العظيم: 2/752-755]
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَسَنِ الهَمَذَانِيُّ (ت: 352هـ): (نا إبراهيم قال نا آدم قال نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين نزلت يوم بدر بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يعني من غضبهم هذا قال فلم يقاتلوهم تلك الساعة وذلك يوم أحد وفي قوله عز وجل خمسة آلاف من الملائكة مسومين يعني معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها فيها الصوف وهو العهن وذلك التسويم وما جعله الله إلا بشرى لكم يقول جعلها الله لتستبشروا ولتطمئنوا إليهم قال فلم تقاتل معهم الملائكة يومئذ قال وربما قال ابن أبي نجيح عن مجاهد لم تقاتل معهم الملائكة يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر). [تفسير مجاهد: 135]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيات 124 - 127
أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف} إلى قوله {مسومين} قال: فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين ولم يمد المسلمون بالخمسة.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: لما كان يوم بدر بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكر نحوه إلا أنه قال {ويأتوكم من فورهم هذا} يعني كرزا وأصحابه {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} فبلغ كرزا وأصحابه الهزيمة فلم يمدهم ولم تنزل الخمسة وأمدوا بعد ذلك بألف فهم أربعة آلاف من الملائكة مع المسلمين
أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إذ تقول للمؤمنين} الآية، قال: هذا يوم بدر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: أمدوا بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف، وذلك يوم بدر). [الدر المنثور: 3/752-760]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} فإنما أمدكم يوم بدر بألف قال: فجاءت الزيادة من الله على أن يصبروا ويتقوا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من سفرهم هذا). [الدر المنثور: 3/752-760]

تفسير قوله تعالى: (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى مسومين قال سيماها صوف في نواصيها وأذنابها). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة في قوله تعالى من فورهم هذا قال من وجههم هذا). [تفسير عبد الرزاق: 1/130]
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليهم عمائم صفر وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء). [تفسير عبد الرزاق: 1/131]
قال أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي (ت:220هـ): (سفيان [الثوري] في قول الله: {بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} قال: معلمين [الآية: 125]). [تفسير الثوري: 80]
قالَ سعيدُ بنُ منصورٍ بن شعبة الخراسانيُّ: (ت:227هـ): ( [قوله تعالى: {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} ]
- حدّثنا سعيدٌ، قال: نا أبو معاوية، عن جويبر، عن الضّحّاك - في قوله عزّ وجلّ: {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} -، قال: معلّمين بالصوف الأبيض). [سنن سعيد بن منصور: 3/1089]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (وقال عكرمة: {من فورهم} [آل عمران: 125] : «من غضبهم يوم بدرٍ»). [صحيح البخاري: 6/33]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): (قوله وقال عكرمة من فورهم غضبهم يوم بدرٍ وصله الطّبريّ من طريق داود بن أبي هندٍ عن عكرمة في قوله ويأتوكم من فورهم هذا قال فورهم ذلك كان يوم أحدٍ غضبوا ليوم بدرٍ بما لقوا وأخرجه عبد بن حميدٍ من وجهٍ آخر عن عكرمة في قولهم من فورهم هذا قال من وجوههم هذا وأصل الفور العجلة والسّرعة ومنه فارت القدر يعبّر به عن الغضب لأنّ الغضبان يسارع إلى البطش). [فتح الباري: 8/209]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (وأما قول عكرمة فقال عبد ثنا روح ثنا عثمان بن غياث عن عكرمة في قوله {ويأتوكم من فورهم هذا} 125 آل عمران قال من وجههم هذا
وقال الطّبريّ ثنا محمّد بن المثنى حدثني عبد الأعلى ثنا داود هو ابن أبي هند عن عكرمة في قوله {ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} قال فورهم ذاك كان يوم أحد غضبوا ليوم بدر ممّا لقوا). [تغليق التعليق: 4/187-189]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (وقال عكرمة من فورهم من غضبهم يوم بدرٍ
أشار به إلى قوله تعالى: {بلى أن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا} (آل عمران: 125) الآية، وفسّر عكرمة مولى ابن عبّاس: من فوره، بقوله: من غضبهم، وهذا التّعليق وصله الطّبريّ من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، قال: فورهم، ذلك كان يوم أحد غضبوا ليوم بدر ممّا لقوا). [عمدة القاري: 18/137]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : ( (وقال عكرمة) مولى ابن عباس مما وصله الطبري في قوله تعالى: {ويأتوكم} ({من فورهم}) [آل عمران: 125] أي (من غضبهم يوم بدر) وقال غيره من ساعتهم هذه، وسقط لأبي ذر من قوله وقال ابن جبير إلى هنا). [إرشاد الساري: 7/50]
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسومين} معلّمين مجزّزةٌ أذناب خيلهم ونواصيها فيها كالصّوف: العهن، وذلك التّسويم). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 77]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين}
...
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين} أمدّوا بألفٍ، ثمّ صاروا ثلاثة آلافٍ، ثمّ صاروا خمسة آلافٍ {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} وذلك يوم بدرٍ، أمدّهم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرّبيع، بنحوه.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: ثنّى أبي، قال: حدّثني عمّي قال حدثنى ابى، عن أبيه، عن ابن عبّاسٍ، في قوله: {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} فإنّهم أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم مسوّمين.
- حدّثني محمّد بن بشّارٍ حدّثنا عبد الرحمن، قال: حدّثنا سفيان، عن ابن خثيمٍ، عن مجاهدٍ، قال: لم تقاتل الملائكة إلاّ يوم بدرٍ.
وقال آخرون: إنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما وعدهم يوم بدرٍ أن يمدّهم إن صبروا عند طاعته، وجهاد أعدائه واتّقوه باجتناب محارمه أن يمدّهم في حروبهم كلّها، فلم يصبروا ولم يتّقوا إلاّ في يوم الأحزاب، فأمدّهم حين حاصروا قريظة.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن عمارة الأسديّ، قال: حدّثنا عبيد اللّه بن موسى، قال: أخبرنا سليمان بن زيدٍ أبو إدامٍ المحاربيّ، عن عبد اللّه بن أبي أوفى، قال: كنّا محاصري قريظة والنّضير ما شاء اللّه أن نحاصرهم، فلم يفتح علينا، فرجعنا فدعا رسول الله صالى الله علي وسلم يغسل فهو يغسل، فبينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بيته يغسل رأسه، إذ جاءه جبريل صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال: يا محمّد وضعتم أسلحتكم، ولم تضع الملائكة أوزارها، فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بخرقةٍ، فلفّ بها رأسه ولم يغسله، ثمّ نادى فينا فقمنا كالين معيين لا نعبأ بالسّير شيئًا، حتّى أتينا قريظة والنّضير، فيومئذٍ أمدّنا اللّه عزّ وجلّ بثلاثة آلافٍ من الملائكة، وفتح اللّه لنا فتحًا يسيرًا، فانقلبنا بنعمةٍ من اللّه وفضلٍ
وقال آخرون بنحو هذا المعنى، غير أنّهم قالوا: لم يصبر القوم، ولم يتّقوا، ولم يمدّوا بشيءٍ في أحدٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: حدّثني عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، سمعته يقول: {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا} قال: يوم بدرٍ قال: فلم يصبروا ولم يتّقوا، فلم يمدّوا يوم أحدٍ، ولو مدّوا لم يهزموا يومئذٍ.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعت عكرمة يقول: لم يمدّوا يوم أحدٍ ولا بملكٍ واحدٍ أو قال: إلا بملكٍ واحدٍ أبو جعفرٍ يشكّ.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: سمعت عبيد بن سليمان، عن الضّحّاك، قوله: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ} إلى: {خمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} كان هذا موعدًا من اللّه يوم أحدٍ، عرضه على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ المؤمنين إن اتّقوا وصبروا أمدّدتهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين، ففرّ المسلمون يوم أحدٍ، وولّوا مدبرين، فلم يمدّهم اللّه.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا} الآية كلّها قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وهم ينظرون المشركين: يا رسول اللّه أليس يمدّنا اللّه كما أمدّنا يوم بدرٍ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين}، وإنّما أمدّكم يوم بدرٍ بألفٍ؟ قال: فجاءت الزّيادة من اللّه على أن يصبروا ويتّقوا، قال: بشرطٍ أن {يأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم}، الآية كلّها
وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال: إنّ اللّه أخبر عن نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال للمؤمنين: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة} فوعدهم اللّه بثلاثة آلافٍ من الملائكة مددًا لهم، ثمّ وعدهم بعد الثّلاثة الآلاف خمسة آلافٍ إن صبروا لأعدائهم، واتّقوا اللّه، ولا دلالة في الآية على أنّهم أمدّوا بالثّلاثة آلآفٍ، ولا بالخمسة آلافٍ، ولا على أنّهم لم يمدّوا بهم.
وقد يجوز أن يكون اللّه عزّ وجلّ أمدّهم على نحو ما رواه الّذين أثبتوا أنّه أمدّهم، وقد يجوز أن يكون لم يمدّهم على نحو الّذي ذكره من أنكر ذلك، ولا خبر عندنا صحّ من الوجه الّذي يثبت أنّهم أمدّوا بالثّلاثة الآلاف ولا بالخمسة الآلاف، وغير جائزٍ أن يقال في ذلك قولٌ إلاّ بخبرٍ تقوم الحجّة به، ولا خبر به كذلك فنسلّم لأحد الفريقين قوله، غير أنّ في القرآن دلالةً على أنّهم قد أمدّوا يوم بدرٍ بألفٍ من الملائكة وذلك قوله: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين} فأمّا في يوم أحدٍ، فالدّلالة على أنّهم لم يمدّوا أبين منها في أنّهم أمدّوا، وذلك أنّهم لو أمدّوا لم يهزموا، وينال منهم ما نيل منهم.
فالصّواب فيه من القول أن يقال كما قال تعالى ذكره. وقد بيّنّا معنى الإمداد فيما مضى، والمدد ومعنى الصّبر والتّقوى.
وأمّا قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} فإنّ أهل التّأويل اختلفوا فيه، فقال بعضهم: معنى قوله: {من فورهم هذا} من وجههم هذا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن عثمان بن غياثٍ، عن عكرمة، قال: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال: من وجههم هذا.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة مثله.
- حدّثنا محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} من وجههم هذا.
- حدّثت عن عمّار بن الحسن، عن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا.
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم هذا.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من سفرهم هذا ويقال: يعني عن غير ابن عبّاسٍ، بل هو من غضبهم هذا.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {من فورهم هذا} من وجههم هذا
وقال آخرون: معنى ذلك: من غضبهم هذا.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثني محمّد بن المثنّى، قال: حدّثنا عبد الأعلى، قال: حدّثنا داود، عن عكرمة، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة} قال: فورهم ذلك كان يوم أحدٍ، غضبوا ليوم بدرٍ ممّا لقوا.
- حدّثني محمّد بن عمارة، قال: حدّثنا سهل بن عامرٍ، قال: حدّثنا مالك بن مغولٍ، قال: سمعت أبا صالحٍ مولى أمّ هانئٍ يقول: {من فورهم هذا} يقول: من غضبهم هذا.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال: غضب لهم، يعني الكفّار، فلم يقاتلوهم عند تلك السّاعة، وذلك يوم أحدٍ.
- حدّثني القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال مجاهدٌ: {من فورهم هذا} قال: من غضبهم هذا.
- حدّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان قال: سمعت الضّحّاك، في قوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} يقول: من وجههم وغضبهم
وأصل الفور: ابتداء الأمر يؤخذ فيه، ثمّ يوصل بآخر، يقال منه: فارت القدر فهي تفور فورًا وفورانًا: إذا ما ابتدأ ما فيها بالغليان ثمّ اتّصل؛ ومضيت إلى فلانٍ من فوري ذلك، يراد به: من وجهي الّذي ابتدأت فيه
فالّذي قال في هذه الآية: معنى قوله: {من فورهم هذا} من وجههم هذا، قصد إلى أنّ تأويله: ويأتيكم كرز بن جابرٍ وأصحابه يوم بدرٍ، من ابتداء مخرجهم الّذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين.
وأمّا الّذين قالوا: معنى ذلك: من غضبهم هذا، فإنّما عنوا أنّ تأويل ذلك: ويأتيكم كفّار قريشٍ وتبّاعهم يوم أحدٍ من ابتداء غضبهم الّذي غضبوه لقتلاهم الّذين قتلوا يوم بدرٍ بها.
{يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ} كذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله {ويأتوكم من فورهم هذا} اختلف أهل التّأويل في إمداد اللّه المؤمنين بأحدٍ بملائكته، فقال بعضهم: لم يمدّوا بهم؛ لأنّ المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم، ولم يتّقوا اللّه عزّ وجلّ بترك من ترك من الرّماة طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ثبوته في الموضع الّذي أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالثّبوت فيه، ولكنّهم أخلّوا به طلبًا للغنائم، فقتل من المسلمين، ونال المشركون منهم ما نالوا، وإنّما كان اللّه عزّ وجلّ وعد نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم إمدادهم بهم إن صبروا واتّقوا اللّه
وأمّا الّذين قالوا: كان ذلك يوم بدرٍ بسبب كرز بن جابرٍ، فإنّ بعضهم قالوا: لم يأت كرزٌ وأصحابه إخوانهم من المشركين مددًا لهم ببدرٍ، ولم يمدّ اللّه المؤمنين بملائكته؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما وعدهم أن يمدّهم بملائكته إن أتاهم كرزٌ ومدد المشركين من فورهم، ولم يأتهم المدد.
وأمّا الّذين قالوا: إنّ اللّه تعالى ذكره قد كان أمدّ المسلمين بالملائكة يوم بدرٍ، فإنّهم اعتلّوا بقول اللّه عزّ وجلّ: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين}.
قالو: فالألف منهم قد أتاهم مددًا، وإنّما الوعد الّذي كانت فيه الشّروط فيما زاد على الألف، فأمّا الألف فقد كانوا أمدّوا به؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ كان قد وعدهم ذلك، ولن يخلف اللّه وعده.
واختلف القرّاء في قراءة قوله: {مسوّمين} فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة والكوفة: (مسوّمين) بفتح الواو، بمعنى أنّ اللّه سوّمها.
وقرأ ذلك بعض قرّاء أهل الكوفة والبصرة: {مسوّمين} بكسر الواو، بمعنى أنّ الملائكة سوّمت انفسها.
وأولى القراءتين في ذلك بالصّواب قراءة من قرأ بكسر الواو لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأهل التّأويل منهم ومن التّابعين بعدهم، بأنّ الملائكة هي الّتي سوّمت أنفسها من غير إضافة تسويمها إلى اللّه عزّ وجلّ أو إلى غيره من خلقه.
ولا معنى لقول من قال: إنّما كان يختار الكسر في قوله: {مسوّمين} لو كان في البشر، فأمّا الملائكة فوصفهم غير ذلك ظنًّا منه بأنّ الملائكة غير ممكنٍ فيها تسويم أنفسها إن كانوا ذلك في البشر وذلك أنّه غير مستحيلٍ أن يكون اللّه عزّ وجلّ مكّنها من تسويم أنفسها نحوّ تمكينه البشر من تسويم أنفسهم، فسوّموا أنفسهم بحقّ الّذي سوّم البشر طلبًا منها بذلك طاعة ربّها، فأضيف تسويمها أنفسها إليها، وإن كان ذلك عن تسبيب اللّه لهم أسبابه، وهي إذا كانت موصوفةً بتسويمها أنفسها تقرّبًا منها إلى ربّها، كان أبلغ في مدحها لاختيارها طاعة اللّه من أن تكون موصوفةً بأنّ ذلك مفعولٌ بها.
ذكر الأخبار بما ذكرنا من إضافة من أضاف التّسويم إلى الملائكة دون إضافة ذلك إلى غيرهم، على نحو ما قلنا فيه:.
- حدّثني يعقوب، قال: أخبرنا ابن عليّة، قال: أخبرنا ابن عونٍ، عن عمير بن إسحاق، قال: إنّ أوّل ما كان الصّوف ليومئذٍ يعني يوم بدرٍ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت.
- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا مختار بن غسّان، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن الغسيل، عن الزّبير بن المنذر، عن جدّه أبي أسيدٍ، وكان بدريًّا، فكان يقول: لو أنّ بصري معي ثمّ ذهبتم معي إلى أحدٍ، لأخبرتكم بالشّعب الّذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفرٍ قد طرحوها بين أكتافهم.
- حدّثني محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: معلّمين مجزوزةً أذناب خيلهم ونواصيها فيها الصّوف أو العهن، وذلك التّسويم.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا حكّامٌ، عن عنبسة، عن محمّد بن عبد الرّحمن، عن القاسم بن أبي بزّة، عن مجاهدٍ في قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} قال: مجزوزةً أذنابها وأعرافها، فيها الصّوف أو العهن، فذلك التّسويم.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {مسوّمين} ذكر لنا أنّ سيماها يومئذٍ الصّوف بنواصي خيلهم وأذنابهم، وأنّهم على خيلٍ بلقٍ.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: {مسوّمين} قال: كان سيماها صوفًا في نواصيها.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ أنّه كان يقول: {مسوّمين} قال: كانت خيولهم مجزوزة الأعراف معلّمةً نواصيها وأذنابها بالصّوف والعهن.
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع: كانوا يومئذٍ على خيلٍ بلقٍ
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، وبعض أشياخنا، عن الحسن، نحو حديث معمرٍ، عن قتادة.
- حدّثنا محمّدٌ، قال: حدّثنا أحمد، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ: {مسوّمين} معلّمين.
- حدّثني محمّد بن سعدٍ، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني عمّي، قال: حدّثني أبي، عن أبيه عن ابن عبّاسٍ، قوله: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} فإنّهم أتوا محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم مسوّمين بالصّوف فسوّم محمّدٌ وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصّوف.

- حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا ابن يمانٍ، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عبّاد بن حمزة، قال: نزلت الملائكة في سيما الزّبير، عليهم عمائم صفرٌ، وكانت عمامة الزّبير صفراء.
- حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضّحّاك، في قوله: {مسوّمين} قال: بالصّوف في نواصيها وأذنابها.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن هشام بن عروة، قال: نزلت الملائكة يوم بدرٍ على خيلٍ بلقٍ، عليهم عمائم صفرٌ، وكان على الزّبير يومئذٍ عمامةٌ صفراء.
- حدّثني أحمد بن يحيى الصّوفيّ، قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن شريكٍ، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عبد اللّه بن الزّبير، أنّ الزّبير، كانت عليه ملاءةٌ صفراء يوم بدرٍ، فاعتمّ بها، فنزلت الملائكة يوم بدرٍ على نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معمّمين بعمائم صفرٍ.
فهذه الأخبار الّتي ذكرنا بعضها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال لأصحابه: تسوّموا فإنّ الملائكة قد تسّومت وقول أبي أسيدٍ: خرجت الملائكة في عمائم صفرٍ قد طرحوها بين أكتافهم وقول من قال منهم: {مسوّمين} معلّمين ينبئ جميع ذلك عن صحّة ما اخترنا من القراءة في ذلك، وأنّ التّسويم كان من الملائكة بأنفسها، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى.
وأمّا الّذين قرءوا ذلك (مسوّمين) بالفتح، فإنّهم أراهم تأوّلوا في ذلك ما: حدّثنا به حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا يزيد بن زريعٍ، عن عثمان بن غياثٍ، عن عكرمة: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: عليهم سيما القتال.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة: {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين}، يقول: عليهم سيما القتال، وذلك يوم بدرٍ، يمدّدكم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين،
- حدثت عن عمار عن ابن ابى جعفر عن ابيه عن الربيع قوله القتال.{يمدّدكم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} يقول: عليهم سيما
فقالوا: كان سيما القتال عليهم، لا أنّهم كانوا تسوّموا بسيما فيضاف إليهم التّسويم، فمن أجل ذلك قرءوا: {مسوّمين} بمعنى أنّ اللّه تعالى أضاف التّسويم إلى من سوّمهم تلك السّيما.
والسّيما العلامة، يقال: هي سيما حسنةٌ، وسيمياء حسنةٌ، كما قال الشّاعر:.
غلامٌ رماه اللّه بالحسن يافعًا = له سيمياء لا تشقّ على البصر
يعني بذلك علامةً من حسنٍ، فإذا أعلم الرّجل نفسه بعلامةٍ يعرف بها في حربٍ أو غيره قيل: سوّم نفسه، فهو يسوّمها تسويمًا). [جامع البيان: 6/20-38] (م)
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: بلى إن تصبروا وتتّقوا
- حدّثنا محمّد بن عبد اللّه بن يزيد ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرٍو عن عكرمة قال: لم يمدّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ ولا بملكٍ واحدٍ.
يقول اللّه تعالى: بلى إن تصبروا وتتّقوا
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز بن منيبٍ، ثنا الفضل بن خالدٍ، ثنا أبو معاذٍ اللّيثيّ، ثنا عبيد بن سليمان الباهليّ قال: سمعت الضّحّاك بن مزاحمٍ يقول في قول اللّه تعالى: بلى إن تصبروا وتتّقوا كان هذا موعداً من اللّه يوم أحدٍ عرضه على نبيّه. أنّ المؤمنين إن اتّقوا وصبروا أمددتهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين، ففرّ المسلمون يوم أحدٍ وولّوا مدبرين فلم يمدّهم اللّه.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق بلى إن تصبروا وتتّقوا قال: أي تصبروا لعدوّي وتطيعوا أمري.
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ ويأتوكم يعني الكفّار فلم يقتلوهم تلك السّاعة وذلك يوم أحدٍ.
قوله تعالى: من فورهم
[الوجه الأول]
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين عن أبيه، عن جدّه عن ابن عبّاسٍ ويأتوكم من فورهم هذا يقول: من سفرهم هذا. ويقال: بل هو من غضبهم هذا.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ ثنا وكيعٌ وأبو نعيمٍ عن مالك بن مغولٍ قال:
سمعت أبا صالحٍ في قوله: ويأتوكم من فورهم هذا قال: من غضبهم.
قال أبو محمّدٍ: يعني من فوره: الغضب
وروي عن مجاهدٍ وعكرمة: من غضبهم
الوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيمٍ الأوديّ، ثنا أحمد بن المفضّل، ثنا أسباطٌ عن السّدّيّ قوله: ويأتوكم من فورهم هذا قال: من وجههم هذا
وروي عن الحسن، والضّحّاك والرّبيع، وقتادة مثل ذلك غير أنّ الضّحّاك قال: من غضبهم ووجههم.
قوله تعالى: يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ ثنا عبّاد ابن منصورٍ عن الحسن في قوله: يمددكم ربّكم قال: يوم بدر.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد، ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وذلك يوم بدرٍ، أمدّهم اللّه بخمسة آلافٍ من الملائكة.
قوله تعالى: مسومين
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرّبٍ، عن عليٍّ قال: كان سيما الملائكة يوم بدرٍ الصّوف الأبيض.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا عبد الرّحيم بن مطرّفٍ، ثنا عيسى بن يونس عن زكريّا، عن أبي إسحاق عن حارثة عن عليٍّ قال: كان سيما الملائكة أهل بدرٍ الصّوف الأبيض، وكان سيما الملائكة أيضاً في نواصي خيولهم.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا هدبة بن خالدٍ، ثنا حمّاد بن سلمة عن محمّد بن عمرٍو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في هذه الآية مسوّمين قال: بالعهن الأحمر.
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو يحيى الرّازيّ، عن أبي جعفرٍ، عن ليثٍ عن مجاهدٍ بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين قال: محذفةٌ أعرافها، معلّمةٌ نواصيها بالصّوف العهن.
- حدّثنا أبي، ثنا المسيّب بن واضحٍ، ثنا أبو إسحاق، عن سفيان عن مجاهدٍ في قوله: يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين قال: معلّمين بالصّوف الأبيض في أذناب الخيل.
- حدّثنا عمرٌو الأوديّ، ثنا أبو أسامة، عن شبلٍ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ
بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين قال: معلّمين مجزوزةٌ أذناب خيولهم عليها العهن والصّوف.
- أخبرنا محمّد بن سعدٍ العوفيّ فيما كتب إليّ، حدّثني أبي، ثنا عمّي الحسين عن أبيه عن جدّه عن ابن عبّاسٍ قوله: مسوّمين فإنّهم أتوا محمّداً مسوّمين بالصّوف، فسوّم محمّدٌ وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
- حدّثنا الأحمسيّ، ثنا وكيعٌ عن هشامٍ يعني ابن عروة، عن يحيي ابن عبّادٍ أنّ الزّبير كان عليه يوم بدرٍ عمامةٌ صفراء معتجراً بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفرٌ.
الوجه الثّالث:
- حدّثنا أبي ثنا سليمان بن شرحبيل ثنا أبو فروة يعني حاتم ابن شفيٍّ الهمدانيّ قال: قال مكحولٌ: يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين قال: هي العمائم.
الوجه الرّابع:
- حدّثنا عبيد اللّه بن إسماعيل البغداديّ، ثنا خلف بن هشامٍ، ثنا الخفاف، عن ابنا العطّار، عن قتادة مسوّمين قال: عليهم سيما القتال. وروي عن عكرمة مثل ذلك). [تفسير القرآن العظيم: 2/752-755]
قال عليُّ بنُ أبي بكرٍ بن سُليمَان الهَيْثَميُّ (ت: 807هـ) : (قوله تعالى: {مسوّمين} [آل عمران: 125].
- عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - «في قوله: {مسوّمين} [آل عمران: 125]، قال: " معلّمين، وكانت سيما الملائكة يوم بدرٍ عمائم سودًا، ويوم أحدٍ عمائم حمرًا».
رواه الطّبرانيّ، وفيه عبد القدّوس بن حبيبٍ، وهو متروكٌ). [مجمع الزوائد: 6/327]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {بلى إن تصبروا وتتقوا} الآية، قال هذا يوم أحد فلم يصبروا ولم يتقوا فلم يمدوا يوم أحد ولو مدوا لم يهزموا يومئذ.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لم يمد النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم أحد ولا بملك واحد لقول الله {وإن تصبروا وتتقوا} الآية.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {إن تصبروا وتتقوا} الآية، قال: كان هذا موعدا من الله يوم أحد عرضه على نبيه صلى الله عليه وسلم أن المؤمنين إن اتقوا وصبروا أيدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ففر المسلمون يوم أحد وولوا مدبرين فلم يمدهم الله). [الدر المنثور: 3/752-760]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد وان جرير عن عكرمة قال {من فورهم} من وجههم.
وأخرج ابن جرير عن الحسن والربيع وقتادة والسدي، مثله.
وأخرج ابن جرير من وجه آخر عن عكرمة {من فورهم} قال: فورهم ذلك كان يوم أحد غضبوا ليوم بدر مما لقوا.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد {من فورهم} قال: من غضبهم.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن أبي صالح مولى أم هانى ء، مثله.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك {ويأتوكم من فورهم} يقول: من وجههم وغضبهم.
وأخرج الطبراني، وابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {مسومين} قال: معلمين وكانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سودا ويوم أحد عمائم حمرا.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عبدالله بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتمرا أو معتما بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.
وأخرج ابن إسحاق والطبراني عن ابن عباس قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمرا ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر وكانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى {مسومين} قال: الملائكة عليهم عمائم بيض مسومة فتلك سيما الملائكة قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت الشاعر يقول: ولقد حميت الخيل تحمل شكة * جرداء صافية الأديم مسومة
وأخرج ابن جرير عن أبي أسيد وكان بدريا أنه كان يقول: لو أن بصري معي ثم ذهبتم معي إلى أحد لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم.
وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء.
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة عن عروة قال: نزل جبريل يوم بدر على سيما الزبير وهو معتم بعمامة صفراء
وأخرج أبو نعيم، وابن عساكر عن عباد بن عبد الله بن الزبير أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر وهم طير بيض عليهم عمائم صفر وكان على رأس الزبير يومئذ عمامة صفراء من بين الناس فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: نزلت الملائكة على سيما أبي عبد الله، وجاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة صفراء.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن عمير بن إسحاق قال: إن أول ما كان الصوف ليوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تسوموا فإن الملائكة قد تسومت، فهو أول يوم وضع الصوف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها.
وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله {مسومين} قال: بالعهن الأحمر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {مسومين} قال: أتوا مسومين بالصوف فسوم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {مسومين} قال: معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها فيها الصوف والعهن.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله {مسومين} قال: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابهم وأنهم على خيل بلق.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة {مسومين} قال: عليهم سيما القتال.
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: كانوا يومئذ على خيل بلق.
وأخرج عبد بن حميد عن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد أجلى الله الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقي سعد بن مالك يرمي وفتى شاب ينبل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال: إرم أبا إسحاق إرم أبا إسحاق، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل فلم يعرف). [الدر المنثور: 3/752-760]

تفسير قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) )
قالَ مُحَمَّدُ بنُ أَحمدَ بنِ نَصْرٍ الرَّمْلِيُّ (ت:295هـ): (ثنا أحمد بن محمّدٍ القوّاس المكّيّ، قال: ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله عزّ وجلّ: {وما جعله اللّه إلا بشرى لكم} يقول: إنما جعلهم ليستبشروا به وليطمئنّوا إليهم قال: ولم يقاتلوا معهم يومئذٍ). [جزء تفسير مسلم بن خالد الزنجي: 78]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {وما جعله اللّه إلاّ بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم}
يعني تعالى ذكره: وما جعل اللّه وعده إيّاكم ما وعدكم من إمداده إيّاكم بالملائكة الّذين ذكر عددهم إلاّ بشرى لكم، يعني بشرى يبشّركم بها، {ولتطمئنّ قلوبكم به} يقول: وكي تطمئنّ بوعده الّذي وعدكم من ذلك قلوبكم، فتسكن إليه، ولا تجزع من كثرة عدد عدوّكم، وقلّة عددكم. {وما النّصر إلاّ من عند اللّه} يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوّكم إلاّ بعون اللّه، لا من قبل المدد الّذي يأتيكم من الملائكة، يقول: فعلى اللّه فتوكّلوا، وبه فاستعينوا، لا بالجموع وكثرة العدد، فإنّ نصركم إن كان إنّما يكون باللّه وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلافٍ، فإنّه إلى أن يكون ذلك بعون اللّه وبتقويته إيّاكم على عدوّكم، وإن كان معكم من البشر جموعٌ كثيرةٌ أخرى فاتّقوا اللّه واصبروا على جهاده عدوّكم، فإنّ اللّه ناصركم عليهم.
- كما: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: {وما جعله اللّه إلاّ بشرى لكم} يقول: إنّما جعلهم ليستبشروا بهم، وليطمئنّوا إليهم، ولم يقاتلوا معهم يومئذٍ، يعني يوم أحدٍ قال مجاهدٌ: ولم يقاتلوا معهم يومئذٍ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدرٍ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {وما جعله اللّه إلاّ بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به} لما أعرف من ضعفكم، وما النّصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي، وذلك أنّي ألعز والحكم الّي لا إلى أحدٍ من خلقي.
- حدّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: {وما النّصر إلاّ من عند اللّه} لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل العزيز الحكيم وأمّا معنى قوله: {العزيز الحكيم}
فإنّه جلّ ثناؤه يعني: العزيز في انتقامه من أهل الكفر بأيدي أوليائه من أهل طاعته، الحكيم في تدبيره لكم أيّها المؤمنون على أعدائكم من أهل الكفر، وغير ذلك من أموره، يقول: فأبشروا أيّها المؤمنون بتدبيري لكم على أعدائكم، ونصري إيّاكم عليهم إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به وصبرتم لجهاد عدوّي وعدوّكم). [جامع البيان: 6/38-39]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (وما جعله اللّه إلّا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلّا من عند اللّه العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفًا من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127)
قوله تعالى: وما جعله اللّه إلا بشرى لكم
- حدّثنا حجّاج بن حمزة، ثنا شبابة، ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قوله: وما جعله اللّه إلا بشرى قال: إنّما جعلهم اللّه ليستبشروا بهم
قوله تعالى: ولتطمئن قلوبكم به
- وبه عن مجاهدٍ قوله: ولتطمئن قلوبكم تطمئنوا إليهم.
قوله تعالى: وما النّصر إلا من عند اللّه
- حدّثنا محمّد بن العبّاس ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد ابن إسحاق:
وما النّصر إلا من عند اللّه قال: الأمر عندي إلا بسلطاني وقدرتي، وذلك أنّ العزّ والحكم إليّ، لا إلى أحدٍ من خلقي). [تفسير القرآن العظيم: 2/755-756]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وما جعله الله إلا بشرى لكم} يقول: إنما جعلهم لتستبشروا بهم ولتطمئنوا إليهم ولم يقاتلوا معهم يومئذ لا قبله ولا بعده إلا يوم بدر.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد {وما النصر إلا من عند الله} قال: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل). [الدر المنثور: 3/752-760]

تفسير قوله تعالى: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) )
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين}
يعني بذلك جلّ ثناؤه: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} ويعني بالطّرف: الطّائفة والنّفر، يقول تعالى ذكره: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ كما يهلك طائفةً من الّذين كفروا باللّه ورسوله فجحدوا وحدانيّة ربّهم ونبوّة نبيّهم محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم.
- كما: حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} فقطع اللّه يوم بدرٍ طرفًا من الكفّار، وقتل صناديدهم ورؤساءهم، وقادتهم في الشّرّ
- حدّثت عن عمّار، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، نحوه.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، عن عبّادٍ، عن الحسن، في قوله: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} الآية كلّها، قال: هذا يوم بدرٍ، قطع اللّه طائفةً منهم، وبقيت طائفةٌ.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} أي ليقطع طرفًا من المشركين بقتلٍ ينتقم به منهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما النّصر إلاّ من عند اللّه ليقطع طرفًا من الّذين كفروا، وقال: إنّما عنى بذلك من قتل بأحدٍ.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا محمّد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن المفضّل، قال: حدّثنا أسباطٌ، عن السّدّيّ، قال: ذكر اللّه قتلى المشركين، يعني بأحدٍ، وكانوا ثمانية عشر رجلاً فقال: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} ثمّ ذكر الشّهداء فقال: {ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتًا} الآية
وأمّا قوله: {أو يكبتهم} فإنّه يعني بذلك أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظّفر بكم. وقد قيل: إنّ معنى قوله: {أو يكبتهم} أو يصرعهم لوجوههم، ذكر بعضهم أنّه سمع العرب تقول: كبته اللّه لوجهه، بمعنى صرعه اللّه.
فتأويل الكلام: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ، ليهلك فريقًا من الكفّار بالسّيف، أو يخزيهم بخيبتهم ممّا طمعوا فيه من الظّفر، {فينقلبوا خائبين} يقول: فيرجعوا عنكم خائبين لم يصيبوا منكم شيئًا ممّا رجوا أن ينالوه منكم.
- كما: حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق: {أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} أو يردّهم خائبين، أى يرجع من بقي منهم فلا خائبين، لم ينالوا شيئًا ممّا كانوا يأملون.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {أو يكبتهم} يقول: يخزيهم فينقلبوا خائبين
- حدّثت عن عمّارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرّبيع، مثله). [جامع البيان: 6/40-42]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: ليقطع طرفاً من الّذين كفروا
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ عن الحسن في قوله: ليقطع طرفاً من الّذين كفروا قال: هذا يوم بدرٍ، فقطع اللّه طائفةً منهم وثبت طائفة.
- حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأ العبّاس بن الوليد، ثنا يزيد ثنا سعيدٌ عن قتادة قوله: ليقطع طرفاً من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين فقطع اللّه يوم بدرٍ طرفًا من الكفّار، وقتل صناديدهم ورؤسهم وقادتهم في الشّرّ.
وروي عن الرّبيع بن أنسٍ نحو قول قتادة.
قوله تعالى: أو يكبتهم
- حدّثنا أبي، ثنا أحمد بن عبد الرحم، ثنا عبد اللّه بن أبي جعفرٍ عن أبيه عن الرّبيع بن أنسٍ في قوله: أو يكبتهم قال: يخزيهم فينقلبوا خائبين. وروي عن قتادة مثل ذلك.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق:
أو يكبتهم قال: بقتلٍ ينتقم به منهم.
قوله تعالى: فينقلبوا خائبين
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق:
فينقلبوا خائبين أي ويرجع من بقى منهم فلا خائبين لم ينالوا شيئاً ممّا كانوا يأملون). [تفسير القرآن العظيم: 2/755-756]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ليقطع طرفا من الذين كفروا} قال: قطع الله يوم بدر طرفا من الكفار وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم في الشر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن {ليقطع طرفا} قال: هذا يوم بدر قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: ذكر الله قتلى المشركين بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلا فقال {ليقطع طرفا من الذين كفروا} ثم ذكر الشهداء فقال (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا) الآية
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد {أو يكبتهم} قال: يخزيهم.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع، مثله). [الدر المنثور: 3/752-760]

تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن قتادة أن رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في جبهته فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبي الدم والنبي يقول كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم فأنزل الله تعالى ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون). [تفسير عبد الرزاق: 1/131]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ليس لك من الأمر شيءٌ} [آل عمران: 128]
- حدّثنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، قال: حدّثني سالمٌ، عن أبيه، أنّه سمع رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الآخرة من الفجر، يقول: «اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا وفلانًا، بعد ما يقول سمع اللّه لمن حمده، ربّنا ولك الحمد» ، فأنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ} [آل عمران: 128] إلى قوله {فإنّهم ظالمون} [آل عمران: 128] رواه إسحاق بن راشدٍ، عن الزّهريّ
- حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، حدّثنا ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ، قنت بعد الرّكوع، فربّما قال: " إذا قال: سمع اللّه لمن حمده، اللّهمّ ربّنا لك الحمد اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشامٍ، وعيّاش بن أبي ربيعة، اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف " يجهر بذلك، وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا، لأحياءٍ من العرب» حتّى أنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ} [آل عمران: 128] الآية). [صحيح البخاري: 6/38]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب ليس لك من الأمر شيءٌ)
سقط باب لغير أبي ذرٍّ قوله
- أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله فلانًا وفلانًا وفلانًا تقدّمت تسميتهم في غزوة أحدٍ من روايةٍ مرسلةٍ أوردها المصنّف عقب هذا الحديث بعينه عن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد اللّه بن عمر قال كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على صفوان بن أميّة وسهيل بن عميرٍ والحارث بن هشامٍ فنزلت وأخرج أحمد والتّرمذيّ هذا الحديث موصولًا من رواية عمرو بن حمزة عن سالمٍ عن أبيه فسمّاهم وزاد في آخر الحديث فتيب عليهم كلّهم وأشار بذلك إلى قوله في بقيّة الآية أو يتوب عليهم ولأحمد أيضًا من طريق محمّد بن عجلان عن نافع عن بن عمر كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على أربعةٍ فنزلت قال وهداهم الله للإسلام وكان الرّابع عمرو بن العاصي فقد عزاه السّهيليّ لرواية التّرمذيّ لكن لم أره فيه واللّه أعلم

- قوله رواه إسحاق بن راشد عن الزّهريّ أي بالإسناد المذكور وهو موصولٌ عند الطّبرانيّ في المعجم الكبير من طريقه قوله كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ أي في صلاته قوله قنت بعد الرّكوع تمسّك بمفهومه من زعم أنّ القنوت قبل الرّكوع قال وإنّما يكون بعد الرّكوع عند إرادة الدّعاء على قومٍ أو لقومٍ وتعقّب باحتمال أنّ مفهومه أنّ القنوت لم يقع إلّا في هذه الحالة ويؤيّده ما أخرجه بن خزيمة بإسنادٍ صحيحٍ عن أنسٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا يقنت إلّا إذا دعا لقوم أو دعا على قومٍ وقد تقدّم بيان الاختلاف في القنوت وفي محلّه في آخر باب الوتر قوله الوليد بن الوليد أي بن المغيرة وهو أخو خالد بن الوليد وكان ممّن شهد بدرًا مع المشركين وأسر وفدى نفسه ثمّ أسلم فحبس بمكّة ثمّ تواعد هو وسلمة وعيّاشٌ المذكورين معه وهربوا من المشركين فعلم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بمخرجهم فدعا لهم أخرجه عبد الرّزّاق بسندٍ مرسلٍ ومات الوليد المذكور لمّا قدم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم روّينا ذلك في فوائد الزّيادات من حديث الحافظ أبي بكر بن زيادٍ النّيسابوريّ بسندٍ عن جابرٍ قال رفع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأسه من الرّكعة الأخيرة من صلاة الصّبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد الحديث وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتّى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدّعاء فسأله عمر فقال أو ما علمت أنّهم قدموا قال بينما هو يذكرهم انفتح عليهم الطّريق يسوق بهم الوليد بن الوليد قد نكت إصبعه بالحرّة وساق بهم ثلاثًا على قدميه فنهج بين يدي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حتّى قضى فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم هذا الشّهيد أنا على هذا شهيدٌ ورثته أمّ سلمة زوج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأبياتٍ مشهورة قوله وسلمة بن هشام أي بن المغيرة وهو بن عمّ الّذي قبله وهو أخو أبي جهلٍ وكان من السّابقين إلى الإسلام واستشهد في خلافة أبي بكرٍ بالشّام سنة أربع عشرة قوله وعيّاش هو بالتّحتانيّة ثمّ المعجمة وأبوه أبو ربيعة اسمه عمرو بن المغيرة فهو عمّ الّذي قبله أيضًا وكان من السّابقين إلى الإسلام أيضًا وهاجر الهجرتين ثمّ خدعه أبو جهلٍ فرجع إلى مكة فحبسه ثمّ فرّ مع رفيقيه المذكورين وعاش إلى خلافة عمر فمات كان سنة خمس عشرة وقيل قبل ذلك واللّه أعلم قوله وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر كأنّه يشير إلى أنّه لا يداوم على ذلك قوله اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا لأحياءٍ من العرب وقع تسميتهم في رواية يونس عن الزّهريّ عند مسلمٍ بلفظ اللّهمّ العن رعلًا وذكوان وعصيّة قوله حتّى أنزل الله ليس لك من الأمر شيء تقدّم استشكاله في غزوة أحدٍ وأنّ قصّة رعل وذكوان كانت بعد أحدٍ ونزول ليس لك من الأمر شيءٌ كان في قصّة أحدٍ فكيف يتأخّر السّبب عن النّزول ثمّ ظهر لي علّة الخبر وأنّ فيه إدراجًا وأنّ قوله حتّى أنزل اللّه منقطعٌ من رواية الزّهريّ عمّن بلغه بيّن ذلك مسلمٌ في رواية يونس المذكورة فقال هنا قال يعني الزّهريّ ثمّ بلغنا أنّه ترك ذلك لمّا نزلت وهذا البلاغ لا يصحّ لما ذكرته وقد ورد في سبب نزول الآية شيءٌ آخر لكنّه لا ينافي ما تقدّم بخلاف قصّة رعلٍ وذكوان فعند أحمد ومسلمٍ من حديث أنسٍ أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أحدٍ وشجّ وجهه حتّى سال الدّم على وجهه فقال كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى ربّهم فأنزل اللّه تعالى ليس لك من الأمر شيءٌ الآية وطريق الجمع بينه وبين حديث بن عمر أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فنزلت الآية في الأمرين معًا فيما وقع له من الأمر المذكور وفيما نشأ عنه من الدّعاء عليهم وذلك كلّه في أحدٍ بخلاف قصّة رعلٍ وذكوان فإنّها أجنبيّةٌ ويحتمل أن يقال إنّ قصّتهم كانت عقب ذلك وتأخّر نزول الآية عن سببها قليلًا ثمّ نزلت في جميع ذلك والله أعلم). [فتح الباري: 8/226-227]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ) : (قوله فيه
عقب حديث 4559 معمر عن الزّهريّ عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الآخرة من الفجر الحديث
رواه إسحاق بن راشد عن الزّهريّ
قرأت على أحمد بن بلغاق بسفح قاسيون عن إسحاق بن يحيى الآمديّ أن يوسف بن خليل الحافظ أخبرهم أنا محمّد بن أبي زيد أنا محمود بن إسماعيل الصّيرفي أنا أبو الحسين أحمد بن محمّد بن فاذشاه ثنا سليمان بن أحمد ثنا محمّد بن جعفر بن سفيان ثنا عمر بن قسيط ثنا عبيدالله بن عمرو ثنا إسحاق ابن راشد عن الزّهريّ عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثمّ يقول قبل أن يسجد اللّهمّ العن فلانا وفلانًا ثمّ يكبر ويسجد حتّى أنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} 128 آل عمران). [تغليق التعليق: 4/190-191]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (9 - (بابٌ: {ليس لك من الأمر شيءٌ} (آل عمران: 128)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} ولم يذكر لفظ: باب هنا إلاّ في رواية أبي ذر. وقال ابن إسحاق. أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلاّ ما أمرتك به فيهم، ويقال: ليس لك من الأمر شيء بل الأمر كله إليّ كما قال: فإنماعليك البلاغ وعلينا الحساب.

- حدّثنا حبّان بن موسى أخبرنا عبد الله أخبرنا معمرٌ عن الزّهريّ قال حدّثني سالمٌ عن أبيه أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الآخرة من الفجر يقول اللّهمّ العن فلانا وفلانا بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد فأنزل الله ليس لك من الأمر شيءٌ إلى قوله فإنّهم ظالمون.

مطابقته للتّرجمة ظاهرة وحبان، بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء: ابن موسى أبو محمّد السّلميّ المروزي، روى عنه مسلم أيضا وعبد الله هو ابن المبارك المروزي: والحديث قد مر بترجمته في غزوة أحد في: باب (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) فإنّه أخرجه هناك عن يحيى بن عبد الله السّلميّ عن عبد الله عن معمر عن الزّهريّ إلى آخره ومضى الكلام فيه هناك.
رواه إسحاق بن راشدٍ عن الزّهريّ
أي: روى الحديث المذكور إسحاق بن راشد الحرّاني عن محمّد بن مسلم الزّهريّ بالإسناد المذكور، ووصله الطّبرانيّ في (المعجم الكبير) من طريق إسحاق.

81 - (حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرّحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الرّكوع فربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده اللّهمّ ربنا لك الحمد اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللّهمّ العن فلانا وفلانًا لأحياء من العرب حتّى أنزل الله ليس لك من الأمر شيء الآية) مطابقته للتّرجمة ظاهرة وموسى بن إسماعيل المنقري البصريّ المعروف بالتبوذكي وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرّحمن بن عوف وابن شهاب هو محمّد بن مسلم الزّهريّ والحديث من أفراده وزاد ابن حبان " وأصبح ذات يوم فلم يدع لهم " وروى النّسائيّ من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرّزّاق بإسنادهما عن معمر مثل الحديث السّابق قوله " كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد " أي في الصّلاة قوله " الوليد بن الوليد " أي ابن المغيرة وهو أخو خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وكان ممّن شهد بدرًا مع المشركين وأسر وأفدى نفسه ثمّ أسلم فحبس بمكّة ثمّ تواعد هو وسلمة وعيّاش المذكورون وهربوا من المشركين فعلم النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمخرجهم فدعا لهم أخرجه عبد الرّزّاق بسند مرسل ومات الوليد في حياة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله " وسلمة بن هشام " أي ابن المغيرة وهو ابن عم الّذي قبله وهو أخو أبي جهل وكان من السّابقين إلى الإسلام واستشهد في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه بالشّام سنة أربع عشرة قوله " وعيّاش " بالياء آخر الحروف المشدّدة بالشين المعجمة وأبوه أبو ربيعة اسمه عمرو بن المغيرة وهو ابن عم الّذي قبله وكان من السّابقين إلى الإسلام أيضا ثمّ خدعه أبو جهل فرجع إلى مكّة فحبس بها ثمّ فر مع رفيقيه المذكورين وعاش إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه فمات سنة خمس عشرة وقيل قبل ذلك قوله " وطأتك " الوطأة كالضغطة لفظا ومعنى وقيل هي الأخذة والبأس وقيل معناه خذهم أخذا شديدا قوله " كسني يوسف " بنون واحدة وهو الأصح وروى " كسنين " بنونين وهي لغة قلية أراد سبعا شدادا ذات قحط وغلاء قوله " الآية " بالنّصب أي اقرأ الآية ويجوز الرّفع على تقدير الآية بتمامها ويجوز النصب أي خذ الآية أو كملها -). [عمدة القاري: 18/149-150]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (9 - باب {ليس لك من الأمر شيءٌ}
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ({ليس لك من الأمر شيء}) [آل عمران: 128].
- حدّثنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا معمرٌ عن الزّهريّ، قال: حدّثني سالمٌ عن أبيه أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الآخرة من الفجر يقول: «اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا وفلانًا» بعد ما يقول: «سمع اللّه لمن حمده ربّنا ولك الحمد» فأنزل اللّه {ليس لك من الأمر شيءٌ} إلى قوله {فإنّهم ظالمون}. رواه إسحاق بن راشدٍ عن الزّهريّ.
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة السلمي المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (سالم عن أبيه) عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- (أنه سمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الآخرة من الفجر) من صلاة الصبح أي بعد أن كسرت رباعيته يوم أحد (يقول):
(اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا) هم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمير، والحرث بن هشام كما في حديث مرسل أورده المؤلّف في غزوة أحد ووصله أحمد والترمذي وزاد في آخره: فتيب عليهم كلهم وسمى الترمذي في روايته أبا سفيان بن حرب، وفي كتاب ابن أبي شيبة منهم العاصي بن هشام. قال في المقدمة: وهو وهم فإن العاصي قتل قبل ذلك ببدر قال: ونقل السهيلي عن رواية الترمذي فيهم عمرو بن العاص فوهم في نقله (بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) بإثبات الواو (فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} إلى قوله: {فإنهم ظالمون}) قال في فتوح الغيب: وقوله أي بعد {والله غفور رحيم} تتميم مناد على أن جانب الرحمة راجح على جانب العذاب وفي قوله: {فإنهم ظالمون} تتميم لأمر التعذيب وإدماج لرجحان المغفرة يعني سبب التعذيب كونهم ظالمين إلا فالرحمة مقتضية للغفران. وقال صاحب الأنوار قوله: {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [المائدة: 18] صريح في نفي وجوب التعذيب والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له {والله غفور رحيم} لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم.
(رواه) أي الحديث المذكور بالإسناد السابق (إسحاق بن راشد) الحراني (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب وهذا وصله الطبراني في معجمه الكبير.
- حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعدٍ، حدّثنا ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ أو يدعو لأحدٍ قنت بعد الرّكوع فربّما قال إذا قال: «سمع اللّه لمن حمده اللّهمّ ربّنا لك الحمد اللّهمّ، أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشامٍ، وعيّاش بن أبي ربيعة، اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر واجعلها سنين كسني يوسف» يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: «اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا» لأحياءٍ من العرب حتّى أنزل اللّه {ليس لك من الأمر شيءٌ} [آل عمران: 128] الآية.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) المنقري البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين ابن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف كلاهما (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد) أي في الصلاة (قنت بعد الركوع فربما قال: إذا قال سمع الله لمن حمده):
(اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد) أخا خالد بن الوليد أسلم وتوفي في حياته عليه السلام وهمزة أنج قطع (وسلمة بن هشام) هو ابن عم الذي قبله وأخو أبي جهل وكان من السابقين إلى الإسلام (وعياش بن أبي ربيعة) ابن عم الذي قبله وهو من السابقين أيضًا. وفي الزيادات من حديث الحافظ أبي بكر بن زياد النيسابوري عن جابر رفع صلّى اللّه عليه وسلّم رأسه من الركعة الأخيرة من صلاة الصبح صبيحة خمس عشرة من رمضان فقال: "اللهم انج" الحديث وفيه فدعا بذلك خمسة عشر يومًا حتى إذا كان صبيحة يوم الفطر ترك الدعاء.

(اللهم اشدد وطأتك) بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وهمزة مفتوحة أي بأسك (على مضر واجعلها سنين كسني يوسف) بنون واحدة على المشهور حال كونه (يجهر بذلك وكان) عليه الصلاة والسلام (يقول: في بعض صلاته في صلاة الفجر) فيه إشارة إلى أنه كان لا يداوم على ذلك (اللهم العن فلانًا وفلانًا لأحياء) قبائل (من العرب) وسماهم في رواية يونس عن الزهري عند مسلم رعلًا وذكوان وعصية (حتى أنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} الآية) بالنصب أي اقرأ الآية.
واستشكل بأن قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد ونزول {ليس لك من الأمر شيء} في قصة أحد فكيف يتأخر السبب عن النزول؟ وأجاب في الفتح: بأن قوله حتى أنزل الله منقطع من رواية الزهري عمن بلغه كما بين ذلك مسلم في رواية يونس المذكورة فقال هنا قال يعني الزهري، ثم قال بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت قال وهذا البلاغ لا يصح وقصة رعل وذكوان أجنبية عن قصة أحد فيحتمل أن قصتهم كانت عقب ذلك وتأخر نزور الآية عن سببها قليلًا، ثم نزلت في جميع ذلك.
وقد ورد في سبب نزول الآية شيء آخر غير مناف لما سبق في قصة أحد فعند مسلم من حديث أن أنس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم" وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] وأورده المؤلّف في المغازي معلمًا بنحوه وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر المسوق أول هذا الباب أنه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فأنزل الله الآية في الأمرين جميعًا فيما وقع له من كسر الرباعية وشج الوجه وفيما نشأ عن ذلك من الدعاء عليهم وذلك كله في أحد فعاتبه الله تعالى على تعجيله في القول برفع الفلاح عنهم حيث قال: كيف يفلح قوم أي لن يفلحوا أبدًا فقال الله له: {ليس لك من الأمر شيء} أي كيف تستبعد الفلاح وبيد الله أزمة الأمور التي في السماوات والأرض {يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [المائدة: 18] وليس لك من الأمر إلا التفويض والرضا بما قضى، وسقط لأبي ذر قوله الآية. والحديث رواه النسائي). [إرشاد الساري: 7/63-64]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (9 ـ باب {ليس لك من الأمر شيءٌ}
قوله: (وطأتك): بفتح الواو، وسكون الطاء، وهمزة مفتوحة، أي: بأسك.
قوله: (لأحياء) أي: قبائل). [حاشية السندي على البخاري: 3/44]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: حدّثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حميدٌ، عن أنسٍ، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أحدٍ وشجّ وجهه شجّةً في جبهته حتّى سال الدّم على وجهه، فقال: كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى الله؟ فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم} إلى آخرها.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/76]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أحمد بن منيعٍ، وعبد بن حميدٍ، قالا: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حميدٌ، عن أنسٍ، أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم شجّ في وجهه وكسرت رباعيته ورمي رميةً على كتفه، فجعل الدّم يسيل على وجهه، وهو يمسحه ويقول: كيف تفلح أمّةٌ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى الله؟ فأنزل اللّه تعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
سمعت عبد بن حميدٍ يقول: غلط يزيد بن هارون في هذا.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/77]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا أبو السّائب سلم بن جنادة الكوفيّ، قال: حدّثنا أحمد بن بشيرٍ، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ: اللّهمّ العن أبا سفيان، اللّهمّ العن الحارث بن هشامٍ، اللّهمّ العن صفوان بن أميّة، قال: فنزلت {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم} فتاب اللّه عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم.
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ، يستغرب من حديث عمر بن حمزة، عن سالمٍ، عن أبيه، وكذا رواه الزّهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه، لم يعرفه محمّد بن إسماعيل من حديث عمر بن حمزة، وعرفه من حديث الزّهريّ). [سنن الترمذي: 5/77]
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا يحيى بن حبيب بن عربيٍّ البصريّ، قال: حدّثنا خالد ابن الحارث، عن محمّد بن عجلان، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر، أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم كان يدعو على أربعة نفرٍ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} فهداهم اللّه للإسلام.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ يستغرب من هذا الوجه من حديث نافعٍ عن ابن عمر ورواه يحيى بن أيّوب، عن ابن عجلان). [سنن الترمذي: 5/78]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ}
- أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرّزّاق، حدّثنا معمرٌ، عن الزّهريّ، عن سالمٍ، عن أبيه أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يكبّر حين يرفع رأسه في صلاة الصّبح من الرّكعة الأخيرة يقول: «اللهمّ العن فلانًا وفلانًا» دعا على ناسٍ من المنافقين، فأنزل الله عزّ وجلّ {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} [آل عمران: 128]
[السنن الكبرى للنسائي: 10/50]
- أخبرنا عمرو بن الحارث، حدّثنا محبوب بن موسى، أخبرنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزّهريّ، قال: حدّثني سالمٌ، عن أبيه أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الأخيرة من الفجر يقول: " اللهمّ العن فلانًا وفلانًا بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربّنا ولك الحمد» فأنزل الله تبارك وتعالى {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} [آل عمران: 128]
[السنن الكبرى للنسائي: 10/50]
- أخبرنا عليّ بن حجرٍ، أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، عن حميدٍ، عن أنسٍ، وأخبرنا محمّد بن المثنّى، عن خالدٍ، حدّثنا حميدٌ، قال: قال أنسٌ: كسرت رباعية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم أحدٍ وشجّ، فجعل الدّم يسيل على وجهه، ومسح الدّم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى الإسلام؟» فأنزل الله تبارك وتعالى {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} [آل عمران: 128] اللّفظ لخالدٍ). [السنن الكبرى للنسائي: 10/51]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}
يعني بذلك تعالى ذكره: ليقطع طرفًا من الّذين كفروا أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، فإنّهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيءٌ، فقوله: {أو يتوب عليهم} منصوبٌ عطفًا على قوله: {أو يكبتهم}.
وقد يحتمل أن يكون تأويله: ليس لك من الأمر شيءٌ حتّى يتوب عليهم، فيكون نصب يتوب بمعنى أو الّتي هي في معنى حتّى
والقول الأوّل أولى بالصّواب؛ لأنّه لا شيء من أمر الخلق إلى أحدٍ سوى خالقهم قبل توبة الكفّار وعقابهم وبعد ذلك.
وتأويل قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ} ليس إليك يا محمّد من أمر خلقي إلاّ أن تنفّذ فيهم أمري، وتنتهي فيهم إلى طاعتي، وإنّما أمرهم إليّ والقضاء فيهم بيدي دون غيري أقضي فيهم وأحكم بالّذي أشاء من التّوبة على من كفر بي وعصاني، وخالف أمري، أو العذاب إمّا في عاجل الدّنيا بالقتل والنّقم المبيرة، وإمّا في آجل الآخرة بما أعددت لأهل الكفر بي.
- كما: حدّثني ابن حميدٍ، قال: حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثمّ قال لمحمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} أي ليس لك من الحكم في شيءٍ في عبادي إلاّ ما أمرتك به فيهم، أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت، أو أعذّبهم بذنوبهم {فإنّهم ظالمون} أي قد استحقّوا ذلك بمعصيتهم إيّاي
وذكر أنّ اللّه عزّ وجلّ إنّما أنزل هذه الآية على نبيّه محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ لأنّه لمّا أصابه بأحدٍ ما أصابه من المشركين، قال كالآيس لهم من الهدى أو من الإنابة إلى الحقّ: كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم.
ذكر الرّواية بذلك.
- حدّثنا حميد بن مسعدة، قال: حدّثنا بشر بن المفضّل، قال: حدّثنا حميدٌ، قال: قال أنسٌ: قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ، وكسرت رباعيّته وشجّ، فجعل يمسح عن وجهه الدّم ويقول: كيف يفلح قومٌ خضّبوا نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟ فأنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا ابن بشّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثني يعقوب، قال: حدّثنا هشيمٌ، عن حميدٍ الطّويل، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه.
- حدّثني يحيى بن طلحة اليربوعيّ، قال: حدّثنا أبو بكر بن عيّاشٍ، عن حميدٍ الطّويل، عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين شجّ في جبهته، وكسرت رباعيته: لا يفلح قومٌ صنعوا هذا بنبيّهم فأوحى اللّه إليه: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثني يعقوب، عن ابن عليّة، قال: حدّثنا ابن عونٍ، عن الحسن، أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم أحدٍ: كيف يفلح قومٌ أدموا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى اللّه عزّ وجلّ فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا ابن عليّة، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، نحو ذلك.
- حدّثنا بشرٌ، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} ذكر لنا أنّ هذه الآية أنزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ، وقد جرح نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وجهه، وأصيب بعض رباعيّته، فقال وسالمٌ مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدّم: كيف يفلح قومٌ خضّبوا وجه نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى ربّهم؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا ابن حميدٍ، قال: حدّثنا يحيى بن واضحٍ، قال: حدّثنا الحسين بن واقدٍ، عن مطرٍ عن قتادة، قال: أصيب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ وكسرت رباعيّته، وفرّق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدّم يسيل فمرّ به سالمٌ مولى أبي حذيفة، فأجلسه، ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: كيف بقومٍ فعلوا هذا بنبيّهم وهو يدعوهم إلى اللّه؟ فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثت عن عمّارٍ، قال: حدّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ} الآية، قال: قال الرّبيع بن أنسٍ، أنزلت هذه الآية على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ وقد شجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في وجهه، وأصيبت رباعيّته، فهمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يدعو عليهم، فقال: كيف يفلح قومٌ أدموا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى اللّه وهم يدعونه إلى الشّيطان ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضّلالة، ويدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النّار فهمّ أن يدعو عليهم، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} فكفّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الدّعاء عليهم.
- حدّثني محمّد بن سنانٍ، قال: حدّثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، قال: حدّثنا عبّادٌ، عن الحسن في قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم} الآية كلّها، فقال: جاء أبو سفيان من الحول غضبان لما صنع بأصحابه يوم بدرٍ، فقاتل أصحاب محمّدٍ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ قتالاً شديدًا، حتّى قتل منهم بعدد الأسارى يوم بدرٍ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمةً علم اللّه أنّها قد خالطت غضبًا: كيف يفلح قومٌ خضّبوا وجه نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى الإسلام؟ فقال اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: أنّ رباعية النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أصيبت يوم أحدٍ، أصابها عتبة بن أبي وقّاصٍ، وشجّه في وجهه، وكان سالمٌ مولى أبي حذيفة يغسل عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الدّم، والنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: كيف يفلح قومٌ صنعوا بنبيّهم هذا؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، وعن عثمان الجزريّ، عن مقسمٍ: أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دعا على عتبة بن أبي وقّاصٍ يوم أحدٍ حين كسر رباعيته، ووثا وجهه، فقال: اللّهمّ لا تحلّ عليه الحول حتّى يموت كافرًا قال: فما حال عليه الحول حتّى مات كافرًا.
- حدّثنا القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثني حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عبّاسٍ: شجّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في فرق حاجبه، وكسرت رباعيته.قال ابن جريجٍ: ذكر لنا أنّه لمّا جرح، جعل سالمٌ مولى أبي حذيفة يغسل الدّم عن وجهه، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيّهم بالدّم وهو يدعوهم إلى اللّه؟ فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ}
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم؛ لأنّه دعا على قومٍ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: ليس الأمر إليك فيهم.
ذكر الرّواية بذلك:
- حدّثني يحيى بن حبيب بن عربيٍّ، قال: حدّثنا خالد بن الحارث، قال: حدّثنا محمّد بن عجلان، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كان يدعو على أربعةٍ نفرٍ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} قال: وهداهم اللّه للإسلام.
- حدّثني أبو السّائب سلم بن جنادة، قال: حدّثنا أحمد بن بشير، عن عمر بن حمزة، عن سالمٍ، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: اللّهمّ العن أبا سفيان، اللّهمّ العن الحارث بن هشامٍ، اللّهمّ العن صفوان بن أميّة فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}.
- حدّثنا مجاهد بن موسى، قال: حدّثنا يزيد، قال: أخبرنا محمّد بن إسحاق، عن عبد الرّحمن بن الحارث بن عبد اللّه بن عيّاش بن أبي ربيعة، عن عبد اللّه بن كعبٍ، عن أبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث بن هشامٍ، قال: صلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الفجر، فلمّا رفع رأسه من الرّكعة الثّانية، قال: اللّهمّ أنج عيّاش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشامٍ والوليد بن الوليد، اللّهمّ أنج المستضعفين من المسلمين، اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللّهمّ سنين كسنين آل يوسف فأنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم} الآية.
- حدّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، أخبره عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن أنّهما سمعا أبا هريرة، يقول: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول حين يفرغ في صلاة الفجر من القراءة، ويكبّر ويرفع رأسه: سمع اللّه لمن حمده، ربّنا ولك الحمد ثمّ يقول وهو قائمٌ: اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشامٍ، وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللّهمّ العن لحيان ورعلاً وذكوان، وعصيّة عصت اللّه ورسوله ثمّ بلغنا أنّه ترك ذلك لمّا نزل قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}). [جامع البيان: 6/42-48]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون (128)
قوله تعالى: ليس لك من الأمر شيءٌ
[الوجه الأول]
- حدّثنا أبو سعيدٍ الأشجّ، ثنا أبو بكر بن عياش قال: سمعت حميدٌ الطّويل، عن أنس بن مالكٍ قال: لمّا كان يوم أحدٍ شجّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكسرت رباعيته، فجعل يمسح الدّم عن وجهه، ويقول: كيف يفلح قومٌ خضبوا وجه نبيّهم بالدّم، وهو يدعوهم إلى ربّهم فنزل إليه جبريل فقال: ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون.
والوجه الثّاني:
- حدّثنا أحمد بن منصورٍ الرّماديّ، ثنا عبد الرّزّاق ، عن معمرٍ عن الزّهريّ عن سالم بن عبد اللّه، عن ابن عمرانه سمع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يقول في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الرّكعة قال: ربّنا ولك الحمد في الرّكعة الآخرة: اللّهمّ العن فلاناً وفلاناً، ثمّ قال: ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون
- أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأ ابن وهبٍ، أخبرني يونس، عن ابن شهابٍ، أخبرني سعيد بن المسيّب، وأبو سلمة بن عبد الرّحمن أنّهما سمعا أبا هريرة يقول: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين يرفع من صلاة الفجر من القراءة ويكبّر يرفع رأسه يقول: سمع اللّه لمن حمده ربّنا ولك الحمد، ثمّ يقول وهو قائمٌ: اللّهمّ أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشامٍ وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللّهمّ العن لحياناً، ورعلا وذكوان، وعصيّة عصت اللّه ورسوله، ثمّ بلغنا أنّه ترك ذلك لمّا نزلت: ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق ليس لك من الأمر شيءٌ أي: ليس لك من الحكم شيءٌ في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم.
قوله تعالى: أو يتوب عليهم
- حدّثنا أبي، ثنا عبد اللّه بن عبد الوهّاب الحجبيّ، ثنا خالد بن الحارث ثنا محمّد بن الحارث ثنا محمّد بن عجلان، عن نافعٍ عن ابن عمر قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على أربعةٍ، فأنزل اللّه تعالى ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون قال: قد هداهم اللّه.
- حدّثنا محمّد بن العبّاس، ثنا زنيجٌ، ثنا سلمة قال: قال محمّد بن إسحاق ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم قال: أو يتوب عليهم برحمتي فإن شئت فعلت.
قوله تعالى: أو يعذّبهم
- وبه قال: قال محمّد بن إسحاق: ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم أي ليس لك من الحكم شيءٌ في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. أو أتوب عليهم برحمتي، فإن شئت فعلت، أو أعذّبهم بذنوبهم فحق.
قوله تعالى: فإنّهم ظالمون
- وبه قال ابن إسحاق: فإنّهم ظالمون أي قد استحقّوا ذلك بمعصيتهم إيّاي). [تفسير القرآن العظيم: 2/756-758]
قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد ابن الأثير الجزري (ت: 606هـ) : ( (خ ت س) ابن عمر- رضي الله عنهما - قال: «كان النبيّ - صلى الله عليه وسلم- يدعو على صفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشامٍ»، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ - إلى قوله - فإنّهم ظالمون} [آل عمران: 128]. هذه رواية البخاري.
وفي رواية الترمذي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم أحدٍ: «اللّهمّ العن أبا سفيان، اللهمّ العن الحارث بن هشامٍ، اللهم العن صفوان بن أميّة»، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم} فتاب عليهم، فأسلموا، فحسن إسلامهم.
وفي رواية النسائي: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين رفع رأسه من صلاة الصبح من الركعة الأخيرة - قال: «اللهم العن فلاناً وفلاناً، يدعو على أناسٍ من المنافقين»، فأنزل الله هذه الآية.
وقد أخرج البخاري أيضاً نحو رواية النسائي.
وفي أخرى للترمذي قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يدعو على أربعة نفرٍ، فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيءٌ} إلى {ظالمون} فهداهم الله للإسلام). [جامع الأصول: 2/70-71]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآيتان 128 - 129.
أخرج ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في الدلائل عن أنس أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقد جرح في وحهه وأصيب بعض رباعيته وفوق حاجبه فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية.
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم فقال: كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار فهم أن يدعو عليهم، فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انكشف عنه أصحابه يوم أحد كسرت رباعيته وجرح وجهه فقال وهو يصعد على أحد: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله مكانه {ليس لك من الأمر شيء} الآية.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة أن رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في وجهه فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية.
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحرث بن هشام الهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية، فنزلت هذه الآية {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} فتيب عليهم كلهم.
وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: كان
النبي صلى الله عليه وسلم يدعو على أربعة نفر، فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية، فهداهم الله للإسلام.
وأخرج البخاري ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي في "سننه" عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف - يجهر بذلك - وكان يقول في بعض صلاته - في صلاة الفجر - اللهم العن فلانا وفلانا،، لأحياء من أحياء العرب - يجهر بذلك - حتى أنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} وفي لفظ اللهم العن لحيان ورعلا وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزل قوله {ليس لك من الأمر شيء} الآية
وأخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن ابن عمر أن النّبيّ صلى الله عليه وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع - في الركعة الآخرة - فقال: اللهم العن فلانا وفلانا - ناسا من المنافقين دعا عليهم - فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية.
وأخرج ابن إسحاق والنحاس في ناسخه عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل من قريش إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تنهى عن السبي يقول: قد سبى العرب، ثم تحول قفاه إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وكشف أسته فلعنه ودعا عليه، فأنزل الله {ليس لك من الأمر شيء} الآية، ثم أسلم الرجل فحسن إسلامه). [الدر المنثور: 3/760-763]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 6 جمادى الآخرة 1434هـ/16-04-2013م, 09:59 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {ولقد نصركم اللّه ببدر وأنتم أذلّة فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون}
معنى {أذلّة}: عددكم قليل، وكان المسلمون في تلك الحرب ثلاثمائة وبضعة عشر.
وكانوا في يوم أحد سبعمائة، والكفار في يوم أحد ثلاثة آلاف.

وكانوا في يوم حنين اثني عشر ألفا فأعلم اللّه - جلّ وعزّ - أنهم حينما ألزموا الطاعة أنه ينصرهم، وهم قليل وعدوهم أضعافهم، وفي يوم أحد نزل بهم ما نزل لمخالفة أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في أن جاوزوا ما أمروا به، فجعل الله ذلك لهم عقوبة لئلا يجبنوا وجاء في بعض الخبر: {الفرار من الزحف كفر}.
ومعناه عندي واللّه أعلم - من فعل الكفار، لا أنه يخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر.
وقد عفا الله فيه، فقال: {ومن يولّهم يومئذ دبره إلّا متحرّفا لقتال أو متحيّزا إلى فئة فقد باء بغضب من اللّه ومأواه جهنّم}.
وأذلّة: جميع ذليل، والأصل في فعيل إذا كان صفة أن يجمع على فعلاء، نحو ظريف وظرفاء، وشريك وشركاء، ولكن فعلاء أجتنب في التضعيف.
لو قيل جللاء وقللاء في جليل وقليل، لاجتمع حرفان من جنس واحد، فعدل به إلى أفعلة من جمع الأسماء في فعيل، نحو جريب وأجربة.

وقفيز وأقفزة). [معاني القرآن: 1/466]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}
قيل يعني بأذلة: أنهم كانوا قليلي العدد.
وقال البراء بن عازب: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر كعدة أصحاب طالوت وهم ثلاثمائة وبضعة عشر.
من قرأ {بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} ). [معاني القرآن: 1/469]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)}

تفسير قوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} أي: معلمين، هو من المسوّم الذي له سيماء بعمامة أو بصوفة أو بما كان). [مجاز القرآن: 1/103]
قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم مّن فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ مّن الملائكة مسوّمين}
قال: {بخمسة آلافٍ مّن الملائكة مسوّمين} لأنهم سوّموا الخيل.
وقال بعضهم {مسوّمين}: معلمين لأنهم هم سوّموا وبها نقرأ).
[معاني القرآن: 1/181-182]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({مسوّمين} معلمين بعلامة الحرب، وهو من السّيماء مأخوذ. يقال: كانت سيماء الملائكة يوم «بدر» عمائم صفرا. وكان حمزة مسوّما يوم «أحد» بريشة. وروي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: ((تسوّموا فإن الملائكة قد تسوّمت)).
ومن قرأ «مسوّمين» بالفتح، أراد أنه فعل ذلك بهم. والسّومة:
العلامة التي تعلم الفارس نفسه.
وقال أبو زيد: يقال سوم الرجل خيله: إذا أرسلها في الغارة. وسوّموا خيلهم: إذا شنوا الغارة. وقد يمكن أن يكون النّصب من هذا أيضا). [تفسير غريب القرآن:109-110]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): ( {بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين}
وقوله جلّ وعزّ: {ويأتوكم من فورهم هذا}أي: من وجههم، و"هذا " نعت نفورهم، و {يمددكم} جواب الجزاء يقال أمددت الجيش بعدد، وأمد الجرح إذا صارت فيه المدّة، يمد فهو ممدّ، ومدّ النهر ومدّه نهر آخر.
وقوله جلّ وعزّ: (مسوّمين) قرئت (مسوّمين) و (مسوّمين) ومعنى (مسوّمين): أخذ من السّومة، وهي العلامة، كانوا يعلمون بصوفة أو بعمامة أو ما أشبه ذلك.
و(مسوّمين): معلّمين.
وجائز أن يكون مسوّمين: قد سوّموا خيلهم وجعلوها سائمة). [معاني القرآن: 1/466-467]

قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا}
قال الضحاك وعكرمة من وجههم هذا). [معاني القرآن: 1/469]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله تعالى: {يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين}
لا نعلم اختلافا أن معنى مسومين من السومة إلا عن الأخفش فإنه قال: مسومين مرسلين.
قال أبو زيد: السومة أن يعلم الفارس نفسه في الحرب ليظهر شجاعته.
قال عروة ابن الزبير: كانت الملائكة يوم بدر على خيل بلق وعليها عمائم صفر.
قال أبو إسحاق: كانت سيماهم عمائم بيضا.
وقال الحسن: علموا على أذناب خيلهم ونواصيها بصوف أبيض.
وقال عكرمة: عليهم سيماء القتال.
وقال مجاهد: الصوف في أذناب الخيل.
وقرئ (مسومين) واحتج صاحب هذه القراءة بأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم يوم بدر سوموا فإني رأيت الملائكة قد سومت أي قد سومت خيلها أو نفسها). [معاني القرآن: 1/469-471]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({مُسَوِّمِينَ} أي: معلمين بعلامة الحرب. وقيل كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم صفراً ومن فتح أراد انه فُعل بهم ذلك.
والسُومة: العلامة التي يعلم بها الفارس نفسه). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 51]


تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)}
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {وما جعله اللّه إلّا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلّا من عند اللّه العزيز الحكيم}
وما جعل ذكر المدد إلا بشرى لكم ولتمكنوا في حربكم). [معاني القرآن: 1/467]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {وما جعله الله إلا بشرى لكم} يعني: المدد أو الوعد). [معاني القرآن: 1/471]

تفسير قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {ليقطع طرفاً من الذين كفروا} أي: ليهلك الذين كفروا.
(أو يكبتهم) (127) تقول العرب: كبته الله لوجهه، أي: صرعه الله). [مجاز القرآن: 1/103]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ يَحْيَى بْنِ المُبَارَكِ اليَزِيدِيُّ (ت:237هـ): ({أو بكبتهم}: يصرعهم تقول العرب كبته الله لوجهه أي كبه الله). [غريب القرآن وتفسيره: 109]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({ليقطع طرفاً من الّذين كفروا} بأسر وقتل.
{أو يكبتهم} قال أبو عبيدة: الكبت: الإهلاك.
وقال غيره: هو أن يغيظهم ويحزنهم.
وكذلك قال في قوله في سورة المجادلة: {كبتوا كما كبت الّذين من قبلهم} [المجادلة:5] ويقال: كبت اللّه عدوّك.

وهو بما قال أبو عبيدة أشبه. واعتبارها قوله: {وردّ اللّه الّذين كفروا بغيظهم} [الأحزاب:25] لأن أهل النظر يرون أن «التاء» فيه منقلبة عن «دال» كأن الأصل فيه: يكبدهم أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ وشدة العداوة.
ومنه يقال: فلان قد أحرق الحزن كبده. وأحرقت العداوة كبده.
والعرب تقول للعدو: أسود الكبد. قال الأعشى:

فما أجشمت من إتيان قوم هم الأعداء والأكباد سود
كأن الأكباد لما احترقت بشدة العداوة اسودت. ومنه يقال للعدو:
كاشح، لأنه يخبأ العداوة في كشحه. والكشح: الخاصرة، وإنما يريدون الكبد لأن الكبد هناك. قال الشاعر :
وأضمر أضغانا عليّ كشوحها
والتاء والدال: متقاربتا المخرجين، والعرب تدغم إحداهما في الأخرى، وتبدل إحداهما من الأخرى، كقولك: هرت الثوب وهرده: إذا خرقه. كذلك كبت العدو وكبده. ومثله كثير). [تفسير غريب القرآن:110-111]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله جلّ وعزّ: {ليقطع طرفا من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} أي: لينقل قطعة منهم.
(أو يكبتهم)أي: يهزمهم، قال أبو عبيدة: يقال كبته اللّه لوجهه، أي: صرعه الله لوجهه، والخائب الذي لم ينل ما أمّل). [معاني القرآن: 1/467]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين}
قال قتادة: يكبتهم يحزنهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طلحة فرأى ابنه مكبوتا فقال: ((ما شأنه)) فقيل: مات نغيره.
فالمكبوت ههنا المحزون.
وقال أبو عبيدة: يقال كبته لوجهه، أي: صرعة لوجهه ومعروف في اللغة أن يقال كبته إذا أذله وأقمأه.
قال بعض أهل اللغة: كبته بمعنى كبده ثم أبدلت من الدال تاء لأن مخرجهما من موضع واحد
والخائب في اللغة: الذي لم ينل ما أمل وهو ضد المفلح). [معاني القرآن: 1/471-472]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): (وقوله - عز وجل: {طرفا} أي: قطعة). [ياقوتة الصراط: 191]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({أَوْ يَكْبِتَهُمْ} أي: يهلكهم، وقيل: يغيظهم ويحزنهم، وأصله: يكبدهم، من: أصاب الله كبده بالحرب والغيظ، فقلبت الدال تاء). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 52]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({يَكْبِتَهُمْ}: يصرفهم بغيظهم). [العمدة في غريب القرآن: 102]

تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}
قالَ يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الفَرَّاءُ (ت:207هـ): (وقوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم...} في نصبه وجهان:
1- إن شئت جعلته معطوفا على قوله: {ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم} أي: {أو يتوب عليهم أو يعذّبهم}.
2- وإن شئت جعلت نصبه على مذهب حتّى؛ كما تقول: لا أزال ملازمك أو تعطيني، أو إلا أن تعطيني حقيّ). [معاني القرآن: 1/234]

قالَ الأَخْفَشُ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَلْخِيُّ (ت:215هـ): ({ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}
{أو يتوب عليهم أو يعذّبهم} على {ليقطع طرفاً} عطفه على اللام). [معاني القرآن: 1/182]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}
أنزل عليه ذلك - صلى الله عليه وسلم - لأنه في يوم أحد شجّ وكسرت رباعيته فقال وهو يمسح الدم عن وجهه: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم، فأعلمه اللّه جلّ وعزّ - أن فلاحهم ليس إليه وأنه ليس له من الأمر شيء إلا أن يبلغ الرسالة ويجاهد حتى يظهر الدين، وأن ثوابه على اللّه - جلّ وعزّ - في ذلك.
ونصب {أو يتوب}على ضربين:
جائز أن يكون: عطفا على قوله: ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو يعذبهم.
والوجه الثاني: على النصب بأو إذ كانت في معنى إلا أن.
فالمعنى: ليس لك من الأمر شيء أي: ليس يؤمنون إلا أن يتوب الله عليهم، أو حتى يتوب الله عليهم). [معاني القرآن: 1/467-468]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}
روى الزهري عن سالم عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الثانية من الفجر يدعو على قوم من المنافقين فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء} إلى آخر الآية.
وقال أنس بن مالك: كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأخذ الدم بيده وجعل يقول: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم)) فأنزل الله عز وجل: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}
وقيل: استأذن في أن يدعو باستئصالهم فنزل هذا لأنه علم أن منهم من سيسلم وأكد ذلك الآية بعدها.
فمن قال أنه معطوف بـ «أو» على قوله تعالى: {ليقطع طرفا} فالمعنى: عنده ليقتل طائفة منهم أو يخزيهم بالهزيمة أو يتوب عليهم أو يعذبهم
وقد تكون أو ههنا بمعنى حتى وإلا أن والأول أولى لأنه لا أمر إلى أحد من الخلق قال امرؤ القيس:
فقلت له لا تبك عينك إنما = نحاول ملكا أو نموت فنعذرا). [معاني القرآن: 1/473-474]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:08 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]
تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123)}
[لا يوجد]


تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)}

[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)}
قال أبو عبيدةَ مَعمرُ بنُ المثنَّى التيمي (ت:209هـ): (


وأبى الـذي ورد الكـلاب مسومـاوالخيل تحت عجاجها المنجال

...
وقوله مسوما بعني معلما من قوله عز وجل: {من الملائكة مسومين} يعني معلمين). [نقائض جرير والفرزدق: 289]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قال أبو العباس: قوله: "سيما الخسف"، قال: هكذا حدثوناه، وأظنه"سيم الخسف" يا هذا، من قول الله عز وجل: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ومعنى قوله: سيما الخسف تأويله علامة، هذا أصل ذا، قال الله عز وجل: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ}، وقال عز وجل: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}

وقال أبو عبيدة في قوله عز وجل: {مُسَوِّمِينَ} " قال: معلمين واشتقاقه من السيما التي ذكرنا. ومن قال: (مُسَوَّمِينَ)، فإنما أراد مرسلين: من الإبل السائمة: أي المرسلة في مراعيها، وإنما أخذ هذا من التفسير. قال المفسرون في قوله تعالى: " {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ}، القولين جميعًا، مع العلامة والإرسال، وأما في قوله عز وجل: {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ، مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ} فلم يقولوا فيه إلا قولاً واحدًا، قالوا: "معلمة"، وكان عليها أمثال الخواتيم، ومن قال: "سيما" قصر. ويقال في هذا المعنى: سيمياء، ممدود، قال الشاعر:
غلام رماه الله بالحسن يافعًا... له سيمياء لا تشق على البصر). [الكامل: 1/31-33] (م)

تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127)}
[لا يوجد]

تفسير قوله تعالى: { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)}
[لا يوجد]

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:39 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:39 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين (125)
لما أمر الله تعالى بالتوكل عليه، ذكر بأمر «بدر» الذي كان ثمرة التوكل على الله والثقة به، فمن قال من المفسرين إن قول النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين: ألن يكفيكم. كان في غزوة بدر، فيجيء التذكير بأمر «بدر» وبأمر الملائكة وقتالهم فيه مع المؤمنين، محرضا على الجد والتوكل على الله، ومن قال: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: ألن يكفيكم الآية، إنما كان في غزوة أحد، كان قوله تعالى: ولقد نصركم اللّه ببدرٍ إلى تشكرون اعتراضا بين الكلام جميلا، والنصر ببدر هو المشهور الذي قتل فيه صناديد قريش، وعلى ذلك اليوم انبنى الإسلام، وكانت «بدر» يوم سبعة عشر من رمضان يوم جمعة لثمانية عشر شهرا من الهجرة، و «بدر» ماء هنالك سمي به الموضع، وقال الشعبي: كان ذلك الماء لرجل من جهينة يسمى بدرا فبه سمي، قال الواقدي: فذكرت هذا لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: بأي شيء سميت الصفراء والجار وغير ذلك من المواضع؟ قال وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخا من بني غفار يقولون: هو ماؤنا ومنزلنا وما ملكه أحد قط يقال له بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هي بلاد غفار، قال الواقدي: فهذا المعروف عندنا، وقوله تعالى: وأنتم أذلّةٌ معناه قليلون، وذلك أنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وكان عدوهم ما بين التسعمائة إلى الألف، وأذلّةٌ جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلا أعزة، ولكن نسبتهم إلى عدوهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض يقتضي عند التأمل ذلتهم، وأنهم مغلوبون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم: اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، وهذه الاستعارة كاستعارة الكذب في قوله في الموطأ، كذب كعب، وكقوله كذب أبو محمد، وكاستعارة المسكنة لأصحاب السفينة على بعض الأقوال، إذ كانت مسكنتهم بالنسبة إلى الملك القادر الغاصب، ثم أمر تعالى المؤمنين بالتقوى، ورجاهم بالإنعام الذي يوجب الشكر، ويحتمل أن يكون المعنى: اتقوا الله عسى أن يكون تقواكم شكرا على النعمة في نصره ببدر). [المحرر الوجيز: 2/342-343]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: إذ تقول العامل في إذ فعل مضمر، ويحتمل أن يكون العامل نصركم وهذا على قول الجمهور: إن هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم كان ببدر قال الشعبي والحسن بن أبي الحسن وغيرهما إن هذا كان ببدر، قال الشعبي بلغ المؤمنين أن كرز بن جابر بن حسل المحاربي محارب فهر، قد جاء في مدد للمشركين، فغم ذلك المؤمنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين عن أمر الله تعالى، هذه المقالة فصبر المؤمنون واتقوا، وهزم المشركون وبلغت الهزيمة كرزا ومن معه فانصرفوا ولم يأتوا من فورهم، ولم يمدّ المؤمنون بالملائكة، وكانت الملائكة بعد ذلك تحضر حروب النبي صلى الله عليه وسلم مددا، وهي تحضر حروب المسلمين إلى يوم القيامة.
قال القاضي: وخالف الناس الشعبي في هذه المقالة، وتظاهرت الروايات بأن الملائكة حضرت بدرا وقاتلت، ومن ذلك قول أبي أسيد مالك بن ربيعة، لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى، ومنه حديث الغفاري وابن عمه اللذين سمعا من الصحابة، أقدم حيزوم فانكشف قناع قلب أحدهما فمات مكانه، وتماسك الآخر، وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام إلا يوم بدر، وكانوا يكونون في سائر الأيام عددا ومددا لا يضربون، ومن ذلك قول أبي سفيان بن الحارث لأبي لهب: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلون ويأسرون، وعلى ذلك فو الله ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، ومن ذلك أن أبا اليسر كعب بن عمرو الأنصاري أحد بني سلمة أسر يوم بدر العباس بن عبد المطلب وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا طويلا جسيما فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
لقد أعانك عليه ملك كريم، الحديث بطوله، وقد قال بعض الصحابة: كنت يوم بدر أتبع رجلا من المشركين لأضربه بسيفي فلما دنوت منه وقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعلمت أن ملكا قتله، وقال قتادة ابن دعامة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف من الملائكة، قال الطبري: وقال آخرون: إن الله وعد المؤمنين يوم بدر أن يمدهم في حروبهم كلها إن صبروا واتقوا، فلم يفعلوا ذلك إلا في يوم الأحزاب، فأمدهم حين حاصروا قريظة، ثم أدخل تحت هذه الترجمة عن عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: حاصرنا قريظة مدة فلم يفتح علينا فرجعنا، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا بغسل يريد أن يغسل رأسه، إذ جاءه جبريل عليه السلام فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها فلف رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بخرقة ولم يغسله، ونادى فينا فقمنا كالين متعبين، حتى أتينا قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله بالملائكة بثلاثة آلاف، وفتح لنا فتحا يسيرا، فانقلبنا بنعمة من الله وفضل، وقال عكرمة: كان الوعد يوم بدر، فلم يصبروا يوم أحد ولا اتقوا، فلم يمدوا ولو مدوا لم يهزموا، وقال الضحاك: كان هذا الوعد والمقالة للمؤمنين يوم أحد، ففر الناس وولوا مدبرين فلم يمدهم الله، وإنما مدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، وقال ابن زيد: قال المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وهم ينتظرون المشركين: يا رسول الله أليس يمدنا الله كما أمدنا يوم بدر؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألن يكفيكم الآية وإنما أمدهم يوم بدر بألف قال ابن زيد: فلم يصبروا، وقوله تعالى: ألن يكفيكم تقرير على اعتقادهم الكفاية في هذا العدد من الملائكة، ومن حيث كان الأمر بينا في نفسه أن الملائكة كافية، بادر المتكلم إلى الجواب ليبني ما يستأنف من قوله عليه فقال: بلى وهي جواب المقررين، وهذا يحسن في الأمور البينة التي لا محيد في جوابها، ونحوه قوله تعالى: قل أيّ شيءٍ أكبر شهادةً قل اللّه [الأنعام: 19] وفي مصحف أبي بن كعب، «ألا يكفيكم» وقد مضى القول في قوله: ويمدّهم في طغيانهم [البقرة: 15] وقرأ الحسن بن أبي الحسن: «بثلاثة آلاف»، يقف على الهاء، وكذلك «بخمسة آلاف»، ووجه هذه القراءة ضعيف، لأن المضاف والمضاف إليه يقتضيان الاتصال، إذ هما كالاسم الواحد، وإنما الثاني كمال للأول، والهاء إنما هي أمارة وقف، فيقلق الوقف في موضع إنما هو للاتصال، لكن قد جاء نحو هذا للعرب في مواضع، فمن ذلك ما حكاه الفراء أنهم يقولون: أكلت لحما، شاة، يريدون لحم شاة فمطلوا الفتحة حتى نشأت عنها ألف، كما قالوا في الوقف، قالا: يريدون قال: ثم مطلوا الفتحة في القوافي ونحوها من مواضع الروية والتثبت، ومن ذلك في الشعر قول الشاعر: [عنترة]: [الرجز]:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة يريد ينبع فمطل ومنه قول الآخر: [الرجز]
أقول إذ جرت على الكلكال = يا ناقتا ما جلت من مجال
يريد على الكلكل، فمطل ومنه قول الآخر: [لابن هرمة]: [الوافر]
فأنت من الغوائل حين ترمي = ومن ذمّ الرجال بمنتزاح
يريد بمنتزح، قال أبو الفتح: فإذا جاز ان يعترض هذا التمادي بين أثناء الكلمة الواحدة، جاز التمادي والتأني بين المضاف والمضاف إليه إذ هما في الحقيقة اثنان، وقرأ ابن عامر وحده: «منزّلين» بفتح النون والزاي مشددة، وقرأ الباقون: منزلين بسكون النون وفتح الزاي مخففة، وقرأ ابن أبي عبلة: «منزّلين» بفتح النون وكسر الزاي مشددة، معناها: ينزلون النصر، وحكى النحاس قراءة ولم ينسبها: «منزلين» بسكون النون وكسر الزاي خفيفة، وفسرها بأنهم ينزلون النصر). [المحرر الوجيز: 2/343-347]

تفسير قوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وبلى - جواب للنفي الذي في ألن وقد تقدم معناه، ثم ذكر تعالى الشرط الذي معه يقع الإمداد وهو الصبر، والتقى. و «الفور»: النهوض المسرع إلى الشيء مأخوذ من فور القدر والماء ونحوه، ومنه قوله تعالى: وفار التّنّور [هود: 40] فالمعنى ويأتوكم في نهضتكم هذه، قال ابن عباس: من فورهم هذا: معناه من سفرهم هذا، قال الحسن والسدي: معناه، من وجههم هذا، وقاله قتادة، وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح مولى أم هاني: من غضبهم هذا.
قال القاضي: وهذا تفسير لا يخص اللفظة قد يكون «الفور» لغضب ولطمع ولرغبة في أجر، ومنه الفور في الحج والوضوء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم: «مسوّمين»، بكسر الواو، وقرأ الباقون: «مسوّمين» بفتح الواو، فأما من قرأ بفتح الواو فمعناه: معلمين بعلامات، قال أبو زيد الأنصاري: «السومة» العلامة تكون على الشاة وغيرها يجعل عليها لون يخالف لونها لتعرف، وروي أن الملائكة أعلمت يومئذ بعمائم بيض، حكاه المهدوي عن الزجّاج، إلا جبريل عليه السلام فإنه كان بعمامة صفراء على مثال عمامة الزبير بن العوام، وقاله ابن إسحاق، وقال مجاهد: كانت خيلهم مجزوزة الأذناب والأعراف معلمة النواصي والأذناب بالصوف والعهن، وقال الربيع: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بلق، وقال عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير: نزلت الملائكة في سيما الزبير عليهم عمائم صفر، وقال ذلك عروة وعبد الله ابنا الزبير: وقال عبد الله: كانت ملاءة صفراء فاعتم الزبير بها، ومن قرأ: «مسوّمين» بكسر الواو، فيحتمل من المعنى مثل ما تقدم، أي هم قد أعلموا أنفسهم بعلامة وأعلموا خيلهم، ورجح الطبري وغيره هذه القراءة، بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسلمين يوم بدر: سوّموا فإن الملائكة قد سوّمت، فهم على هذا مسومون، وقال كثير من أهل التفسير: إن معنى «مسوّمين» بكسر الواو أي هم قد سوموا خيلهم: أي أعطوها سومها من الجري والقتال والإحضار فهي سائمة، ومنه سائمة الماشية، لأنها تركت وسومها من الرعي، وذكر المهدوي هذا المعنى في «مسوّمين» بفتح الواو أي أرسلوا وسومهم.
قال القاضي: وهذا قلق: وقد قاله ابن فورك أيضا). [المحرر الوجيز: 2/347-348]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: وما جعله اللّه إلاّ بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفاً من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون (128) وللّه ما في السّماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء واللّه غفورٌ رحيمٌ (129)
الضمير في جعله اللّه عائد على الإنزال والإمداد، و «البشرى» مصدر واللام في ولتطمئنّ متعلقة بفعل مضمر يدل عليه جعله، ومعنى الآية: وما كان هذا الإمداد إلا لتستبشروا به وتطمئن به قلوبكم وتروا حفاية الله بكم، وإلا فالكثرة لا تغني شيئا إلا أن ينصر الله، وقوله: وما النّصر يريد للمؤمنين، وكذلك أيضا هي الإدالة للكفار من عند الله). [المحرر الوجيز: 2/349]

تفسير قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (واللام في قوله: ليقطع متعلقة بقوله وما النّصر إلّا من عند اللّه وعلى هذا لا يكون قطع الطرف مختصا بيوم، اللهم إلا أن تكون الألف واللام في «النصر» للعهد، وقيل: العامل فيه «ولقد نصركم» حكاه ابن فورك وهو قلق، لأن قوله: أو يكبتهم لا يترتب عليه، وقد يحتمل أن تكون اللام في قوله ليقطع متعلقة ب جعله، فيكون قطع الطرف إشارة إلى من قتل ببدر، على ما قال الحسن وابن إسحاق وغيرهم، أو إلى من قتل بأحد على ما قال السدي، وقتل من المشركين ببدر سبعون، وقتل منهم يوم أحد اثنان وعشرون رجلا، وقال السدي: قتل منهم ثمانية عشر والأول أصح، و «الطرف» الفريق، ومتى قتل المسلمون كفارا في حرب فقد قطعوا طرفاً، لأنه الذي وليهم من الكفار فكأن جميع الكفار رقعة وهؤلاء المقتولون طرف منها أي حاشية، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: ليقطع طرفاً بمنزلة ليقطع دابرا وقوله:
أو يكبتهم معناه: أو يخزيهم، والكبت الصرع لليدين، وقال النقاش وغيره: التاء بدل من دال كبته أصله كبده أي فعل به يؤذي كبده، وإذا نصر الله على أمة كافرة فلا بد من أحد هذين الوجهين، إما أن يقتل منهم أو يخيبوا، فذلك نوع من الهزم). [المحرر الوجيز: 2/349]

تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (وقوله تعالى: ليس لك من الأمر شيءٌ توقيف على أن الأمر كله لله، وهذا التوقيف يقتضي أنه كان بسبب من جهة النبي صلى الله عليه وسلم وروي في ذلك أنه لما هزم أصحابه وشج في وجهه، حتى دخلت بعض حلق الدرع في خده وكسرت رباعيته وارتث بالحجارة حتى صرع لجنبه، تحيز عن الملحمة، وجعل يمسح الدم من وجهه ويقول: لا يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، هكذا لفظ الحديث من طريق أنس بن مالك، وفي بعض الطرق، وكيف يفلح؟ وفي بعضها أن سالما مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فأفاق وهو يقول: كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟
فنزلت الآية، بسبب هذه المقالة.
قال القاضي: وكأن النبي صلى الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش، فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ويريح منهم، فروي أنه دعا عليهم أو أستأذن في أن يدعو عليهم، وروى ابن عمر وغيره: أنه دعا على أبي سفيان والحارث بن هشام وصفوان بن أمية باللعنة، إلى غير هذا من معناه، فقيل له بسبب ذلك، ليس لك من الأمر شيءٌ أي عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك ودم على الدعاء إلى ربك، قال الطبري وغيره من المفسرين: قوله: أو يتوب عليهم عطف على يكبتهم.
قال القاضي: فقوله: ليس لك من الأمر شيءٌ اعتراض أثناء الكلام، وقوله: أو يتوب معناه: فيسلمون، وقوله: أو يعذّبهم معناه: في الآخرة بأن يوافوا على الكفر، قال الطبري وغيره: ويحتمل أن يكون قوله أو يتوب بمعنى حتى يتوب أو إلى أن يتوب فيجيء بمنزلة قولك: لا أفارقك أو تقضيني حقي، وكما تقول: لا يتم هذا الأمر أو يجيء فلان، وقوله تعالى: ليس لك من الأمر شيءٌ ليس باعتراض على هذا التأويل، وإنما المعنى الإخبار لمحمد عليه السلام أنه ليس يتحصل له من أمر هؤلاء الكفار شيء يؤمله إلا أن يتوب الله عليهم فيسلموا، فيرى محمد عليه السلام أحد أمليه فيهم، أو يعذبهم الله بقتل في الدنيا، أو بنار في الآخرة أو بهما، فيرى محمد صلى الله عليه وسلم الأمل الآخر، وعلى هذا التأويل فليس في قوله: ليس لك من الأمر شيءٌ ردع كما هو في التأويل الأول، وذلك التأويل الأول أقوى، وقرأ أبي بن كعب، «أو يتوب أو يعذب» برفع الباء فيهما، المعنى: أو هو يتوب، ثم قرر تعالى ظلم هؤلاء الكفار.
ثم أكد معنى قوله ليس لك من الأمر شيءٌ بالقول العام وذكر الحجة الساطعة في ذلك وهي ملكه الأشياء، إذ ذلك مقتض أن يفعل بحق ملكه ما شاء، لا اعتراض عليه ولا معقب لحكمه، وذكر أن الغفران أو التعذيب إنما هو بمشيئته وحسب السابق في علمه). [المحرر الوجيز: 2/350-351]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 06:40 AM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} أي: يوم بدرٍ، وكان في جمعةٍ وافق السّابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الّذي أعزّ اللّه فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشّرك وخرّب محله، [هذا] مع قلّة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنّهم كانوا ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر رجلًا فيهم فرسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدوّ يومئذٍ ما بين التّسعمائةٍ إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض، والعدّة الكاملة والخيول المسوّمة والحليّ الزّائد، فأعزّ اللّه رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبيّض وجه النّبيّ وقبيله، وأخزى الشّيطان وجيله ولهذا قال تعالى -ممتنا على عباده المؤمنين وحزبه المتّقين: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ وأنتم أذلّةٌ} أي: قليلٌ عددكم ليعلموا أنّ النّصر إنّما هو من عند اللّه، لا بكثرة العدد والعدد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: {ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا [وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مدبرين. ثمّ أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودًا لم تروها وعذّب الّذين كفروا وذلك جزاء الكافرين. ثمّ يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء] واللّه غفورٌ رحيمٌ} [التّوبة: 25 -27].
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك قال: سمعت عياضا الأشعريّ قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياضٌ -وليس عياضٌ هذا الّذي حدّث سماكًا-قال: وقال عمر، رضي اللّه عنه: إذا كان قتالٌ فعليكم أبو عبيدة. قال: فكتبنا إليه إنّه قد جاش إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنّه قد جاءني كتابكم تستمدّونني وإنّي أدلّكم على من هو أعزّ نصرًا، وأحصن جندًا: اللّه عزّ وجلّ، فاستنصروه، فإنّ محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم قد نصر يوم بدرٍ في أقلّ من عدّتكم، فإذا جاءكم كتابي فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ، قال: وأصبنا أموالًا فتشاورنا، فأشار علينا عياضٌ أن نعطي عن كلّ ذي رأسٍ عشرةً. قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شابٌّ: أنا، إن لم تغضب. قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان وهو خلفه على فرسٍ عري.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ وقد أخرجه ابن حبّان في صحيحه من حديث بندار، عن غندر، بنحوه، واختاره الحافظ الضّياء المقدسيّ في كتابه.
وبدر محلّة بين مكّة والمدينة، تعرف ببئرها، منسوبةٌ إلى رجلٍ حفرها يقال له: "بدر بن النّارين". قال الشّعبيّ: بدرٌ بئرٌ لرجلٍ يسمّى بدرًا.
وقوله: {فاتّقوا اللّه لعلّكم تشكرون} أي: تقومون بطاعته). [تفسير القرآن العظيم: 2/111-112]

تفسير قوله تعالى: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ({إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين (125) وما جعله اللّه إلا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلا من عند اللّه العزيز الحكيم (126) ليقطع طرفًا من الّذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون (128) وللّه ما في السّماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء واللّه غفورٌ رحيمٌ (129)}
اختلف المفسّرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين:
أحدهما: أنّ قوله: {إذ تقول للمؤمنين} متعلّقٌ بقوله: {ولقد نصركم اللّه ببدرٍ} وروي هذا عن الحسن البصريّ، وعامرٍ الشّعبيّ، والرّبيع بن أنسٍ، وغيرهم. واختاره ابن جريرٍ.
قال عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن في قوله: {إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة} قال: هذا يوم بدر. رواه ابن أبي حاتمٍ، ثمّ قال:
حدّثنا أبي، حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا وهيب عن داود، عن عامرٍ -يعني الشّعبيّ-أنّ المسلمين بلغهم يوم بدرٍ أنّ كرز بن جابرٍ يمدّ المشركين، فشقّ ذلك عليهم، فأنزل اللّه: {ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين} إلى قوله: {مسوّمين} قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فلم يمدّ المشركين ولم يمدّ اللّه المسلمين بالخمسة.
وقال الرّبيع بن أنسٍ: أمدّ اللّه المسلمين بألفٍ، ثمّ صاروا ثلاثة آلافٍ، ثمّ صاروا خمسة آلافٍ.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية -على هذا القول-وبين قوله تعالى في قصّة بدرٍ: {إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألفٍ من الملائكة مردفين [وما جعله اللّه إلا بشرى ولتطمئنّ به قلوبكم وما النّصر إلا من عند اللّه] إنّ اللّه عزيزٌ حكيمٌ} [الأنفال:9، 10] فالجواب: أنّ التّنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثّلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: {مردفين} بمعنى يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوفٌ أخر مثلهم. وهذا السّياق شبيهٌ بهذا السّياق في سورة آل عمران. فالظّاهر أنّ ذلك كان يوم بدرٍ كما هو المعروف من أنّ قتال الملائكة إنّما كان يوم بدرٍ، واللّه أعلم، قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمدّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
القول الثّاني: أنّ هذا الوعد متعلق بقوله: {وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال} وذلك يوم أحد. وهو قول مجاهدٍ، وعكرمة، والضّحّاك، والزّهريّ، وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأنّ المسلمين فرّوا يومئذٍ -زاد عكرمة: ولا بالثّلاثة الآلاف؛ لقوله: {بلى إن تصبروا وتتّقوا} فلم يصبروا، بل فرّوا، فلم يمدّوا بملكٍ واحدٍ). [تفسير القرآن العظيم: 2/112-113]

تفسير قوله تعالى: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {بلى إن تصبروا وتتّقوا} يعني: تصبروا على مصابرة عدوّكم وتتّقوني وتطيعوا أمري.
وقوله: {ويأتوكم من فورهم هذا} قال الحسن، وقتادة، والرّبيع، والسّدّي: أي من وجههم هذا. وقال مجاهدٌ، وعكرمة، وأبو صالحٍ: أي من غضبهم هذا. وقال الضّحّاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفيّ عن ابن عبّاسٍ: من سفرهم هذا. ويقال: من غضبهم هذا.
وقوله: {يمددكم ربّكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين} أي: معلّمين بالسّيما.
وقال أبو إسحاق السّبيعي، عن حارثة بن مضرّب، عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، قال: كان سيما الملائكة يوم بدرٍ الصّوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيلهم.
رواه ابن أبي حاتمٍ، ثمّ قال: حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا هدبة بن خالدٍ، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في هذه الآية: {مسوّمين} قال: بالعهن الأحمر.
وقال مجاهدٌ: {مسوّمين} أي: محذّقة أعرافها، معلّمة نواصيها بالصّوف الأبيض في أذناب الخيل.
وقال العوفيّ، عن ابن عبّاسٍ، قال: أتت الملائكة محمّدًا صلّى اللّه عليه وسلّم مسوّمين بالصّوف، فسوم محمّدٌ وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصّوف.
وقال عكرمة وقتادة {مسوّمين} أي: بسيما القتال، وقال مكحولٌ: {مسوّمين} بالعمائم.
وروى ابن مردويه، من حديث عبد القدّوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله: {مسوّمين} قال: "معلّمين. وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر".
وروى من حديث حصين بن مخارق، عن سعيدٍ، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ قال: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدرٍ.
وقال ابن إسحاق: حدّثني من لا أتّهم، عن مقسم، عن ابن عبّاسٍ قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنينٍ عمائم حمرا. ولم تضرب الملائكة في يومٍ سوى يوم بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيّام عددًا ومددًا لا يضربون.
ثمّ رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عبّاسٍ، فذكر نحوه.
وقال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا الأحمسي حدّثنا وكيع، حدّثنا هشام بن عروة، عن يحيى بن عبّادٍ: أنّ الزّبير [بن العوّام] رضي اللّه عنه، كان عليه يوم بدرٍ عمامةٌ صفراء معتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.
رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزّبير، فذكره). [تفسير القرآن العظيم: 2/113-114]

تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {وما جعله اللّه إلا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به} أي: وما أنزل اللّه الملائكة وأعلمكم بإنزالها إلّا بشارةً لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلّا فإنّما النّصر من عند اللّه، الّذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياجٍ إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: {ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعضٍ والّذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضلّ أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم. ويدخلهم الجنّة عرّفها لهم.} [محمّدٍ:4-6]. ولهذا قال هاهنا: {وما جعله اللّه إلا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النّصر إلا من عند اللّه العزيز الحكيم} أي: هو ذو العزّة الّتي لا ترام، والحكمة في قدره والإحكام). [تفسير القرآن العظيم: 2/114]

تفسير قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ قال تعالى: {ليقطع طرفًا من الّذين كفروا} أي: أمركم بالجهاد والجلاد، لما له في ذلك من الحكمة في كلّ تقديرٍ، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفّار المجاهدين. فقال: {ليقطع طرفًا} أي: ليهلك أمّةً {من الّذين كفروا أو يكبتهم} أي: يخزيهم ويردّهم بغيظهم لمّا لم ينالوا منكم ما أرادوا؛ ولهذا قال: {أو يكبتهم فينقلبوا} أي: يرجعوا {خائبين} أي: لم يحصلوا على ما أمّلوا). [تفسير القرآن العظيم: 2/114]


تفسير قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) }


قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (ثمّ اعترض بجملةٍ دلّت على أنّ الحكم في الدّنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال: {ليس لك من الأمر شيءٌ} أي: بل الأمر كلّه إليّ، كما قال: {فإنّما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرّعد:40] وقال {ليس عليك هداهم ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} [البقرة:272]. وقال {إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء} [القصص:56].
قال محمّد بن إسحاق في قوله: {ليس لك من الأمر شيءٌ} أي: ليس لك من الحكم شيءٌ في عبادي إلّا ما أمرتك به فيهم.
ثمّ ذكر تعالى بقيّة الأقسام فقال: {أو يتوب عليهم} أي: ممّا هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضّلالة {أو يعذّبهم} أي: في الدّنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال: {فإنّهم ظالمون} أي: يستحقّون ذلك.
وقال البخاريّ: حدّثنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، حدّثني سالمٌ، عن أبيه: أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول، إذا رفع رأسه من الرّكوع في الرّكعة الثّانية من الفجر اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربّنا ولك الحمد" فأنزل اللّه تعالى {ليس لك من الأمر شيءٌ [أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون]}.
وهكذا رواه النّسائيّ، من حديث عبد اللّه بن المبارك وعبد الرّزّاق، كلاهما، عن معمر، به.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا أبو عقيلٍ -قال أحمد: وهو عبد اللّه بن عقيلٍ، صالح الحديث ثقةٌ-قال: حدّثنا عمر بن حمزة، عن سالمٍ، عن أبيه قال: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول: "اللّهمّ العن فلانا، اللّهمّ العن الحارث بن هشام، اللّهمّ العن سهيل بن عمرو، اللّهمّ العن صفوان بن أميّة". فنزلت هذه الآية: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون} فتيب عليهم كلّهم.
وقال أحمد: حدّثنا أبو معاوية الغلابي، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا محمّد بن عجلان، عن نافعٍ، عن عبد اللّه؛ أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يدعو على أربعةٍ قال: فأنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ [أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون]} قال: وهداهم اللّه للإسلام.
وقال محمّد بن عجلان، عن نافعٍ، عن ابن عمر قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على رجالٍ من المشركين يسمّيهم بأسمائهم، حتّى أنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ} الآية.
وقال البخاريّ أيضًا: حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرّحمن، عن أبي هريرة، رضي اللّه عنه، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أراد أن يدعو على أحدٍ -أو يدعو لأحدٍ-قنت بعد الرّكوع، وربّما قال -إذا قال: "سمع اللّه لمن حمده، ربّنا ولك الحمد-: "اللّهمّ انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشامٍ، وعيّاش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللّهمّ اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف". يجهر بذلك، وكان يقول -في بعض صلاته في صلاة الفجر-: "اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا" لأحياءٍ من أحياء العرب، حتّى أنزل اللّه {ليس لك من الأمر شيءٌ} الآية.
وقال البخاريّ: قال حميد وثابتٌ، عن أنس بن مالكٍ: شجّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قومٌ شجّوا نبيّهم؟ ". فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ} وقد أسند هذا الحديث الّذي علّقه البخاريّ رحمه اللّه.
وقال البخاريّ: في غزوة أحد: حدّثنا يحيى بن عبد اللّه السّلميّ، حدّثنا عبد اللّه -أخبرنا معمر، عن الزّهريّ، حدّثني سالم بن عبد اللّه، عن أبيه أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول -إذا رفع رأسه من الرّكوع، في الرّكعة الأخيرة من الفجر-: "اللّهمّ العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربّنا ولك الحمد". فأنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ} [إلى قوله: {فإنّهم ظالمون}].
وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو على صفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرٍو، والحارث بن هشامٍ، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيءٌ [أو يتوب عليهم أو يعذّبهم] فإنّهم ظالمون}.
هكذا ذكر هذه الزّيادة البخاريّ معلّقةً مرسلةً مسندةٌ متّصلةٌ في مسند أحمد متّصلةٌ آنفًا.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا هشيم، حدّثنا حميد، عن أنسٍ، رضي اللّه عنه أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كسرت رباعيته يوم أحد، وشجّ في جبهته حتّى سال الدّم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قومٌ فعلوا هذا بنبيّهم، وهو يدعوهم إلى ربّهم، عزّ وجلّ". فأنزل اللّه تعالى: {ليس لك من الأمر شيءٌ أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون}
انفرد به مسلمٌ، فرواه [عن] القعنبيّ، عن حمّاد، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، فذكره.
وقال ابن جريرٍ: حدّثنا ابن حميدٍ، حدّثنا يحيى بن واضحٍ، حدّثنا الحسين بن واقدٍ، عن مطرٍ، عن قتادة قال: أصيب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يوم أحدٍ وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدّم يسيل، فمرّ به سالمٌ مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: "كيف بقومٍ فعلوا هذا بنبيّهم، وهو يدعوهم إلى الله؟ " فأنزل اللّه: {ليس لك من الأمر شيءٌ [أو يتوب عليهم أو يعذّبهم فإنّهم ظالمون]}.
وكذا رواه عبد الرّزّاق، عن معمر، عن قتادة، بنحوه، ولم يقل: فأفاق). [تفسير القرآن العظيم: 2/114-116]


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:53 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة