العودة   جمهرة العلوم > قسم التفسير > جمهرة التفاسير > تفسير سورة آل عمران

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18 ربيع الثاني 1434هـ/28-02-2013م, 09:48 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي تفسير سورة آل عمران[من الآية (185) إلى الآية (186) ]

تفسير سورة آل عمران
[من الآية (185) إلى الآية (186) ]

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25 ربيع الثاني 1434هـ/7-03-2013م, 11:26 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي جمهرة تفاسير السلف


جمهرة تفاسير السلف

تفسير قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) )
قال محمدُ بنُ عيسى بنِ سَوْرة التِّرْمِذيُّ (ت: 279هـ) : (حدّثنا عبد بن حميدٍ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، وسعيد بن عامرٍ، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم: إنّ موضع سوطٍ في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها اقرءوا إن شئتم: {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور}.
هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ). [سنن الترمذي: 5/82]
قالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ (ت: 303هـ): (قوله تعالى: {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز}
- أخبرنا محمّد بن حاتم بن نعيمٍ، أخبرنا سويدٌ، أخبرنا عبد الله، عن شريكٍ، عن محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: " قال الله تبارك وتعالى: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، وإن شئتم فاقرءوا {فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرّةٍ أعينٍ} [السجدة: 17] وقال: " في الجنّة شجرةٌ يسير الرّاكب في ظلّها مائة عامٍ، فاقرءوا {وظلٍّ ممدودٍ} [الواقعة: 30]، وموضع سوطٍ في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، فاقرءوا {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور} [آل عمران: 185]). [السنن الكبرى للنسائي: 10/56]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور}.
يعني بذلك تعالى ذكره أنّ مصير هؤلاء المفترين على اللّه من اليهود المكذّبين برسوله، الّذين وصف صفتهم، وأخبر عن جراءتهم على ربّهم، ومصير غيرهم من جميع خلقه تعالى ذكره، ومرجع جميعهم إليه، لأنّه قد حتّم الموت على جميعهم، فقال لنبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم: لا يحزنك تكذيب من كذّبك يا محمّد من هؤلاء اليهود وغيرهم، وافتراء من افترى عليّ، فقد كذّب قبلك رسلٌ جاءوا من الآيات والحجج من أرسلوا إليه بمثل الّذي جئت من أرسلت إليه، فلك فيهم أسوةٌ تتعزّى بهم، ومصير من كذّبك، وافترى عليّ وغيرهم، ومرجعهم إليّ، فأوفّي كلّ نفسٍ منهم جزاء عمله يوم القيامة، كما قال جلّ ثناؤه: {وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة} يعني أجور أعمالكم إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ {فمن زحزح عن النّار}، يقول: فمن نحّي عن النّار وأبعد منها {فقد فاز} يقول: فقد نجا وظفر بحاجته، يقال منه: فاز فلانٌ بطلبته يفوز فوزًا ومفازًا ومفازةً: إذا ظفر بها.
وإنّما معنى ذلك: فمن نحّي عن النّار فأبعد منها، وأدخل الجنّة، فقد نجا وظفر بعظيم الكرامة {وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور} يقول: وما لذّات الدّنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها، إلاّ متاع الغرور، يقول: إلاّ متعةٌ يمتّعكموها الغرور والخداع المضمحلّ، الّذي لا حقيقة له عند الامتحان، ولا صحّة له عند الاختبار، فأنتم تلتذّون بما متّعكم الغرور من دنياكم، ثمّ هو عائدٌ عليكم بالفجائع والمصائب والمكاره، يقول تعالى ذكره: لا تركنوا إلى الدّنيا فتسكنوا إليها، فإنّما أنتم منها في غرورٍ تمتّعون، ثمّ أنتم عنها بعد قليلٍ راحلون.
وقد روي في تأويل ذلك ما:
- حدّثني به المثنّى، قال: حدّثنا إسحاق، قال: حدّثنا جريرٌ، عن الأعمش، عن بكير بن الأخنس، عن عبد الرّحمن بن سابطٍ، في قوله: {وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور} قال: كزاد الرّاعي، يزوّده الكفّ من التّمر، أو الشّيء من الدّقيق، أو الشّيء يشرب عليه اللّبن.
فكأنّ ابن سابطٍ ذهب في تأويله هذا إلى أنّ معنى الآية: وما الحياة الدّنيا إلاّ متاعٌ قليلٌ، لا يبلّغ من تمتّعه ولا يكفيه لسفره.
وهذا التّأويل وإن كان وجهًا من وجوه التّأويل، فإنّ الصّحيح من القول فيه هو ما قلنا، لأنّ الغرور إنّما هو الخداع في كلام العرب، وإذ كان ذلك كذلك فلا وجه لصرفه إلى معنى القلّة؛ لأنّ الشّيء قد يكون قليلاً وصاحبه منه في غير خداعٍ ولا غرورٍ؛ وأمّا الّذي هو في غرورٍ فلا القليل يصحّ له ولا الكثير ممّا هو منه في غرورٍ.
والغرور مصدرٌ من قول القائل: غرّني فلانٌ، فهو يغرّني غرورًا بضمّ الغين؛ وأمّا إذا فتحت الغين من الغرور فهو صفةٌ للشّيطان الغرور الّذي يغرّ ابن آدم حتّى يدخله من معصية اللّه فيما يستوجب به عقوبته.
- وقد: حدّثنا أبو كريبٍ، قال: حدّثنا عبدة، وعبد الرّحيم، قالا: حدّثنا محمّد بن عمرٍو، قال: حدّثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: موضع سوطٍ في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، واقرءوا إن شئتم {وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور}). [جامع البيان: 6/287-289]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (قوله تعالى: كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة
- حدّثنا أبي، ثنا عبد العزيز الأوسي، ثنا عليّ بن أبي عليٍّ الهاشميّ، عن جعفر بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، أنّ عليّ بن أبي طالبٍ قال: لمّا توفّي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجاءت التّعزية، فجاءهم آتٍ يسمعون حسّه، ولا يرون شخصه، فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة: إنّ في اللّه عزاءً من كلّ هالكٍ، ودركاً من كلّ ما فات فباللّه فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. قال جعفر بن محمّدٍ: أخبرني عليّ بن أبي طالبٍ قال: تدرون من هذا؟ هذا الخضر.
قوله تعالى: فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز
- حدّثنا أبي، ثنا محمّد بن عبد اللّه الأنصاريّ، حدّثني محمّد بن عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: موضع سوطٍ في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها: اقرءوا إن شئتم: فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز.
- حدّثنا أبي، ثنا عمرو بن رافعٍ، ثنا سليمان بن عامرٍ، عن الرّبيع، قال: إنّ آخر من يدخل الجنّة يعطى من النّور بقدر مادام يحبو فهو في النّور حتّى تجاوز الصّراط، فذلك قوله: فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز
قوله تعالى: وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور
- حدّثنا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان، عن الأعمش، وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور قال: زاد الرّاعي.
- حدّثنا عليّ بن الحسين، ثنا محمّد بن عيسى، ثنا عمرٌو يعني: ابن حمران، عن سعيدٍ، عن قتادة وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور: هي متاعٌ متروكٌ أوشكت واللّه الّذي لا إله إلا هو أن تضمحلّ عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة اللّه- إن استطعتم- ولا قوّة إلا باللّه.
- حدّثنا أبو بكر بن أبي موسى، ثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّادٍ، عن أسباطٍ، عن السّدّيّ، عن أبي مالكٍ قوله: الغرور يعني: زينة الدّنيا). [تفسير القرآن العظيم: 2/832-833]
قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الحاكمُ النَّيْسابوريُّ (ت: 405هـ): (حدّثنا أبو عمرٍو عثمان بن أحمد بن عبد اللّه الدّقّاق ببغداد، ثنا أحمد بن عبيد اللّه النّرسيّ، ثنا أبو بدرٍ شجاع بن الوليد، ثنا محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم إنّ " موضع سوطٍ في الجنّة لخيرٌ من الدّنيا وما فيها، اقرأوا إنّ شئتم {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور} [آل عمران: 185] «هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلمٍ ولم يخرجاه» ). [المستدرك: 2/327]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (قوله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} الآية.
أخرج ابن أبي حاتم عن علي بن علي بن أبي طالب قال: لما توفي النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة} إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل ما فات فبالله فثقوا وإياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب، فقال علي: هذا الخضر.
وأخرج ابن أبي شيبة وهناد، وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه، وابن حبان، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها واقرؤوا إن شئتم {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور}.
وأخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ثم تلا هذه الآية {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}.
وأخرج عبد بن حميد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا بما عليها ولقاب قوس أحدهم في الجنة خير من الدنيا بما عليها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع قال: إن آخر من يدخل الجنة يعطى من النور بقدر ما دام يحبو فهو في النور حتى تجاوز الصراط، فذلك قوله {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}.
وأخرج أحمد عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {فقد فاز} قال سعد: ونجا، قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم، أما سمعت قول عبد الله بن رواحة:
وعسى أن أفوز ثمت ألقى * حجة اتقى بها الفتانا.
وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن سابط في قوله {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} قال: كزاد الراعي يزوده الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة {وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} قال: هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله). [الدر المنثور: 4/162-166]

تفسير قوله تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) )
قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 211هـ): (أنا معمر عن الزهري في قوله تعالى ولتسمعن من الذين أوتوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا قال هو كعب بن الأشرف وكان يحرض المشركين على النبي وأصحابه في شعره ويهجو النبي وأصحابه فانطلق إليه خمسة نفر من الأنصار فيهم محمد بن مسلمة ورجل آخر يقال له أبو عبس فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي فلما رآهم ذعر منهم وأنكر شأنهم وقالوا
[تفسير عبد الرزاق: 1/142]
جئناك لحاجة قال فليدن إلي بعضكم فليحدثني بحاجته فجاءه رجل منهم فقال جئناك لنبيعك أدرعا عندنا لنستنفق بها قال والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل لكم هذا الرجل فواعدوه أن يأتوه عشاء حين يهدأ عنهم الناس فأتوه فنادوه فقالت امرأته ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيء مما تحب قال إنهم قد حدثوني بحديثهم وشأنهم قال معمر عن أيوب عن عكرمة إنه أشرف عليهم فكلمهم فقال ما ترهنوني أترهنوني أبناءكم وأرادوا أن يبيعهم تمرا فقالوا إنا نستحي أن نعير أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين فقال أترهنوني نساءكم فقالوا أنت أجمل الناس ولا نأمنك وأي امرأة تمتنع منك لجمالك ولكنا نرهنك سلاحنا فقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم فقال نعم ايتوني بسلاحكم واحتملوا ما شئتم قالوا فانزل إلينا نأخذ عليك وتأخذ علينا فذهب ينزل فتعلقت به امرأته فقالت أرسل إلى أمثالهم من قومك فيكونوا معك فقال لو وجدني هؤلاء نائما ما أيقظوني قالت فكلمهم من فوق البيت فأبى عليها قال فنزل إليهم يفوح ريحه قالوا ما هذه الريح يا أبا فلان قال هذا عطر أم فلان لامرأته فدنا إليه بعضهم ليشتم رأسه ثم اعتنقه ثم قال اقتلوا عدو الله فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلى محمد بن مسلمة بالسيف فقتلوه ثم رجعوا فأصبحت اليهود مذعورين فجاءوا النبي فقالوا قتل سيدنا غيلة فذكرهم النبي صنيعه وما كان يحرض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم به ثم دعاهم أن يكتب بينه ويبنهم
[تفسير عبد الرزاق: 1/143]
صلحا قال وكان ذلك الكتاب مع علي بعد). [تفسير عبد الرزاق: 1/144]
قال محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيم البخاريُّ (ت: 256هـ) : (باب {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} [آل عمران: 186]
- حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيبٌ، عن الزّهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزّبير، أنّ أسامة بن زيدٍ رضي اللّه عنهما، أخبره: أنّ رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم ركب على حمارٍ على قطيفةٍ فدكيّةٍ، وأردف أسامة بن زيدٍ وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدرٍ، قال: حتّى مرّ بمجلسٍ فيه عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبيٍّ، فإذا في المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة فلمّا غشيت المجلس عجاجة الدّابّة، خمّر عبد اللّه بن أبيٍّ أنفه بردائه، ثمّ قال: لا تغبّروا علينا، فسلّم رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم عليهم، ثمّ وقف فنزل فدعاهم إلى اللّه، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول: أيّها المرء إنّه لا أحسن ممّا تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا، فإنّا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود، حتّى كادوا يتثاورون، فلم يزل النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكنوا، ثمّ ركب النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم دابّته فسار حتّى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: " يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حبابٍ؟ - يريد عبد اللّه بن أبيٍّ - قال: كذا وكذا "، قال سعد بن عبادة: يا رسول اللّه، اعف عنه واصفح عنه، فوالّذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحقّ الّذي أنزل عليك، لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصّبوه بالعصابة، فلمّا أبى اللّه ذلك بالحقّ الّذي أعطاك اللّه شرق بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى، قال اللّه عزّ وجلّ: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} [آل عمران: 186] الآية، وقال اللّه: {ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] إلى آخر الآية، وكان النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتأوّل العفو ما أمره اللّه به، حتّى أذن اللّه فيهم، فلمّا غزا رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم بدرًا، فقتل اللّه به صناديد كفّار قريشٍ، قال ابن أبيٍّ ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرّسول صلّى الله عليه وسلّم على الإسلام فأسلموا). [صحيح البخاري: 6/39-40]
- قال أحمدُ بنُ عَلَيِّ بنِ حجرٍ العَسْقَلانيُّ (ت: 852هـ): ( (قوله باب ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا)
ذكر عبد الرّزّاق عن معمرٍ عن الزّهريّ عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالكٍ أنّها نزلت في كعب بن الأشرف فيما كان يهجو به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من الشّعر وقد تقدّم في المغازي خبره وفيه شرح حديث من لكعب بن الأشرف فإنّه آذى اللّه ورسوله وروى بن أبي حاتم وبن المنذر بإسناد حسن عن بن عبّاسٍ أنّها نزلت فيما كان بين أبي بكرٍ وبين فنحاص اليهوديّ في قوله تعالى إنّ اللّه فقيرٌ ونحن أغنياء تعالى اللّه عن قوله فغضب أبو بكرٍ فنزلت
- قوله على قطيفةٍ فدكيّةٍ أي كساءٍ غليظٍ منسوبٍ إلى فدك بفتح الفاء والدّال وهي بلدٌ مشهورٌ على مرحلتين من المدينة قوله يعود سعد بن عبادة فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره وقوله في بني الحارث بن الخزرج أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة قوله قبل وقعة بدرٍ في رواية الكشميهنيّ وقيعة قوله وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبي أي قبل أن يظهر الإسلام قوله فإذا في المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين كذا فيه تكرار لفظ المسلمين آخرًا بعد البداءة به والأولى حذف أحدهما وسقطت الثّانية من رواية مسلمٍ وغيره وأمّا قوله عبدة الأوثان فعلى البدل من المشركين وقوله اليهود يجوز أن يكون معطوفًا على البدل أو على المبدل منه وهو أظهر لأنّ اليهود مقرّون بالتّوحيد نعم من لازم قول من قال منهم عزيز بن اللّه تعالى اللّه عن قولهم الإشراك وعطفهم على أحد التّقديرين تنويهًا بهم في الشّرّ ثمّ ظهر لي رجحان أن يكون عطفًا على المبدل منه كأنّه فسّر المشركين بعبدة الأوثان وباليهود ومنه يظهر توجيه إعادة لفظ المسلمين كأنّه فسّر الأخلاط بشيئين المسلمين والمشركين ثمّ لمّا فسّر المشركين بشيئين رأى إعادة ذكر المسلمين تأكيدًا ولو كان قال أولاهنّ المسلمين والمشركين واليهود ما احتاج إلى إعادة وإطلاق المشركين على اليهود لكونهم يضاهون قولهم ويرجّحونهم على المسلمين ويوافقونهم في تكذيب الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ومعاداته وقتاله بعد ما تبيّن لهم الحقّ ويؤيّد ذلك أنّه قال في آخر الحديث قال عبد اللّه بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان فعطف عبدة الأوثان علىالمشركين وباللّه التّوفيق قوله عجاجة بفتح المهملة وجيمين الأولى خفيفةٌ أي غبارها وقوله خمّر أي غطّى وقوله أنفه في رواية الكشميهنيّ وجهه قوله فسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم يؤخذ منه جواز السّلام على المسلمين إذا كان معهم كفّارٌ وينوي حينئذٍ بالسّلام المسلمين ويحتمل أن يكون الّذي سلّم به عليهم صيغة عمومٍ فيها تخصيصٌ كقوله السّلام على من اتّبع الهدى قوله ثمّ وقف فنزل عبّر عن انتهاء مسيره بالوقوف قوله إنّه لا أحسن ممّا تقول بنصب أحسن وفتح أوّله على أنّه أفعل تفضيلٍ ويجوز في أحسن الرّفع على أنّه خبر لا والاسم محذوفٌ أي لا شيء أحسن من هذا ووقع في رواية الكشميهنيّ بضمّ أوّله وكسر السّين وضمّ النّون ووقع في روايةٍ أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السّين وضمّ النّون على أنّها لام القسم كأنّه قال أحسن من هذا أن تقعد في بيتك حكاه عياضٌ عن أبي عليّ واستحسنه وحكى بن الجوزيّ تشديد السّين المهملة بغير نونٍ من الحسّ أي لا أعلم منه شيئًا قوله يتثاورون بمثلّثةٍ أي يتواثبون أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعضٍ فيقتتلوا يقال ثار إذا قام بسرعةٍ وانزعاجٍ قوله حتّى سكنوا بالنّون كذا للأكثر وعند الكشميهنيّ بالمثنّاة ووقع في حديث أنسٍ أنّه نزل في ذلك وأن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا الآية وقد قدّمت ما فيه من الإشكال وجوابه عند شرح حديث أنسٍ في كتاب الصّلح قوله أيا سعد في رواية مسلمٍ أي سعد قوله أبو حبابٍ بضمّ المهملة وبموحّدتين الأولى خفيفةٌ وهي كنية عبد اللّه بن أبيٍّ وكنّاه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك الحالة لكونه كان مشهورًا بها أو لمصلحة التّألّف قوله ولقد اصطلح بثبوت الواو للأكثر وبحذفها لبعضهم قوله أهل هذه البحرة في رواية الحمويّ البحيرة بالتّصغير وهذا اللّفظ يطلق على القرية وعلى البلد والمراد به هنا المدينة النّبويّة ونقل ياقوتٌ أنّ البحرة من أسماء المدينة النّبويّة قوله على أن يتوّجوه فيعصّبوه بالعصابة يعني يرئّسوه عليهم ويسوّدوه وسمّي الرّئيس معصّبًا لما يعصب برأسه من الأمور أو لأنهم يعصبون رؤوسهم بعصابةٍ لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها ووقع في غير البخاريّ فيعصّبونه والتّقدير فهم يعصّبونه أو فإذا هم يعصبونه وعند بن إسحاق لقد جاءنا اللّه بك وإنّا لننظم له الخرز لنتوّجه فهذا تفسير المراد وهو أولى ممّا تقدّم قوله شرق بذلك بفتح المعجمة وكسر الرّاء أي غصّ به وهو كنايةٌ عن الحسد يقال غصّ بالطّعام وشجي بالعظم وشرق بالماء إذا اعترض شيءٌ من ذلك في الحلق فمنعه الإساغة قوله وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب هذا حديثٌ آخر أفرده بن أبي حاتمٍ في التّفسير عن الّذي قبله وإن كان الإسناد متّحدًا وقد أخرج مسلمٌ الحديث الّذي قبله مقتصرًا عليه ولم يخرّج شيئًا من هذا الحديث الآخر قوله وقال اللّه ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم إلى آخر الآية ساق في رواية أبي نعيمٍ في المستخرج من وجهٍ آخر عن أبي اليمان بالإسناد المذكور الآية وبما بعد ما ساقه المصنّف منها تتبيّن المناسبة وهو قوله تعالى فاعفوا واصفحوا قوله حتّى أذن اللّه فيهم أي في قتالهم أي فترك العفو عنهم وليس المراد أنّه تركه أصلًا بل بالنّسبة إلى ترك القتال أوّلًا ووقوعه آخرًا وإلّا فعفوه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كثيرٍ من المشركين واليهود بالمنّ والفداء وصفحه عن المنافقين مشهورٌ في الأحاديث والسّير قوله صناديد بالمهملة ثمّ نونٍ خفيفةٍ جمع صنديدٍ بكسرٍ ثمّ سكونٍ وهو الكبير في قومه قوله هذا أمرٌ قد توجّه أي ظهر وجهه قوله فبايعوا بلفظ الماضي ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر واللّه أعلم). [فتح الباري: 8/231-233]
- قال محمودُ بنُ أحمدَ بنِ موسى العَيْنِيُّ (ت: 855هـ) : (15 - (بابٌ: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا} (آل عمران: 186)

أي: هذا باب في قوله تعالى: {ولتسمعن من الّذين أوتوا الكتاب} الآية. قال الواحدي؟ عن كعب بن مالك: إن سبب نزلوها هو أن كعب بن الأشرف كان يهجو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحرض عليه كفار قريش، فلمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة وبها، أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون ومنهم اليهود أراد أن يستصلحهم، فكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الإذاء فأمر الله عز وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم، بالصبر على ذلك، وقال عكرمة: نزلت في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ بعث أبا بكر، رضي الله تعالى عنه، إلى فنحاص بن عازورا يستمده، فقال فنحاص: قد احتاج ربكم أن نمده وأول الآية. {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الّذين أوتوا الكتاب} يعني: اليهود في قولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقولهم: يد الله مغلولة، وما أشبه ذلك من افترائهم على الله. قوله: (ومن الّذين أشركوا) ، يعني: النّصارى في قولهم: المسيح ابن الله، وما أشبهه. قوله: (أذى كثيرا) ، قال الزّجاج: مقصور يكتب بالياء يقال: قد أذى فلان يأذى، إذا سمع ما يسوؤه، وقال الجوهري: أذاه يؤذيه أذاءة وأذية.

87 - (حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزّهريّ قال أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار على قطيفة فدكيّة وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر قال حتّى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلمّا غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثمّ قال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ثمّ وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي ابن سلول أيها المرء إنّه لا أحسن ممّا تقول إن كان حقًا فلا تؤذينا به في مجلسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنّا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتّى كادوا يتثاورون فلم يزل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتّى سكنوا ثمّ ركب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم دابّته فسار حتّى دخل على سعد بن عبادة فقال له النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا قال سعد بن عبادة يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه فو الّذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحقّ الّذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصبوه بالعصابة فلمّا أبى الله ذلك بالحقّ الّذي أعطاك الله شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وكان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله عز وجل {ولتسمعن من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا} الآية وقال الله {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدا من عند أنفسهم} إلى آخر الآية وكان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل العفو ما أمره الله به حتّى أذن الله فيهم فلمّا غزا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان هذا أمر قد توجه فبايعوا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام فأسلموا) مطابقته للتّرجمة ظاهرة وأبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي وشعيب بن أبي حمزة الحمصي وأخرج هذا الحديث هنا بأتم الطّرق وأكملها وأخرجه في الجهاد مختصرا جدا مقتصرا على أرداف أسامة من حديث الزّهريّ عن عروة عن أسامة وأخرجه أيضا في اللباس عن قتيبة وفي الأدب عن أبي اليمان أيضا وعن إسماعيل وفي الطّبّ عن يحيى بن بكير وفي الاستئذان عن إبراهيم بن موسى وأخرجه مسلم في المغازي والنّسائيّ في الطّبّ قوله " على قطيفة " بفتح القاف وكسر الطّاء المهملة وهي كساء غليظ قوله " فدكيّة " صفتها أي منسوبة إلى فدك بفتح الفاء والدّال وهي بلدة مشهورة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة قوله " يعود " جملة حالية قوله " في بني الحارث " أي في منازل بني الحارث وهم قوم سعد بن عبادة وفيه أحكام (جواز الأرداف) وعيادة الكبير الصّغير وعدم امتناع الكبير عن ركوب الحمير وإظهار التّواضع وجواز العيادة راكبًا وقال المهلب في هذا أنواع من التّواضع وقد ذكر ابن منده أسماء الأرداف فبلغ نيفا وثلاثين شخصا قوله " ابن سلول " برفع ابن لأنّه صفة عبد الله لا صفة أبي لأن سلول اسم أم عبد الله بن أبي وهو بالفتح لأنّه لا ينصرف قوله " وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي " أي قبل أن يظهر الإسلام وإلّا فهو لم يسلم قطّ قوله " فإذا في المجلس " كلمة إذا للمفاجأة قوله " أخلاط " بفتح الهمزة جمع خلط بالكسر وأريد به الأنواع قوله " عبدة الأوثان " بالجرّ بدل من المشركين ويجوز أن يكون عطف بيان قوله " واليهود " بالجرّ عطف على عبدة الأوثان وقال بعضهم يجوز أن يكون اليهود عطفا على البدل أو المبدل منه وهو الأظهر (قلت) الأظهر أن يكون عطفا على البدل لأن المبدل منه في حكم السّقوط قوله " والمسلمين " مكرر فلا محل له ههنا لأنّه ذكر أولا فلا فائدة لذكره ثانيًا قال الكرماني لعلّ في بعض النّسخ كان أولا وفي بعضها آخرا فجمع الكاتب بينهما والله أعلم وقال بعضهم الأولى حذف أحدهما ولم يبين أيهما أولى بالحذف فجعل الثّاني أولى على ما لا يخفى قوله " فلمّا غشيت المجلس " فعل ومفعول وعجاجة الدّابّة بالرّفع فاعله والعجاجة بفتح العين المهملة وتخفيف الجيمين الغبار قوله " خمر " بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم أي غطى قوله " فسلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم " قال صاحب التّوضيح لعلّه نوى به المسلمين فلا بأس به إذا (قلت) إذا كان في مجلس مسلمون وكفار يجوز السّلام عليهم وينوي به المسلمين قوله " ثمّ وقف فنزل " فيه جواز استمرار الوقوف اليسير على الدّابّة فإن طال نزل كفعله صلّى اللّه عليه وسلّم وقيل لبعض التّابعين أنه نهى عن الوقوف على متن الدّابّة قال أرأيت لو صيرتها سانية أما كان يجوز لي ذلك قيل له نعم قال فأي فرق بينهما أراد لا فرق بينهما قوله " لا أحسن ممّا تقول " بفتح الهمزة على وزن أفعل التّفضيل وهو اسم لا وخبرها محذوف أي لا أحسن كائن ممّا تقول قيل ويجوز رفع أحسن على أنه خبر لا والاسم محذوف أي لا شيء أحسن ممّا تقول وفي رواية الكشميهني بضم أوله وكسر السّين وضم النّون من أحسن يحسن وفي رواية أخرى ولا حسن بحذف الألف وفتح السّين وضم النّون قال بعضهم على أنّها لام القسم كأنّه قال لا حسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا (قلت) هذا غلط صريح واللّام فيه لام الابتداء دخلت على أحسن الّذي هو أفعل التّفضيل وليس للام القسم فيه مجال ولم يكتف هذا الغالط بهذا الغلط الفاحش حتّى نسبه إلى عياض وحكى ابن الجوزيّ ضم الهمزة وتشديد السّين بغير نون من الحس يعني لا أعلم شيئا قوله " إن كان حقًا " شرط وجزاؤه مقدما قوله " لا أحسن ممّا تقول " قوله " فلا تؤذينا " ويروى " فلا تؤذنا " على الأصل قوله " رحلك " أي منزلك قوله " واليهود " عطف على المشركين وإنّما اختصوا بالذكر وإن كانوا داخلين في المشركين تنبيها على زيادة شرهم قوله " كادوا يتثاورون " أي قربوا أن يتثاوروا بقتال وهو من ثار بالثاء المثلّثة يثور إذا قام بسرعة وإزعاج وعبارة ابن التّين يتبادرون قوله " يخفضهم " أي يسكنهم قوله حتّى سكنوا بالنّون من السّكون هكذا هو في رواية الأكثرين وفي رواية الكشميهني حتّى سكتوا بالتّاء المثنّاة من فوق من السّكوت قوله " ما قال أبو حباب " بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء موحدة أخرى وهي كنية عبد الله بن أبي وليست الكنية للتكرمة مطلقًا بل قد تكون للشهرة وغيرها قوله " ولقد اصطلح " بالواو ويروى بغير الواو ووجهه أن يكون بدلا أو عطف بيان وتوضيح أو تكون الواو محذوفة قوله " البحيرة " بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة مصغرة وقال عياض في غير صحيح مسلم بفتح الباء وكسر الحاء مكبرة وكلاهما بمعنى واحد يريد أهل المدينة والبحرة بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء الأرض والبلد والبحار والقرى قال بعض المفسّرين المراد بقوله (ظهر الفساد في البر والبحر) القرى والأمصار وقال الطّبريّ كل قرية لها نهر جار فالعرب تسميها بحرة وقال ياقوت بحرة على لفظ تأنيث البحر من أسماء مدينة سيدنا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وبالبحرين قرية لعبد القيس يقال لها بحرة وبحرة موضع لية من الطّائف وقال البكريّ لية بكسر أوله وتشديد الياء آخر الحروف وهي أرض من الطّائف على أميال يسيرة وهي على ليلة من قرن ولما سار رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بعد حنين إلى الطّائف سلك على نخلة اليمامة ثمّ على قرن ثمّ على المليح ثمّ على بحرة الرعاء من لية فابتنى في بحرة مسجدا وصلى فيه وقال ياقوت البحيرة تصغير بحرة يراد به كل مجمع ماء مستنقع لا اتّصال له بالبحر الأعظم غالبا ثمّ ذكر بحيرات عديدة ثمّ قال في آخرها والبحيرة كورة بمصر قرب اسكندرية قوله على أن يتوّجوه أي على أن يجعلوه ملكا وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا توجوه أي جعلوا على رأسه تاجا قوله فيعصبوه بالعصابة أي فيعمموه بعمامة الملوك ووقع في أكثر نسخ البخاريّ يعصبوه بدون الفاء ووجهه أن يكون بدلا من قوله " على أن يتوّجوه " ويروى فيعصبونه بالفاء وبالنون على تقدير فهم يعصبونه قال الكرماني أي يجعلوه رئيسا لهم ويسودوه عليهم وكان الرئيس معصبا لما يعصب برأيه من الأمر وقيل بل كان الرؤساء يعصبون رؤسهم بعصابة يعرفون بها قوله شرف بفتح الشين المعجمة وكسر الرّاء وبالقاف يعني غص لأنّه حسد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فكان سبب نفاقه يقال غص الرجل بالطّعام وشرق بالماء وشجي بالعظم إذا اعترض شيء في الحلق فمنع الإساغة قوله " بذلك " أي بما أتى به النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله " فذلك فعل به ما رأيت " أي الّذي أتى الله به من الحق فعل به ما رأيت منه من قوله وفعله القبيحين وما رأيت في محل النصب لأنّه مفعول فعل وما موصولة وصلتها محذوفة والتّقدير الّذي رأيته قوله " فعفا عنه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم " وكان العفو منه قبل أن يؤذن له في القتال كما يذكره في الحديث قوله قال الله تعالى {ولتسمعن} الآية ولتسمعن خطاب للمؤمنين خوطبوا بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصّبر عليها وقال ابن كثير يقول الله تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليا لهم عمّا ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين وأمرهم بالصبر والصفح حتّى يفرج الله تعالى عنهم قوله {فإن ذلك} أي فإن الصّبر والتّقوى قوله {من عزم الأمور} أي ممّا عزم الله أن يكون ذلك عزمة من عزمات الله لا بد لكم أن تصبروا وتتقوا قوله " حتّى أذن الله فيهم " أي في قتالهم وترك العفو عنهم وليس المراد أنه ترك العفو أصلا بل بالنّسبة إلى ترك القتال ولا ووقوعه أخيرا وإلّا فعفوه صلّى اللّه عليه وسلّم عن كثير من المشركين واليهود بالمن والفداء وصفحه عن المنافقين مشهور في الأحاديث والسير قوله " صناديد " جمع صنديد وهو السّيّد الكبير في القوم قوله " وعبدة الأوثان " من عطف الخاص على العام وفائدته الإيذان بأن إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشد قوله " قد توجه " أي ظهر وجهه قوله " فبايعوا " بصورة الجملة الماضية ويحتمل أن يكون بصيغة الأمر -). [عمدة القاري: 18/154-157]
- قال أحمدُ بنُ محمدِ بن أبي بكرٍ القَسْطَلاَّنيُّ (ت: 923هـ) : (15 - باب {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا}
هذا (باب) بالتنوين في قوله: ({ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم}) يعني اليهود ({ومن الذين أشركوا أذى كثيرًا}) [آل عمران: 186] باللسان والفعل من هجاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبره تعالى بذلك عند مقدمة المدينة قبل وقعة بدر مسليًا له عما يناله من الأذى.
- حدّثنا أبو اليمان أخبرنا شعيبٌ عن الزّهريّ، أخبرني عروة بن الزّبير، أنّ أسامة بن زيدٍ -رضي الله عنهما- أخبره أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمارٍ على قطيفةٍ فدكيّةٍ
وأردف أسامة بن زيدٍ وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدرٍ، قال: حتّى مرّ بمجلسٍ فيه عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبيٍّ فإذا في المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة، فلمّا غشيت المجلس عجاجة الدّابّة، خمّر عبد اللّه بن أبيٍّ أنفه بردائه ثمّ قال: لا تغبّروا علينا فسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ثمّ وقف فنزل فدعاهم إلى اللّه وقرأ عليهم القرآن فقال عبد اللّه بن أبيٍّ ابن سلول أيّها المرء إنّه لا أحسن ممّا تقول إن كان حقًّا فلا تؤذينا به في مجلسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى، يا رسول اللّه فاغشنا به في مجالسنا فإنّا نحبّ ذلك فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود، حتّى كادوا يتثاورون فلم يزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يخفّضهم حتّى سكنوا ثمّ ركب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دابّته فسار حتّى دخل على سعد بن عبادة فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حبابٍ -يريد عبد اللّه بن أبيٍّ- قال: كذا وكذا» قال: سعد بن عبادة: يا رسول اللّه اعف عنه واصفح عنه فوالّذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحقّ الّذي أنزل عليك لقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه فيعصّبونه بالعصابة، فلمّا أبى اللّه ذلك بالحقّ الّذي أعطاك اللّه شرق بذلك فذلك فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى قال اللّه تعالى: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} [آل عمران: 186] الآية وقال اللّه: {ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] إلى آخر الآية وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل العفو ما أمره اللّه به حتّى أذن اللّه فيهم، فلمّا غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدرًا فقتل اللّه به صناديد كفّار قريشٍ قال ابن أبيٍّ ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان هذا أمرٌ قد توجّه فبايعوا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام فأسلموا.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (أخبرني) بالإفراد ولأبي ذر: أخبرنا (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن أسامة بن زيد) اسم جده حارثة الكلبي (-رضي الله عنهما- أخبره أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار على قطيفة) بفتح القاف وكسر الطاء المهملة كساء غليظ (فدكية) بفاء فدال مهملة مفتوحتين صفتها منسوبة إلى فدك بلد مشهور على مرحلتين من المدينة (وأردف) بالواو في اليونينية وفي الفرع فأردف (أسامة بن زيد وراءه) حال كونه (يعود سعد بن عبادة) بضم العين وتخفيف الموحدة الأنصاري أحد النقباء (في) منازل (بني الحرث بن الخزرج) وهم قوم سعد (قبل وقعة بدر) ولأبي ذر عن الكشميهني وقيعة بكسر القاف بعدها تحتية ساكنة (قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله أبيٍّ) بالتنوين (ابن سلول) بألف ورفع ابن صفة لعبد الله لا صفة لأبي لأن سلول أم عبد الله غير منصرف (وذلك قبل أن يسلم) أي يظهر الإسلام (عبد الله بن أبيّ) ولم يسلم قط (فإذا في المجلس أخلاط) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة أنواع (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان) بالجر بدلًا من سابقه (واليهود والمسلمين) بذكر المسلمين أولًا وآخرًا وسقطت الأخيرة من رواية مسلم (وفي المجلس عبد الله بن رواحة) بفتح الراء والواو المخففة والحاء المهملة ابن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر أحد السابقين شهد بدرًا استشهد بمؤتة وكان ثالث الأمراء بها في جمادى الأولى سنة ثمان (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة) بفتح العين وجيمين خفيفتين أي غبارها وعجاجة رفع فاعل (خمّر) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الميم أي غطى (عبد الله بن أبي أنفه) ولأبي ذر عن الكشميهني وجهه (بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا) بالموحدة (فسلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم) ناويًا المسلمين أو قال السلام على من اتبع الهدى (ثم وقف فنزل) عن الدابة (فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال): بالفاء في اليونينية وفي الفرع وقال بالواو (عبد الله أبي) بالتنوين (ابن سلول) للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم (أيها المرء إنه لا) شيء (أحسن مما تقول) بفتح الهمزة وفتح السين والنون أفعل تفضيل وهو اسم لا وخبرها شيء المقدر ولأبي ذر عن الكشميهني لا أحسن ما تقول بضم الهمزة وكسر السين وضم النون وما بميم واحدة (إن كان حقًّا) شرط قدم جزاؤه (فلا تؤذينا به) بالياء قبل النون ولأبي ذر فلا تؤذنا بحذفها على الأصل في الجزم (في مجلسنا) بالإفراد، ولأبي ذر: في مجالسنا بالجمع (ارجع إلى رحلك) أي إلى منزلك (فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا به) بهمزة وصل وفتح الشين المعجمة (في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستبّ) بالفاء، ولأبي ذر واستبّ (المسلمون والمشركون واليهود) عطف على المشركين وإن كانوا داخلين فيهم تنبيهًا على زيادة شرهم (حتى كادوا يتثاورون) بالمثلثة أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا (فلم يزل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخفضهم) بالخاء والضاد المعجمتين يسكنهم (حتى سكنوا) بالنون من السكون، ولأبي ذر عن المستملي، وقال في الفتح عن الكشميهني: حتى سكتوا بالمثناة الفوقية من السكوت (ثم ركب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم):

(يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب) بضم الحاء المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا. قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح عنه فو) الله (الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الدي أنزل عليك) ولأبي ذر: نزل بإسقاط الهمزة وتشديد الزاي (لقد اصطلح) بدل أو عطف بيان وفي نسخة ولقد اصطلح (أهل هذه البحيرة) بضم الموحدة مصغرًا أي البليدة والمراد المدينة النبوية، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني البحرة بفتح الموحدة وسكون المهملة (على أن يتوّجوه) بتاج الملك (فيعصبونه بالعصابة) أي فيعممونه بعمامة الملوك.
وقال في الكواكب: أي يجعلونه رئيسًا لهم ويسوّدونه عليهم، وكان الرئيس معصبًا لما
يعصب برأيه من الأمر، وقيل كان الرؤساء يعصبون رؤوسهم بعصابة يعرفون بها، وفي بعض النسخ يعصبونه بغير فاء فيكون بدلًا من قوله على أن يتوّجوه والنون ثابتة في فيعصبونه ساقطة من يتوّجوه. قال في المصابيح: ففيه الجمع بين أعمال إن وإهمالها في كلام واحد كما في قوله:

أن تقرآن على أسماء ويحكما = مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
ولأبي ذر وحده: فيعصبوه بالفاء وحذف النون كذا في غير ما نسخة من المقابل على اليونينية المصححة بحضرة إمام النحاة في عصره ابن مالك مع جمع من الحفاظ والأصول المعتمدة. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ووقع في غير البخاري فيعصبونه أي بالنون والتقدير فهم يعصبونه أو فإذا هم يعصبونه ولعله لم يقف على رواية الأكثرين بالنون.
(فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق) ولأبي ذر أعطاك شرق بفتح الشين المعجمة وبعد الراء المكسورة قاف أي غص ابن أبي (بذلك) الحق الذي أعطاك الله وسقط لفظ الجلالة بعد أعطاك لدلالة الأولى (فذلك) الحق الذي أتيت به (فعل به ما رأيت) من فعله وقوله القبيح (فعفا عنه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم)، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب ما أمرهم الله ويصبرون على الأذى. قال الله تعالى: ({ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيرًا} [آل عمران: 186] الآية).
هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم في تفسيره عن السابق بسند البخاري، وقال في آخره:
وكان رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم فكل من قام بحق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى فما له دواء إلا الصبر في الله والاستعانة به والرجوع إليه (وقال الله: {ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم} [البقرة: 109] إلى آخر الآية) زاد أبو نعيم في مستخرجه من وجه آخر ما تظهر به المناسبة وهو قوله: {فاعفوا واصفحوا} [البقرة: 109] (وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل العفو) ولأبي ذر في العفو (ما أمره الله به حتى أذن الله) له (فيهم) بالقتال فترك العفو عنهم أي بالنسبة للقتال وإلا فكم عفا عن كثير من اليهود والمشركين بالمنّ والفداء وغير ذلك.
(فلما غزا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بدرًا فقتل الله به صناديد كفار قريش) بالصاد المهملة أي ساداتهم (قال ابن أبي) بالتنوين (ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان) عطفهم على المشركين من عطف الخاص على العام لأن إيمانهم كان أبعد وضلالهم أشدّ (هذا أمر قد توجه) أي ظهر وجهه (فبايعوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام فأسلموا) فبايعوا بفتح التحتية بلفظ الماضي والرسول نصب على المفعولية، ولأبي ذر والأصيلي: فبايعوا بكسرها بلفظ الأمر لرسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ولما لم يقف العيني كابن حجر على هذه الرواية قال ويحتمل أن يكون بلفظ الأمر.
وهذا الحديث أخرجه المؤلّف في الجهاد مختصرًا وفي اللباس والأدب والطبّ والاستئذان ومسلم في المغازي والنسائي في الطب). [إرشاد الساري: 7/67-69]
- قال محمدُ بنُ عبدِ الهادي السِّنْديُّ (ت: 1136هـ) : (15 ـ باب {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً}
قوله: (قطيفة): كساء غليط، وقوله: فدكية بفاء فدال مهملة مفتوحتين نسبة إلى فدك بلد على مرحلتين من المدينة.
قوله: (البحيرة): بالتصغيرة، أي: البليدة، وهي المدينة النبوية. وقوله: بالعصابة، أي بعمامة الملوك يعني: يجعلونه رئيساً لهم.
قوله: (شرق): بفتح الشين المعجمة، وبالراء المكسورة، والقاف، أي: غص ابن أبيّ.
قوله: (قد توجه) أي: ظهر وجهه.
قوله: (فبايعوا): بفتح التحتية بلفظ الماضي والرسول نصب على المفعولية. وفي رواية بلفظ الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلّم اهـ قسطلاني). [حاشية السندي على البخاري: 3/45]
قالَ أبو جعفرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) : (القول في تأويل قوله تعالى: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور}
يعني بذلك تعالى ذكره: {لتبلونّ في أموالكم} لتختبرنّ بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني: وبهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملّتكم {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: من اليهود وقولهم {إنّ اللّه فقيرٌ ونحن أغنياء} وقولهم {يد اللّه مغلولةٌ} وما أشبه ذلك من افترائهم على اللّه {ومن الّذين أشركوا} يعني النّصارى، {أذًى كثيرًا} والأذى من اليهود ما ذكرنا، ومن النّصارى قولهم: المسيح ابن اللّه، وما أشبه ذلك من كفرهم باللّه {وإن تصبروا}: وإن تصبروا لأمر اللّه الّذي أمركم به فيهم وفي غيرهم من طاعته وتتّقوا، يقول: وتتّقوا اللّه فيما أمركم ونهاكم، فتعملوا في كل ذلك بطاعته. {فإنّ ذلك من عزم الأمور} يقول: فإنّ ذلك الصّبر والتّقوى ممّا عزّم اللّه عليه وأمركم به.
وقيل: إنّ ذلك كلّه نزل في فنحاصٍ اليهوديّ سيّد بني قينقاع.
- كالّذي: حدّثنا به القاسم، قال: حدّثنا الحسين، قال: حدّثنا حجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال عكرمة في قوله: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} قال: نزلت هذه الآية في النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، وفي أبي بكرٍ رضوان اللّه عليه، وفي فنحاصٍ اليهوديّ سيّد بني قينقاعٍ، قال: بعث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أبا بكرٍ الصّدّيق رحمه اللّه إلى فنحاصٍ يستمدّه، وكتب إليه بكتابٍ، وقال لأبي بكرٍ: لا تفتاتنّ عليّ بشيءٍ حتّى ترجع فجاء أبو بكرٍ وهو متوشّحٌ بالسّيف، فأعطاه الكتاب، فلمّا قرأه قال: قد احتاج ربّكم أن نمدّه، فهمّ أبو بكرٍ أن يضربه بالسّيف، ثمّ ذكر قول النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: لا تفتاتنّ عليّ بشيءٍ حتّى ترجع فكفّ؛ ونزلت: {ولا يحسبنّ الّذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله هو خيرًا لهم بل هو شرٌّ لهم} وما بين الآيتين إلى قوله: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم} نزلت هذه الآيات في بني قينقاعٍ، إلى قوله: {فإن كذّبوك فقد كذّب رسلٌ من قبلك} قال ابن جريجٍ: يعزّي نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم، قال: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم} قال: أعلم اللّه المؤمنين أنّه سيبتليهم فينظر كيف صبرهم على دينهم، ثمّ قال: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني: اليهود والنّصارى، {ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزيرٌ ابن اللّه، ومن النّصارى: المسيح ابن اللّه، فكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم، فقال اللّه: {وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور} يقول: من القوّة ممّا عزّم اللّه عليه وأمركم به
وقال آخرون: بل نزلت في كعب بن الأشرف، وذلك أنّه كان يهجو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويتشبّب بنساء المسلمين.
ذكر من قال ذلك:
- حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرّزّاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزّهريّ، في قوله: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في شعره، ويهجو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، واصحابه فانطلق إليه خمسة نفرٍ من الأنصار فيهم محمّد بن مسلمة، ورجلٌ يقال له أبو عبسٍ، فأتوه وهو في مجلس قومه بالعوالي فلمّا رآهم ذعر منهم، فأنكر شأنهم، وقالوا: جئناك لحاجةٍ، قال: فليدن إليّ بعضكم، فليحدّثني بحاجته فجاءه رجلٌ منهم فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا عندنا لنستنفق بها، فقال: واللّه لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرّجل فواعدوه أن يأتوه عشاءً حين بهدأ عنهم النّاس، فأتوه، فنادوه، فقالت امرأته: ما طرقك هؤلاء ساعتهم هذه لشيءٍ ممّا تحبّ، قال: إنّهم حدّثوني بحديثهم وشأنهم.قال معمرٌ: فأخبرني أيّوب عن عكرمة أنّه أشرف عليهم فكلّمهم، فقال: أترهنوني أبناءكم؟ وأرادوا أن يبيعهم تمرًا قال: فقالوا إنّا نستحيي أن تعيّر أبناؤنا فيقال هذا رهينة وسقٍ، وهذا رهينة وسقين، فقال: أترهنوني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل النّاس، ولا نأمنك، وأيّ امرأةٍ تمتنع منك لجمالك؟ ولكنّا نرهنك سلاحنا، فقد علمت حاجتنا إلى السّلاح اليوم، فقال: ائتوني بسلاحكم، واحتملوا ما شئتم قالوا: فانزل إلينا نأخذ عليك، وتأخذ علينا، فذهب ينزل، فتعلّقت به امرأته وقالت: أرسل إلى أمثالهم من قومك يكونوا معك، قال: لو وجدني هؤلاء نائمًا ما أيقظوني قالت: فكلّمهم من فوق البيت، فأبى عليها، فنزل إليهم يفوح ريحه، قالوا: ما هذه الرّيح يا فلان؟ قال: هذا عطر أمّ فلانٍ امرأته فدنا إليه بعضهم يشمّ رسه رائحته، ثمّ اعتنقه، ثمّ قال: اقتلوا عدوّ اللّه، فطعنه أبو عبسٍ في خاصرته، وعلاه محمّد بن مسلمة بالسّيف، فقتلوه، ثمّ رجعوا. فأصبحت اليهود مذعورين، فجاءوا إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فقالوا: قتل سيّدنا غيلةً، فذكّرهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صنيعه، وما كان يحضّ عليهم، ويحرّض في قتالهم، ويؤذيهم، ثمّ دعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم صلحًا، فقال: فكان ذلك الكتاب مع عليٍّ رضوان اللّه عليه). [جامع البيان: 6/290-293]
قال ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد ابن إدريس الرازي (ت: 327هـ): (لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور (186)
قوله تعالى: لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ قال: سألت الحسن عن قوله: لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم قال:
نبتلى- واللّه- في أموالنا وأنفسنا.
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريجٍ لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم قال: يعلم المؤمنين أن سيبتليهم فينظر كيف صبرهم على دينهم؟
قوله تعالى: ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب إلى قوله: كثيراً
- حدّثنا أبو زرعة ثنا عبد الرّحمن بن صالحٍ، ومحمّد بن عبد اللّه بن نميرٍ قالا: ثنا يونس يعنيان ابن بكيرٍ، ثنا ابن إسحاق، حدّثني محمّد بن أبي محمّدٍ، عن عكرمة أنّه حدّثه، عن ابن عبّاسٍ قال: نزل في أبي بكرٍ وما بلغه في ذلك من الغضب: ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيراً.
- حدّثنا أبي، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزّهريّ، أخبرنا عروة بن الزّبير أنّ أسامة بن زيدٍ أخبره قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى قال اللّه تعالى ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل في العفو ما أمره اللّه به حتّى أذن اللّه فيهم.
- حدّثنا الحسن بن أبي الرّبيع، ثنا عبد الرّزّاق ، أنبأ معمرٌ، عن الزّهريّ قوله: ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيراً قال: هو كعب بن الأشرف، وكان يحرّض المشركين على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه في شعره، ويهجو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه.
قوله تعالى: وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور
- حدّثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكمٍ، ثنا أبو بكرٍ الحنفيّ، ثنا عبّاد بن منصورٍ، عن الحسن قوله: وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور قال: أمر اللّه المؤمنين أن يصبروا على ما أذاهم، فقال: أذاهم: زعم أنّهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمّدٍ لستم على شيءٍ، نحن أولى باللّه منكم، أنتم ضلالٌ.
فأمروا أن يمضوا ويصبروا.
- أخبرنا عليّ بن المبارك فيما كتب إليّ، ثنا زيد بن المبارك، ثنا ابن ثورٍ، عن ابن جريجٍ ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرا يعني: اليهود والنّصارى، فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزيرٌ ابن اللّه، والنّصارى قولهم: المسيح ابن اللّه، وكان المسلمون ينصبون لهم الحرب، ويسمعون إشراكهم باللّه.
- حدّثنا أبو زرعة، ثنا يحيى بن عبد اللّه بن بكيرٍ، ثنا ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينارٍ، عن سعيد بن جبيرٍ في قول اللّه: فإن ذلك يعني: هذا الصّبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر من عزم الأمور يعني: في حقّ الأمور الّتي أمر اللّه). [تفسير القرآن العظيم: 2/833-835]
قالَ جَلاَلُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ السُّيُوطِيُّ (ت: 911 هـ) : (الآية 186
أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله {لتبلون} الآية قال: أعلم الله المؤمنين أنه سيبتليهم فينظر كيف صبرهم على دينهم
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الزهري في قوله {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} قال: هو كعب بن الأشرف وكان يحرض المشركين على النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويهجو النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج ابن المنذر من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، مثله.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن جريج {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى فكان المسلمون يسمعون من اليهود قولهم: عزير ابن الله، ومن النصارى قولهم: المسيح ابن الله، وكان المسلمون ينصبون لهم الحرب ويسمعون إشراكهم بالله {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} قال: من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وإن تصبروا وتتقوا} الآية، قال: أمر الله المؤمنين أن يصبروا على من آذاهم رغم أنهم كانوا يقولون: يا أصحاب محمد لستم على شيء نحن أولى منكم أنتم ضلال، فأمروا أن يمضوا ويصبروا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {إن ذلك من عزم الأمور} يعني هذا الصبر على الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {من عزم الأمور} يعني من حق الأمور التي أمر الله تعالى). [الدر المنثور: 4/166-168]


رد مع اقتباس
  #3  
قديم 8 جمادى الآخرة 1434هـ/18-04-2013م, 07:16 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي
تفسير قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)}
قالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى التَّيْمِيُّ (ت:210هـ): ( {كلّ نفسٍ ذائقة الموت}، أي: ميّتة، قال:
الموت كأسٌ والمرء ذائقها
في هذا الموضع شاربها). [مجاز القرآن: 1/110-111]
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({زحزح عن النّار} أي: نحّي عنها وأبعد). [تفسير غريب القرآن: 116]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {كلّ نفس ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلّا متاع الغرور}
{وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة}
ولا يجوز "أجوركم" على رفع الأجور وجعل ما في معنى الذي، لأن يوم القيامة يصير من صلة {توفون}، وتوفون من صلة (ما) فلا يأتي (ما) في الصلة بعد {أجوركم} و {أجوركم} خبر.
وقوله عزّ وجلّ ": {فمن زحزح عن النّار}أي: نحّي وأزيل {فقد فاز} يقال لكل من نجا من هلكة وكل من لقي ما يغبط به: قد فاز، وتأويله تباعد من المكروه ولقي ما يحب.
ومعنى قول الناس مفازة إنما هي من مهلكة، ولكنهم تفاءلوا بأن سموا المهلكة مفازة.

والمفازة المنجاة، كما تفاءلوا بأن سمّوا اللديغ السليم، وكما سمّوا الأعمى بالبصير). [معاني القرآن: 1/495]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (ثم قال تعالى: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة}
وهذا تمثيل، والمعنى: كل نفس كل نفس ميتة وأنشد أهل اللغة:
من لم يمت عبطه يمتهرما = للموت كاس فالمرء ذائقها
ثم قال جل وعز: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز}
زحرح: نحي وفاز إذا نجا واغتبط بما هو فيه فأما قولهم مفازة فإنما هو على التفاؤل كما يقال للأعمى بصير وقد قيل إن مفازة من قوله فوز الرجل إذا مات وهذا القول ليس بشيء لأن قولهم فوز الرجل إنما هو على التفاؤل أيضا). [معاني القرآن: 1/518-519]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( {فمن زحزح عن النار} أي: فمن نجي. {فقد فاز} أي: فقد نجا، والفوز العظيم: النجاء الكثير). [ياقوتة الصراط: 194]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( ({الغرور}: الدنيا، والغرور، الشيطان). [ياقوتة الصراط: 194]
قَالَ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ القَيْسِيُّ (ت:437هـ): ({زُحْزِحَ} نُحِيِ). [تفسير المشكل من غريب القرآن: 55]

تفسير قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)}
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت:276هـ): ({لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم} أي: لتختبرنّ، ويقال: لتصابنّ. والمعنيان متقاربان). [تفسير غريب القرآن: 117]
قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ (ت:311هـ): (وقوله عزّ وجلّ: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور} معناه: لتختبرن، أي: تقع عليكم المحن، فيعلم المؤمن من غيره، وهذه النون دخلت مؤكدة مع لام القسم وضمّت الواو لسكونها وسكون النون. ويقال للواحد من المذكرين: لتبلين يا رجل، وللاثنين لتبليان يا رجلان، ولجماعة الرجال: لتبلونّ.
وتفتح الياء من لتبلين في قول سيبويه لسكونها وسكون النون.
وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها كما يبنى ما قبل هاء التأنيث، ويقال للمرأة تبلين يا امرأة، وللمرأتين لتبليان يا امرأتان ولجماعة النساء لتبلينانّ يا نسوة، زيدت الألف لاجتماع النونات.
وقوله عزّ وجلّ: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا}
روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - سمع رجلا من اليهود يقول: " إن الله فقير ونحن أغنياء " فلطمه أبو بكر - رضي الله عنه - فشكا اليهودي ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله النبي: ((ما أراد بلطمك؟))، فقال أبو بكر: سمعت منه كلمة ما ملكت نفسي معها أن لطمته، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذى كثيرا}
وأذى: مقصور يكتب بالياء يقال قد أذي فلان يأذى أذى. إذا سمع ما يسوءه). [معاني القرآن: 1/495-496]
قَالَ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ النحَّاسُ (ت:338هـ): (وقوله عز وجل: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم}
قيل معناه: لتختبران.
وقيل معناه: لتصابن.

والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد
ثم قال تعالى: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلهم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا} روي أن أبا بكر رحمة الله عليه سمع رجلا من اليهود يقول أو هو فقير يستقرض فلطمه فشكاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى}
وأذى: مصور أذي يأذى إذا تأوى). [معاني القرآن: 1/519-520]
قَالَ غُلاَمُ ثَعْلَبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ (ت:345هـ): ( {لتبلون}أي: لتختبرن). [ياقوتة الصراط: 194]

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 9 جمادى الآخرة 1434هـ/19-04-2013م, 09:33 PM
الصورة الرمزية إشراق المطيري
إشراق المطيري إشراق المطيري غير متواجد حالياً
فريق الإشراف
 
تاريخ التسجيل: Jun 2010
المشاركات: 885
افتراضي

التفسير اللغوي المجموع
[ما استخلص من كتب علماء اللغة مما له صلة بهذا الدرس]

تفسير قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (وتقول: عندي ثلاثة أنفس، وإن شئت قلت: ثلاث أنفسٍ. أما التذكير فإذا عنيت بالنفس المذكر. وعلى هذا تقول: عندي نفس واحد، وإن أردت لفظها قلت: عندي ثلاث أنفسٍ؛ لأنها على اللفظ تصغر نفيسة. وعلى هذا قوله عز وجل: {يا أيتها النفس المطمئنة} وقال عز وجل: {أن تقول نفسٌ يا حسرتا على ما فرطت}، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلى قد جاءتك آياتي فكذبتِ بها واستكبرتِ وكنتِ) على مخاطبة النفس، وقال: {كل نفسٍ ذائقة الموت} ). [المقتضب: 2/184-185] (م)


تفسير قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (فأما ظلموا واقدا، فلا يلزم الخليل؛ لأن الواو قبلها ضمة، وهي بمنزلة الألف في ظلما؛ لأنها تحل من الجمع محل الألف من التثنية فيضارع سوير من ساير.
فإن قال قائل: فأنت تطرح عليها حركة الهمزة إذا خففت، فتقول: ظلموا أخاك. فإن كان حرف لين فلا ينبغي أن تحوّل عليها الحركة؛ كما لا تحوّلها في النبيء، وخطيئة، وبريئة.
قيل: هذا لا يلزم؛ لأنها حرف لين في اللفظ، ودخلت لمعنى، فليست كما لا تدخل إلا للمد؛ نحو ياءٍ فَعِيل، وواو فَعُول.
ألا ترى أن هذه إذا كانت قبلها فتحة حرّكت لالتقاء الساكنين؛ نحو: اخشوا الرجل و{لتبلون في أموالكم} ). [المقتضب: 1/358-359]
قالَ المبرِّدُ محمَّدُ بنُ يزيدَ الثُّمَالِيُّ (ت: 285هـ): (قوله: "النؤوب "يريد الذي ينوبه، وكل واو قراح لغير علةٍ فأنت فيهمزها وتركها بالخيار، تقول في جمع دارٍ: أدؤر وإن شئت لم تهمز، وكذلك النؤوب، والقؤول لانضمام الواو، فأما الواو الثانية فإنها ساكنة قبلها ضمة، وهي مدة فلا يعتد بها، ولو التقت واوان في أول كلمةٍ وليست إحداهما مدة لم يكن بد من همز الأولى، تقول في تصغير واصل وواقدٍ: أويصل وأويقد، لا بد من ذلك، فأما وجوه فأما وجوهٌ فإن شئت همزت فقلت: أجوه وإن شئت لم تهمز، قال الله عز وجل: {وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ} المرسلات والأصل وقتت، ولو كان في غير القرآن لجاز إظهار الواو إن شئت. وقوله عز وجل: {مَا وُورِيَ عَنْهُمَا} الأعراف الواو الثانية مدة فلا يعتد بها، ولو كان في غير القرآن لجاز الهمز لانضمام الواو.
وقولي: "إذا انضممت لغير علة"، فالعلة أن تكون ضمتها إعرابًا، نحو هذا غزوٌ يا فتى، ودلو كما ترى، مما لا يجوز همزه، لأن الضمة للإعراب فليست بلازمة، أو تنضم لالتقاء الساكنين، فذلك أيضًا غير لازم، فلا يجوز همزه: نحو اخشوا الرجل: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ} ومن همز من هذا شيئًا فقد أخطأ). [الكامل: 1/81-82] (م)

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:13 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثالث الهجري

....

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:13 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الرابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الخامس الهجري

....

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السادس الهجري

تفسير قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلاّ متاع الغرور (185)
والمعنى: كل نفس مخلوقة حية، والذوق هنا: استعارة وإنّما حاصرة على التوفية التي هي على الكمال، لأن من قضي له بالجنة فهو ما لم يدخلها غير موفى، وخص تعالى ذكر «الأجور» لشرفها وإشارة مغفرته لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، ولا محالة أن المعنى: أن يوم القيامة تقع توفية الأجور وتوفية العقاب، وزحزح معناه: أبعد، والمكان الزحزح: البعيد، وفاز معناه: نجا من خطره وخوفه، والغرور، الخدع والترجية بالباطل، والحياة الدنيا وكل ما فيها من الأموال فهي متاع قليل تخدع المرء وتمنيه الأباطيل وعلى هذا فسر الآية جمهور من المفسرين، قال عبد الرحمن بن سابط: متاع الغرور كزاد الراعي يزود الكف من التمر أو الشيء من الدقيق يشرب عليه اللبن، قال الطبري: ذهب إلى أن متاع الدنيا قليل لا يكفي من تمتع به ولا يبلغه سفره.
قال القاضي: والغرور في هذا المعنى مستعمل في كلام العرب، ومنه قولهم في المثل: غش ولا تغتر، أي لا تجتز بما لا يكفيك، وقال عكرمة: متاع الغرور، القوارير أي لا بد لها من الانكسار والفساد، فكذلك أمر الحياة الدنيا كله، وهذا تشبيه من عكرمة، وقرأ عبد الله بن عمر «الغرور» بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة والأعمش: ذائقة بالتنوين الموت بالنصب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ثم تلا هذه الآية). [المحرر الوجيز: 2/436-437]

تفسير قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }
قالَ عَبْدُ الحَقِّ بنُ غَالِبِ بنِ عَطِيَّةَ الأَنْدَلُسِيُّ (ت:546هـ) : (قوله تعالى: لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور (186) وإذ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون (187)
هذا الخطاب للنبي عليه السلام وأمته، والمعنى: لتختبرن ولتمتحنن في أموالكم بالمصائب والأرزاء، وبالإنفاق في سبيل الله، وفي سائر تكاليف الشرع، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض، وفقد الأحبة بالموت، واختلف المفسرون في سبب قوله تعالى: ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم فقال عكرمة وغيره: السبب في ذلك قول فنحاص: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقوله: يد الله مغلولة
إلى غير ذلك، وقال الزهري وغيره: نزلت هذه الآية بسبب كعب بن الأشرف، فإنه كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه ويشبب بنساء المسلمين، حتى بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتله القتلة المشهورة في السيرة، و «الأذى»: اسم جامع في معنى الضرر وهو هنا يشمل أقوالهم فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من سبهم وأقوالهم في جهة الله تعالى وأنبيائه، وندب الله تعالى عباده إلى الصبر والتقوى، وأخبر أنه من عزم الأمور، أي من أشدها وأحسنها، و «العزم»: إمضاء الأمر المروي المنقح، وليس ركوب الأمر دون روية عزما إلا على مقطع المشيخين من فتاك العرب كما قال:
إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه = ونكّب عن ذكر الحوادث جانبا
وقال النقاش: العزم والحزم بمعنى واحد، الحاء مبدلة من العين.
قال القاضي: وهذا خطأ، والحزم: جودة النظر في الأمور وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، و «العزم»:
قصد الإمضاء، والله تعالى يقول: وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت [آل عمران: 159] فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم، والعرب تقول: قد أحزم لو أعزم). [المحرر الوجيز: 2/438-439]

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن السابع الهجري

....

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13 جمادى الآخرة 1435هـ/13-04-2014م, 03:14 PM
محمد أبو زيد محمد أبو زيد غير متواجد حالياً
إدارة الجمهرة
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
المشاركات: 25,358
افتراضي

تفاسير القرن الثامن الهجري

تفسير قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : ( {كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور (185) لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور (186)}
يخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعمّ جميع الخليقة بأنّ كلّ نفسٍ ذائقة الموت، كقوله: {كلّ من عليها فانٍ. ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام} فهو تعالى وحده هو الحيّ الّذي لا يموت والإنس والجنّ يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهّار بالدّيمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أوّلًا.
وهذه الآية فيها تعزيةٌ لجميع النّاس، فإنّه لا يبقى أحدٌ على وجه الأرض حتّى يموت، فإذا انقضت المدّة وفرغت النّطفة الّتي قدّر اللّه وجودها من صلب آدم وانتهت البريّة -أقام اللّه القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرّةٍ؛ ولهذا قال: {وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة}
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا عبد العزيز الأويسيّ، حدّثنا عليّ بن أبي عليٍّ اللّهبيّ عن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ بن أبي طالبٍ، رضي اللّه عنه، قال: لمّا توفي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجاءت التّعزية، جاءهم آتٍ يسمعون حسّه ولا يرون شخصه فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته {كلّ نفسٍ ذائقة الموت وإنّما توفّون أجوركم يوم القيامة} إن في اللّه عزاءً من كلّ مصيبة، وخلفًا من كلّ هالكٍ، ودركًا من كلّ فائتٍ، فباللّه فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. قال جعفر بن محمّدٍ: فأخبرني أبي أنّ عليّ بن أبي طالبٍ قال: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر، عليه السّلام.
وقوله: {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز} أي: من جنّب النّار ونجا منها وأدخل الجنّة، فقد فاز كلّ الفوز.
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا محمّد بن عبد اللّه الأنصاريّ، حدّثنا محمّد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [رضي اللّه عنه] قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "موضع سوطٍ في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئم: {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز}.
هذا حديثٌ ثابتٌ في الصّحيحين من غير هذا الوجه بدون هذه الزّيادة، وقد رواه بدون هذه الزّيادة أبو حاتمٍ، وابن حبّان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث محمّد بن عمرٍو هذا. ورواه ابن مردويه [أيضًا] من وجهٍ آخر فقال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمّد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن عليٍّ، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "لموضع سوط أحدكم في الجنّة خيرٌ من الدّنيا وما فيها". قال: ثمّ تلا هذه الآية: {فمن زحزح عن النّار وأدخل الجنّة فقد فاز}
وتقدّم عند قوله تعالى: {ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون} ما رواه الإمام أحمد، عن وكيع عن الأعمش، عن زيد بن وهبٍ، عن عبد الرّحمن بن عبد ربّ الكعبة، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: "من أحبّ أن يزحزح عن النّار وأن يدخل الجنّة، فلتدركه منيّته وهو يؤمن باللّه واليوم الآخر، وليأت إلى النّاس ما يحبّ أن يؤتى إليه".
وقوله: {وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور} تصغيرًا لشأن الدّنيا، وتحقيرًا لأمرها، وأنها دنيئةٌ فانيةٌ قليلةٌ زائلةٌ، كما قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدّنيا. والآخرة خيرٌ وأبقى} [الأعلى:16، 17] [وقال تعالى: {وما الحياة الدّنيا في الآخرة إلا متاعٌ} [الرّعد:26] وقال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند اللّه باقٍ]} [النّحل:96]. وقال تعالى: {وما أوتيتم من شيءٍ فمتاع الحياة الدّنيا وزينتها وما عند اللّه خيرٌ وأبقى} [القصص:60] وفي الحديث: "والله ما الدّنيا في الآخرة إلّا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم ترجع إليه؟ ".
وقال قتادة في قوله: {وما الحياة الدّنيا إلا متاع الغرور} هي متاعٌ، هي متاعٌ، متروكةٌ، أوشكت -واللّه الّذي لا إله إلّا هو-أن تضمحلّ عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة اللّه إن استطعتم، ولا قوّة إلّا باللّه). [تفسير القرآن العظيم: 2/177-179]

تفسير قوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) }
قالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ القُرَشِيُّ (ت: 774 هـ) : (وقوله: {لتبلونّ في أموالكم وأنفسكم} كقوله {ولنبلونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثّمرات [وبشّر الصّابرين الّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنّا للّه وإنّا إليه راجعون]} [البقرة:155، 156] أي: لا بدّ أن يبتلى المؤمن في شيءٍ من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، إن كان في دينه صلابةٌ زيد في البلاء {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدرٍ، مسلّيًا لهم عمّا نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصّبر والصّفح والعفو حتّى يفرّج اللّه، فقال: {وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور}
قال ابن أبي حاتمٍ: حدّثنا أبي، حدّثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزّهريّ، أخبرني عروة بن الزّبير: أنّ أسامة بن زيدٍ أخبره قال: كان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى، قال اللّه: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا} قال: وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل في العفو ما أمره اللّه به، حتّى أذن اللّه فيهم.
هكذا رواه مختصرًا، وقد ذكره البخاريّ عند تفسير هذه الآية مطوّلًا فقال: حدّثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيبٌ، عن الزّهريّ أخبرني عروة بن الزّبير؛ أنّ أسامة بن زيدٍ أخبره أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ركب على حمار، عليه قطيفةٌ فدكيّة وأردف أسامة بن زيدٍ وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، قبل وقعة بدر، قال: حتّى مرّ بمجلسٍ فيه عبد اللّه بن أبيٍّ بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللّه بن أبيٍّ، فإذا في المجلس أخلاطٌ من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد اللّه بن رواحة، فلمّا غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر عبد اللّه بن أبيٍّ أنفه بردائه وقال: "لا تغبروا علينا. فسلّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ وقف، فنزل فدعاهم إلى اللّه عزّ وجل، وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد اللّه بن أبي: أيّها المرء، إنّه لا أحسن ممّا تقول، إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه. فقال عبد اللّه بن رواحة: بلى يا رسول اللّه، فاغشنا به في مجالسنا فإنّا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتّى كادوا يتثاورون فلم يزل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يخفضهم حتّى سكتوا، ثمّ ركب النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم دابته، فسار حتّى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب -يريد عبد اللّه بن أبيٍّ-قال كذا وكذا". فقال سعدٌ: يا رسول اللّه، اعف عنه واصفح فوالله الّذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء اللّه بالحقّ الّذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوّجوه ويعصّبوه بالعصابة، فلمّا أبى اللّه ذلك بالحقّ الّذي أعطاك اللّه شرق بذلك، فذلك الّذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم اللّه، ويصبرون على الأذى، قال اللّه تعالى: {ولتسمعنّ من الّذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الّذين أشركوا أذًى كثيرًا [وإن تصبروا وتتّقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور]} وقال تعالى: {ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفّارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ فاعفوا واصفحوا حتّى يأتي اللّه بأمره} الآية [البقرة:109]، وكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يتأوّل في العفو ما أمره اللّه به، حتّى أذن اللّه فيهم، فلمّا غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بدرًا، فقتل اللّه به صناديد كفّار قريشٍ، قال عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجّه، فبايعوا الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام وأسلموا .
فكان من قام بحقٍّ، أو أمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكرٍ، فلا بدّ أن يؤذى، فما له دواءٌ إلّا الصّبر في اللّه، والاستعانة باللّه، والرّجوع إلى اللّه، عزّ وجل). [تفسير القرآن العظيم: 2/179-180]

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:30 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة